إشـــــكاليات
الحداثة الشعرية
الــمعـاصرة
قراءة
نقدية على
كتاب الدكتور
هايل محمد
الطالب
[قراءة
النص الشعري
لغة وتشكيلاً-
نزار قباني
نموذجاً تطبيقياً]
وهي
قراءة ليست
بالمعنى الحرفي
للنقد بقدر
ما هي استعراض.
نحن نعلم أن
نقد كتابٍ
أي كتابٍ هو
أصعب من تـأليفه،
إذا كان هذا
النقد حراً
نزيهاً حيادياً
موضوعياً
يكون القصد
منه الوقوف
على حقيقة
الكتاب، فالنقد
عناء ومشقة
وبذل مجهود
فكري فائق
واطلاع واسع
ودقيق وعميق
على ما يحيط
موضوع النقد
من إشكاليات.
من داخله بالاطلاع
والإحاطة
والشمولية
والفحص والتدقيق...
ومن خارجه
بالاطلاع
على كل الجوانب
التي ساهمت
في تشكيل موضوع
النقد فكراً
وعقيدة وثقافة
وأدباً وفناً...
ويزاد
النقد عناء
تبعاً لقيمة
موضوع النقد.
فالكتاب أو
القصيدة أو
المقال... الذي
يهتم به ناقد
واحد غير الكتاب
الذي يستقطب
مجموعة من
النقاد. والجهد
الذي يبذله
ناقدٌ لكتابٍ
استقصاءً
واستيعاباً
وتدقيقاً
واستعراضاً
[الإحاطة بكافة
جوانبه] إذا
مـاقورن بالمجهود
الذي بذله
مؤلف الكتاب
يعد ذاك الجهد
أضعاف ما بذله
هذا المؤلف.
فشاعر مثل
أبي الطيب
المتنبي اعترف
بأنه ينام
ملء جفونه.
فهو قد نظم
قصيدة قد لايستغرق
نظمها منه
سوى ساعة أو
ساعات، بينما
الآخرون الذين
يسهرون جراها
ويختصمون
قد يستغرقون
في ذلك أسابيع
وشهوراً وسنيناً
وقد يكون الدهر
كله.
فالناقد
من حيث السلم
التراتيبي
يمثل القمة
في الأعمال
الأدبية أو
الشعرية وحتى
الفكرية والثقافية
والفنية؛
لأن الناقد
من حيث هو ناقد
هو أديب في
مجال الأدب،
وشاعر في مجال
الشعر، ومفكر
ومثقف في مجال
الثقافة... وهذا
مايعطيه ميزة
زائدة عن هؤلاء
جعلته يتربع
على القمة.
ولهذا
فأنا أتهيب
من دخولي هذا
إلى كتاب الدكتور
هايل الطالب
كناقد محترف.
والسبب هو
لناحيتين
وهما أنني
سأسهر طويلاً.
وهذا ما لا
أطيقه، والثانية
هي أنني أمام
عمل ينوء بحمله
ناقد واحد،
فلهذا فأنا
أعترف أنني
في موقع المستعرض
لا الناقد
إلا في حدود
ضيقة. وعلى
ذلك أباشر.
الكتاب
يتألف من (392)
صفحة بما فيه
المصادر والمراجع
والفهرس. ويضم
مقدمة ومدخل
وبابين. ففي
المقدمة يرى
أن الدراسات
اللغوية المعاصرة
في الساحة
العربية ركزت
جل اهتمامها
على دراسة
اللغة في عصورها
الأولى دراسة
معيارية. وقد
أغفلت الاهتمام
باللغة العربية
المعاصرة
التي نتكلمها
الآن، ونعتمدها
في خطاباتنا
الأدبية والعلمية
وبالتالي
[ فهو يقرُّ
بحقيقةٍ مفادها
أن توجه اللغويين
المعاصرين
نحو دراسة
اللغة المعاصرة
ما زال خجولاً]
وعلى هذا فإن
دراسته هذه
[تهدف إلى الإسهام
في تغطية جانب
بسيط من ذلك
القصور... منطلقة
[أي الدراسة]
من حقيقة أن
اللغة مادة
متطورة متجددة.
وهذا ما يفرضه
قانون الحياة،
ومعتمدة على
أسس لسانية
أفرزتها اللسانيات
الحديثة وأهمها
التمييز بين
اللغة والكلام
وفق الفهم
السوسوري.
فاللغة هي
ناظم أو مجموعة
من القواعد
والمعايير
المستقرة
بصورة تجريدية
في ذهن الجماعة
اللغوية التي
تسير عليها.
والكلام هو
سلوك فردي.
وخلص إلى أن
الدال سواء
في المعجم
أم في النص
لا يشير إلى
دلالة واحدة،
أو مدلول واحد
ثابت، بل إلى
سلسلة لا نهائية
من الدلالات.
وبناء على
ذلك فإن دلالة
الكلمات في
المعجم ماهي
إلا نقطة انطلاق
لسلسلة بحث
لانهائي من
الدلالة التي
تتعدد وتختلف
باختلاف الأسيقة
والنصوص] وقال:
تعد دراستنا
بهذا التصور
– فيما نعلم-
أول دراسة
لسانية تطبيقية
تدرس نصاً
كاملاً، وتربط
بين توصيف
المادة اللغوية
لهذا النص
[لغة النص] وبين
دلالة النص
[التشكيلات
الدلالية]
مع اعترافه
بأنه استفاد
من طروحات
دارسين كـثر
وعدد بعضاً
منهم. ويمكن
الرجوع كذلك
إلى قائمة
المصادر والمراجع
لـيقف الـقارئ
على عـدد الكتب
التي استعان
بها لإخـراج
كـتابه هذا
إلى الـوجود.
وأما
المدخل فقد
حدد موقفه
من الاصطلاحات
التي وردت
في البحث. توضح
فهمه لمصطلحات
[التشكيل –
النص- التحليل
الدلالي- المقولة
الدلالية-
الانزياح].
وأما الباب
الأول فقد
اشتمل على
خمسة فصول:
الفصل الأول
القضايا الأساسية
التي أفرزها
المعجم اللغوي
النزاري،
والفصل الثاني
درس فيه السمات
العامة للمعجم
النزاري،
والفصل الثالث
توقف عند التكرار
وأنواعه في
ذلك المعجم،
والفصل الرابع
درس فيه اللون
في المعجم
النزاري،
والفصل الخامس
توقف فيه عند
الحقول الدلالية،
وأما الباب
الثاني فقد
درس فيه التشكيلات
الدلالية
في النص النزاري.
وقد قسم هذا
الباب إلى
أربعة فصول.
درس في الفصل
الأول التشكيلات
الدلالية
لمقولة الوطن،
وفي الفصل
الثاني التشكيلات
لمقولة القمع،
وفي الفصل
الثالث التشكيلات
الدلالية
لمقولتي الموت
والحياة،
وفي الفصل
الرابع التشكيلات
الدلالية
لمقولتي الحزن
والـفرح.
ثم ختم
البحث بخاتمة
توجز أهم النتائج
التي توصل
إليها.
ففي
المقدمة يضعنا
الدكتور هايل
الطالب أمام
منهجه في هذا
الكتاب، وهو
رفد دراسات
من سبقوه برافد
يعد أول دراسة
لسانية تطبيقية
تدرس نصاً
كاملاً معتمداً
على أسس لسانية
أفرزتها اللسانيات
الحديثة وطبعاً
هي اللسانيات
الغربية التي
جعلها مرتكزاً
في فهم النص
النزاري وتأويله
وقراءته قراءة
معاصرة. وخص
ذاك الاعتماد
بالفهم السوسوري
في التفرقة
بين اللغة
والكلام. وهي
تفرقة بهرت
الكثيرين
من الذين يهتمون
باللغة والأدب
في الساحة
العربية. وهي
بالحقيقة
تفرقة اعتبارية
شكلية لاتدخل
في صميم الجوهر،
وإسقاطها
على نص نزاري
ليس بذي بال
وأهمية، سيما
وأن هذه الرؤيا
[وليست نظرية]
عليها مآخذ
وانتقادات
بالتالي نحكم
باحتماليتها
وليس حقيقتها.
والاحتمال
كما هو معروف
لا تبنى عليه
حقائق أو دراسات
ذات عمق وإتقان
ورصانة. تماماً
لحكمنا على
كل قضايا الفكر
بالاحتمال
[واللغة احتمالية].
ومع أن اللغة
في نشأتها
كانت ذات طابع
اعتباطي إلا
أنها أخذت
حسب مسيرتها
نوعاً من النظام
ولكنها بالتأكيد
لا تنضبط انضباط
الفكر الرياضي.
هذا من ناحية
ومن ناحية
أخرى [وأنا
أجزم] هو أن
الفهم السوسوري
للغة والكلام
هو فهم خاص
متخيل. وألا
فاللغة أبعد
من أن يحيط
بها فكر على
وجه الشمول.
فاللغة شموس
[بفتح الشين]
لا تنقاد إلى
قضايا الفكر
والتأمل إلا
بحدود ضيقة.
وهذا غير كاف
للوقوف على
حقيقتها. وأما
ما وراء ذلك
فهو ضرب من
التخمين. والدليل
على ذلك تضارب
الآراء حولها.
والذي لم أقف
عليه هو: ما
هو السلوك
الفردي؟ ولكن
الذي أؤكد
عليه أن اللسانيين
الغربيين
ما أتوا بجـديد
يرقى إلى درجة
الإبـداع
إذ كل مـا عندهم
نجده عند اللغويين
واللسانيين
العرب.
ومن
ناحية أخرى
أريد أن أقف
عند جانب أراه
من الأهمية
بمكان لمناقشته
وهو انفتاح
النص على سلسلة
لانهائية
من الدلالات
والمعاني.
هذا القول
هو من ثمرات
الفكر الديالكتيكي.
فنحن نعلم
أن بعض الغربيين
حولوا هذا
الفكر من مجاله
المادي إلى
المجال الإنساني
فأسقطوه على
قضايا الفكر
والعقيدة
والأدب. هذا
الفكر يفرض
على النص أن
يعطي فهماً
جديداً مع
كل تطور تفرضه
المادية التاريخية.
أقول: لايوجد
شيء اسمه نص
مفتوح، فكل
نص بالحقيقة
مغلق على العصر
الذي ولد فيه.
وبالتالي
فمعاملتنا
أو معالجتنا
لهذا النص
تنطلق أساساً
وأولاً وآخراً
من تحت عباءة
ذلك العصر
الذي أُنشئ
فيه. من خلال
مافي ذلك العصر
من تيارات
عقائدية فكرية
أدبية لغوية
ثقافية فنية...
والسبب هو
أن مبدع النص
مرهون بعصره،
فلا يتصور
منه استشراف
مستقبلي ليطلع
على المستجدات
التي ستتولد
لاحقاً على
الصعيد اللغوي
والإنساني
حتى نقول عنه:
إن لديه إرهاصات
آذنت باطلاعه
على العصور
اللاحقة فحمّل
نصه بما يتناسب
مع كل عصر لاحق
[لانهائية
الدلالات].
نحن لا ننكر
أن يكون في
النص معنى
غفل عنه معاصروه
واكتشفه من
أتى لاحقاً
عن طريق التأويل
أو الملاحظة
الدقيقة. هذا
على مستوى
القارئ الذي
تتحكم فيه
عوامل شتى
أما المؤلف
فبالتأكيد
لم يحمل نصه
معاني لا متناهية.
نحن نعلم أن
كل نص لايحمل
إلا معنى واحداً
هو بالقصد
والأصالة.
هذا المعنى
أفرغ في النص
وفق قواعد
ومعايير ونهج
وعرف ذلك العصر
من حيث اللغة
والفكر والثقافة
[تقنيات خاصة
بذاك العصر]
وبالتالي
فاستخلاص
المعنى أو
المعاني منه
إلا وفق آليات
ذاك العصر
في الكشف والإيضاح.
وإن كان هناك
في النص ما
هو مستغلق
أبقيناه مستغلقاً
إذا لم يسعفنا
ذلك العصر
الذي هو أقدر
منا على فتح
مغاليق ذاك
النص. فإن جئنا
بآليات حداثية
لا تلائم ذلك
العصر كي نفتح
ما استُغلق
فإننا لاشك
نتجنى عليه
ونتعسف؛ لأن
هذه الآليات
الحداثية
لا تعطينا
ما عجز ذاك
العصر عن إعطائه.
أما إذا كابرنا
وأخذنا بيدنا
عصا العناد
وبدأنا نضربه
عندها يمكن
أن نقول: إن
هذا النص أعطانا
ما نريد، وإنه
انفتح حسب
ما نهوى ونشتهي.
فإن
فهم أن النص
يحمل أكثر
من معنى فمردهُ
إلى المؤلف
أو القارئ.
فإن كان المؤلف
فقد دخل في
دائرة السريالية
من حيث أنه
لا يدري ما
يكتب، أو أنه
واقع في دائرة
القصور لضعف
منه ولقلة
استيعاب ولعدم
تمكنه من أدوات
الكتابة التي
تساعده على
إفراغ معانيه...
وإن كان القارئ
فلاعتبارات
كثيرة. أهمها
أن القارئ
ليس على مستوى
القراءة لقلة
الإدراك والوعي،
أو تحيزه عن
قناعة لاتجاهات
ترى أن النص
فوار بالمعاني،
أو لاعتناقه
اتجاها إيديولوجياً
ذا هدف محدد
هو النية السيئة
والقصد الأرعن.
أنا
لا أنكر دور
القارئ الذي
هو عمدة لأنه
أحد الأثافي
الثلاث في
إبراز المعاني
وهي المؤلف
– النص- القارئ.
فالقارئ في
هذه الجدلية
هو الذي ينقل
النص إلى الحياة،
ويبعث فيه
الروح وبالتالي
فدوره محوريٌّ
شرط أن يكون
على مستوى
القراءة.
يحتج
دعاة النص
المفتوح أن
اللغة تتطور
على صعيد المفردات
والتراكيب
وبالتالي
تأخذ دلالات
جديدة متطورة
يمكن إسقاطها
على النص فتعطيه
ثراء فوق ثراء،
وتبرز ما فيه
من خفاء تبعاً
لتطور وحداثة
الآليات التي
يتعامل بها
في النص. يقولون:
لماذا لا نعامل
النص وفق هذا
المنظور من
التطور والتجديد؟
نحن لا ننكر
تطور اللغة
ولا تطور الفكر،
ولكن ليس بالمعنى
الديالكتيكي.
فالتطور في
اللغة هو نماء
وثراء يزيدها
ألقاً وحيوية
وليس تطوراً
وتجدداً،
بمعنى أن اللغة
في سيرورتها
لا تنتقل من
طور إلى طور،
وأن اللاحق
منها يلغي
السابق كما
هو الفكر الجدلي.
فاللغة في
مسيرتها وإن
بدت أنها متطورة
فهي هي دون
أن تتغير وهي
الحاضرة في
الذهنية الجماعية
قديماً وحديثاً
دون انزياحات.
وحتى
اللانهائية
فإن كانوا
يقصدونها
على الحقيقة
فهذا مرفوض
عقلاً؛ لأن
اللانهائية
مفهوم ذهني
يستحيل إدراكها
حقيقةً، وإن
كانوا يقصدونها
على التناسب
فذاك أمر آخر
إذ التغليب
يقارب اللانهائية.
نحن نعرف أن
كل إناء ينضح
بما فيه، والنص
وعاء المعنى
وبما أنه وعاء
فهو ذو أبعاد
وحجم محدد
لايعطينا
إلا ما هو موجود
فيه. فكيف نستخرج
منه ما ليس
فيه، أو نستخرج
منه إلى ما
لانهاية؟
هذا قياس فاسد
واستدلال
خاطئ.
ومن
خلال ما استعرضنا
نحكم أن كل
نص قابل لانفتاحات
لانهائية
هو نص غامض
مبهم عبثي
سريالي. وبما
أنه بهذه الصفة
فهو قابل لكل
التأويلات،
ولانفتاحات
لا نهائية
يتحكم بها
القارئ معرفياً
ومزاجياً،
والدليل على
ذلك هو شعر
الحداثة المطروح
حالياً في
الساحة الدولية
والعربية
من الذي يحمل
هذه الصفات.
ألا نرى أننا
نقرأ ثم نعيد
القراءة عدة
مرات دون أن
نفهم؛ لأننا
نجد الباب
أمامنا موصوداً
يحول دون معرفة
القصد من نظم
مثل هذا الشعر.
هذه الإرباكات
وهذا الشتات
وهذا الضياع
وهذا التيه
هو ما يقصده
شعراء الحداثة،
لأنهم يتعمَّدون
كتابة ما يفهمه
القارئ كي
يدفعوه إلى
كمٍّ هائل
من التساؤلات
دون أن يجد
لها أجوبة.
وبالتالي
يخرج القارئ
كما دخل خالي
الوفاض، يضرب
كفاً بكفٍ
أسفاً على
هذا الزمن
الذي أمضاه
في صراعه مع
هذه القصائد،
وندماً على
هذا الجهد
الذي استفرغه
من رأسه دون
مقابل. وهناك
من شعراء الحداثة
من لايضعون
القارئ نصب
أعينهم، فهم
لايفكرون
بما يكتبون؛
لأنهم في حالتهم
هذه يكونون
دون وعي أو
إدراك لاستغراقهم
في أجواء داخلية
باطنية ما
ورائية، يحدث
من جراء ذلكم
اضطرام وهيجان
وصراع داخلي
يدفع ما بالأعماق
للظهور كما
هو دون أن يمر
على ساحة الشعور
أو الرقابة
الفعلية. ومنهم
من يخترع لغة
جديدة كالذي
عرضه الدكتور
هايل ص(53) من
قول لأدونيس
قال: أول ما
أفعله هو أن
أفرغ اللغة
من محتواها،
وأحاول شحنها
بدلالات جديدة
تخرجها من
معناها الأصلي.
ثانياً: أبدل
علاقاتها
بجاراتها،
ثالثاُ: أغيّر
جذرياً النُّسق
الموضوعة
فيه كنضيدة.
وبهذه الأفعال
الثلاثة يخيل
إليَّ أنه
يمكن أن نبتكر
لغة جديدة]
ولهذا فإننا
نقرأ لأدونيس
دون أن نفهم.
والسبب هو
أنه يبتكر
لغة جديدة.
وهذه اللغة
الجديدة تحتاج
لعقول وأذهان
جديدة كي تدخل
عمق هذه التجربة.
وسنترك
دعاة النص
المفتوح مشغولين
بمفاتيحهم.
ونترك شعراء
الحداثة بالمفهوم
العرفي لهم
وهو الإبهام
والغموض يتخبطون
في قيعان أعماقهم،
ونتحول إلى
جانب آخر وهو
الشعراء المعاصرين.
فقد قال الدكتور
هايل الطالب
ص (41) عن هؤلاء
عن منهجهم
العصري في
نظم القصائد:
اللغة مادة
متطورة. وهذا
قانون الحياة.
وقد أدرك الشعراء
المعاصرين
كما يذهب الدكتور
عز الدين اسماعيل
أن الكشف عن
الجوانب الجديدة
في الحياة
يستتبع بالضرورة
الكشف عن لغة
جديدة، أو
نهجاً جديداً
في التعامل
مع اللغة. ومن
هنا تميزت
لغة الشعر
المعاصر بعامة
عن لغة الشعر
التقليدية.
فالدكتور
اسماعيل –
والقول للدكتور
هايل – يذكر
ضرورة أن يعبر
الشاعر بلغة
عصره، وبلغة
الحياة التي
يحيا فيها
[يقصد المجتمع
أو الجماعة]
لا أن يستعير
لغة من عصر
آخر للتعبير
عن الحياة
المعاصرة.
وبذلك فإن
الشعر – على
ما يهذب إليه
محمد النويهي
– يجب ألا يبتعد
ابتعاداً
كبيراً عن
اللغة العادية
اليومية التي
نستعملها
أو نسمعها،
لأنها تمثل
مرحلة من مراحل
تطور اللغة...
وقد أدرك الدارسون
العرب هذه
الحقيقة. فالباحث
على الشرع
يرى أن تاريخ
تطور لغة هو
تاريخ شعرها.
وشرع كمال
خير بك تحت
إطار لغة الحديث
اليومي يناقش
الشرخ الكبير،
أو الهوة التي
حدثت بين لغة
الشعر العربي
المعاصر ولغة
الشعر العربي
القديم. فلغة
الشعر القديم
تلبست هالة
قدسية، وجاء
الشاعر المعاصر
ليهبط بلغة
الشعر من علو
الآلهة إلى
لغة البشر]
وخلص الدكتور
هايل الطالب
إلى ما يراه
في نزار قباني
وإلى ما يراه
الآخرين من
خلال عرض أقوالهم
ص(42) إلى أن لغة
نزار كانت
بحق صورة مطابقة
للغة عصره
في النصف الثاني
من القرن العشرين.
فقد كانت ثورة
على المفاهيم
القديمة التي
لا تمثل الحياة
المعاصرة.
إذ دخل عالم
اللغة مستبيحاً
كل مفرداتها
ما دامت تخدم
غرضه الشعري...
فاستخدم لغة
الناس... فهي
الوحيدة القادرة
على النفاذ
إلى قلوبهم...
وعلى الرغم
من هذه البساطة
فإن لغته كانت
قادرة على
الإدهاش عبر
الانزياحات
اللغوية والتشكيلات
الدلالية.
كما أنها كانت
قادرة على
مفاجأة القارئ
بما لا يتوقع
من هنا أسهم
– نزار – في
تخليص اللغة
الشعرية من
التقعّر والبلادة
القاموسية
الجامدة،
والتكلف اللفظي،
وجعلها أكثر
طواعية ودفئاً
مما كانت عليه.
فأصبحت لغته
بهذا المعنى
لغة الحياة
اليومية... لقد
أزال نزار
الحواجز بين
الشعر والنثر...
وهكذا دخلت
الحياة كلها
في القصيدة...
بل بات الشعر
كما أراده
نزار رديفاً
للخبز والهواء
والحرية،
وباتت القصيدة
تتسع لألفاظ
ومفردات كانت
تعد حتى وقت
قريب سوقية
ومبتذلة].
نحن
نؤمن أن العشر
الجاهلي غير
العشر الإسلامي
غير الشعر
الأموي غير
الشعر العباسي
غير شعر عصر
الانحطاط
غير شعر عصر
النهضة غير
شعر عصرنا
هذا فاللغة
هي هي ولكن
الأسلوب في
معاملة هذه
اللغة هو الذي
تغير أو نما
وتطور تبعاً
لكل عصر ولما
فيه من تيارات
فكرية وثقافية
وأدبية وحياتية...
فاللغة ثابتة
ومفرداتها
محدودة، ومن
هذا الثبات
والمحدودية
ظهرت عظمتها
بكونها قادرة
على استيعاب
ما يستجد في
كل عصر من تطورت
من خلال ما
تتمتع به من
مرونة ومطواعية
وعمق وثراء
وخاصة المجاز
الذي هو أدق
سماتها. فهو
الذي فسح للمفردة
بالانطلاق
من موقعها
المعجمي إلى
مواقع أخرى
من خلال تنوع
دلالاتها
في كل سياق
وفي كل عصر.
هذه الخاصية
تنبه لها قدماء
علماء اللغة
العربية حيث
أبانوا في
جلاء هذه الظاهرة
التي تمتلك
خاصية السيرورة
لتلائم كل
عصر دون المساس
بقدسية هذه
اللغة.
فلماذا
إذن نحمل اللغة
كل تبعاتنا
بينما نترك
الشاعر أو
الأديب في
نجوةٍ من ذلك؟
فالدفاع عن
الشعراء المعاصرين
هو من وجهة
تنظيرية أما
الواقع فلا.
وما يراه بعض
من يدافع عنهم
هو رأي شخصي
لايعمم. فها
هم الشعراء
المعاصرون
نزلوا من علو
الآلهة إلى
لغة البشر
فهل وفقوا
في هذا النزول
وأعطونا ما
نطمح إليه
لا على مستوى
نقل الحياة
إلينا بل على
مستوى البراعة
الشعرية؟
وها هم غاصوا
في عمق التجربة
الحياتية
فهل أظهروها
لنا بثوب شعري
أخاذ؟ فالدخول
في معترك الحياة
في الشارع
في المقهى
في فئات الطبقة
الكادحة في
صفوف الثوار
في صفوف المعارضة...
والخروج من
ذلك بواقعهم
[أفراح وأتراح]
من خلال استخدام
لغتهم لا يعني
أننا خرجنا
بشعر بل بوصف
لواقع، وتصوير
دقيق لمعاناةٍ
تجعلنا نتعاطف
معهم. وقد نذرف
الدموع. هنا
نقول: إن الشاعر
كان على مستوى
الحدث، أما
على مستوى
الشعر فذاك
أمر آخر. نحن
نؤكد على أن
الشعر لايجوز
له أن يهبط،
تماماً كالمثل
العليا والقيم
الراقبة لأن
هبوطه يعني
انحداره
وتدهوره،
ونؤكد على
أنه في علوه
قادر على أن
يلامس تطلعات
الناس، وأن
يعالج كافة
القضايا الحياتية
حتى وإن استخدم
لغة الناس
العادية أو
انخرط في المعاصرة.
كل ذلك في حدود
الأصالة لا
الابتذال.
ألم ينزل بشار
بن برد إلى
قاع المجتمع
فقال وأتحفنا:
ربابةُ
ربـةُ البيتٍ
تصبُّ
الخلَّ في
الزيت
لها
سبعُ دجاجاتٍ
وديكٌ
حسنُ الصوت
وحتى
وهو في تندره
صاغ قطعة جميلة
على لسان حماره
الذي مات. فرآه
بشار في منامه
فسأله عن سبب
وفاته فأجاب
الحمار:
سيدي
خذلـي أماناً
من أتان
الاصبهاني
إن في
البـاب أتان
فضـلت
كـل أتان
وبــعنـج
ودلال
سل جسمي
وبراني
ولـها
خـد أسـيل
مثل
خد الشنفراني
فيها
مت ولو عشت
إذن
طـال هـواني
أليس
هذا استخداماً
للغة الشارع
صاغه بشار
في نظم بديع
لا زال حاضراً
في الذهنية
العربية حتى
عصرنا هذا؟
ألم
يبدع شوقي
كذلك عندما
قال:
وقـف
الـهدهد في
بـاب سليمان
بـذلة
قال
يا مولاي كن
لي عيشتي صارت
مملة
مت من
حـبة بر أحدثت
في الـقلب
علة
لا ميـاه
النيل تطفيها
ولا أمـواه
دجـلة
فأشار
السيد الـعالي
إلى من كان
حـوله
ما أرى
الحبة إلا
سرقت من بيت
نمـلة
ومع
أن هذه القصائد
الثلاث لا
تدخل في صميم
الهم الجماعي
أو الاهتمامات
العالية التي
يستشرفها
الشعراء المعاصرون
إلا أنها تمتلك
ما لا يمتلكه
الشعر المعاصر
من مقومات
فنية وجمالية
تجعلنا نطرب
لسماعها.
ونذكر
كذلك أبا العتاهية
الذي نزل بالشعر
إلى لغة الشارع
اللغة السوقية
المطروحة
بين الناس
ومع ذلك أتحفنا
بقصائد فرائد
لا بمواضيعها
ولكن بجمال
نظمها وإلا
فما هو المعنى
المعمق في
قوله:
نح عن
نفسك يا مسكين
إن كنت تنوح
لتموتن
وإن عـمرت
ما عـمر نـوح
هذا
القول مما
يدركه الناس
ومع ذلك صيغ
بأسلوب جميل.
ذا ما
نريده من الشعراء
المعاصرين
أن ينزلوا
إلى مستوى
الجماعة ويستخدموا
اللغة السوقية
ولكن بأسلوب
فني وليس نثري
وأعجبني قول
الشاعر نزار
قباني والذي
عرضه الدكتور
هايل الطالب
ص (44) من أن كل
الكلمات بلا
استثناء هي
موضوع للشعر...
الكلمات كلها
بنات أصل. وهي
كالأثواب
لا تأخذ شكلها
النهائي إلا
بنا، ولا فضل
لكلمة على
كلمة إلا بقدرتها
على استيعابنا
ونقل تجربتنا
بكل حرارتها
وصدقها... فلا
نتحدث عن كلمة
راقية وكلمة
أقل رقياً،
وكلمة شرفية
وكلمة أقل
شرفاً. فكل
الكلمات عذارى
حتى تضاجع
الكاتب. فإما
أن تخرج ناصعة
الجبين وإما
أن تتعهر. إذن
فالمسؤولية
مسؤولية الكاتب
لا مسؤولية
الكلمات المكتوبة.
فالكلمات
دائماً بريئة
حتى يعاشرها
الشاعر فإما
أن تتحول بين
يديه إلى أميرة
أو إلى خادمة]
هذا كلام تنظيري
جميل ولكن
هل أسقطه على
الواقع؟ هذا
ما سنراه لاحقاً
والذي قاله
نزار لاينازعه
فيه أحد وهو
ما أسماه الجرجاني
قديماً بنظرية
النظم كما
عرضه الدكتور
هايل الطالب
ص (45). فنحن نعرف
أن الكلمات
أدوات أو قطع
فسيفسائية
مختلفة الألوان
أو أصباغ متفرقة
بين يدي فنان
هذه الأدوات
أو القطع أو
الأصباغ لا
قيمة لها دون
فنان. وهذا
الفنان إما
أن يحسن نظمها
ومزجها لتخرج
قطعة فنية
رائعة وإما
أن يسئ استخدامها
لتخرج قذى
في النظر. الخلاف
ليس بالمفردات
–الكلمات
لأنها كما
قال عنها نزار:
بريئة، بل
الخلاف في
التراكيب
أي في نظم هذه
المفردات.
فهل الشعراء
المعاصرون
قادرون على
رفع مستوى
هذه التراكيب
اللغوية وإسقاطها
على القصيدة
في صورة فنية
جميلة ونظم
متماسك بديع؟
يقول البعض:
لقد مضى زمن
الشكل الخارجي
للقصيدة وزخرفتها
وتنميقها،
أي الشكل التقليدي
الكلاسيكي،
وجاء دون المضمون
– الجوهر –
العمق- الفعل-
الوجدان... وهذا
لن يتحقق ما
لم نطلع ونأخذ
من الآخر فكراً
ومضموناً
ومنهجاً وأسلوباً
كي نقدم للقارئ
مادة تلامس
روحه وتطلعاته
وهمومه لا
أن نجعله يطرب.
كل هذا وغيره
لا غضاضة فيه.
فالغضاضة
أن يقوم ذلك
في نمط خبري
إنشائي أو
خطابي يُذهب
عن القصيدة
حلاوتها ورونقها
وسحرها وألقها
ويحطم شكلها
لتظهر في ركام
من التداعيات.
حملوا القصيدة
ما شئتم شرط
أن تكون على
مستوى تطلعاتنا
نظماً ومعنى
واستخدموا
اللغة التي
تشاءون حتى
وإن كانت من
قاع لغة المجتمع
شرط ألاَّ
تحملوها ما
لا تحتمل من
إنحيازات
وتجاوزات،
أو إفراغها
من مضمونها
لتعبأ بمضمون
جديد غريب
لغة وعرفاً
واصطلاحاً
ودلالة.
نحن
ومهما كابرنا
فإن لدينا
مشكلة – معضلة
– كارثة، وإن
لم نتداركها
فإنه سيأتي
يوم ننعي فيه
اللغة والأدب
والشعر والسبب
هو أننا اتخذنا
المعاصرة
بمفهومها
الغربي وأسقطناها
على الساحة
الشعرية دون
أن ندرك أنها
لا تلامس أصالتنا.
فصرنا كالغراب
الذي أراد
أن يقلد مشية
الحمامة. فهل
ننكر أن حال
الشعر في الساحة
العربية الآن
كحال الأغنية
فيها سواء
بسواء وأنه
:
ذهب
الذين يُعاشُ
في أكنافهم
وبقيتُ
في كنفٍ كجلد
الأجرب
والمعذرة
على هذه الإطالة.
فالحديث ذو
شجون، لا مجال
لأن نأتي عليه
كما يعتلج
في صدورنا،
وأعتذر كذلك
إن كنت قد أوحيت
بنظرة تشاؤمية:
فأنا بالتأكيد
لاأريد التشاؤم
أو أتقصده،
ولكنني بالتأكيد
أفتش عن التفاؤل.
فهل أنا واجده
والمعذرة
كذلك من الدكتور
هايل الطالب
بإعراضي عن
مخاطبته ومحاورته،
أو إقحامه
في خضم هذه
التداعيات.
فالحق أن الدكتور
ليس طرفاً
في طرحي هذا
مع أني أحسُّ
أنه من أنصار
الشعر المعاصر.
إلا أن هذا
الإحساس يتلاشى
إذا علمنا
أنه يعرض ولا
يتبنى. وهذه
سمة جيدة من
سمات البحث
عن الحقيقة،
وتوجه محمود
نحو الحياد
والإنصاف.
وحتى في الجانب
التطبيقي
من كتابه هذا
نراه يعرض
بإنصاف دون
أن نحس أنه
ينحاز أو يتبنى
إيديولوجيا
محددة وهادفة.
فهو يضع يدنا
على ما عند
نزار ثم يترك
لنا الخيار
للحكم لنزار
أو عليه. فهو
يوضح ويبين
ويعرض علينا
الجوانب التي
يراها إيجابية
دون أن ينخرط
في دفاع أو
انفعال. فقد
احتفظ بهدوئه
واتزانه الأمر
الذي أبعد
عنه الانزلاق
في التيارات
الإيديولوجية
ذات الأهداف
المغرضة. فقد
ظهر برزانة
الباحث وحيادية
الناقد وثبوت
الطبيب الذي
يضع يده على
مكامن الداء.
ولا ننكر أنه
واجهته صعوبات
واعترضت طريقه
وأحاطت به
إشكاليات
عندما دخل
في الجانب
التطبيقي
لشعر نزار.
هذه الصعوبات
تمثلت في أنه
حاول أن يرقى
بهذا الجانب
التطبيقي
ليصل إلى مستوى
الجانب النظري
الذي أتحفنا
به والسبب
هو أن المادة
التي بين يديه
لاتساعده
على أن يرقى
إلى مستوى
تنظيره لخلوها
من العمق الفكري.
فما عند نزار
لايتجاوز
السطحية. وما
هو طافٍ على
السطح لايحتاج
إلى غواص ماهر.
ولهذا لم نجد
الدكتور هايل
أثقل جسده
بما يحتاج
إليه غواص
الأعماق كي
لا يقع في المفارقة،
ولا أجهد فكره
كي لا يقع في
الشطط. فالدكتور
حافظ على اتزانه
الذي أبعده
عن دائرة مدح
الإنسان بما
ليس فيه.
قد يأخذ
البعض على
الدكتور هايل
دخوله في أدق
التفاصيل
في شعر نزار
وخاصة الجانب
الإحصائي.
ومع أني أشارك
هؤلاء فيما
يذهبون إليه
كقارئ عادي.
إلا أننا لو
نظرنا إلى
السبب الذي
دعاه لذلك
لقدرناه. فقد
قدمنا أن كتابه
هذا هو اختزال
لرسالة جامعية
نال بها درجة
الدكتوراه.
والرسائل
الجامعية
هي أعمق مما
يتطلع إليه
كثير من القراء.
فهي رسائل
لنخبة من المثقفين
والباحثين
والدارسين
والنقاد والمفكرين
فالدكتور
هايل هو بالحقيقة
يخاطب هؤلاء
مع عدم إغفاله
لمساحة يتحرك
فيها القارئ
العادي.
ما الذي
قدمه لنا الدكتور
هايل في الجانب
التطبيقي؟
لقد تطرق إلى
مصادر المعجم
اللغوي النزاري
فوجد على ما
يرى علي المصري
أن اللغة الشامية
أو اللهجة
الشامية التي
تتغلغل في
مفاصل كلماته،
وتتشبث بها.
هذه اللهجة
التي أعطت
مفردات نزار
نكهة حضارية
ونفحة دمشقية.
وعرض الدكتور
هايل الكثير
منها. ثم تطرق
إلى محدودية
المعجم النزاري
وهو اتهام
وجهه بعض النقاد
لشعر نزار
فدافع الدكتور
هايل من خلال
إيراد إحصائية
تـفنّد هذا
الاتهام. فقد
أحصى مجموع
كلمات المعجم
اللغوي العام
بعد حساب التكرار
ما يقارب (25)
ألف كلمة،
وعدد جذور
الكلمات دون
حساب الاشتقاقات
منها مضافاً
إليه أسماء
الأعلام والأمكنة
(1869) جذراً. ثم
عدد أسماء
الأعلام ومجموع
الأفعال المضارعة
والماضية
وأفعال الأمر،
ثم تطرق إلى
استفادة نزار
من الحقل السياسي
المعاصر وعرض
لذلك أمثلة،
ثم استفادته
من حقل القانون
ومن حقل الدين
ومن مفردات
الطبيعة ومفردات
الحرب والموت،
وتطرق لبـروز
المفردات
الدخيلة وظواهر
لغوية خاصة.
وعـرض لذلك
أمثـلة استوفى
بها مـا يذهب
إليه. ثم تطرق
إلى التـناص
في شعر نزار
واستفادته
من الموروث
الشعري والموروث
الديني، كما
استدعى شخصيات
أدبية وشعرية
وشعبية وتاريخية
وأعـاد – أي
نزار- صياغتها
صياغة جديدة،
واستخدم الحكمة
كذلك وأن القرآن
الكريم بالنسبة
لنزار كان
الرافد الأول
للتناص ثم
عرض الدكتور
أمثلة على
ذلك. وتطرق
إلى استحضار
الشخصيات
في المعجم
النزاري وقيمتها
الدلالية.
مثل أسماء
قبائل عربية
أسماء شعراء
وأدباء أسماء
مرتبطة بالتراث
الديني أسماء
قادة قديماً
وحديثاً أسماء
اقترنت بالبطش
أسماء مناضلين.
ثم عرض
الدكتور قطعة
من قصيدة لنزار
بعنوان [رسوم
بإقالة خالد
بن الوليد]
بين فيها تجريد
الدال [خالد]
من مدلوله
[القوة ومحاربة
الأعداء] ثم
عرض قطعة من
قصيدة عنترة
وأجرى عليها
ما أجرى على
قصيدة خالد.
فقد قال الدكتور
هايل أن الغرض
من استخدام
الشخصية دلالياً
هو جعل متلقي
النص يشعر
بالمفارقة
الحاصلة بين
ما هو معطي
تاريخي قدمه
الماضي، وبين
ما هو معطي
حالياً في
زماننا.
وفي
الفصل الثالث
تطرق الدكتور
إلى التكرار
وأنواعه في
النص النزاري
– تكرار العبارة
– تكرار المفردة
– تكرار الاشتقاق-
تكرار الكلمة
في بداية العبارة
وفي وسطها
وفي آخرها،
والتكرار
التضاد، وتكرار
الحرف. ثم عرض
نماذج لذلك
منها قصيدته
السمفونية
الجنوبية
والمبتدئة
بـ سميتك الجنوب.
فقد ذكر نزار
هذه العبارة
[سميتك الجنوب]
(34) مرة وأتت
بوتيرة سريعة
متلاحقة أفقدتنا
الوقوف على
ما في القصيدة
من معاني.
وفي
الفصل الرابع
تطرق الدكتور
هايل إلى اللون
في النص النزاري
ثم عرض إحصائية
لكافة الألوان
في شعر نزار،
وتطرق للتشكيلات
الدلالية
لهذه الألوان
وانزياحاتها
استهلك ذلك
ما يقارب الأربعين
صفحة.
وفي
الفصل الخامس
تطرق الدكتور
هايل للحقول
الدلالية
في المعجم
النزاري،
وبين أهمية
الحقل الدلالي
وعالجه اصطلاحاً
ومفهوماً
من خلال عرض
أقوال العلماء
في ذلك بحيث
استعرض مرامه،
ثم تطرق إلى
أهمية الحقول
الدلالية
في النص النزاري.
وقد تمحورت
الحقول الدلالية
في المعجم
اللغوي النزاري
المدروس حول
الإنسان والطبيعة
والحيوان
وجاءت في ثلاثة
وعشرين حقلاً
دلالياً [وعددها]
ثم تطرق إلى
العلاقات
الدلالية
في الحقول
النزارية-
إلى الاشتقاق
في الحقل الدلالي
الدال على
الموت – على
معتقد الإنسان-
على الحب- على
الروابط الإنسانية-
على زينة الإنسان
وثيابه- على
الطعام والشراب-
على المكان
والزمان- على
الثقافة والفن-
على السياسة....
ثم تطرق إلى
ظاهرة الترادف-
الترادف الدال
على الموت-على
الحيوان-على
معتقد الإنسان-على
أجزاء الجسم-
على الروابط
الإنسانية
– على الأنثى-
على الرجل-
على زينة الإنسان-على
الطعام والشراب
على الآلة...
ثم تطرق إلى
الاشتمال
في الحقول
الدلالية
النزارية...
لقد استعرضت
العناوين
دون أن أدخل
إلى ما تحتها
خشية الإطالة.
وسأتوقف عند
فصلٍ من الباب
الثاني المعنون
بالتشكيلات
الدلالية
في النص النزار.
فقد قسم هذا
الباب إلى
أربعة فصول:
1.
التشكيلات
الدلالية
لمقولة الوطن.
2.
التشكيلات
الدلالية
لمقولة القمع.
3.
التشكيلات
الدلالية
لمقولتي الموت
والحياة.
4.
التشكيلات
الدلالية
لمقولتي الفرح
والحزن.
وهـذا
الـباب أخذ
نصف كـتابه
لـما له من
أهـمية عـند
الدكتور هـايل.
إذ– وكما قال
الدكتور- يشكل
المجلدان
الثالث والسادس
ما أسماه الشاعر
نزار قباني
بـ الأعمال
السياسية
الكاملة- أي
إنها تشكل
نصاً واحداً
هو النص الشعري
السياسي الذي
يعبر عن موقف
الشاعر من
القضايا الأساسية
المرتبطة
بالوطن. وعبارة
السياسي في
توصيف هذا
النص يجب ألا
تصرف الأنظار
عن هذا النص
عمل فني، وبذلك
فهو لايشكل
بياناً سياسياً،
وإنما يعبر
عن مواقف الشاعر
الوطنية في
إطار لغة فنية.
أما
الفصل الثاني
الذي أردت
أن أتوقف عنده
فهو البؤر
الدلالية
لمقولة القمع.
فظاهرة القمع
لها ظهور معتبر
في شعر نزار؛
لأنها في نظره
تمثل الهم
الجمعي للشعب
العربي. ذلك
الهم الذي
يفرض على كل
شاعر أن ينخرط
فيه، لأن الشاعر
في عصرنا هذا
عصر التداعيات
يجب أن يكون
لسان قومه
كما كان الشاعر
قديماً لسان
قبيلته. إذ
المهمة الملقاة
على عاتق الشاعر
المعاصر مهمة
شاقة وعسيرة
لما يحفها
من مخاطر،
وبالتالي
فالنهوض بهذه
المهمة يعبر
بصدق على نوايا
الشاعر واضطلاعه
بما تنوء به
الجبال.
قال
الدكتور هايل
ص253: تشكلت مقولة
القمع في النص
المدروس من
بؤر دلالية
عدة وضّحها
في جدولٍ. وأحصى
فيه عدد المرات
التي تكررت
في نص نزار
لفظة السلطان،
الخوف ، الطغيان،
الجبن، القمع،
السجن، السيف،
الجيش، الخطابة،
المخفر، الخليفة،
الأمير، الحاكم،
الشرطة، الملك،
عنترة، الاستجواب،
الديك، الدجاج،
الجرذ، الجند،
العسكر، البوليس،
المخبر. واستعرض
الدكتور هايل
هذه البؤر
الدلالية
تفصيلاً وشرحاً
وتحليلاً
من خلال استعراض
قطعٍ من شعر
نزار استخرج
منها هذه البؤر
الدلالية
بكافة أنواعها.
وسأقف عند
قصيدتين هما
[الديك] و[عنترة]
وسأنقلهما
مع مايراه
الدكتور من
تشكيلات دلالية
أما القصيدة
الأولى فهي
المعنونة
بـ [الديك].
قال نزار:
في حارتنا
/ ديك سادي سفاح/
ينتف ريش دجاج
الحارة كل
صباح/ ينقرهن/يضاجعهن/ولا
يذكر أسماء
الصيصان/في
حارتنا/ديك
يصرخ عند الفجر/كشمشون
الجبار/يطلق
لحيته الحمراء/ويقمعنا
ليلاً نهار/يخطب
فينا/يزني
فينا/فهو الواحد
وهو الخالد/وهو
المقتدر الجبار/في
حارتنا/ثمة
ديك عدواني/فاشيستي/نازي
الأفكار/سرق
السلطة بالدبابة/ألقى
القبض على
الحرية والأحرار/ألغى
وطناً/ألغى
شعباً/ألغى
لغةً/ألغى
أحداث التاريخ/وألغى
ميلاد الأطفال/وألغى
أسماء الأزهار/في
حارتنا/ديك
يلبس في العيد
القومي/لباس
الجنرالات/يأكل
جنساً/يشرب
جنساً/يسكر
جنساً/يركب
سفناً من أجساد/يهزم
جيشاً من حلمات/في
حارتنا/ديك
من أصل عربي/فتح
الكون بآلاف
الزوجات/في
حارتنا/ثمة
ديك أميٌّ/يرأس
إحدى الميليشيات/لم
يتعلم إلا
الغزو/وإلا
الفتك/وإلا
زرع حشيش الكيف/وتزوير
العملات/كان
يبيع ثياب
أبيه/ويرهن
خاتمه الزوجي/ويسرق
حتى أسنان
الأموات/في
حارتنا/ديك
كل مواهبه/أن
يطلق نار مسدسه
الحربي/على
رأس الكلمات/في
حارتنا/ديك
عصبي مجنون/يخطب
يومياً كالحجاج/
ويمشي زهوراً
كالمأمون/يصرخ
من مئذنة الجامع/يا
سبحاني ياسبحاني/
فأنا الدولة
والقانون/
كيف سيأتي
الغيث إلينا/كيف
سينمو القمح/وكيف
يفيض علينا
الخير/وتغمرنا
البركة/هذا
وطن لايحكمه
الله/لكن تحكمه
الديكة/في
بلدتنا/يذهب
ديك/يأتي ديك/والطغيان
هو الطغيان/يسقط
حكم لينيني/يهجم
حكم أمريكي/والمسحوق
هو الإنسان/حين
يمر الديك
بسوق القرية/زهواً
منقوش الريش/وعلى
كتفيه تضيئ
نياشين التحرير/يصرخ
كل دجاج القرية
في إعجاب/ياسيدنا
الديك/يامولانا
الديك/ياجنرال
الجنس ويا
فحل الميدان/أنت
حبيب ملايين
النسوان/هل
تحتاج إلى
جارية/هل تحتاج
إلى خادمة/هل
تحتاج إلى
تدليك/... قال
الدكتور هايل
الطالب: تتألف
القصيدة من
اثني عشر
تشكيلاً دلالياً...
التشكيل الدلالي
الأول تأتي
فيه لفظة الديك
متبوعة بصفات
تحدد دلالتها
هي النعوت
المفردة والنعوت
الجملة والثاني
كذلك سيطرة
النعت الجملة
بالفعل المضارع،
والثالث النعت
الجملة بالفعل
الماضي، والرابع
لفظة الديك
مرتبطة بمقولة
الشهوة والجنس،
والخامس عبر
النعت الفعلي،
والسادس يقدم
لنا دلالة
الجهل المرتبطة
بلفظة الديك،
والسابع دلالة
الجهل هذه
عبر إبراز
علاقة هذا
الديك بالحرية،
والثامن نعت
الديك بألفاظ
تظهر طبيعة
تصرفاته اللاعقلانية،
والتاسع انحراف
بالأسلوب
من الكلام
الخبري إلى
الإنشائي،
والعاشر على
تشابه القمع
وتشابه أساليبه
عبر الثنائيات
الضدية، والحادي
عشر يؤكد على
دلالة سابقة
هي دلالة الشهوة
بأسلوب لغوي
مختلف. أما
الثاني عشر
فلم يذكره
الدكتور.
والقصيدة
الثانية هي
[عنترة]. قال
نزار: هذي البلاد
شقة مفروشة/يملكها
شخص يسمى عنترة/يسكر
طول الليل
عند بابها/ويجمع
الإيجار من
سكانها/ويطلب
الزواج من
نسوانها/ويطلق
النار على
الأشجار والأطفال/والعيون
والأثداء/والضفائر
المعطرة/هذي
البلاد كلها/مزرعة
شخصية لعنترة/سماؤها/هواؤها/نساؤها/حقولها
المخضوضرة/كل
البنايات
هنا/يسكن فيها
عنترة/كل الشبابيك/كل
الميادين
هنا/تحمل اسم
عنترة/عنترة
يقيم في ثيابنا/في
ربطة الخبز/وفي
زجاجة الكولا/وفي
أحلامنا المتحضرة/في
عربات الخس
والبطيخ/في
الباصات/في
محطة القطار/في
جمارك المطار/في
طوابع البريد/في
ملاعب الفوتبول/في
مطاعم البيتزا/وفي
كل فئات العملة
المزورة/في
مدينة مهجورة
مهجرة/لم يبق
فيها فأرة
أو نملة/أو
جدول أو شجرة/لاشيء
فيها يدهش
السياح/إلا
الصورة الرسمية
المقررة/للجنرال
عنترة/...
والقصيدة
طويلة تجري
على هذا المنوال.
آخرها كأولها
كوسطها تجري
على وتيرة
واحدة وبإيقاع
سريع. والدكتور
هايل الطالب
وكما فعل الديك
استخلص ثلاثة
عشر تشكيلاً
دلالياً،
أعرضنا عن
تدوينها لأنها
كتشكيلات
الديك. فعنترة
يمثل الحاكم
القمعي في
عصرنا هذا
جرى إسقاطه
على عناتر
هذا الزمان
ليصل بنا إلى
ما وصلنا إليه
أو إلى ما نعرفه
سواء كتب نزار
ذلك أم لم يكتب.
فالقصيدتان
اللتان عرضناهما
لايستحقان
هذا العناء
الذي بذله
الدكتور هايل.
فما قام به
أو أعطانا
إياه من معرفة
نعرفه ويعرفه
كل قارئ وعلى
أبسط مستوى.
إذ لايوجد
في القصيدتين
وغيرهما من
المقطعات
التي عرضها
الدكتور هايل
من شعر نزار
ما يستحق الوقوف
عنده، أو التأمل
أو البحث عن
مراد الشاعر
من خلال ما
أضمره تحت
قصائده. كل
ما عند نزار
معطى ملقى
مطروح مبذول،
لا يحتاج إلى
عناء وبذل
جهد، وإعمال
فكر، أو الرجوع
إلى أرباب
هذه الصناعة.
قد يقول
البعض: هذا
صحيح، وهذا
من براعة الشاعر.
فهو من قبيل
السهل الممتنع
هو من إذا حاولتَ
أن تأتي بمثله
أدركك العجز
والخوار. فهل
شعر نزار من
هذا القبيل؟
ففي قصيدة
الديك نراه
يرمز به إلى
سفاح شمشمون
جبار فاشيستي
يلبس ثياب
الخبرلات
ويرأس إحدى
الميليشيات،
وهو عصبي مجنون،
يصرخ من مئذنة
الجامع: سبحاني
سبحاني، والدجاجات
معجبات به.
وكذا قصيدة
عنترة لايوجد
فيها مايستحق
أن نطلق عليه
شعراً ذا طابع
فني، أو شعراً
يحمل معاناة،
أو فكراً،
أو مايشدنا،
أو ما يسحرنا،
أو ما يجعلنا
نتعاطف معه
لنحس عمق تجربته
الحياتية
على كافة المستويات.
فالقصيدة
[التي تسمى
قصيدة] هي ما
تضطرنا لإعادة
قراءتها أكثر
من مرة، أو
تفرض علينا
الوقوف مطولاً
على كل مايحيط
بها لغةً ونحواً
وبلاغة وبياناً
ومعاني وبديعاً
وفناً وفكراً...
كنت
أتمنى من الدكتور
هايل الطالب
أن يجري مقارنة
بين شعر نزار
السياسي وغيره
من الشعراء
الذين خاضوا
هذا المعترك.
إذ لايمكن
أن يكون شعر
نزار كله من
قبيل الشعر
الذي لا تشوبه
شائبة. فالمنطق
أننا إذا أردنا
الوقوف على
قيمة شعر نزار
أن نقارنه
مع شعر الآخرين،
على الأقل
على مستوى
الشعر المعاصر.
فعلى سبيل
المثال لو
قارنا بين
قصيدة عنترة
لنزار وبين
قصيدة زرقاء
اليمامة لأمل
دنقل لوقفنا
على تفاوت
كبير في توظيف
هاتين الواقعتين
التاريخيتين
وإسقاطهما
على الواقع
الحالي للأمة
العربية. فنزار
في قصيدة عنترة
يغني وأمل
دنقل في زرقاء
اليمامة يبكي
يندب يتألم.
نزار يتكلم
من خارج دائرة
الحدث وأمل
دنقل يتكلم
من عمق الحدث.
نزار يعرض
علينا وقائع
وصوراً هي
مسبقاً مرسومة
في الذاكرة
وأمل دنقل
يحرض ما في
الذاكرة لينقله
إلى مستوى
هموم المواطن
العربي. نزار
يلقي ما عنده
ثم ينصرف وننصرف
معه وأمل دنقل
يلقي ما عنده
ليجعلنا نقف
معه لنشاركه
معاناته. نزار
يدعونا للتفرج
وأمل دنقل
يفرض علينا
التأمل والملاحظة
والتنكر وتحريك
الذهن واستنهاضه.
نزار أجرى
انزياحاً
للواقعة التاريخية
من خلال تشويه
صورة عنترة
التاريخية
بانتقالها
إلى الضد وأمل
دنقل أعطى
الواقعة التاريخية
بعدها المعرفي
وأسقطها على
هذا العصر.
فعنترة نزار
حاكم قمعي
جبار متسلط
مستبد وزرقاء
أمل هي أمل
كل مواطن عربي.
فهي في بعدها
التاريخي
حذرت قومها
من خطر محدق
ماحق فوظفها
أمل دنقل معرفياً
لتحذر العرب
في عصره من
خطر محدق ماحق...
والمقارنة
تستمر وتستمر.
والذي
نريد أن نصل
إليه هو أن
نزار قباني
كغيره من الشعراء
المعاصرين
الذين ينقلون
ولا يعانون،
يعرضون ولا
ينفعلون،
يصدرون واقعاً
موضوعياً
كما هو ولا
يرسمون بريشة
الفنان الذي
يضفي على لوحة
الواقع بعداً
زائداً من
خلال أحاسيسه
ومشاعره وعواطفه
وانفعالاته
ومعاناته.
وكلمة
أخيرة: هناك
ثلاثة جوانب
ساعدت الشاعر
نزار قباني
على نيل هذه
الشهرة. الجانب
الأول هو نزار
اهتم بالمرأة
والجنس اهتماماً
جعله يوصف
مشاعر المرأة.
وهو جانب نال
إعجاب كثير
من القراء
وخاصة الشباب
الذين تستهويهم
الأحاديث
عن المرأة
والجنس. والجانب
الثاني هو
تبني الإعلام
له. ونحن نعلم
ما هو دور الإعلام
في عصرنا هذا؟
فهو يخفض العالي
ويعلي من سفل.
والجانب الثالث
هو موقفه التصادمي
مع الأنظمة
العربية.
فإذا
ما علمنا أن
هذه الجوانب
الثلاث هامشية
إذا ما قورنت
بصميم الجوهر
الذي يبلور
شخصية الشاعر
أمكننا الوقوف
على حقيقةٍ
هامةٍ وهي
أن نزار قباني
صنعَ شعرَهُ
ولم يصنْعهُ
شعرُهُ.
وكلمة
حق أقدمها
بين يدي الدكتور
هايل الطالب
وهي أنه أمام
نصوص أعطاها
كل ما عنده،
واستفرغ منها
كل ما فيها
حتى حواشيها
فلم يجد غير
ما وجد. فالدكتور
لاشك أبدع
ومن إبداعه
أتحفنا بعمل
رائع، وأوقفنا
على عمق تجربته
التي يصعب
على الكثيرين
الخوض فيها
فإذا ما علمنا
أن اللسانيات
علمٌ يدق على
الأفهام أمكننا
الوقوف على
ما اضطلع به
الدكتور هايل
الطالب. فالكتاب
فيه جهد بوّأه
ليظهر إلى
الوجود كرافد
من روافد الحركة
الثقافية
واللسانية
والأدبية
صياغةً وفكراً
وتدبيجاً.
قد أكون
محابياً فيما
عرضتُ أخيراً
وهذا لا غضاضة
فيه إذا ما
علمنا أن المحاباة
تمت بصلة إلى
الحب. فإن كانت
الدلالة تختلف
فليكن ذلك
انزياحاً
أو انحرافاً
أو عدولاً
أو مجاوزة
أو انزلاقاً
كي نصل إلى
أن المحاباة
هي حب صرف.
فنحن
– وهذا مأخذ
على كل ناقد
ومزلق خطير
له- ننشد المثالية
والكمال في
حكمنا على
كل عمل نعالجه
نقداً واستعراضاً.
والمثالية
كما نعرف مفهوم
ذهني خيالي
متعال لا يتحقق
في الواقع.
ففي الواقع
النسبية. والنسبية
في بعديها
الأعلى والأدنى
هي ما يدور
فيها كل عمل
نحكم له أو
عليه.
ولا
شك أن عمل الدكتور
هايل الطالب
يدخل في فلك
النسبية. فإن
كان فيه مأخذ
أو مآخذ فهذا
لا يضره، لأنه
بمجمله يرقى
ليعانق الحد
الأعلى للنسبية.
وهذا وحده
كاف لنحكم
على كتابه.
أحمد
منصور المحمد