
لا يخفى أن للشعر مهمة جليلة ولولا
هذا الجلال لما عُدَّ الشاعر بمنزلة النبي))،[1]) ولأن الشاعر على وفق هذا الرأي صاحب رسالة
مهمة في حياة الجماعة، فمن البديهي أن يكون أكثر من غيره خبرة وحساسية)).[2])
من هذا المنطلق كان للشعراء الرواد دورهم في خدمة مجتمعهم من خلال دورهم السياسي
دفاعاً عن حقوق الوطن والأمة. وهم وإن اختلفت وسائلهم، وتباينت وجهات نظرهم حول
المنهج والأداة، إلا أن عملهم السياسي تجوهر في خدمة مصلحة الجماعة وفي الوقت الذي
تشابهت فيه بدايات السياب والبياتي وبلند الالتزام بتنظيم سياسي محدد فإن تجربة
نازك تخطت التنظيم الحزبي إلى أفق وطني وقومي أشمل.
أما السياب فربما تحمل من آلام العمل
السياسي وإخفاقاته أكثر مما تحمله الآخرون من الشعراء الرواد: فقد دخل المعتقلات
وأكل مع الضحايا في صحاف من دماء)) وشارك الفم المسلول) وعاءه، وشم ماسلخ
الجذام من الجلود)) على ردائه.[3])
كما فصل من وظيفته وعرف الحاجة والفقر، وانتهى به الأمر مُطارَداً خارج وطنه في
إيران، ثم في الكويت، حيث عاش فترة ذاق فيها ذل الغربة وانكسار النفس ووحشة الروح.
[4])
وهناك حيث تضيق به سبل العيش، يعيش غربتين: نفسية ومكانية قد يعجز عن احتمالهما أي
إنسان مهما كان حظه من الجلد والعزم، فما بالك بالسياب وهو من عرف بالإحساس
المرهف، والجسد النحيل، ولقد كانت
قصيدته غريب على الخليج)) نشيد كل المكافحين عن أوطانهم، ففيها تتجلى غربته
الحادة. كما يتجلىإيمانه بوطنه، إلى جانب ذل حاله، يقول الشاعر:
الريح تلهث
بالهجيرة كالجثام على الأصيلْ
وعلى القلاع تظل
تُطوى أو تُنشر للرحيلْ
زحم الخليج بهن
مكتدحون جوابوّ بحارِ
من كل حافٍ نصفِ
عاري[5])
وتمضي القصيدة في استذكار الماضي،
والتقاء الشاعر بوجه أمه، وعودته طفلاً يخاف الأشباح بين النخيل وقت الغروب، ثم
صبياً وهو يستمع إلى أقاصيص السمّار، حتى إذا يلتفت إلى حاضره الموجع يتفجّر حنينه
إلى العراق فيتوق إلى ليلة صيفية ينام فيها على الوسادة. شاكياً ما يقاسيه في
غربته من عطف الأجانب، وبؤس حاله.[6])
إن ما أراده الباحث من نثر هذه
القصيدة هو بسط حال الشاعر الذي سيؤول به إلى الخروج على التنظيم، فربما اعتقد
السياب أنّ انتسابه إلى هذا التنظيم بالذات هو الذي أدى به إلى التشرد، ومعاناة
ماعاناه من آلام، لعلها كانت السبب -فيما بعد- في مرضه. وإذا صح أن تاريخ القصيدة
هو العام 1953 كما هو مثبت في ذيلها،[7])
فهو العام نفسه الذي شهد خروج بدر من التنظيم: فقد انتسب بدر للحزب عام 1945 وظل
فيه لمدة ثماني سنوات،[8])، ومايهم
الباحث هنا هو أن خروجه على التزامه ضاعف غربته الاجتماعية الفكرية التي كان يعاني
منها من قبل، فقد جرَّ عليه خصومات جديدة وأثار على موقفه أكثر من شبهة، هذا
بالإضافة إلى أن انتكاسة الوضع السياسي بعد ثورة 14 تموز من عام 1958، وانقسام
الحركة الوطنية، أصابت الشاعر ببعض الشظايا، الأمر الذي أدخله في دوامة نفسية قاسية
بسبب الاعتقال، والفصل من الوظيفة، والحاجة إلى المال. يقول الشاعر في قصيدة
العودة إلى جيكور)):
جيكور، جيكور:
أين الخبز والماءُ؟
الليل دافئ وقد نام الأدلاءُ؟
والركب سهران من
جوع ومن عطش
والريح صَرٌّ،
وكلُّ الأفق أصداءُ[9])
وكلما حاصره خصومه، اشتدت غربته، فها
هوسربروس) يعرش في الدروب لا لينال منه وحده، وإنما أيضاً ليمزق الصغار، ويقضم
العظام، ويشرب القلوب[10]) فربّما أحس
أن مأساته هي مأساة الملايين سواه. هكذا هو حال السياب، دخل المعترك السياسي
مغترباً، وخرج منه أشد اغتراباً لأنه قذف بنفسه في لجة الصراع ولم يقف على حواشيه،
ولأنه أحب العراق حدَّ العشق فإن كُلاً من التزامه الحزبي، وانسلاخه عبَّر عن
ذلك العشق لبلده ومن فيه)) على حد تعبير جبرا إبراهيم جبرا.[11])
أما مايعتقده بعضهم من أنه دخل الصراع
السياسي ضعيفاً مهزوزا))[12]) فهو رأي
تدحضه الوقائع لأن ما نهض به السياب من تبعات العمل السياسي ابتداء بالمشاركة
الفعالة في التظاهرات، مروراً بالاعتقال والفصل من الوظيفة، والتشرد خارج الوطن،
وانتهاء بالعودة إلى الوطن، وتعاطي العمل السياسي بأشكال جديدة، إن كل ذلك لا
علاقة له بالضعف والاهتزاز، إن لم يكن ذا صلة وثقىة بالصلابة، والقوة.
ويدخل البياتي المعترك السياسي دخول
البطل، فقد نشأ اغترابه الاجتماعي، في جانب منه، على الاستعلاء كما رأينا، ويبدو
أنّ هذا الاستعلاء تضاعف من خلال الموقف الفكريّ الجديد، ولهذا نسمعه يقول:
شيد مدائنك
الغداة
بالقرب من بركان
فيزوف ولا تقنع
بما دون النجوم[13])
ولكن آثار الاغتراب السياسي تتسلل إلى
نفسه رويداً، فقد اختار طريق الثورة مع قلةٍ وسط الملايين الصامتة، الأمر الذي
جعله يشعر بالوحدة أمام مخاطر الالتزام الجديد،وها هو ذا أشبه مايكون بالمسافر
الذي لا يحمل حقائب، لأنه مسافر داخل نفسه وغريب في وطنه، يقول الشاعر:
من لا مكانْ
لا وجه، لا تاريخ لي، من لا مكانْ
تحت السماء، وفي
عويل الريح أسمعها تناديني: تعالْ))
لا وجه لا تاريخ
أسمعها تناديني:تعالْ))[14])
إن غربته السياسية عما حوله، وعمن حوله،
أسمعته نداء الأمسيّات البعيدة القادمة من أفق آخر، ولأنه وحيد، كما يشعر، فقد
توقع الإخفاق، فالآخرون موتى)) ولذلك فقد عاد مخذولاً.
وعندما كان يحترق في أتون النضال، مر
به الآخرون غير عابئين به، يقول:
وحدي احترقت أنا
وحدي وكم عبرت
بيَ الشموسُ ولم
تحفل بأحزاني[15])
فلأنه وحيد كقطرة المطر العقيم))[16])
فقد بدأ يشعر بالوحشة:
|
وحدي بلا
وعد
|
|
أصيح يا أنتِ
|
|
تغمرني وحشةٌ
|
|
والليل لم يأتِ[17])
|
ولكن الشاعر لا يستسلم للتشاؤم المغلق[18])لأن
طموحه لا يتوقف أمام شعور اغترابي ربما توهمه عابراً، ولأنه لم يزل بطاقته الفكرية
والجسدية فلم يتعرض لما تعرض له السياب مثلاً من سجن وتشريد يستنزفان حماسه
وقدراته، ولهذا وطَّن نفسه على الارتحال عبر البحار النائيات)) حيث مغنى
النساء الساحرات، والخمر، والدموع)).[19])
وهكذا يرتحل الشاعر من وطنه، إلى بلاد الغربة، سلاحه الشعر، وغايته الدعوة للعقيدة
التي آمن بها. وفي منفاه الاختياري يتأرجح بين أوجاع الاغتراب، وآمال الانتصار
الشخصي لإثبات وجوده، والوصول إلى ما يبتغيه من مجد. يقول الشاعر في قصيدة بطاقة
بريد إلى دمشق)):
كنت جائعْ...
كنت في معركة
الخلق أطالعْ
وجهك الحلو،
فأنسى يادمشق
غربتي
وحشة أيامي
عذابي
وأنا أقتحم
التاريخ من باب لبابِ[20])
لا خلاف في أن الشاعر يحس بوطأة
الاغتراب المكاني، وربما الروحي ولكنه يحاول أن يتحامل على تلك الوطأة من خلال الإصرار
على السعي في سبيل غايته، ولذلك فقد خلّف عواطفه في دمشق إحدى محطات حياته الجديدة
متخذاً من بلاد الغرب والغربة مقراً لدعوته، يقول الشاعر:
مائدتي موحشةٌ
ومقعدي جليدْ
يادمية تجهل ما
تريدْ
...
أنا إذا استيقظ
فيك الشوقُ
إنسانٌ من
الجليدْ
عواطفي تركتها هناك
في دمشق[21])
لقد أصبحت المدن والأقاليم التي
يرتادها الشاعر جزءاً من حياته الجديدة ولهذا فإن ما كتبه من شعر هناك لم يكن
بكائياً، وربما اختفى أي أثر اغترابي من بعض نصوصه التي يفترض أنها تعكس شكواه من
الغربة، فقول الشاعر:
إلهي أعدني
إلى وطني عندليبْ
على جنح غيمهْ
على ضوء نجمةْ
أعدني فلّهْ
ترف لي صدر نبع
وتلّهْ[22])
لا ينطوي على أي هاجس اغترابي كما يرى
الباحث وكذلك قوله:
ماذا تقولين إذا
عدنا إلى الوطنْ
ولم نجد هناك من
يعرفنا
أيا عصفورةَ
الشجنْ[23])
فقد عرض النص الأول ادعاء الشاعر من أجل
العودة، وقدم للنص الثاني سؤالاً عمن سيعرفه بعد العودة، ولا يرى الباحث ضرورة في
إيراد أمثلة أخرى على غياب الباحث الاغترابي، أو ضعفه، لأن هاجس البياتي كان قد
تمحور حول هدف محدد هو: انتزاع موقع عالمي في حركة الشعر الإنساني، وهذا الهدف لا
تصنعه الدموع، والآهات، وإنما الصبر، والاحتمال، والتأقلم، وقد وعى البياتي ذلك
جيداً والباحث لا يريد أن يسلب الشاعر رهافة حسه، ورقة عواطفه، وإخلاصه في الحنين
إلى وطنه، ومرابع صباه، فقصائده حافلة بهذه العواطف والمشاعر، ولكن الشاعر وقد ركب
مغامرة التجوال، عرف أية مشاعر يسوِّقها في شعره، لكي تتكافأ مع الأحلام الكبيرة
التي ارتحل من أجلها. فها هو يخاطب ابنه:
لم أنت حزينْ؟
سنوات التكوينْ
سنوات الفرحةْ
والعالم يولد في
لمحةْ
في وجه أبيك
الشاعرْ
الثائرْ[24])
وعلى وفق هذا التوصيف فإن ماكان
يعانيه البياتي من مشاعر الاغتراب المكاني في منفاه الاختياري كان عنده ما يساويه
من عناصر النزوع والتجاوز. يقول في إحدى قصائده:
باريس في الشتاءْ
تدثرت بالثلج
والفراءْ
فما لقلبي ظل في
العراءْ؟[25])
وهكذا هو البياتي: كلما أحس بوطأة
الاغتراب أتى برد فعلٍ معاكس له.
ويدخل بلند الملعب السياسي متعباً،
وقد امتلأ بتشاؤم كيتس وأبي العلاء، ورومانسية محمود حسن اسماعيل، وتمرد إنسان
الياس أبي شبكة، وعبث أبي نواس، ولذلك لم يكن صوته جهيراً شأن شعراء السياسة،
وإنما كان هادئاً تجاوز خطابية السياب وعنف البياتي، واعتمد الرمز، والإيحاء،
والحوار الداخلي، وتتضح غربته في جانبها السياسي رؤى محزون، ولكنها رؤى شفافة
وندية، فاغترابه المزدوج الاجتماعي الروحي لم يكن ليسمح بالتخلي ولو عن بعض طاقته
لتعبير سياسي عالي النبرة، وتشي قصيدته اعترافات من عام 1961)) بإيماءات خجول عن
تلك المرحلة السياسية الحرجة، التي عانى فيها الشاعر بسبب التزامه السياسي، يقول
بلند:
وأنا كنت من
الثوارْ
وعرفت النوم على
الاسمنت الباردْ
مثل القرن
العشرينْ
وعرفت السجانين
الثوارْ
وعرفت المسجونين
الثوارْ
وعرفت بأنَّ
الثوارْ
قد تقلع ظفري
قد تصلب كل صباح
حلاّجاً في صدري[26])
وقد تأرجح موقف الشاعر بين اليأس وبين
الأمل، أما اليأس فلأنه عرف الواقع، وتقرّى حقيقة الصراع الدائر فيه لذلك لم يتورع
عن الجهر بنفض اليد عن حطام الربيع المتبقي، يقول:
أنا لملمتُ دروبي
فالربيعْ
مثلما ضاع ربيعٌ
وربيعٌ، سيضيع[27])
فقد أيقن أن عالمه الجديد يحيا بلا
قلب))[28]) وأنه بلغ الأربعين
من عمره وعلى يديه أكداس أحلام، تموت بلا غد))[29])،
ولكنه مع ذلك لا يُسلِم اليأس كلَّ أوراقه، فهو أولاً صاحب قضية، ليس أمامه إلا
الانتظار حتى الرمق الأخير، وهو ثانياً محاصر بالاغتراب: اجتماعياً، ونفسياً،
وسياسياً، واليأس المطلق يخنقه، وقد يقضي عليه، ولذلك حسبه بعض الأمل يستعين به
على مواصلة حياته، وهو زاحفٌ غير قائم، يقول:
وأظل أزحف في
الصراعْ
يهوي شراعْ
وتموتْ في جنبي
ذراعْ[30])
وفي منفاه خارج الوطن لن يكون أحسن
حالاً منه داخل الوطن، فالمنفى لشاعر مثل بلند غربة روحية، واغتراب مكاني، وليس
ثمة غير ضجيج الآلة، والشتاء الدائم، وهما على النقيض مما ينشده بلند من الهدوء
والدفء. ولأنه عرف هناك الحل والترحال فقد أشعره ذلك بأنه حقيبة))، إنه شيء من
الأشياء،والتشيؤ أحد مظاهر الاغتراب، يقول بلند:
هذا أنا
ملقى هناك
حقيبتانْ
وخطى تجوس على
رصيف لا يعودُ
إلى مكانْ
من ألفِ ميناء
أتيتْ
ولألف ميناء
أصارْ
وبناظري ألف
انتظار[31])
ولعل الموت هو ما ينتظره الشاعر الذي
عجز عن زحزحة صخرة الاغتراب عن صدره المتداعي، فالموت يظل هاجس المغترب، المتشرد
بلا أمل، والمزحوم باليأس، يقول بلند:
وها أنا أموت يا
أختاه
كما يموتُ الرب
في منفاه[32])
إن بلند، خلافاً للبياتي، بقي خالي
الوفاض من كل طموح أدبي، أو ثوري، أو إنساني، فقد تحكمت فيه إحباطاته، وألقت به في
إحدى زوايا العالم نسياً منسياً.
أما نازك الملائكة فقد تعاملت مع
السياسة من خلال مشاعرها القومية. فقد كتبت عدة قصائد منها: أغنية للأطلال
العربية، وثلاث أغنيات عربية، والوحدة العربية، وثلاث أغنيات شيوعية[33])وتفصح
هذه القصائد عن أحزان الشاعرة لما حل بالأمة العربية من نكبات مثل ضياع القدس،
واغتيال القادة الفدائيين الثلاثة ببيروت، واحتلال الجنوب اللبناني، وللمجازر التي
ارتكبت في العراق في العام 1959 حيث اضطرها النظام القائم آنذاك إلى الإقامة
ببيروت.[34])
ويرى الباحث أن اغتراب الشاعرة
السياسي يكاد لا يبين لأن اغترابها الاجتماعي- الروحي استغرق ذتها. فخلاف الشاعرة
الأساسي كان مع المجتمع الذي انغمس في ترف العصور)) دون شعور بقدسية الحياة، ومعرفة
بكنهها[35]) وهاهو
المجتمع نفسه يتقاعس عن حماية مقدساته، ويعجز عن مواجهة أعدائه الذين يغزونه في
عقر داره، لأن هزيمة المجتمع في الجانب القومي والسياسي هي نتيجة لهزيمته في
الجانب القيمي والاجتماعي وهو ما أدركته الشاعرة مبكرة، فمنذ أن وعت نازك الحياة
أدانت المجتمع، ورفضت قيمه، وهاهي الآن تلخص حياته التي استمرأها في ظل الغزو
الأجنبي، ففي الوقت الذي يصول العدو فيه ويجول في الأرض العربية، ينشغل العرب عنه
بسماع الأغاني، تقول الشاعرة:
أغنية جديدة تنشدها نجاةْ
هذا المساء حفلة
ساهرة وعشر راقصاتْ
عري وخمر، خاسر من
لم يذق
الكأس تلو الكأس
حتى يترنح الأفق[36])
إن اغتراب الشاعرة المركب قد استأثر
بأفضل مالديها من دم القلب: الشعر، ولم يترك لمشاعرها السياسية سوى هذا الشعر
التقريري الذي تتعزَّى به عن الكوارث القومية.
اتخذ الشعراء الرواد مواقف متنوعة من
المدينة تراوحت بين الرفض والقبول والتعاطف، كل بحسب الظروف التي نشأ فيها، وأشكال
الاغتراب التي عانى منها، ولذلك نرى أن للشاعر أحياناً أكثر من موقف تمليه عليه
نظرته إلى المجتمع، فالموقف من المدينة يكاد أن يكون صدى للموقف من المجتمع.
فالسياب شاب ريفي نازح من قرية صغيرة
ودخل المدينة وهو يعاني من الغربة الاجتماعية، فلا عجب إذا نفر من بغداد مثلاً
لأنها عجزت أن تمحو صورة جيكور أو تطمسها في نفسه))[37])،
كما يقول إحسان عباس فقد خذلته عاطفياً وسياسياً، يقول:
وتلتف حولي دروب
المدينةْ
حبالاً من الطين
يمضغْن قلبي
......
حبالاً من النار يجلدْن عُريَ الحقول الحزينةْ[38])
فقد قتلت المدينة في نفسه صورة جيكور
وبراءتها وطهرها، في الوقت الذي كان يرجو فيه أن تُداوي جراحه، وتحقّق أحلامه. من
أسباب نفور السياب من المدينة: إنها بخيلة لا تجود كما تجود القرى سخاء، ونقاء،
وحباً، يقول:
مدينتنا تؤرق
ليلها نار بلا لهبِ
.......
سحائبُ مرعدات
مبرقات دون أمطارِ[39])
ومن تلك الأسباب: قسوة المدينة، التي
تجسدت في توسعها على حساب الموتى من أجل إشباع نهم أربابها الطبقيين الذين يمارسون
الاستغلال ابتغاء الحصول على حفنة من النقود لا تساوي عظام الموتى البالية، يقول
الشاعر:
وأوقدت المدينة
نارها في ظلّةِ الموتِ
تقلّع أعينَ
الأموات ثم تدسُّ في الحفرِ
بذورَ شقائق
النعمان، تزرع حبة الصمتِ
لتشعر بالرنين من
النقود وضجّة السفرِ[40])
وهناك القهر السياسي الذي ارتبط
بالمدينة ونال منه السياب المطاردة، والسجنَ، والتشردَ، يقول الشاعر:
..........سر
بروس في الدروبْ
في بابل الحزينة
المهدّمةْ
ويملأ الفضاء
زمزمةْ[41])
فـ سر بروس)) رمز الطغيان السياسي الذي انتصب في
المدينة جبّاراً يشيد السجون والملاهي والبارات والمباغي،[42])
تلك الرموز التي كرهها الشاعر واقترنت عنده بابتلاع الإنسان، واغتيال آدميّته.
وثمة داع آخر يسميه الباحث بالاقتصادي فقد عانى السياب من الفقر، في الوقت الذي
تمتع فيه نفر جاهل بالثروات الهائلة، ولما كانت المدينة مقرّ المال فقد ارتبطت
عنده بالطغيان الاقتصادي.
يقول:
وبين الضحى
وانتصاف النهارْ
إذا سبحّتْ باسم
ربّ المدينةْ
........
رحى معدن في
أكفِّ التجارْ
لها ما لأسماك
جيكور من لمعةٍ واسمها من
معانٍ كثار[43])
ولا يخفى أنّ ذلك يمثّل موقفه حيال
الظلم الطبقي الذي ابتنى رفاهه وسعادته من عرق الآخرين، وثمة داع آخر يسميه الباحث
بالعاطفي لأنه يتصل بتجارب السياب
الغرامية التي خرج فيها بِخُفّيْ حنين. فالقراءة النفسية لبعض نصوص الشاعر
قد تعين على فهمها فهماً صحيحاً، واستخراج المعنى الذي واراه الشاعر: فلنقرأ له في
قصيدة أم البروم)):
فأين زوارق
العشاق من سيارةٍ تعدو
ببنتِ هوىً؟ وأين
موائد الخمّار، من سهلٍ
يمدّ موائد
القمرِ
على أمواتك
المتناثرين بكل مُنحدرِ[44])
إن المعنى المباشر الذي ينطوي عليه
النص هو تعلق الشاعر بالقرية، ومقارنتها بالمدينة بدليل الأبيات التي سبقته:
صدى من غمغمات
الريف حول مواقد السحرِ....الخ[45])
ولكنّ السياق يستدعي تفسيراً نفسياً:
فلا يعقل أن يكره السياب السيارة)) ولا يبدو منطقياً أنْ يكره موائد الخمر وهو
الذي عرف بمعاقرتها. إن معنى آخر يكمن في النص، والرجوع إلى قصيدة أحبيني)) ربما
سيكشفه. ففي هذه القصيدة التي يستعرض فيها الشاعر أو ضاع حبيباته، يستوقفنا قوله:
وتلك كأنّ في
غمازيتها يفتح السحرُ
عيونَ الفل
واللبلاب، عافتْني إلى قصر وسيّارةْ
إلى زوج تغيَّرَ
منه حال.......[46])
إن هذه السيارة التي كانت سبباً في
احتياز حبيبته من قبل غيره أصبحت رمزاً بغيضاً لديه يفصح عنه كلما أسعفه لا وعيه،
وكما ارتبطت السيارة عنده بذكرى حزينة، كذلك ارتبطت موائد الخمر بذكرى حزينة أخرى.
ففي القصيدة نفسها نقرأ:
وتلك وزوجها
عَبَدَا مظاهر ليلُها سهرُ
وخمرٌ أو قمارٌ
ثم يُوصدُ صبحها الإغفاءْ[47])
الرمز الأسود ينتقل من السيارة إلى
موائد الخمر فقد انساقت حبيبته سلوى)) وراء زوج ساقها هو الآخر إلى ماكانت تشتهي
ويروق لها، السهر وموائد الخمر، وكذلك كان وعي الشاعر الباطن هو الذي يتحدث وهو
يشاهد ماتفعله ظواهر المدينة الحضارية من هدم لقبور الموتى، وتدنيس لحرمة الموت،
وما تثيره من ذكريات مريرة في نفسه.
وهناك داعٍ آخر بالإمكان تسميته بالنفسي:
فهو موقف من بعض مظاهر الحضارة التي تعيشها المدينة. فالمدينة خصمه: عاش فيها
خيباته العاطفية، وهزائمه السياسية، وقدتراكم في نفسه منها مايعبّر عنه أحياناً
بالرجوع إلى القرية الوادعة، البسيطة، التي لم يغزُها بعدُ هذه المظاهر/الجراثيم. ففي قصيدةجيكور والمدينة)) يقرن الشاعر
وجود السجن والمبغى بوجود الكهرباء:
وفي كل مستشفيات
المجانين
في كل مبغى
لعشتار
يطلقنْ
أزهارَهُنّ الهجينة
مصابيح لم
يُسْرِج الزيتُ فيها، وتمسسْه نار[48])
فالشاعر ينكر على هذه المصابيح أنها لا
تشتعل بواسطة الزيت، فكأن الشاعر قارن بينها -لا واعياً- وبين الكوكب الدريّ الذي
يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه
نار))[49]) فربما رأى
الشاعر في الكهرباء، وهي أيضاً أحد رموز المدينة -تحدّياً لخالق الكون، فهذا الرمز
الآلي لا يضيء المصابيح دون زيت فحسب وإنما لأنه يميت البشر أيضاً، فهذه لاة))
أم تموز تنعي ولدها الذي صعقته الكهرباء:
وترسل النواح:
ياسنابل القمرْ
دم ابنيَ الزجاج
في عروقه انفجرْ
فكهرباء دارنا
أصابت الحجرْ
وصكّه الجدار،
خضّه، رماه لمحة البصرْ
أراد أنْ يُنير،
أنْ يبدّد الظلام، فاندحرْ[50])
وقد يتمادى السياب في مناوءة
الحضارة)) المدمرة، فيرفع عقيرته ضد القطار أيضاً هو الآخر من رموز المدينة
الظالمة:
ترفع بالنواح
صوتها كما تنهّد الشجرْ
تقول: ياقطارُ،
ياقدرْ
قتلتَ -إذْ
قتلتَهُ- الربيعَ والمطرْ))[51])
فالقطار، مثل الكهرباء، قاتل، قتل
الربيع والمطر رمزيْ الحياة، والخصب والوجود.
لقد كانت المدينة على وفق الأسباب
التي ذكرناها عنصراً قاهراً، معتدياً، مسخ الإنسان، وعبث بمصيره من أجل غايات
دنيئة:
لتشعر بالرنين من
النقود وضجة السفر
وقهقهة البغايا
والسكارى في ملاهيها
وعصّرت الرنين من
النهود بكل أيديها
تمزّقهنّ
بالعجلات والرقصات والزُمُرِ
وتركلهن
كالأُكَرِ[52])
ولقد كان السياب منسجماً مع نوازعه
ومبادئه حين وقف ذلك الموقف من المدينة لأن صدمته فيها حادة ومزمنة))[53])
كما يقول إحسان عباس ولكنها ليست مبهمة))[54])
كما يرى، لأن تلك الصدمة لم تنشأ في المدينة وإنما نشأت بصورة اغتراب اجتماعي -
كما قدم الباحث - في جيكور، وقد زادتها المدينة حدة وتعقيداً بسبب مآسي الشاعر
الوجدانية والسياسية التي عرضها البحث.
أما البياتي فهو ابن المدينة، ففي
باب الشيخ)) نشأ وترعرع، يقول الشاعر:
حبٌّ من باب
الشيخ ورائي
يمتد كخيطٍ
مسحورْ
أمسكه فأرى بيتاً
يغرق بالنورْ
أتطلّعُ نحو
الباب المغلقِ
في عينيْ طفلٍ
مبهور[55])
وكان من المفترض أن تنشأ ألفة بين
الشاعر وبين المدينة ولكن ظرف اغترابه السياسي والاجتماعي ألهمته مواقف صنفها
الباحث في مرحلتين:
ففي المرحلة الأولى تشي النصوص
الشعرية بتعاطف مع المدينة ضد رموز العسف والقهر التي تربعت فيها، وبالإمكان
استشفاف موقفين: اجتماعي وسياسي أما الاجتماعي فينبثق من كون استيطان الوحش -رمز
الاستغلال- المدينة، والذي امتهن مصادرة ما تغله الحقول، تاركاً الفقراء ينتظرون
موتهم باستسلام القانع، يقول الشاعر:
ها هنا عالم يجوع
لتلهو في مقادير عيشه طاحونةْ
باعت الأرض
روحَها -وتأبّتْ أنْ تعي بؤسها -لوحش المدينةْ[56])
ويندرج ضمن الموقف الاجتماعي، اقتران
المدينة بالسل، والخوف، والجريمة، وهي نتائج حتمية لطبيعة المؤسسة السياسية آنذاك
التي تركت الشعب بين مخالب الفقر، والجهل، والمرض، وربما أوحى كل ذلك للشاعر أن
يقول عن المدينة إنها مدينة مزيفة))،[57])
يقول الشاعر في ذلك:
في ليالي الموت
والخلق، وفي الأعماقِ
أعماق المدينةْ
لم تزل كالهرة
السوداء، كالأم الحزينةْ
تلد الأحياء، في
صمتٍ، وأعماقُ المدينةْ
تبصق الموتى، على
الأرصفةِ الغُبْرِ السخينةْ[58])
ويتجسد الموقف السياسي في كون المدينة
إحدى ضحايا السلطة القائمة، ولذلك اتسم موقف الشاعر بالتعاطف مع المدينة ضد
النار)) التي التهمت الأخضر واليابس فيها، ضد الحاكم الذي أشعل المدينة بمن فيها
وما فيها، يقول الشاعر:
ومرت السنونْ
لكنني أفقت يا
أميرتي
من غمرة الجنونْ
ولم أعدْ أجتاز
في رأد الضحى
طريقَنا الواغل
في مجاهل الظنونْ
فالنار في مدينتي
امتدت إلى حدائق الليموْن[59])
وبسبب ذلك يعلن الشاعر إدانته لمن
استباح مدينته، واعتدى على حرماتها، فهي الآن غريبة مثله، تقاسي من العسف، وتعاني
من السأم، والخوف، يقول:
مدينتي استباحها
الغجرْ
مدينتي أهلكها
الضجرْ
مدينتي، القمرْ
يخاف من بيوتها
المنفوخة البطونْ
يخاف من عيونْ
حاكِمها الشرّير[60])
ولكن البياتي لم يُعدم الموقف القاسي على
المدينة حين تكون رمزاً للقهر السياسي والموت، ففي قصيدته خيبت مين)) يتحدث على
لسان جندي فرنسي عن باريس حيث البغايا الشقر، والعتمات، والمتسولون، وضريح
ميرابو وروسبير والفكر المهان تحت النعال))[61])
إذ يخاطب زوجته:
وأنا وأضواء
الحرائق، والجنودْ
وحصون لاووس))
المنيعة، واللظى والثائرون
بحرابهم، أبدأ،
برشاشاتهم، يتقدمون
الموت
للمستعمرين))![62])
أما في المرحلة الثانية فقد تطور موقف
الشاعر باتجاه الرفض لا سيما في قصائد القناع والسير الشخصية. ويبدو أن موقف الرفض
هذا وليد يأس الشاعر من وثوب المدينة على حاكمها، فاستدار نحو التراث العربي
والإسلامي والعالمي يختار منها شخصياته النموذجية من ثوار، وعشاق، ومتمردين فقراء،
ولان معظم هؤلاء حاربوا مدنَهم، أو حاربتهم مدنُهم فإن التزام البياتي، موضوعياً
وفنياً، لهذا الاشكال التاريخي أمر مفروغ منه.
في قصيدة موت المتنبي، يفتتح البياتي
مقطعها الأول بالدعوة على المدينة:
لتحترق نوافذ
المدينةْ
ولتذبل الحروف
والأوراقْ[63])
وإذا كانت المدينة)) هنا مبهمة
وعامة، فالشاعر في نصوص أخرى يسميها: فهي بابل، ومرة نراه يتحسر عليها لأنها تحت
قبة الليل، يقول الشاعر:
تموز لن يعود
للحياهْ
فآهِ ثم آهْ
بابل تحت قبة
الليل، للازاد ولا معادْ[64])
ومرة نسمعه
ينسبها إلى الشر:
بابل يا مدينة
الأشرار[65]).
لأن الحمل الذي كان ينتظره، كان
كاذباً فخلاص الوطن لم يزل بعيداً، فلم يبق إلا انتظار الفارس المجهول)) لكي
يبذر)) في بطنها بذرة الحمل الحقيقي. إن رفض الشاعر المدينة في هذه المرحلة، هو
رفض للواقع السياسي، الذي اتسّم بالتأزم، بل التفجّر، والتردّي حيث هزيمة الخامس
من حزيران، ولذلك يتصاعد غضب الشاعر، على المدينة: رمز المؤسسة السياسية، ويعلو
صوته لإحداث التغيير الثوري: دون جدوى.
أما بلند الحيدري الذي بالغ في اعتزال
المجتمع، فقد انعكس موقفه من المجتمع على موقفه في المدينة، في مرحلته الاغترابية
الأولى. فلم يزل شاباً، داهمته الغربة الاجتماعية، حين دخل المدينة حذراً، من
مجهول يخشاه، فدروب المدينة كما رآها أفعى ولكنه -مع ذلك- لم يتردد من ارتيادها[66])
على الرغم مما عرف من زيفها وهجنتها، يقول:
ماذا سأفعل في
المدينةْ؟
وسألتني:
ستضيع خطوتك
الغبية في شوارعها الكبيرةْ
ولسوف تسحقك
الأزقّات الضريرةْ
ولسوف ينمو الليل
في أعماقك الصماء
آمالاً حزينةْ[67])
وكان عليه على وفق هذه الرؤيا السوداوية
أن يعود إلى قريته ولكن قريته أصبحت مدينة هي الأخرى، يقول:
فلمن أعود؟
لقريتي
أو للشتاء يحزّ
أرصفة المحطة
...............
لا لن أعود...
لمن أعود وقريتي
أمست مدينةْ[68])