
نوبل
الآداب لدوريس
ليسينغ عيـن
الشـر، قـفـص
الصـراع
طال
الوقت قبل
أن يحصل إنكليزي
آخر على جائزة
نوبل. في الانتظار
توفيت إيريس
ميردوخ، وبقيت
دوريس ليسينغ
20 عاماً على
لوائح نوبل
حتى انقطع
الأمل، وحين
سمتها لجنة
الجائزة أخيراً
تعبت في العثور
عليها فقد
خرجت تتسوق
خالية الذهن
من الجائزة
التي جاءتها
أخيراً على
غير انتظار.
دوريس ليسينغ
على كل حال
إنكليزية
بالكاد فقد
ولدت في «كرمنشاه»
في إيران وعاشت
في روديسيا
«زيمبابوي
اليوم» حتى
الثلاثين
وطالما اعتبرها
الكثيرون
مثل غوديمار
التي سبقتها
الى نوبل أفريقية
جنوبية. أما
أدب ليسينغ
فيحمل من أفريقيتها
بقدر ما يحمل
من إنكليزيتها
وسيرتها الثلاثية
وخاصة جزءها
الأول «تحت
جلدي»، كما
أن كتابها
«قصص أفريقية»
شاهدان على
ذلك.
لم تمنح
نوبل هذه المرة
لكاتب مغمور
فدوريس ليسينغ
كما قالت حين
وصلها أخيراً
نبأ الجائزة
قد منحت كل
الجوائز الأوروبية
وروايتها
الأخيرة «الصدع»
كانت على لائحة
جائزة بوكر
لهذا العام.
نالت ليسينغ
كل الجوائز
وانتهت كما
قالت إلى الجائزة
الكبرى. كتبها
التي نيفت
على التسعين
مترجمة لكل
اللغات بما
فيها العربية
«العشب يغني»
عن دار الهلال،
وشهرتها ككاتبة
بالطبع وكمناضلة
أيضاً طبقت
الآفاق. نوبل
إذن تتوج شهرة
كاتبة عدت
دائماً بين
الشهود البارزين
على عصرنا.
لا مفاجأة
إذن وإذا كان
هناك من مفاجأة
فهي تأتي من
طرف آخر. حازت
ليسينغ الجائزة
وهي في الثامنة
والثمانين
أو تقترب من
الثامنة والثمانين
(مولودة 1909) إنها
تقريباً عميدة
السن بين حائزي
نوبل، من قبل
أعطيت الجائزة
لسفيرن الثمانيني
وهو على سرير
المرض ولم
يلبث أن فارق
الحياة، أما
ليسينغ التي
تكبره سناً
فقد جاءتها
الجائزة وهي
تتسوق، إنها
بالقياس الى
عمرها فتية.
لقد حافظت
على شبابها
النسبي، ربما
لفرط ما صارعت
ولا تزال الى
الآن في الحلبة.
إنها كما توصف،
أنيقة طلقة
عنيدة مندفعة
ولا يجازف
كثيرون بمعارضتها،
ثم إنها منذ
كرّست نفسها
للكتابة وهي
في السادسة
والثلاثين
لا تزال أعمالها
تتدفق، آخر
رواياتها
«الصدع» صدرت
هذا العام.
لم تتوقف عن
الكتابة ولم
تتوقف عن الاستفزاز
والقتال. آخر
رواياتها
«الصدع» تنطلق
من خرافة علمية
تقول بأن الرجل
متأخر في الخلقة
عن المرأة
وأن المرأة
هي أساس الإنسان.
أما روايتها
«الجدتان» التي
كتبتها في
السابعة والثمانين
فتروي حكاية
امرأتين انفصلتا
عن زوجيهما
لتربيان ولديهما
وفي النتيجة
غدت كل منهما
عشيقة ابن
الآخر. في الرواية
فضلاً عن انتهاك
المحارم صبغة
مثلية. هذه
هي دوريس ليسينغ،
الثمانين
لا تخرجها
من الحلبة
وفي الثمانين
لا تزال تصدم
وتفاجئ، ربما
هنا سر شبابها.
قد تكون
حياة ليسينغ
وبخاصة طفولتها
قصة «جرح يمشي
على قدمين»
كما وصفتها
هي. حياة في
أسرة صارمة،
أب خسر قدميه
في الحرب وأم
أشفقت عليه
أكثر مما أحبته،
وهجرة إلى
زيمبابوي
بحثاً عن ثروة
لم تتوفر وتوفر
بدلاً منها
الفقر والحاجة.
مراهقة متمردة
جعلت دوريس
تغادر الأسرة
في الثالثة
عشرة وتعمل
وتتزوج وتنجب
في الخامسة
عشرة لتنتهي
من الزواج
في التاسعة
عشرة. لم تكمل
ليسينغ تعليمها.
لقد دخلت التجربة
باكراً جداً،
وفي التاسعة
عشرة كانت
قطعت شوطاً
فيها، زواج
وإنجاب وطلاق
وعمل، لقد
فعلت كل شيء
بنفسها تماماً
كما حصل لبطلة
روايتها النابغة
«المفكرة الذهبية»
التي صارت
إنجيلاً للحركة
النسوية. هذه
مثل المؤلفة
تتخلص من زواجها
وبيتها وعملها
وأسرتها لتقع
في انهيار
عصبي لا تلبث
أن تخرج منه.
لم تحب
دوريس ليسينغ
اتيكيت المناضلة،
قالت إنهم
اعتبروها
دائماً «نسوية
ومعادية للبيض،
وسلمية ولم
يبق إلا أن
ينعتوني بالصوفية».
قالت إنها
تمقت «بطاقة
الكاتب الملتزم
التي لم يكفوا
عن وصمي بها،
ما من رواية
سياسية لي،
إنني أصنف
مواقف وأوضاعاً،
لست سوى كاتبة».
كل هذه التصريحات
لم تجد في أن
تحررها من
هذه الصفة
الملازمة
ولا هي فعلت
شيئا في سبيل
ذلك، لقد استمرت
في اتخاذ مواقف
فهذه طبيعتها.
واستمر الآخرون
في استقبالها
كمناضلة،
ومهما ضاقت
دوريس ليسينغ
بذلك فإن جزءاً
من شهرتها
يعود إليه
لقد بدأ الأمر
في أفريقيا،
كانت ليسينغ
بيضاء في وسط
أسود، وعاينت
ما يعانيه
السود وحين
عادت الى زيمبابوي
كصحافية وقابلت
في الخمسينيات
رئيس الدولة
الأبيض، كان
ما نشرته بعد
ذلك كفيلاً
بوضع اسمها
على لائحة
الممنوعين
من دخول زيمبابوي.
ثم كان بعد
ذلك أن تغيرت
الأوضاع وعادت
ليسينغ لتلقى
في بلدها الأول
استقبالاً
شبه رسمي،
لكنها حين
تصدت مؤخراً
لديكتاتورية
«موغابي» رجع
اسمها الى
لوائح الممنوعين
من الدخول.
روايتها الأولى
«العشب يغني»
التي كرستها
روائية مهمة
تروي انجذاب
امرأة بيضاء
الى خادمها
الأسود الأمر
الذي تعيشه
هي كعار بينما
يدفع هو ثمنه.
بعد
ذلك لا تتوقف
ليسينغ عن
الصراع انها
مناضلة في
سبيل السلم
وضد التسلح
النووي. في
هذا السياق
التقت ليسينغ
بكيسنجر الشاب
الباحث يومذاك،
أراد أن يلتقي
بيساريين.
قالها لها
كيسنجر إن
القنبلة النووية
قد يكون فيها
بعض الخير
للإنسانية.
أما ليسينغ
فردت بأن جوابه
سخيف. سخيف.
هذه كلمة محببة
لليسينغ وطالما
استعملتها
في نعت كثيرين.
إنها
أيضاً النسوية
التي عدّت
روايتها «المفكرة
الذهبية» الإنجيل
الثاني للحركة
النسوية بعد
الجنس الآخر
لبوافوار.
مع ذلك فاجأت
مستمعاتها
في معرض الكتاب
في اديمبورغ.
جئن ليستمعن
إلى الرائدة
النسوية اللواتي
وجدناها تهب
الى نجدة الرجال
قائلة إنها
«مصدومة من
النزوع الآلي
وغير المعتبر
الى التقليل
من قيمة الرجال
والذي غدا،
في غفلة عنا،
جزءاً من ثقافتنا»
قالت ان معلمة
قالت لها إن
الفتيات ممتلئات
من ذواتهن
فيما الصبيان
يجلسون منحنين
على ذواتهم
معتذرين عن
وجودهم» وانتهت
الى أن «ثمة
نساء جاهلات
غبيات وتفهات
يقللن من اعتبار
رجال ألطف
وأذكى». ليسينغ
تأتي دائماً
من حيث لا يتوقع
أحد وكلامها
في معرض الكتاب
وصل الى كل
أوروبا، وأثار
في كل مكان
جدلاً. كانت
تلك كما دعتها
الصحف، والغارديان
التي بدأتها
خصوصاً، قضية
ليسينغ.
إنها
قضية ليسينغ
لكنها ليست
القضية الوحيدة
فهذه المرأة
التي توصف
بعينيها الثاقبتين
وهجوميتها
وقدرتها على
السخرية محترفة
قضايا. صحيح
أنها تركت
الشيوعية
(زوجها الثاني
الذي هجرته
أيضاً شيوعي)
في الخمسينيات
بعد التدخل
السوفياتي
في المجر إلا
أنها لم تهجر
القضايا التي
أخذتها الى
الشيوعية
وفي أساسها
التمييز العنصري
والطبقي. وأدبها
هو أيضا أدب
صراع، إنه
أدب قاس وعنيف
وعار وفضائحي.
أدب يصف في
العادة أناساً
محبوسين في
معتقداتهم،
ويواجهون
بدون وعي مبلغ
الأذى الذي
يسببونه للغير
وأحيانا لأنفسهم.
يصطدمون ببعضهم
البعض وتتحول
حتى علاقات
الحب الى مجال
للأذى، وإذا
استفاقوا
على أخطائهم
لا يسبب لهم
الوعي الجديد
إلا مزيداً
من الأذى،
ما من رومانطيقية
من أي نوع،
رغم أن ليسينغ
تقول عن الإنكليز
إنهم رومانطيقيون.
أدب ليسينغ
هو أدب قضايا
وهو من هذه
الناحية أدب
ملتزم وسياسي
مهما كان رأي
ليسينغ فيه.
قالت لجنة
نوبل في تبريرها
للجائزة إنها
تمنح للسينيغ
لروايتها
الملحمية
للتجربة النسائية،
والحق ان أدب
ليسينغ هو
بين أكثر الآداب
المعاصرة
نفاذا الى
الشر الإنساني.
العنف في الخارج
كما هو في الداخل.
إنه ضد الآخر
وضد الذات.
وإذا كانت
ليسينغ يسارية
ولا تزال إلا
أنها ليست
محكومة بالأمل
انها ترى الشر
وتعلن حقيقته،
بيد أنها رغم
ذلك تقول في
الثامنة والثمانين
«حان الوقت
لأن نتعلم».
عباس
بيضون