
«الدين
والدهماء
والدم...» كتاب
صقر أبو فخر
استعصاء الحداثة..
والخلافة
دينية لا سياسية
بعد
أن أقفل القرن
العشرون أبوابه
من دون أي إنجاز
واضح، أو يُذكر
على المستوى
العربي، سياسياً
كان أم فكرياً
أم اجتماعياً،
فإن الإحباط
صار سيد الموقف،
خصوصاً بعد
إخفاق الوعد
العظيم بالحرية.
من هنا ينطلق
صقر أبو فخر
في كتابه «الدين
والدهماء
والدم ـ العرب
واستعصاء
الحداثة» (المؤسسة
العربية للدراسات،
بيروت، 2007) كي
يقدم ما يشبه
جردة حساب،
تتضمن مراجعة
نقدية حارة،
وحادة، لمظاهر
وقضايا عديدة،
تسيدت دنيا
غالبية العرب
وأفكارهم،
وأثرت على
سلوكياتهم،
وتحكمت في
حاضرهم، بالرغم
من أن بعضها
يرجع إلى مئات
السنين التي
خلت، لكنه
عاد مع أفول
مرحلة الأحلام
الكبرى والسرديات
والغائيات،
ليتجسد في
آراء وأقاويل
فقهاء لا يفقهون
في شيء: لا في
الدين ولا
في سواه، وأنظمة
حكم عجزت عن
تحقيق أي إنجاز
لشعوبها سوى
أنها مارست
الاستبداد
وعممته، فأحكمت
سيطرتها على
أفواه العباد
عبر أجهزة
أمنية تعددت
صورها ومسمياتها
وفروعها،
وتمادت في
التصرف في
مقدرات البلاد
وثرواتها
لحسابها الخاص
وحساب من يدور
في فلكها من
المقربين
والفئات المافيوية
والأزلام.
إنها قضايا
تبدأ بالإصلاح،
وتمتد إلى
العلمانية
والديموقراطية،
بوصفها حقلي
محايثة للكتاب،
ينتصر لهما
صقر أبو فخر
كسبيلين للخلاص
والانعتاق،
ولا تنتهي
عند الشورى
والدولة الدينية
والأصوليات
الحجاب والسفور،
وسائر قضايا
المرأة والتحرر
وآثار العولمة
والجنس والأدب
والتاريخ
والأسطورة
والخرافة
والجسد، لكنها
تركن في النهاية
إلى دفء بيروت
وحاناتها
ومقاهيها
وشوارعها
وأنوارها
التي تمرّ
بمرحلة خفوت
في أيامنا
هذه.
الحاكم والفقيه
ويفنّد صقر
أبو فخر العديد
من الآراء
الشائعة،
من مثل الكلام
الرائج حول
أن ظهور الحضارة
الغربية ونموها
وتقدمها ما
كان ممكناً
لولا الحضارة
العربية التي
أمدتها بالكثير
من عناصر انبثاقها
وديمومتها،
مع إقراره
بأن العرب
ساهموا مساهمة
كبرى في الحضارة
الإنسانية،
مثلهم في ذلك
مثل الصينيين
والهنود والفرس
وسواهم، لكن
السؤال يدور
حول دورهم
التوليدي
في نشوء الحضارة
المعاصرة،
التي يعتبر
أنها قامت
على ثلاث ركائز
جوهرية، هي:
المطبعة والبوصلة
والبارود،
وأتت من خارج
أوروبا، وتضافرت
وتفاعلت معاً
فيها لتطوّر
حضارة جديدة.
إن ما يثير
حفيظته هو
سيل الفتاوى
والآراء والمواقف
والمقولات،
خصوصاً تلك
التي تفسر
الانحطاط
بأسباب غيبية،
إذ طالما رأى
المسلمون
أن العلة في
انحطاط العالم
الإسلامي
تكمن في الابتعاد
عن الدين،
مشيراً إلى
الدور الحاسم
الذي لعبته
العوامل الجغرافية
والجيوسياسية
في تقهقر المنطقة
العربية،
لكنه يعزو
الأسباب إلى
«العقل العربي»،
وذلك بالمقايسة
والاستناد
إلى العقل
الغربي، ليدخل
ضمن جوقة نقاد
العقل العربي
مع علمه بضرورة
التمييز ما
بين من استقال
عقلهم وارتاحوا
إلى النقل
وبين من حاولوا
استخدامه
لنقد الأوضاع
أو لاتخاذ
موقف سلبي
منها.
إن العقل العربي
لا يتحمّل
قضية التخلف،
بوصفه لا يشكل
كلاً أو واحداً
أو كائناً
توجه السهام
نحوه، فالعقل
يُعرف بتجليات
وتمظهرات
عديدة، ولا
يختص بجنس
أو قوم قدر
اختصاصه بالفرد
الإنساني
ومحيطه، وليس
العرب من وصف
العقل بأنه
جوهر متعال،
بل العديد
من فلاسفة
الميتافيزيقا
الذين ينتمون
إلى مختلف
الأعراق والشعوب.
وإن كان سؤال
التجدد والحداثة
مطروحاً حتى
يومنا هذا،
فإن أول من
وقف ضده، وما
زال يقف ضده،
هو صاحب الخطاب
الذي ينزع
نحو تأبيد
الحاضر والاستناد
إلى الماضي
الذهبي، أي
رجلا السياسة
والدين: الحاكم
والفقيه. وأعتقد
أن أهم أسباب
التخلف تكمن
في التحالف
المعلن أحياناً،
وغير المعلن
في أحيان أخرى،
ما بين المؤسستين:
السياسية
الحاكمة والقابضة
على السلطة
وأجهزة الدولة،
والدينية
التي تتسيد
المجال الاجتماعي
وتتحكم في
عقول العامة
من الناس،
والصراع الدائم
في بلداننا
هو الصراع
ما بين العقل
النقدي، الحر،
المستقل،
البعيد عن
سراديب الماضي،
والمتطلع
إلى مستقبل
أفضل، وبين
العقل المرتهن
إلى التقليد
والنقل وتأبيد
الحاضر وتمجيد
الماضي.
مصالحة مع
التاريخ
وقد انشغل
العديد من
المفكرين
العرب، منذ
القرن السادس
عشر، بسؤال:
لماذا تأخر
العرب وتقدم
غيرهم؟ وبقي
المتنورون
العرب يطمحون
من دون جدوى
إلى تحول تاريخي
عميق يموقع
بلدانهم وناسها
في حركة التاريخ
الإنسانية،
ويمكّنهم
من تحقيق المصالحة
مع التاريخ،
ومن صنع القرار
والمبادرة،
والإسهام
في الحضارة
الكونية كعنصر
فاعل لا عنصر
منفعل. لكن
النهضة بقيت
كاسم، اكتسب
فاعليته بوصفه
المخلص والمنقذ
من حالة الفوات
العربي، وحضرت
دون الاكتراث
بحقيقة وجوده
أو عدمها. وسميت
نهضة تيمناً،
ومقايسة،
بالنهضة الأوروبية
المتحققة
الوجود. وعليه
يمتلك سؤال
أبو فخر وجاهة
حين يطاول
أحد رموز النهضة
بالقول: هل
كان محمد عبده
إصلاحياً
ومجدداً أم
مجرد فقيه
وصاحب فتاوى
جريئة؟ ذلك
أن دعوته الإصلاحية
كانت تعاني
نوعاً من عدم
الاتساق،
حين لجأ إلى
التركيب ما
بين معطيات
متصلة بمجالات
من الفكر الإسلامي
الوسيط وبين
معطيات تتصل
بمجال معرفي
مخالف، فأسهمت
دعوته في إنتاج
نصوص أراد
من خلالها
ردّ الاعتبار
للذات الإسلامية
المحاصرة
تاريخياً
بصعود تاريخ
جديد، وهي
ذات لا تملك
غير عدّة تراثية
محافظة، يسمها
التكرار بسمات
مغلقة، فلم
يجد غير طريق
العمل التوافقي،
أملاً في إيجاد
سبل السماح
بإصلاح العقائد
السائدة،
بشكل تتكيف
فيه مع المعطيات
التي استجدت
في عصره المعرفي،
ومعطيات واقع
جديد، منفتح
على أزمنة
جديدة، بعد
أن عصفت به
تغيرات وثورات
في العلم والتقنية
والفلسفة
والسياسة
والاجتماع.
وقد ظهرت،
مع التأثر
بالحداثة،
مفاهيم جديدة
في الحياة،
كما تغير العديد
من مظاهرها
القديمة،
وعارض الفقهاء
ومعظم رجال
الدين هذا
التجدد وواجهوا
أي تغيّر يطرأ،
وبقيت النظرة
الدينية إلى
الإنسان نظرة
قديمة، تستند
إلى النص التراثي:
النص المقدس
الذي يكبل
الفرد بأغلال
تاريخية واجتماعية
فضلاً عن الدينية.
ومع عودة الأصوليات
والحركات
التفكيرية
روّج لمفاهيم
وشعارات تجعل
فهمها للدين
الإسلامي
هو الحل الذي
يأتي بالخلاص
المنشود. ولا
شك في أن فشل
الأنظمة الحاكمة
واستبدادها
أدّيا إلى
حالات الضعف
والانهيار
والخراب في
واقع العرب
والمسلمين
ودنياهم،
فجعلتهم ينشدون
الخلاص، بالرغم
من اتساع قاعدة
القنوط واليأس.
وظهرت الأصوليات
الإسلامية
التي تتمثل
«دين الإسلام»
بوجه من الوجوه،
وتجعله مبدأ
لإيديولوجيا
أخروية، بعد
أن فقدت الإيديولوجيا
القومية العربية
فاعليتها،
وكذلك الإيديولوجيا
الاشتراكية
والشيوعية،
فيما تحول
العلمانيون
المتمسكون
بإزاحة دور
الدين من الشؤون
العامة للمجتمع
والدولة إلى
قلة قليلة،
وكذلك هي حال
الليبراليين
الذين يرون
أن الليبرالية
عليها الاقتران
بالديموقراطية.
ولا شك في أن
تساؤل أبو
فخر: هل دولة
الخلافة أفضل
أم الدولة
المدنية المعاصرة؟
يقوده إلى
اعتبار الدولة
الدينية لا
معنى لها في
عصرنا الحالي،
وحتى مفهوم
الدولة ووظيفتها
وشؤونها ومهماتها
لم يعرفه المسلمون
إلا حين أن
بدأ الصراع
على السلطة
بعد وفاة الرسول.
وتؤكد الحوادث
التاريخية
أن الخلافة
ليست مسألة
دينية بل سياسية،
أي اختيار
بشري بامتياز.
التهلكة والدمار
ويشهد التاريخ
العربي الإسلامي
على أن «دولة
المدينة» الأولى
قامت على أساس
من تعاقد اجتماعي
حقيقي وبإرادة
طوعية حرّة،
من خلال بيعة
العقبة الثانية.
وأعطت تلك
الدولة حق
المواطنة
لجميع سكانها
دون تفرقة
بينهم في لون
أو جنس أو دين
أو لغة، أي
أعطتهم هذا
الحق بالرغم
من أنهم كانوا
يختلفون من
الناحية الدينية،
وبالتالي
لم يفرق الرسول
بين مواطني
دولة المدينة
الأولى، مسلمين
وغير مسلمين.
وقد رفعت الحركات
الإسلامية
شعارات تستبعد
التغيير وتتسلح
بموقف محلي
وكوني يستند
إلى مفهوم
الانفصال
عن المجتمع
وعن العالم
الخارجي،
وإقامة جدار
من التنافر
بين عالمي
الإسلام والغرب.
لكن المبادئ
والشعارات
من قبيل: «الاستخلاف
في الأرض»،
و«الحاكمية»،
و«حتمية الدولة
الإسلامية»،
لم تعد تمثل
فقط وعوداً
مثالية وفارغة،
بل باتت تلقي
بالمسلمين
إلى التهلكة
والدمار،
وتخرج عن الحدود
الكبرى التي
أرادها الإسلام،
والقائمة
على حلول تفضي
إلى العدل
والمصلحة.
إضافة إلى
كونها وليدة
الظروف الصعبة
التي مرّ بها
العالم العربي
والإسلامي
في العصر الحديث،
وثمرة انسداد
الآفاق التي
وصلت إليها
حال العرب
والمسلمين.
وفي ضوء المتغيرات
الجديدة،
خصوصاً في
ما يخص الفكر
الإسلامي،
نقف على ردّة
فظيعة، عرفها
مجال تطور
الأفكار والعقائد
في الفكر الإسلامي
وفي المجتمعات
الإسلامية،
حيث انقلبت
إرادة الإصلاح
والبحث عن
الخلاص من
الفوات إلى
إرادة محافظة
متصلبة، إرادة
جاهلة وحاقدة،
تقابلها إرادة
الاستبداد
في النظام
العربي الإسلامي،
التي ترفض
التعدد والاختلاف
وقبول الآخر،
لذلك يتألم
صخر أبو فخر
حين ينظر في
مجتمع ينتصر
لحسن البنا
وسيد قطب والمودودي
والندوي والقرضاوي
على حساب علي
عبد الرازق
وطه حسين ومحمد
عبده ونصر
حامد أبو زيد،
لكن المؤلم
حقاً هو أن
غالبية المسلمين
باتت تعيش
تحت كنف مفهوم
التكليف والفتاوى،
وصارت تستمع
وتطيع وتطبق
ما يكلفهم
به أصحاب العمامات
من أحكام دينية
ودنيوية،
أولئك الذي
يدّعون ـ كذباً
ـ النطق باسم
الله.
وبعد التجوال
الطويل، يركن
أبو فخر إلى
بلاد البحر
والصخر، وبالذات
إلى بيروت
التي يتمنى
أن لا تنكفئ
أنوارها،
أو ينحسر دورها
الثقافي والإعلامي،
وأن يبقى صدرها
رحباً أمام
التعددية
والتسامح
وقبول الآخر،
لكن ما يحدث
اليوم في بيروت
يلقي بأكثر
من سؤال حول
حاضر ومستقبل
هذه المدنية
ومعها لبنان،
أرضه وناسه.
عمر
كوش / كاتب سوري