
الوجود
هنا.. شعرية
المزاوجة بين
الزمان والمكان
1
تعتبر مفردات
هذا الشاعر
واحدة من تجارب
القصيدة العراقية
الجديدة، القصيدة
التي تمتلك
من الوضوح
الكثير، وفي
الوقت نفسه
تحيلك الى
واقع إشكالي
غائر لم تكشفه
إلا التجربة
الذاتية للشاعر،
ليس ثمة استعارة
لتجارب أخرى،
ولا جماهيرية
منفرطة تناديها
القصيدة، ولا
شعارات أو
أيديولوجيات
كبيرة تغلفها،كل
ما فيها هو
وهج لتجربة
تجمع بين الذاكرة
والرؤية المكانية،
فالقصيدة التي
يكتبها الشباب
المنغمرون
بالتجريب،تعيد
إلينا طريقة
شعرية سبق
أن ظهرت في
الستينيات،
وهي مركزية
الأنا،بعد
أن أتت على
هذه المركزية
أفعال الحرب
فضيعتها في
مسارات الآخر
والوطن والأيديولوجيا..
اليوم تخرج
القصيدة عن
مداراتها المقيدة
تلك، لتنطلق
وجوديا في
خرائب الأمكنة
التي خلفتها
الحروب وفي
الزوايا العميقة
للذات وهي
تمعن التحديق
في الخراب
والتدمير،
لتعيد تشكيل
وجودها الذاتي
ثانية، إما
بحثا عن صفاء
روحي / شعري
يكمن هنا،
أوعن تجريب
منفتح.. في هذه
المساحات المكانية
التي تتجاور
فيها مخلفات
الحروب سيبني
نصير فليح
بيت قصيدته
الجديد.. نحن
أمام انعطافة
في الشعرية
العراقية،
نحاول أن نرصد
أبعادها عبر
المعالجات
النقدية لعدد
من الشعراء
الشباب، وهذه
حقيقة نقدية،
قبل أن تكون
رغبة شخصية،
لأني ممن وجد
في هذا الكم
الهائل من
القصائد ما
يشير إلى تململ
من طرائق الشعرية
القديمة، وحتى
من طرائق الأقرب
حداثة إليهم،
أعني بهم شعراء
الثمانينيات..
هل نحن أمام
انعطافة في
الشعرية أم
أننا أمام
تجارب لا تتكرر
إلا مرة واحدة
؟.. في هذا الديوان
« الوجود هنا»
ثمة ثلاث عتبات
للدخول إليه:
العتبة الأولى
هي عنوان الغلاف
«الوجود هنا».
العتبة الثانية
هي المفردات
الست التي
توزع الديوان
عليها.
والعتبة الثالثة
هي عنوانات
القصائد التي
احتواها الديوان..
فالعنوان الأصلي
للديوان هو
خلاصة للعنوانات
الباقية كلها،
في حين تشكل
عنوانات المفردات
الست أبواباً
كبيرة للدخول
إلى القصائد.
الملاحظة..
الأولى، هي
أن كل مفردة
من المفردات
الست لها فكرتها
المحورية التي
توزعت على
القصائد.. فمفردة:
«تداخل» مثلا
ضمت خمس قصائد،
ومفردة «أماكن»
ضمت تسع قصائد،
ومفردة «تجريد»
ضمت ثلاث عشرة
قصيدة، ومفردة
«جنوح» ضمت ثماني
قصائد، ومفردة
«موت» ضمت سبع
قصائد، ومفردة
«وجود» ضمت إحدى
عشرة قصيدة.
والملاحظة
الثانية أن
المفردات الكبيرة
الست قد شكلت
بؤرا فكرية
محورية وزعتها
على القصائد
المنضوية تحت
عنوانها، لذا
تعددت القصائد
تبعا لتكملة
معنى المفردة
ودلالتها..
فتجد فكرة
«التداخل» موجودة
في القصائد
الخمس، وفكرة
«الأماكن» موجودة
في القصائد
التسع وفكرة
«التجريد» موجودة
في القصائد
الثلاث عشرة،
وهكذا..الخ.
الملاحظة الثالثة
أن لكل مفردة
كبيرة مساحة
قول وتأويل
تتناسب وحضورها
الواقعي، فأكثر
القصائد انضوت
تحت عنوانات»
تجريد» ثلاث
عشرة قصيدة،
تليها قصائد
«وجود»احدى
عشرة قصيدة،
تليها قصائد
«أماكن»تسع
قصائد،.. ونستطيع
أن نرسم خطاً
لمشهد يتألف
من سياق تصوري
/ شعري لمحتوى
الديوان كله
وهو: أن القصائد
تتحدث عن: « تجريد
وجود المكان»
من خلال «تداخل
وجنوح وموت»..
وهي ثيمة تعبر
ضمنا عن «الوجود
هنا» حيث يمكنها
أن تختصر التجربة
الشعرية بـ
الوجود هنا....
وبالطبع ثمة
تداخل آخر
بين قصائد
المفردات»
تداخل وجنوح
وموت» لكنه
لا يفضي إلا
إلى» تجريد
وجود المكان»..
الشاعر هنا
يعي تماما
تجربته وكيفية
وضع القصائد
فيها، حيث
يتدرج في قصائد
مفردة» تداخل»،
وعيا ولغة
وصورة، فيبدأ
بقصيدة «اقتراب»
وينتهي بقصيدة»
حنين»، ومن
داخل هذا السياق
المتعمل، نقرأ
شعرية متدرجة
أيضاً؛ قصيدة
تفضي إلى أخرى،
وتجربة تتراكم
مع تجربة أخرى.
فنجد في مفردة
« تداخل» إطارا
عاما للإندماج
بين صورتين
مفترقتين هما:
الوجود والعدم.
ففي قصيدة
«اقتراب»، نلمس
صورة عبورالأيام
فينا، حيث
الزمن يتداخل
في الجسد،
ويشير الشيب
إلى هذا العبور،أنها
الزمنية الثقيلة.
في قصيدة «مساء»ثمة
نافذة لعبور
الزمن فينا
أيضا، وتداخل
بين الشخصية
وصمت الأيام
المتخلفة عن
الحرب، وبين
حاملي صرار
الأسرار من
الجنود العائدين
من الحرب.. في
قصيدة» تمائل»
ثمة تمائل
بين العتق
والإهمال ليكوّنا
الجسد الحامل
للموت،وثمة
تداخل بين
الشمس والظل
وهما ينعكسان
على طاولة
الشطرنج، فيغير
من سياق اللعبة،
وثمة ألوان
غير محددة
بعد، فصيف
العراق هو
موت الزمن
فيه. في قصيدة
«البياض السحيق»
ثمة رغبة في
التحرر من
الظنون الكثيرة
التي تلازم
الطرق المجهولة،
ها هو الجندي
لا يعبر أيامه
ولكنه لا يركن
لهدوء، فنراه
يتداخل بين
جسده وقبره
في صورة درامية
مشبعة بالمؤجل.
في قصيدة «حنين»
ثمة نوستاليجيا
للتربة/ القبر،التي
تتماثل معها
الغربة/ الفنادق،
وثمة أمل بالخلاص
من كوابيس
الهجرة /الموت
والفنادق /التربة
المغلقة..
2
في قصائد «أماكن»
نلمح شعرية
المزاوجة بين
الزمان والمكان
في أمكنة تصبح
مألوفة ومعاشة
في» الآن/ الهنا»
ومشبعة بالمحتمل
الـ « الآن/ هناك»،
وهو ما يميز
اختياره لأشياء
عادية جداً،
أنه يرصد الحركة
لتلك الحال
التي تكشف
عن جوهر الشيء
بحركة الشيء
الآخر معه،
هذه الثنائية
الظاهراتية
توسع من الشعرية،
وبمركزية رؤية
الـ «أنا» فيهما
نشهد حركة
متأرجحة الصعود
والهبوط، بين
فضاء المكان
بزمنيته الآنية
وعمقه المثيولوجي
الدفين.. ولذلك
نجد القصيدة
تجمع بين: أنا
وشارع أبي
نواس، أنا
ومرقد الكاظم،
أنا والحرب،
أنا والساحة،
أنا والفضاء،
أنا والحلة،
أنا والنجف...الخ.أي
«أنا والـ هناك».
كل هذه الأمكنة
حاملة لتراث
مثيولوجي عريق..
هنا يرفع الشاعر
رأسه للفضاء،
إلى خارج الجسد،
ليرصد حركة
ما يحيط به،وينزلها
للساحة وللقدمين
حيث تعيش الحركة
وجودها، وبلغة
غائرة في المكان
يتحدث عن تداخل
الربيع بالشتاء،
عن المركبات
والبساتين،
عن الساحات
والفسحة، عن
نداوة الأرض
وجفافها...الخ،
يبدو نصير
فليح وكأنه
فنان تشكيلي
مادته اللغة،
وفنان سينمائي
مادته الضوء
والرؤية، فيبني
لوحة المكان
الآنية، ليسكنها
بألوان الكلمات
وزمنية الأشياء،
والتي تبدو
لي هنا أنها
غير معنية
إلا بما تتشكل
به «الآن». ففي
» سكينة» ثمة
فضاء وتراب
وهواء جميل،ألم
أقل أنه يرفع
رأسه للأعلى
وفوق الأرض،
ليرينا حركة
الأشياء، فها
هو يعبر من
فضوة إلى أخرى،ومن
شارع إلى آخر،
أنه يتحرك
بقدمين سريعتين
وبرؤية واسعة
وكبيرة، كذلك
لغته لا تستقرعلى
صورة تحفر
في الذاكرة،
فثمة سطوح
وحمامات تمر،
وسراي، وكون
صامت.. المشهد
إذ ينمو هكذا،
ثمة من يترقب
تدميره بالصمت
الذي يفرضه
الزمن على
وجوده، القصيدة
عند نصير مرايا
تمر من أمامها
كل التواريخ،
فتعكسها كما
لو أنها في
كرنفال صغير
حين يرتدي
الكل أقنعة
الزمن. ففي
قصيدة « تفكك»
نلمح هذه الصورة
المتشكلة من
شظايا المكان،
وقد بدت متشابهة
بحيث أنها
لم تمتنع من
دخول القصيدة
دون استئذان،
إنها هذا التكوين
الذي ينهض
للتو كي يحوله
الشاعر وهو
يتجول جسدا
وعينين وذاكرة
وتستطيع أن
تؤلف صورة
بانورامية
كبيرة للمساء..في
قصيدة « ثمانينات»
نرى انكسارات
زمنية تحملها
الحدائق والمارة
والضوء، أنه
تعميم الظاهرة
حيث الزمن
فيها هو اللغة
التي تعيد
تشكيل ذاكرة
المكان.في
قصيدة « جنوح»
ثمة توق لمراقبة
من يصنع المشهد
الليلي، أنه
الله ذلك القابع
في سماوته
بينما الابناء
يعيشون مأساة
الليل المتهالك
على الأرصفة
والمصطبات،
أنه اليأس
الذي يولد
رؤية لمشاهد
الحرب الكبيرة،ويسجل
حالة امرأة
تقف بأظفار
مصبوغة ورجل
يراقب، تحت
سماء الله
الذي يصنع
لهم مشهدا
صامتا ليتكلموا
فيه،..في قصيدة
«الشارع» يرصد
حركة الوجود
والعدم لشارع
لا يوجد إلا
بالحركة، ولا
يُلغى إلا
بالظلمة.. والشاعر
لايرصد هذه
الثنائية بقدر
ما يؤّول سكونها،
فيرى فيها
حركة الليل
ثانية له. في
قصيدة» مساء
قديم في مدينة
الحلة» وهي
عندي من أكثر
القصائد شعرية،
نجده يعتمد
ثنائية مكانية:
العلو /الانخفاض،سطح
البناية /الشارع،الزجاج
/الأديم، وثنائية
زمانية؛ الحلم
/الحقيقة،الهواء
/الإضاءة،
لكنه لا يركن
لهذه الثنائية
في صنع المفارقة،
بل يمزج بينها
في تكوين شعري
للوجد الذي
يظهر هنا منصهرا
في بوتقة زمكانية
تجمع بين جنود
عائدين من
الحرب وبين
مدينة الحلم..
الصورة الأعمق
لوجود «الحلة»
هي المزاوجة
بين الحلم
الذي تصنعه
حالات الحرب
والمساء، فكلاهما
ظلمة. في قصيدة»
طريق خارجي»
وهي في بنية
أفقية يرسم
الشاعر أفقا
لحركة الساحة
التي تجمع
مفردات تهيئ
المسافر للانتقال
بين مكانين،
شعرية هذه
الساحة تكمن
في أنها تغيّب
أشياءها فلا
تعرّفها، إن
كانت دمامل
أم سدما غائمة
في المكان،
الشعرية أحيانا
ليست إلا غشاوة
لرؤية ما تحت
الأشياء، أو
ما يصنعه تجمع
الأشياء المفترقة،
شيء من الفيمنيولوجيا
يوجد في شاعرية
نصير. في قصيدة
«ذكرى الدخول
إلى حانة» وهي
قصيدة مرهفة
كنسمة عابرة،
تصنع لنا مشهدا
شعريا آخاذا،
ذلك هو التماثل
بين الأشياء
التي لا يمكن
أن تكون إلا
متجاورة في
لحظة كونية
واحدة، ولمرة
واحدة، لو
أعدت الرؤية
للأشياء نفسها
بعد ساعة لن
تجدها بالطاقة
الشعرية تلك،
نصير فليح
شاعر اللحظة
المتوهجة،
اللحظة التي
ترسمها برهة
زمنية تغشى
العين فيها
حدود الأشياء
وتذهب دفعة
واحدة إلى
جوهرها، هذا
الخلط في المشهد
أشبة بالمصهر
الذي يدمج
بين أشياء
لا تحيا إلاّ
في مثل هذه
الطريقة، ومثلها
قصيدة» صورة
قديمة من النجف».
ثمة شيء ملفت
للنظر في قصائد
الأماكن، أن
معظمها أماكن
تراثية: الكاظمين،
الحلة، النجف،
البار، الساحة،الشارع،
الفلك، أبو
نواس، شارع
النهر. وقراءة
أمكنة مثل
هذه نجدها
مشبعة بالحركة
والعتق، وبذلك
الذي تتغير
فيها الرؤية
بالحركة، حيث
السكون ملغي،
والرؤية المضببة
وحدها، تدخلك
في شحنات هذه
الأمكنة..
ما يميز شعرية
نصير فليح
أيضاً، أنه
شاعر قلق،
ومدقق كثيرا
باحتمالات
اللغة،لأنه
لايضع في مشهده
شيئا لا يعرفه،
كل رؤيته قد
حددت بالاختيار،
أنه يعمل على
ايجاد ساحة
دائمة في قصائدة،
ومن هنا فالعالم
الخارجي جزء
من مكونات
صورته الشعرية
الذاتية.. وفي
هذا العالم
يفترض برهة
زمنية تجاورت
وتصاهرت فيها
الأشياء، أنها
الدراما المكانية،
ولذلك عليه
أن يأتي بشخصية
أو أكثر- وغالبا
ما تكون شخصية
واحدة أو ذاتا
منشطرة إلى
ذكر وانثى-
ليضعها في
هذه الدراما
المكانية /
الزمانية ثم
يوحدهما في
بوتقة النشوة
الكونية وهو
يرى أشياءه
قد تحولت إلى
لغة وكلمات
وصور.. نصير
فليح لا يعمل
قصيدة بل يفعّل
مكانا ولحظة
لينشئ منهما
قصيدة، ولا
يتفاعل مع
حالة مسبقة،
بل يخلق الحال
ويملي على
نفسه كلماتها.
امرأة وقفتْ
في زاوية الساحة
بأظافر مصبوغة
ويدين تشربهَّا
الحزنُ
(كان الرجلُ
الواقفُ في
العتمة
يرقُبها..) ص
26
القصيدة حوار
درامي بين
شخصيتين يراهما
الشاعر في
لحظة تشابك
صوري..
3
في قصائد
المفردة الثالثة
«تجريد» كل عنوانات
قصائده زمنية،
ليس فيها ما
هو مكاني،
فالوجود هنا
يتحرر من مكانيته
السابقة، بعد
أن أرسى دعائمه
على مثيولوجية
أمكنة مختارة،
أنه في قصائد
«تجريد»يحلق
بنا في المتخيلات
الزمنية إذ
ليس له إلا
لغة الضوء
والأبدية وتلك
العنوانات
النقاط، وفي
تداخل هذه
المفردات يصنع
الشاعر دراما
الموقف العابر،
لكنه الموقف
الغائر أيضا،نحن
في برهة زمنية
تترى عليها
صور لكارثة
الذات وهي
ترى كل شيء
وقد احتدم
في اللحظة،
لعلنا ندرك
أن الصورة
الشعرية ليست
سلسلة منتظمة
من الأفعال،
بقدر ما هي
سيرورة لكونية
صغيرة تحدث
أمامنا، ثم
نحاول أن نجعل
منها نافذة
على دواخلنا،
فكل ما يعاش
هو مفردة غير
مستقرة، وكل
الذي عشناه
هو سلسلة منتظمة
من إخفاقات
زمنية مرت
على ألسنتنا
وبيوتنا وذواتنا،
فولدت لغة
ناقصة بحاجة
لمن يكملها.
قصيدة (.....) ملحقة
بعنوان فرعي
هو (الزمان..
دونما سبب...).
كل شيء؟:
رجلٌ يدخل
في شارع ضيق،
يدل على فسحة
محددة:
في ساحةِ الطيران
تتقاطعُ النهارات،
الرؤى، كثافةُ
الشمس؛ جداريةٌ
تعلو – كمشيمةٍ-
لاتحادٍ مؤجَّل.
يتجه الى زاوية
زرقاء: ص 50
تتطلب صناعة
مشهد ثلاثة
أفكار: صورة
مركزية تتحرك
حولها بقية
الصور الفرعية،»
رجل /ساحة الطيران»
وعين رائية
تجمع بين مفترقات
الاشياء،»
رؤى،كثافة
الأشياء، جدارية،
مشيمة، زاوية
زرقاء» ولغة
غير مستقيمة
تنتقل من نقطة
إلى أخرى في
لحظة واحدة.»يدخل،
يدلن تتقاطع،
كثافة،تعلو،
يتجه»
مرة أخرى يمارس
التقطيع السينمائي
دورا شعريا
على تجزئة
اللحظة والإنتقالات
الزمنية لها
كي يطوي العدد
الأكبر من
المواقف لتكوين
المشهد، فالعالم
اليوم لغة
سينمائية كما
يقول تاركوفسكي..
(بعيدون هم،والبياض
السحيق يحيط
بهم،في شارع
الوقت كانوا،وكانت
تطل عليهم،شجيرات
آس في غمرة
الزمن الوضيئة،بعضهم
ما زال حياً،في
ركام الكلام،وآخرون
مروا، من رصيف
الدقائق، إلى
دوحة مع العتم
ترقى..
(التلفازات
وحدها تمرر
الشمس،شاشات
الغيث..وشاشات
الغيب..)
ترتجف الكأس،
قبل أن تسقط
من قبضة العابر،بين
الموائد في
ساحة للسكون،العيون
وحدها تقيم
العلاقات،
بين وقع الكلام
وشمس اللقى..)
ص 51
ربما الحديث
هنا عن شخص
افتقده في
الحرب، فكان
في البعد،
(هناك)، بينما
المشهد يتألف
في لحظة زمنية
أخرى (هنا) في
المقهى، وحول
التكوين بين
الزمنية الماضية
والمستمرة»بعيدون»
والزمنية الحاضرة»
تطل ومازال
حيا» يترآى
له موكب المارين
من الشهداء،ذاهبين
إلى « العتمة»..
كل هذه الأزمنة
تنثال في لحظة
عجز تامة عن
اللحاق بهم،
فاليد ماسكة
الكاس ترتجف،
وثمة ساحة
داخلية للسكون،
بينما الصورة
الكلية لم
يبق منها غير
الكلام».. لاشك
في أنني أشطح
بعيدا إلى
أعمال تاركوفسكي
السينمائية
وهو يجمع في
لقطة واحدة
أزمنة متباعدة
ليصبها في
بوتقة اللحظة..
في قصائد «تجريد»
نرى نصير فليح
على أفضل وجه،لأنه
لا يتعامل
إلا مع تقاطعات
زمانية في
مكان واحد،
وغالبا ما
يجمع هذا المكان
بين الساحة
حيث الضوء
وحرية الرؤية،
والبار أو
الغرفة حيث
التركيز على
الداخل، ووسط
الأثنين تتجرد
الأشياء والأفكار
من هيكليتها
القديمة لتصبح
رؤى متداخلة
لا تمسك منها
غير توهجها
اللحظوي..
قطرٌ أبيض
آلهةٌ سمراء
بلادٌ
آلهة أخرى
وثنٌ
زمن آخر
زبدٌ
.........
(تنتظرُ العربات
تعودُ التلميذات)
ص 44
لصناعة مشهد
شعري يتطلب،
بعد توفر العناصر
الثلاثة السابقة،
لغة متقطعة،
تبدو من الخارج
أنها غير منسجمة
في سياق قرائي،
لكنها في نقطة
ما من أعماق
الصورة، نجدها
متساوقة ومبنية
على سياق معرفي
دقيق..ولو دققنا
النظر في المقطع
السابق نجد
أن السماء/
العلو، هو
الفضاء المهيمن
على المشهد،
خلال مفردات:»
أبيض،آلهة،بلاد،وثن،
زمن، زبد ومتتالية
الآخر».. بينما
الساحة هي
مرساته الأرضية،حيث
العربات وفتيات
المدرسة، وهو
ما يوازي حضور
الفضاء..أين
الشعرية في
ذلك؟ لا شك
في اننا لا
نسأل بقدر
ما نجيب؛ أنها
تجريد المفارقات
المكانية..
4
في قصائد جنوح-
والعنوان يحيلنا
على الذكرى
والممارسة،شيء
من التجريد
أيضا،ثمة وجود
لا يصنعه الآخر،
بل يصنع مع
الآخر شيئا.
في هذه القصائد
يكثر الحوار
الذهني، ثمة
اثنان لا أكثر
يصنعان معاً
مشهدهما الجديد،
كل شيء يولد
للتو، ليس
ثمة زمنية
للحاضر إلا
قليلا، وهذا
يعني أن الشاعر
يستدعي مفردات
مستقرة وغير
حرة ويصوغ
حولها حكاية
« أعوام الغفلة،....،
خزانة،....، ذاكرة،
قطيعة، عزوبة
طويلة، استدراك،
« وعنوانات
القصائد كلها
تحال الى الماضي،
والى جنوح
لا يمكن توصيفه،
خاصة العنوانات
النقاط، وفيها
يولد الشاعر
حزنه وعذاباته،
هذه المرة
بتكثيف أشد،
العنوان يولد
صور.
الدروب القديمةُ
مخبوءةٌ من
سنين
مع البذلة
العسكرية
(الحزن أيضاً..)ص
55
المفردات ذاتها
وهي تؤلف مشهداً
ممتلئاً بالحزن
أنه خزانة
السنوات..
***
لا بأس فتلك
بساطيلُ الحرب
مصففةٌ في
الضوء:
والضوء غريب..
(المتحف خاوٍ
إلاّ من ليل
بساطيل نائمةٍ
في لوح زجاج)
ص 56
إن أية قراءة
للصور هذه
لا تجد فيها
إلا الماضي
وقد تحكم في
مفاصلها،وبطريقة
السيناريو
يجسد مشهدا
متداخل الأزمنة،
«بساطيل الحرب
ومتحف ولوح
زجاج» بينما
الراوي يبقى
وحيدا ينتظر
أن تسفر هذه
المصاهرة عن
شيء غير القصيدة.
في قصيدة «الغيبة»،
والاسم كله
ماضيا، يداخل
بين المرأة
والمرآة، منطلقا
لتداخلات أخرى،
الشارع في
الشارع والليل
في الليل،
أنها الغيبة
التي تتصاهر
فيها المفترقات
وتتوالد فيها
الأشياء كما
لو كانت تموت
في كل لحظة،
فالظلمة مختبر
للحياة.. الوجود
هنا، في هذه
العتمات والنقاط
المنفتحة على
التأويل، وفي
تلك المتماثلات
من الأمكنة،
وفي الغياب
التام لكل
ملامح الأشياء،
الشاعر يرى
بما خلف العينين،
لعالم مكتظ
بالمحتملات..
الأيام السود
ليست سودا..
(بين الوجه
ونافلة الجسر
مسافات..) ص 62
سأتجاوز قصائد
« موت» لأنها
كما يبدو متناثرة
السنوات، مبتدئة
بعام 1999 ومنتهية
بعام 2007 وهي كما
أرى مجرد قصائد
تتحدث عن الفقدان،
واذهب مباشرة
إلى قصائد
« الوجود» حيث
صفاء العبارة
ووضوح الصورة.
وهي عندي ما
يشكل جسد الديوان
وسرته..وقصائد
كتبت ما بين
2006-2007 وواحدة في
2008 وهذا يعني
ثمة ارتباط
بين ما يحدث
في العراق
وما يتصوره
الشاعر عن
الوجود معنى
وكيانا، أنه
ينأى عن الضمير
المتكلم ليغور
في جماعية
الشعرية، حيث
تختلط كل مكونات
المشهد العراقي..
في قصيدة «البيت
المنسي» محاكاة
للقبر، لتلك
المكانية المشحونة
بالآتي، لأناس
ماتوا وهم
تحت شمس محرقة،
البيت المنسي
دلالة على
الحياة المفقودة،
وليس من سكنته
إلا الكلمات،
هنا لا أشرح
القصيدة، بقدر
ما أجد في صورها
شرحا لها،
إنها ببنية
تتابعية كما
لو كنت حكاية
تروى بضمير
جماعي..
في قصيدة» غرفة
الروح» هي الأخرى،صنو
القبر أيضا،
الغرفة المهجورة
هي الكونية
المحلية التي
يوطن الشاعر
فيها أحاسيه،
هذه المرة
يكون الوجود
كله في « القاع»
القبر، الغرف
المنسية، الروح،
وهي أمكنة
الزوال والأفول،
ترى لماذا
تختفي الشمس
ويضمحل ضوء
القمر، ولم
يبق إلا الكلمات؟
لنتذكر أن
كتابة القصائد
كلها بين عامي
2006-2007 وهي من اشد
الأعوام عدمية
في العراق..
في قصيدة «الوجود
هنا» بجزأيها
الأول والثاني
ثمة حضور مكثف
للزمن، وللأسئلة،
ولاختلاط الأشكال،
أنه الكائن
الذي يبحث
عن سيرورة
يقول من خلالها
أنه فاعل،
لكن ما يحيط
به يقمع كل
تطلعات الأنا،
أنه القدرية
المضمرة، والسؤال
المبهم والوجود
الذي قاد الجميع
إلى الحرب
أو الموت،
ثمة انحسار
لفاعلية الإنسان
وبقائه تحت
هيمنة قوى
عمياء تسيّره،
وما بقي لديه
غير أن يتطلع
يمنة ويسرة،
فالعالم ما
عاد طريقا
إلى البيت،
أنه ذلك المسرب
إلى القاع.
(هناك
في المهاوي
البعيدة
عيون- لها العتم
-
حيث تغشى القبور
وجه المساء)
ص 88
هنا تتحول
الشخصيات إلى
أشياء، ربما
تعين الشاعر
على تصور آخر
لفاعليتها،
نافذة أو باب،
أو شارع أو
مقهى، الشخصيات
تتماهى مع
أشيائها، لتصبح
هي كذلك مجرد
أدوات يمكن
أن يدخلها
الشاعر في
صور من صور
القصيدة، هذه
العدمية والتجريدية
ساقته إليها
حروب كثيرة
لم تترك للشخصية
أن تفكر بمصائرها،إلا
خلال الأمل
والاحتمالات،
فالوجود لها
هو هذه الفردانية
المطلقة..
ولكن هنا
-حيث ما زلتَ
كالنافذة-
مُشرَعَاً
لكّل الاحتمالات
سترعى الصباح
الذي يأتي
صغيراً
ستحملُ ألعابَهُ
بين ليل المراعي،
ونار النشور.
ص 88
يواصل الشاعر
في هاتين القصيدتين
اللتين كتبتا
في زمن متقارب
من عام 2007 البحث
عن انعكاس
السؤال في
مرايا الوجوه،عندما
تتساوى شعريا
المسافة والحلم،الشخصية
المحورية..
هنا هي الشاعر
وقد تصلبت
قواه على نافذة
الحياة فلا
يرى غير أنها
مجزأة إلى
أشياء، كل
شيء فيها يحمل
جزء منه، وفي
عتمة اللغة
وانثيال الصور
تتزاحم في
قصيدة نصير
كل الرؤى الواقعية
والمحتملة،
فالموت ليس
مجرد الدخول
في قبر صامتا،
بل هو إلغاء
لكينونة بشرية
تمشي وترى
وتعرف أنها
مساقة لقدرها
بوهم الوطن..
فالوجود الـ»هنا»
قد يعني أيضا
الوجود الـ»هناك»
أو الوجود
الـ»هنالك»
فالأزمنة تلغيها
العلامات التي
تؤشر إلى الطرق
المتقاطعة..
ياسين
النصير / ناقد
من العراق