<<ألبوم
العائلة والعابر في منظر ليلي...>> لبسام حجار خلف سياج
العزلة الشفاف

(لم
أكن ضالا فاهتديت لم أكن سائلا فوجدت كنت في شرق الحكاية أو غروبها
في مطالعها أو في الختام لم أكن..)
ص11
هذا النموذج الذي هو مستهل ديوان بسام حجار الجديد (ألبوم العائلة
يليه العابر في منظر ليلي لإدوارد هوبر المركز الثقافي العربي 2003)،
يصلح هنا ان يكون مستهلا لقراءة العزلة المحتجبة التي يخطها بنقصان
جملي جلي ومتعمد، وإضراب عن إنجاز النهايات فيها، لتكشف الكتابة
أو بالاحرى الممحو منها، عن حياة ممحوة هي الاخرى، لا يمكن عيشها
إلا من خلال بلاغة الاشياء التي تحل بديلا للانسان نفسه، عزلة مركبة
أضحت عنوانا لتجربة حرص بسام حجار، في ما يبدو، على التشبث بها وسط
أمواج عاتية من خضم يومي، مليء بالرموز والكنايات التي تختزل الفرد،
وتؤطره صورة او ألبوما او حتى كلمات معلقة على الجدار بعد الرحيل
او الرحلة او الترحل!
قوس من النفي يجمع الحكاية من طرفيها، بينما تتحرك هي في إثبات وجيز،
ذلك ما يجعل من فعل الكينونة معلقا بين عدمين، ومع هذا يبقى مرتحلا
في الماضي وكامنا في الممكن.
و (كنت) هذه ليست مرآة ناقصة، لفعل ماض، لا يحل فيها الزمن التالي،
بل هي، فعل كينونة ايضا، كينونة مرتحلة في مياه مهجورة، ملاذا عن
عالم أشبه ما يكون بصحراء! لكننا لو دققنا في البنية المضمرة خلف
الكلمات، لوجدنا كم سيبدو النص المقدس غطاء مناسبا ليتقي به الشاعر
شرور العالم! الانزواء بهذا المعنى ليس محض معطى، بل هو بناء التجربة،
ليس البناء المقصود لذاته، في التصوف ما يعطينا فكرة أبلغ عن العزلة،
فحين يتحدث ابن عربي عن خلاصة الخاصة، فهو يتدبر صياغة لعزلته، ليس
بالضرورة ليسيجها بل حتى ليفسدها عن العامة وخلائطهم، والعزلة هنا
ليست مرتبة في الوجود، ولا سعة في التحصيل، لكنها اضطرار مع المشقة.
وفي الانحراف البسيط في توجه الجملة عموما لدى بسام ما يؤكد ان سياج
العزلة مموه بعض الشيء، لكنه يتيح، في خلاصته، الدخول من خلاله ولو
قليلا، فما بين مفردة: (غربها) الافتراض المنطقي المحذوف من الجملة
و(غروبها) النقطة المفارقة للسياق ليس فقط، ما يحرف بنية الكلمة،
ولا ما يجعل الجهة متجهة الى الزمان، الى وقت محدد منه، لكن بينهما
ايضا، ما يحرف حتى الدلالة للمفردة السابقة التي اتكأت عليها الجملة
برمتها، فانهارت جهاتها مرة واحدة، إن الحكاية كلها تصبح تعبيرا
عن حياة يجري تصورها وتدبرها من مكان آخر.
الشخصي والذاتي: ألبوم ولوحة
ما بين (البوم العائلة) ويليه (العابر في منظر ايلي لإدوارد هوبر)
تتحرك ارخبيلات بسام حجار، محاولة ان تلتقي دون جدوى، فما بين الذاتي
الخالص، وما بين الشخصي الذي يسمح بمشاركة وشراكة ما، ثمة انفراج
بسيط لباب العزلة يعبر عنه هذا الاقتصاد الهائل في العبارة: مفردة
واحدة احيانا، تشف عن طبقات متداخلة لصورة الباطن.
في القسم الاول (ألبوم العائلة) تبدو اللغة مفردة وتركيبا اوسع قليلا
من الذاتي، وإن سعت الى طمس الدلالة احيانا بشبهة ما، بعمد او لتحجيم
دفق الاعتراف، مع هذا تتشكل عتبة صغيرة على الخارج، عتبة تنفتح على
الشخصي، او لنقل تكون اقرب قليلا له، من الجمعي المتفلت. ليس بالذاتي
المنغلق تماما، ولا هو بالجمعي المتاح المبذول دون رعاية، بل ما
يفيض من الذكريات فيجعل الكتابة اقرب الى الاعتراف منها الى تزيين
التجربة.
تقوم قصيدة ألبوم العائلة على الترقيم الداخلي للمقاطع، تماثلا مع
التشظي للذات وهي ترحل في غربتها، على جدار ما او في خزانة او درج
او على طاولة، او لمعان ضوء واهتزاز مروحة! كل هذا الشتات للذات
يجهز الرموز ويصنع الحكاية، حكاية الاغتراب الطويلة.
بينما في (العابر في منظر ليلي لإدوارد هوبر) تختار القصيدة شكل
اندماج المشهد من اللحظة الاولى لدخوله حتى الانفصال عنه، لكن على
توافر للمقطعية السينمائية (كان هوبر يحب السينما متابعة واستفادة
تقنية) وفي قصيدة بسام لمسة سينمائية لا أراها اعتباطية في المقطعية
المتداخلة، وفي طبيعة التصوير والسرد:
(كان نهار الناس مشرقا والعابرون لا يبالون والباعة ينادون في تجوالهم
والحوانيت فاغرة والضوء فاحشا والهواة ينظرون الى اللوحة ويفسرون
ألم العابر ويجعلون للمساء كناية ولونا وصحبة...) ص107.
إن أفضل مقترح تقدمه كتابة بسام هو انها تقرأ أبعد من بلاغتها الخارجية،
إذ لا يعود مستوى اللغة حاسما او شاغلا، لكنه هنا مجرد مستوى تعبيري
لتجربة تضيء في البعيد، وإن كانت دونها عتمة مركبة، ففي اساليبه
بناء بسيط للجملة، وهو بهذا اقرب الى روح التجربة من روح التأليف،
لكن ديباجته كما يقول القدامى من نقادنا، لا تنفصم عن خطابه، بمعنى
آخر إن مقولة هايدغر: أنا ما أقول، لا تتناقض مع كيفية القول، فالعبارة
مؤلفة من كلمات محدودة ومعدودة، تسعى الى تكثيف القول، لتتسع مساحة
التأويل، اوسع حتى مما تقوله العبارة نفسها، ثمة مفاصل افتراضية
داخل العبارة تعتمد على ثنائية الوصل والقطع بين مسار جملة واخرى،
واحيانا بين مفردة وجارتها، مفاصل تنطوي على جهة الغياب التي يسعى
بسام لان يجعلها تسطع بقوة خارج القول. معاشرة التأمل، تكثف الاحساس
بالوحشة مما يحيط بنا، وكلما كنا على تماس قوي، عنيف او شفيف مع
الاشياء من حولنا فإنها تنقطع عن كونها تموضعا شيئيا محضا، لتغدو
علامات وعناصر لترسيخ شعورنا بالوحشة، لهذا فإن بسام حجار حتى وهو
يكثر من مفردات ما، ويستطرد في النظر والمحاورة مع الكرسي والجدار،
الباب ومائدة الطعام في البيت او في المطعم، القداحة او اللمبة او
الكنبة، فإنه يسعى الى تسمية عزلته او لليقين بأنها قائمة، عبر بلاغة
متعددة الدلالات، لهذا فإن كيمياء اللغة لديه، لا تكمن فيما قد يتصور
انه نتاج العلاقة بين مفردة وأخرى، إضافة او نعتا او تفسيرا، بل
تتجذر في ما وراء المفردة ذاتها، في انطوائها على نفسها حد ان تصبح
هي ايضا جزءا من تشخيص عالم العزلة.
وعندما يستعير بسام حجار، الفنان الاميركي إدوارد هوبر فإنه يمضي
قدما في تعزيز سياجه الشفاف، لقد عاش هوبر سنوات مديدة، وربما بدت
مملة نسبيا (عاش خمسة وثمانين عاما وشهد الحربين العالميتين الاولى
والثانية بوعي) لكنه ظل حتى في تصويره الواقعي، منكفئا على مزاج
داخلي رفيع وخاص.
بدا العالم كله مؤطرا في ألبوم، العائلة نفسها هي الحياة، أما العزلة
التي ترى فهي في الفن، وليس من صراع بين الاثنين، بل ثمة تواصل لكنه
ليس الذي يذيب احدهما بالآخر، بل الذي يغني المشهد الكامل الذي يجمعهما.
قصيدة خزانة مثلا تعطينا نموذجا لكيفية تحول الاشياء الى شواهد على
الغياب، انها العناصر الاكثر تذكيرا بزوالنا، من هنا فإن نوعا من
النزوع الحلولي التصوفي يبتعد بالوثنية عما يجعلها مجرد حوافز تذكير
بأعياد او ديانة قديمة كما قلت.
لقد حاول باشلار جمع مفهوم المكان المتشظي في العالم واختزاله وتكثيفه
بنماذج لأمكنة حميمة، كان البيت واحدا منها، مسبغا عليه نعوتا ميتافيزيقية
فالبيت (روح وجسد) كما يقول.. والخزانة هنا، تعطينا عالما مشتبكا
ومكثفا آخر، يجمع بين اسطورة القدامى الذين كانوا يدفنون مع اشيائهم
الخاصة، ورموز الحاليين ممن يتركون اشياءهم ذكرى لهم، هذا الفصام
بين صورة الانسان في عالمه القديم، وصورته في العالم الحالي، تعبر
عن شيء مشترك، الاشياء تفسر رحلة الانسان في طريق موحش.
وحين يعمد الشاعر الى استعارة ضمير الغائب، ليتحدث عن وجدان داخلي
خاص، فإن ذلك لم يكن مألوفا كثيرا في نمطية الشعر العربي الكلاسيكي،
التي تربط الوجدان بالأنا، بصيغة ضمير المتكلم، مما يعطي بعدا ملحميا
بطوليا للشاعر المتكلم نفسه، لكن ان تكون هاء الغائب بهذه السعة
التي يعمد لها بسام حجار، أقنعة وانزواء ومشاكلة مع العابرين الى
ضفاف اخرى او الصابرين على ألم الشتات، او التاركين ظلا يبكي ويكبر،
يقتفي الأثر ويمحوه، ان تغترب الذات على كل هذه المساحة، فإن ذلك
يشير بوضوح الى ان الغياب كان فادحا ومتناسلا وعميقا..
السيرة الطفولة الغياب
بين ان تكون الحياة معيوشة مرة، ومكتوبة مرة اخرى، فإن فجوة ستنشأ
وتتسع لسؤال كبيرة: أين تكمن السيرة! يصح هذا التمييز، حتى عندما
نتحدث عن الخبر والشعر، ربما كانت الكتابة والعيش، كلاهما، محمولا
استعاريا، لتمثيل سيرة ما، لكننا سنجد انفسنا دائرين في حوار بيزنطي
عندما نبحث عما يوصلنا الى توافق الراوي والسيرة: من يمثل الشخص
حياته ام كتابته؟ بل من هم؟ سيكون هذا السؤال واضحا في الديوان بشكل
كبير، وجوهري، يعمد بسام حجار الى تكراراه، مؤكدا حيرة إزاء السيرة،
إزاء الرجل، إزاء نفسه والآخرين، إزاء الحكاية برمتها.
(سألت الرجل الذي كنته قبل عام
لم لا أراني بينهم؟) ص14
(سألت الرجل الذي كنته قبل عام
هل رأيتني هناك؟) ص22
(لم أكن هنا او هناك
مجرد صور لما أردت ان أكون،
لما أراد، هو، ان أكون
لما لم نكن، نحن). ص41
هذه الحيرة اللا تيقن، بين من يكتب ومن يعيش؟ والتفريق بين الشاهد
والمشهد، وهل الشخص يروي حياته ام يروي حياة اخرى؟ تعبر عن التباس
يتجسد في أماكن كثيرة من الديوان، إلا ان ملامح سيرة، عائلية على
الاغلب، تبرز بجلاء، لكن من هو راويها ومن هو بطلها؟ هنا نقع على
ما يمكن تسميته معضلة تنسيب السيرة، ولعل هذا ما تريدنا قصائد الديوان
ان نقف ازاءه: هل السيرة هنا مكتوبة بقلم صاحبها؟ قبل ذلك هل السيرة
حياة ام كتابة ام رواية وخبر عن آخرين، ام لعلها محض ذكرى عابرة
لبشر عبروا نحو الضفة الاخرى؟
صورة الانسان وهي تبهت واحدة من أشكال الغياب ومشكلاته، فالصور بالأسود
والابيض تمنح دلالة مضاعفة لهذا الغياب، في عبارات بسام حجار ما
يعزز الاعتقاد بأن الطفولة لا تعبث بقصد لكنها تمارس تصورا طبيعيا
متسقا مع عالمها، ليس العبث هنا لوثة من دخان المعارف، وتلوثا بجحيميتها،
بل هو مقترح لخلاص في عبارات، او ملاذ في جملة تقصر وتقصر وتضيق
حتى تكاد تضمحل كصورة الانسان، لذا يحاول الطفل ان ينشئ العبارة
من زهد مشاغله، وبطء إيقاع ما حوله، وقحط رحلته الشاقة، غير ان ما
يجعل الطفولة هرمة حقا هو هذا الحس الرثائي المنغلق على (أسى سيابي
شفيف) بعد المرثية يتعثر بآثار متشابكة لراثين ومرثي لهمم من قبل
ومن بعد، ثمة زمن نهائي يتصوره بسام معيوشا بعد الآن، ويتصور معه
طبيعة المرثية الاخيرة للإنسان، لن تختلف كثيرا، لذلك فلا فرق كبيرا
بين مرثيات النفس، او الصورة عبر الآخر، او مرثية العالم برمته عبر
جمل قصيرة وصغيرة يتلفظ بها طفل لا يعبث لكنه يحاول التعبير بعد
ان رأى غيابه مبكرا.. الموت بهذا المعنى معادل للغياب، هكذا نراها
في الطفولة ولعلها الفكرة الاصدق، والذكرى تروي ما رأينا او تركنها
في الدنيا من صور:
(لم تغط المرايا بأغطية بيض
عن رحيله
خشية ان لا ترحل معه قالوا
خشية ان يضل الطريق قالت) ص30.
صورته في ألبوم العائلة مختزلة ممغنطة ومشدودة الى إهمال سيلحق بها
حتما، الى مصير آخر يخشاه ولا يمتلك إزاءه الا ان يوصي بالعناية،
بينما المنظر الليلي الذي يعبره مع إدوادر هوبر في احدى لوحاته او
في غالبها، فيبدو وكأنه واسع ومترامي الاطراف، لعله لهذا يختار السرد،
واللعب الحر، ويكتب نصا يمشي بتؤدة ولا يطفر على ظلال، كأنه يسير
بلا حذف وهو يصاحب هوبر في المناظر التي تدعو كثيرين للمشاركة، لكنها
شراكة خاصة هنا، ألمح هنا احتفالا في نبرة اللغة، لنقل في إيقاعها
وهي تصاغ باستطالة اكثر مما في ألبوم العائلة، ثمة زمنان، هذا مؤكد،
لكن العزلة في كلا الزمنين، تتحرك لتصنع كاتدرائيتها او صوامعها..
كأنها تتحرك بصبحة هوبر مع أبنيته الجميلة مع كنائسه ومصارفه ومسارحه،
مع الابنية البهية، المطاعم والفنادق وكل ما يجمع الناس، ومع هذا
يبقى وحيدا وسرعان ما يتذكر انه ليس سوى عابر في لوحة او مشهد لا
يراه فيه أحد وقد لا يرى احدا، هل الجولة مع هوبر جولة متحفية في
عوالمه الفنية، ام هي سفر متماثل ممتزج في التربة؟ الجواب يأتي من
الشاعر نفسه، عندما يغادر عوالم هوبر ويعود من لوحته الى البيت خلسة
ويغلق الباب! ليجلس مرة اخرى الى الالبوم، كأنه كلكامش يترك ظلاله
في لوحة هوبر ويعود للعائلة للألبوم ربما.
محمد
مظلوم - السفير - 30/5/003