حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

إشـــــكاليات الحداثة الشعرية الــمعـاصرة

قراءة نقدية على كتاب الدكتور هايل محمد الطالب

 [قراءة النص الشعري لغة وتشكيلاً- نزار قباني نموذجاً تطبيقياً]

وهي قراءة ليست بالمعنى الحرفي للنقد بقدر ما هي استعراض. نحن نعلم أن نقد كتابٍ أي كتابٍ هو أصعب من تـأليفه، إذا كان هذا النقد حراً نزيهاً حيادياً موضوعياً يكون القصد منه الوقوف على حقيقة الكتاب، فالنقد عناء ومشقة وبذل مجهود فكري فائق واطلاع واسع ودقيق وعميق على ما يحيط موضوع النقد من إشكاليات. من داخله بالاطلاع والإحاطة والشمولية والفحص والتدقيق... ومن خارجه بالاطلاع على كل الجوانب التي ساهمت في تشكيل موضوع النقد فكراً وعقيدة وثقافة وأدباً وفناً...

ويزاد النقد عناء تبعاً لقيمة موضوع النقد. فالكتاب أو القصيدة أو المقال... الذي يهتم به ناقد واحد غير الكتاب الذي يستقطب مجموعة من النقاد. والجهد الذي يبذله ناقدٌ لكتابٍ استقصاءً واستيعاباً وتدقيقاً واستعراضاً [الإحاطة بكافة جوانبه] إذا مـاقورن بالمجهود الذي بذله مؤلف الكتاب يعد ذاك الجهد أضعاف ما بذله هذا المؤلف. فشاعر مثل أبي الطيب المتنبي اعترف بأنه ينام ملء جفونه. فهو قد نظم قصيدة قد لايستغرق نظمها منه سوى ساعة أو ساعات، بينما الآخرون الذين يسهرون جراها ويختصمون قد يستغرقون في ذلك أسابيع وشهوراً وسنيناً وقد يكون الدهر كله.

فالناقد من حيث السلم التراتيبي يمثل القمة في الأعمال الأدبية أو الشعرية وحتى الفكرية والثقافية والفنية؛ لأن الناقد من حيث هو ناقد هو أديب في مجال الأدب، وشاعر في مجال الشعر، ومفكر ومثقف في مجال الثقافة... وهذا مايعطيه ميزة زائدة عن هؤلاء جعلته يتربع على القمة.

ولهذا فأنا أتهيب من دخولي هذا إلى كتاب الدكتور هايل الطالب كناقد محترف. والسبب هو لناحيتين وهما أنني سأسهر طويلاً. وهذا ما لا أطيقه، والثانية هي أنني أمام عمل ينوء بحمله ناقد واحد، فلهذا فأنا أعترف أنني في موقع المستعرض لا الناقد إلا في حدود ضيقة. وعلى ذلك أباشر.

الكتاب يتألف من (392) صفحة بما فيه المصادر والمراجع والفهرس. ويضم مقدمة ومدخل وبابين. ففي المقدمة يرى أن الدراسات اللغوية المعاصرة في الساحة العربية ركزت جل اهتمامها على دراسة اللغة في عصورها الأولى دراسة معيارية. وقد أغفلت الاهتمام باللغة العربية المعاصرة التي نتكلمها الآن، ونعتمدها في خطاباتنا الأدبية والعلمية وبالتالي [ فهو يقرُّ بحقيقةٍ مفادها أن توجه اللغويين المعاصرين نحو دراسة اللغة  المعاصرة ما زال خجولاً] وعلى هذا فإن دراسته هذه [تهدف إلى الإسهام في تغطية جانب بسيط من ذلك القصور... منطلقة [أي الدراسة] من حقيقة أن اللغة مادة متطورة متجددة. وهذا ما يفرضه قانون الحياة، ومعتمدة على أسس لسانية أفرزتها اللسانيات الحديثة وأهمها التمييز بين اللغة والكلام وفق الفهم السوسوري. فاللغة هي ناظم أو مجموعة من القواعد والمعايير المستقرة بصورة تجريدية في ذهن الجماعة اللغوية التي تسير عليها. والكلام هو سلوك فردي. وخلص إلى أن الدال سواء في المعجم أم في النص لا يشير إلى دلالة واحدة، أو مدلول واحد ثابت، بل إلى سلسلة لا نهائية من الدلالات. وبناء على ذلك فإن دلالة الكلمات في المعجم ماهي إلا نقطة انطلاق لسلسلة بحث لانهائي من الدلالة التي تتعدد وتختلف باختلاف الأسيقة والنصوص] وقال: تعد دراستنا بهذا التصور – فيما نعلم- أول دراسة لسانية تطبيقية تدرس نصاً كاملاً، وتربط بين توصيف المادة اللغوية لهذا النص [لغة النص] وبين دلالة النص [التشكيلات الدلالية] مع اعترافه بأنه استفاد من طروحات دارسين كـثر وعدد بعضاً منهم. ويمكن الرجوع كذلك إلى قائمة المصادر والمراجع لـيقف الـقارئ على عـدد الكتب التي استعان بها لإخـراج كـتابه هذا إلى الـوجود.

وأما المدخل فقد حدد موقفه من الاصطلاحات التي وردت في البحث. توضح فهمه لمصطلحات [التشكيل – النص- التحليل الدلالي- المقولة الدلالية- الانزياح]. وأما الباب الأول فقد اشتمل على خمسة فصول: الفصل الأول القضايا الأساسية التي أفرزها المعجم اللغوي النزاري، والفصل الثاني درس فيه السمات العامة للمعجم النزاري، والفصل الثالث توقف عند التكرار وأنواعه في ذلك المعجم، والفصل الرابع درس فيه اللون في المعجم النزاري، والفصل الخامس توقف فيه عند الحقول الدلالية، وأما الباب الثاني فقد درس فيه التشكيلات الدلالية في النص النزاري. وقد قسم هذا الباب إلى أربعة فصول. درس في الفصل الأول التشكيلات الدلالية لمقولة الوطن، وفي الفصل الثاني التشكيلات لمقولة القمع، وفي الفصل الثالث التشكيلات الدلالية لمقولتي الموت والحياة، وفي الفصل الرابع التشكيلات الدلالية لمقولتي الحزن والـفرح.

ثم ختم البحث بخاتمة توجز أهم النتائج التي توصل إليها.

ففي المقدمة يضعنا الدكتور هايل الطالب أمام منهجه في هذا الكتاب، وهو رفد دراسات من سبقوه برافد يعد أول دراسة لسانية تطبيقية تدرس نصاً كاملاً معتمداً على أسس لسانية أفرزتها اللسانيات الحديثة وطبعاً هي اللسانيات الغربية التي جعلها مرتكزاً في فهم النص النزاري وتأويله وقراءته قراءة معاصرة. وخص ذاك الاعتماد بالفهم السوسوري في التفرقة بين اللغة والكلام. وهي تفرقة بهرت الكثيرين من الذين يهتمون باللغة والأدب في الساحة العربية. وهي بالحقيقة تفرقة اعتبارية شكلية لاتدخل في صميم الجوهر، وإسقاطها على نص نزاري ليس بذي بال وأهمية، سيما وأن هذه الرؤيا [وليست نظرية] عليها مآخذ وانتقادات بالتالي نحكم باحتماليتها وليس حقيقتها. والاحتمال كما هو معروف لا تبنى عليه حقائق أو دراسات ذات عمق وإتقان ورصانة. تماماً لحكمنا على كل قضايا الفكر بالاحتمال [واللغة احتمالية]. ومع أن اللغة في نشأتها كانت ذات طابع اعتباطي إلا أنها أخذت حسب مسيرتها نوعاً من النظام ولكنها بالتأكيد لا تنضبط انضباط الفكر الرياضي. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى [وأنا أجزم] هو أن الفهم السوسوري للغة والكلام هو فهم خاص متخيل. وألا فاللغة أبعد من أن يحيط بها فكر على وجه الشمول. فاللغة شموس [بفتح الشين] لا تنقاد إلى قضايا الفكر والتأمل إلا بحدود ضيقة. وهذا غير كاف للوقوف على حقيقتها. وأما ما وراء ذلك فهو ضرب من التخمين. والدليل على ذلك تضارب الآراء حولها. والذي لم أقف عليه هو: ما هو السلوك الفردي؟ ولكن الذي أؤكد عليه أن اللسانيين الغربيين ما أتوا بجـديد يرقى إلى درجة الإبـداع إذ كل مـا عندهم نجده عند اللغويين واللسانيين العرب.

ومن ناحية أخرى أريد أن أقف عند جانب أراه من الأهمية بمكان لمناقشته وهو انفتاح النص على سلسلة لانهائية من الدلالات والمعاني. هذا القول هو من ثمرات الفكر الديالكتيكي. فنحن نعلم أن بعض الغربيين حولوا هذا الفكر من مجاله المادي إلى المجال الإنساني فأسقطوه على قضايا الفكر والعقيدة والأدب. هذا الفكر يفرض على النص أن يعطي فهماً جديداً مع كل تطور تفرضه المادية التاريخية. أقول: لايوجد شيء اسمه نص مفتوح، فكل نص بالحقيقة مغلق على العصر الذي ولد فيه. وبالتالي فمعاملتنا أو معالجتنا لهذا النص تنطلق أساساً وأولاً وآخراً من تحت عباءة ذلك العصر الذي أُنشئ فيه. من خلال مافي ذلك العصر من تيارات عقائدية فكرية أدبية لغوية ثقافية فنية... والسبب هو أن مبدع النص مرهون بعصره، فلا يتصور منه استشراف مستقبلي ليطلع على المستجدات التي ستتولد لاحقاً على الصعيد اللغوي والإنساني حتى نقول عنه: إن لديه إرهاصات آذنت باطلاعه على العصور اللاحقة فحمّل نصه بما يتناسب مع كل عصر لاحق [لانهائية الدلالات]. نحن لا ننكر أن يكون في النص معنى غفل عنه معاصروه واكتشفه من أتى لاحقاً عن طريق التأويل أو الملاحظة الدقيقة. هذا على مستوى القارئ الذي تتحكم فيه عوامل شتى أما المؤلف فبالتأكيد لم يحمل نصه معاني لا متناهية. نحن نعلم أن كل نص لايحمل إلا معنى واحداً هو بالقصد والأصالة. هذا المعنى أفرغ في النص وفق قواعد ومعايير ونهج وعرف ذلك العصر من حيث اللغة والفكر والثقافة [تقنيات خاصة بذاك العصر] وبالتالي فاستخلاص المعنى أو المعاني منه إلا وفق آليات ذاك العصر في الكشف والإيضاح. وإن كان هناك في النص ما هو مستغلق أبقيناه مستغلقاً إذا لم يسعفنا ذلك العصر الذي هو أقدر منا على فتح مغاليق ذاك النص. فإن جئنا بآليات حداثية لا تلائم ذلك العصر كي نفتح ما استُغلق فإننا لاشك نتجنى عليه ونتعسف؛ لأن هذه الآليات الحداثية لا تعطينا ما عجز ذاك العصر عن إعطائه. أما إذا كابرنا وأخذنا بيدنا عصا العناد وبدأنا نضربه عندها يمكن أن نقول: إن هذا النص أعطانا ما نريد، وإنه انفتح حسب ما نهوى ونشتهي.

فإن فهم أن النص يحمل أكثر من معنى فمردهُ إلى المؤلف أو القارئ. فإن كان المؤلف فقد دخل في دائرة السريالية من حيث أنه لا يدري ما يكتب، أو أنه واقع في دائرة القصور لضعف منه ولقلة استيعاب ولعدم تمكنه من أدوات الكتابة التي تساعده على إفراغ معانيه... وإن كان القارئ فلاعتبارات كثيرة. أهمها أن القارئ ليس على مستوى القراءة لقلة الإدراك والوعي، أو تحيزه عن قناعة لاتجاهات ترى أن النص فوار بالمعاني، أو لاعتناقه اتجاها إيديولوجياً ذا هدف محدد هو النية السيئة والقصد الأرعن.

أنا لا أنكر دور القارئ الذي هو عمدة لأنه أحد الأثافي الثلاث في إبراز المعاني وهي المؤلف – النص- القارئ. فالقارئ في هذه الجدلية هو الذي ينقل النص إلى الحياة، ويبعث فيه الروح وبالتالي فدوره محوريٌّ شرط أن يكون على مستوى القراءة.

يحتج دعاة النص المفتوح أن اللغة تتطور على صعيد المفردات والتراكيب وبالتالي تأخذ دلالات جديدة متطورة يمكن إسقاطها على النص فتعطيه ثراء فوق ثراء، وتبرز ما فيه من خفاء تبعاً لتطور وحداثة الآليات التي يتعامل بها في النص. يقولون: لماذا لا نعامل النص وفق هذا المنظور من التطور والتجديد؟ نحن لا ننكر تطور اللغة ولا تطور الفكر، ولكن ليس بالمعنى الديالكتيكي. فالتطور في اللغة هو نماء وثراء يزيدها ألقاً وحيوية وليس تطوراً وتجدداً، بمعنى أن اللغة في سيرورتها لا تنتقل من طور إلى طور، وأن اللاحق منها يلغي السابق كما هو الفكر الجدلي. فاللغة في مسيرتها وإن بدت أنها متطورة فهي هي دون أن تتغير وهي الحاضرة في الذهنية الجماعية قديماً وحديثاً دون انزياحات.

وحتى اللانهائية فإن كانوا يقصدونها على الحقيقة فهذا مرفوض عقلاً؛ لأن اللانهائية مفهوم ذهني يستحيل إدراكها حقيقةً، وإن كانوا يقصدونها على التناسب فذاك أمر آخر إذ التغليب يقارب اللانهائية. نحن نعرف أن كل إناء ينضح بما فيه، والنص وعاء المعنى وبما أنه وعاء فهو ذو أبعاد وحجم محدد لايعطينا إلا ما هو موجود فيه. فكيف نستخرج منه ما ليس فيه، أو نستخرج منه إلى ما لانهاية؟ هذا قياس فاسد واستدلال خاطئ.

ومن خلال ما استعرضنا نحكم أن كل نص قابل لانفتاحات لانهائية هو نص غامض مبهم عبثي سريالي. وبما أنه بهذه الصفة فهو قابل لكل التأويلات، ولانفتاحات لا نهائية يتحكم بها القارئ معرفياً ومزاجياً، والدليل على ذلك هو شعر الحداثة المطروح حالياً في الساحة الدولية والعربية من الذي يحمل هذه الصفات. ألا نرى أننا نقرأ ثم نعيد القراءة عدة مرات دون أن نفهم؛ لأننا نجد الباب أمامنا موصوداً يحول دون معرفة القصد من نظم مثل هذا الشعر. هذه الإرباكات وهذا الشتات وهذا الضياع وهذا التيه هو ما يقصده شعراء الحداثة، لأنهم يتعمَّدون كتابة ما يفهمه القارئ كي يدفعوه إلى كمٍّ هائل من التساؤلات دون أن يجد لها أجوبة. وبالتالي يخرج القارئ كما دخل خالي الوفاض، يضرب كفاً بكفٍ أسفاً على هذا الزمن الذي أمضاه في صراعه مع هذه القصائد، وندماً على هذا الجهد الذي استفرغه من رأسه دون مقابل. وهناك من شعراء الحداثة من لايضعون القارئ نصب أعينهم، فهم لايفكرون بما يكتبون؛ لأنهم في حالتهم هذه يكونون دون وعي أو إدراك لاستغراقهم في أجواء داخلية باطنية ما ورائية، يحدث من جراء ذلكم اضطرام وهيجان وصراع داخلي يدفع ما بالأعماق للظهور كما هو دون أن يمر على ساحة الشعور أو الرقابة الفعلية. ومنهم من يخترع لغة جديدة كالذي عرضه الدكتور هايل ص(53) من قول لأدونيس قال: أول ما أفعله هو أن أفرغ اللغة من محتواها، وأحاول شحنها بدلالات جديدة تخرجها من معناها الأصلي. ثانياً: أبدل علاقاتها بجاراتها، ثالثاُ: أغيّر جذرياً النُّسق الموضوعة فيه كنضيدة. وبهذه الأفعال الثلاثة يخيل إليَّ أنه يمكن أن نبتكر لغة جديدة] ولهذا فإننا نقرأ لأدونيس دون أن نفهم. والسبب هو أنه يبتكر لغة جديدة. وهذه اللغة الجديدة تحتاج لعقول وأذهان جديدة كي تدخل عمق هذه التجربة.

وسنترك دعاة النص المفتوح مشغولين بمفاتيحهم. ونترك شعراء الحداثة بالمفهوم العرفي لهم وهو الإبهام والغموض يتخبطون في قيعان أعماقهم، ونتحول إلى جانب آخر وهو الشعراء المعاصرين. فقد قال الدكتور هايل الطالب ص (41) عن هؤلاء عن منهجهم العصري في نظم القصائد: اللغة مادة متطورة. وهذا قانون الحياة. وقد أدرك الشعراء المعاصرين كما يذهب الدكتور عز الدين اسماعيل أن الكشف عن الجوانب الجديدة في الحياة يستتبع بالضرورة الكشف عن لغة جديدة، أو نهجاً جديداً في التعامل مع اللغة. ومن هنا تميزت لغة الشعر المعاصر بعامة عن لغة الشعر التقليدية. فالدكتور اسماعيل – والقول للدكتور هايل – يذكر ضرورة أن يعبر الشاعر بلغة عصره، وبلغة الحياة التي يحيا فيها [يقصد المجتمع أو الجماعة] لا أن يستعير لغة من عصر آخر للتعبير عن الحياة المعاصرة. وبذلك فإن الشعر – على ما يهذب إليه محمد النويهي – يجب ألا يبتعد ابتعاداً كبيراً عن اللغة العادية اليومية التي نستعملها أو نسمعها، لأنها تمثل مرحلة من مراحل تطور اللغة... وقد أدرك الدارسون العرب هذه الحقيقة. فالباحث على الشرع يرى أن تاريخ تطور لغة هو تاريخ شعرها. وشرع كمال خير بك تحت إطار لغة الحديث اليومي يناقش الشرخ الكبير، أو الهوة التي حدثت بين لغة الشعر العربي المعاصر ولغة الشعر العربي القديم. فلغة الشعر القديم تلبست هالة قدسية، وجاء الشاعر المعاصر ليهبط بلغة الشعر من علو الآلهة إلى لغة البشر] وخلص الدكتور هايل الطالب إلى ما يراه في نزار قباني وإلى ما يراه الآخرين من خلال عرض أقوالهم ص(42) إلى أن لغة نزار كانت بحق صورة مطابقة للغة عصره في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد كانت ثورة على المفاهيم القديمة التي لا تمثل الحياة المعاصرة. إذ دخل عالم اللغة مستبيحاً كل مفرداتها ما دامت تخدم غرضه الشعري... فاستخدم لغة الناس... فهي الوحيدة القادرة على النفاذ إلى قلوبهم... وعلى الرغم من هذه البساطة فإن لغته كانت قادرة على الإدهاش عبر الانزياحات اللغوية والتشكيلات الدلالية. كما أنها كانت قادرة على مفاجأة القارئ بما لا يتوقع من هنا أسهم – نزار – في تخليص اللغة الشعرية من التقعّر والبلادة القاموسية الجامدة، والتكلف اللفظي، وجعلها أكثر طواعية ودفئاً مما كانت عليه. فأصبحت لغته بهذا المعنى لغة الحياة اليومية... لقد أزال نزار الحواجز بين الشعر والنثر... وهكذا دخلت الحياة كلها في القصيدة... بل بات الشعر كما أراده نزار رديفاً للخبز والهواء والحرية، وباتت القصيدة تتسع لألفاظ ومفردات كانت تعد حتى وقت قريب سوقية ومبتذلة].

نحن نؤمن أن العشر الجاهلي غير العشر الإسلامي غير الشعر الأموي غير الشعر العباسي غير شعر عصر الانحطاط غير شعر عصر النهضة غير شعر عصرنا هذا فاللغة هي هي ولكن الأسلوب في معاملة هذه اللغة هو الذي تغير أو نما وتطور تبعاً لكل عصر ولما فيه من تيارات فكرية وثقافية وأدبية وحياتية... فاللغة ثابتة ومفرداتها محدودة، ومن هذا الثبات والمحدودية ظهرت عظمتها بكونها قادرة على استيعاب ما يستجد في كل عصر من تطورت من خلال ما تتمتع به من مرونة ومطواعية وعمق وثراء وخاصة المجاز الذي هو أدق سماتها. فهو الذي فسح للمفردة بالانطلاق من موقعها المعجمي إلى مواقع أخرى من خلال تنوع دلالاتها في كل سياق وفي كل عصر. هذه الخاصية تنبه لها قدماء علماء اللغة العربية حيث أبانوا في جلاء هذه الظاهرة التي تمتلك خاصية السيرورة لتلائم كل عصر دون المساس بقدسية هذه اللغة.

فلماذا إذن نحمل اللغة كل تبعاتنا بينما نترك الشاعر أو الأديب في نجوةٍ من ذلك؟ فالدفاع عن الشعراء المعاصرين هو من وجهة تنظيرية أما الواقع فلا. وما يراه بعض من يدافع عنهم هو رأي شخصي لايعمم. فها هم الشعراء المعاصرون نزلوا من علو الآلهة إلى لغة البشر فهل وفقوا في هذا النزول وأعطونا ما نطمح إليه لا على مستوى نقل الحياة إلينا بل على مستوى البراعة الشعرية؟ وها هم غاصوا في عمق التجربة الحياتية فهل أظهروها لنا بثوب شعري أخاذ؟ فالدخول في معترك الحياة في الشارع في المقهى في فئات الطبقة الكادحة في صفوف الثوار في صفوف المعارضة... والخروج من ذلك بواقعهم [أفراح وأتراح] من خلال استخدام لغتهم لا يعني أننا خرجنا بشعر بل بوصف لواقع، وتصوير دقيق لمعاناةٍ تجعلنا نتعاطف معهم. وقد نذرف الدموع. هنا نقول: إن الشاعر كان على مستوى الحدث، أما على مستوى الشعر فذاك أمر آخر. نحن نؤكد على أن الشعر لايجوز له أن يهبط، تماماً كالمثل العليا والقيم الراقبة لأن هبوطه يعني انحداره  وتدهوره، ونؤكد على أنه في علوه قادر على أن يلامس تطلعات الناس، وأن يعالج كافة القضايا الحياتية حتى وإن استخدم لغة الناس العادية أو انخرط في المعاصرة. كل ذلك في حدود الأصالة لا الابتذال. ألم ينزل بشار بن برد إلى قاع المجتمع فقال وأتحفنا:

ربابةُ ربـةُ البيتٍ 

تصبُّ الخلَّ في الزيت

لها سبعُ  دجاجاتٍ 

وديكٌ  حسنُ الصوت

وحتى وهو في تندره صاغ قطعة جميلة على لسان حماره الذي مات. فرآه بشار في منامه فسأله عن سبب وفاته فأجاب الحمار:

سيدي خذلـي أماناً 

من أتان الاصبهاني

إن في البـاب أتان

فضـلت كـل أتان

وبــعنـج  ودلال

سل جسمي  وبراني

ولـها خـد أسـيل

مثل  خد الشنفراني

فيها مت ولو عشت

إذن طـال هـواني

أليس هذا استخداماً للغة الشارع صاغه بشار في نظم بديع لا زال حاضراً في الذهنية العربية حتى عصرنا هذا؟

ألم يبدع شوقي كذلك عندما قال:

وقـف الـهدهد في بـاب سليمان بـذلة

قال يا مولاي كن لي عيشتي صارت مملة

مت من حـبة بر أحدثت  في الـقلب علة

لا ميـاه النيل تطفيها ولا أمـواه  دجـلة

فأشار السيد الـعالي إلى من كان حـوله

ما أرى  الحبة إلا سرقت من بيت نمـلة

ومع أن هذه القصائد الثلاث لا تدخل في صميم الهم الجماعي أو الاهتمامات العالية التي يستشرفها الشعراء المعاصرون إلا أنها تمتلك ما لا يمتلكه الشعر المعاصر من مقومات فنية وجمالية تجعلنا نطرب لسماعها.

ونذكر كذلك أبا العتاهية الذي نزل بالشعر إلى لغة الشارع اللغة السوقية المطروحة بين الناس ومع ذلك أتحفنا بقصائد فرائد لا بمواضيعها ولكن بجمال نظمها وإلا فما هو المعنى المعمق في قوله:

نح عن نفسك يا مسكين إن كنت تنوح

لتموتن وإن عـمرت ما عـمر نـوح

هذا القول مما يدركه الناس ومع ذلك صيغ بأسلوب جميل.

ذا ما نريده من ا