البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

الإسلاموية في وجهة مختلفة لفرنسوا بيرغات
أطياف وصلات شتى بالعصر والواقع

عندما رأت الصحافية المشاكسة اوريانا فالاتشي في كتابها (هجائيتها): <<الغضب والكبرياء>>، في المسلمين جميعاً <<أسامات>> بن لادن تذكرت أحد <<مجانين>> زياد الرحباني في <<فيلم أميركي طويل>> الذي كان يعيش هو الآخر هوامات الخوف من <<المحمودات>> الذين يقطنون المنطقة الغربية من بيروت، بيد أنه من حسن طالعنا ان الباحثين الغربيين ليسوا كلهم على هذا القدر من الرعونة، ومن حسر البصر وضعف البصيرة. ولم تخرجهم أحداث أيلول الكارثية عن أطوارهم. بل كتب منهم من هو تحت هول الصدمة كلاماً رزيناً وتحليلاً موضوعياً. وعلى رأسهم جان بودريارد ونعوم تشومسكي. وثمة أصوات أخرى من الغربيين ليست بشهرة هذين القطبين الفكريين، تخالف أيضا هذا النزوع الغربي نحو تحميل كافة المسلمين وزر ما حدث في نيويورك، أو التفتيش في الدين الإسلامي عن أقنوم الإرهاب. ومن هذه الأصوات المعتدلة صوت الباحث الفرنسي فرنسوا بيرغات، وهو صاحب مؤلفات عديدة منها: <<الإسلاموية في المغرب أو صوت الجنوب>>، والكتاب الذي بين أيدينا: <<الإسلاموية في الواجهة>>.
في هذا الكتاب الذي أضاف إليه فصلاً جديداً عقب أحداث أيلول، ينقب بيرغات في موضوعه عن السياسي الذي يغلف الديني. ويرى ان الإسلاميين في العالم العربي والإسلامي، وان كانوا ينزعون الى لغة أو مفردات دينية، فإنهم يستعيرون هذه البطانة الوجدانية الموروثة من حضارة العرب والمسلمين لأنها أقدر من سواها على استثارة حمية الجماهير المتدينة بطبعها، وعلى إعادة صياغة للدينامية الوطنية القديمة المعادية للاستعمار. وبحسب بيرغات فإن احزاباً علمانية مثل البعث، وقادة قوميين مثل عبد الناصر لم يتوانوا عن توظيف هذه اللغة الدينية المعبرة عن المآرب أو المضامين السياسية لمخاطبة الناس والاقتراب من نفوسهم وعقولهم. بل ان هذه اللغة غذت على مدى حقب طويلة أطروحات سياسية وحزبية متباينة. ويرى بيرغات حتى في أقوال بن لادن الى قناة <<الجزيرة>> القطرية وخلف مفرداته الدينية دلالات سياسية واضحة. مثل حديثه عن النهب الأميركي للثروات العربية الإسلامية، والاحتلال العسكري للجزيرة العربية، وارتفاع سعر النفط لحساب الأسواق الغربية.
وحيث تتميز مقاربة الظاهرة الإسلامية في كثير من الأوساط الأكاديمية الفرنسية والأنكلوسكسونية الحديثة بتوسيط مقولات دينية أحادية البعد، في تكونها وفي وظيفتها، وفي ردود فعلها ازاء الحداثة والديمقراطية. فإن بيرغات يقارب هذه الظاهرة من خلال أطيافها المتباينة، ومن خلال أبعادها المختلفة كالثقافي والاقتصادي والوطني والسياسي، الى جانب البعد الديني. وعلى خلاف ما ذهب اليه عديدون من أقرانه من أن الصحوة الإسلامية قائمة على الاستلاب والانكفاء والنزوع الطوباوي، يرى الباحث أن الاسلاميين يسعون الى حلول ناجعة على ضوء الواقع. وهم لا يختزلون بالنمط الطالباني كنموذج أصلي "archetype" يروج له الغربيون. فهذه الأصولية المتزمتة التي تنبذ قيم الحداثة والمعاصرة ليست إلا أقلية ضئيلة العدد والفاعلية في المعادلة الإسلامية المتعددة والمعقدة. وغالبية التيارات الإسلامية تسعى الى إعادة استيعاب الحداثة داخل إطار المدونة الإسلامية الرمزية. وينتقد المؤلف في هذا المقام الدراسات الغربية التي تتحكّم فيها النوازع الانفعالية، وتحمل نذراً بالخطر الأصولي الكارثي، اكثر مما تحمل حلولاً. كذلك حينما تضع الصراع في قالب الادلجة الخادع، أو تتحدث ببرودة أكاديمية عن إسلام طوباوي لا زمني ولا معيوش، أو عن العقيدة الاسلامية كمفتاح فهم وحيد لكل السلوكيات الفردية والجماعية، دون النظر الى الأبعاد الأخرى التي تتجلى في اللغة والعادات والأعراف والتقاليد. وفي الطوائف والمذاهب المتنوعة المتعايشة.
وبيرغات الذي يُشرف على مركز أبحاث في صنعاء، ويزامل عدداً كبيراً من الباحثين العرب، يفترض ان صورة الحركات الإسلامية لا تتكامل الا بهذا التماس مع أصحاب هذا الفكر، وعلى أرضية التجربة الحية والفاعلين الحقيقيين. ويعجب من زملائه الغربيين كيف انهم دونوا آلاف الصفحات عن الاسلاميين دون أن يلتقوا بواحد منهم. وهو بالمناسبة يوثق لشهادات طارق البشري وراشد الغنوشي وعادل حسين الشخصية، ومراحل تحولاتهم السياسية والفكرية.
وما يميز اطروحة بيرغات انه لا يبحث عن بيت القصيد في فضاء الدين الإسلامي، ولا في نسيج مفرداته الدينية إلا من خلال بؤرة التقاطع السياسي بين الغرب والشرق، او كما يفضل تسميتهما الجنوب والشمال. فالتاريخ الكولونيالي في العالم العربي الإسلامي برواسبه الباقية داخل البنى الاقتصادية والسياسية لهذه البلدان، وبتحالفاته المريبة مع الأقليات الدينية، وخصوصا الأقلية اليهودية، أسهم في بلورة الظاهرة الإسلامية بنفسها العدائي واتجاهاتها المتطرفة.
وعلى أرضية التجاذب هذا الذي لا يزال مستمراً بين جنوب معدم وشمال ثري، يمكن فهم عمق العرى بين الحركات الإسلامية ولغتها السياسية المبطنة بالدين. هذه <<اللغة الداخلية>> كما يدعوها بيرغات، هي الأقدر من أي لغة سياسية أخرى على التعبير عن ادانة هذا الشمال <<المادي>> المتعجرف والمتسلط!
بل ان مفاعيل الحداثة التي تتغلغل في نسيج المجتمعات الإسلامية، تبدو في منظور هذه الحركات على اختلاف اتجاهاتها ومشاربها، كأنها حداثة مجلوبة، حداثة قهرية ومصاغة بمفردات وعناصر معرفية متراكمة من الثقافة اليهودية المسيحية الجذور. خصوصاً انها تمت بلورتها في لحظة الهيمنة الاستعمارية على الشرق. ورغم هذه النظرة الارتيابية الى الحداثة، فإن المسلمين لا يتجاهلونها، وإنما يحاولون قدر امكانياتهم ان يتميزوا عنها. وذلك باستعادة امتصاصها من خلال المنظور الإسلامي ودلالته الرمزية. وعلى ضوء هذه المؤالفة التصالحية، والمعادلة الوفاقية بين عناصر الموروث والدخيل تتكون معادلات الانسجام بين الدولة والدين، وبين النزعة الوطنية والنزعة الإسلامية. ويضرب الباحث امثلة على هذا المنحى التوافقي، كانضواء حركة الاخوان المسلمين في مصر، وحزب الله في لبنان تحت راية الدولة الأمة، والاعتراف بقوانينها الوضعية ودستورها، واستقلالها الذاتي. والانخراط في مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والادارية، بل والدفاع عن حدودها الإقليمية المرسومة كما حصل بتحرير الجنوب اللبناني من الجيش الاسرائيلي على أيدي رجال حزب الله، وبإقامة تحالفات انتخابية مع قوى يسارية وقومية وعلمانية أخرى في إطار الديمقراطية. بل ان بيرغات يرى في حذاقة هذه التيارات في استخدام الشبكات المعلوماتية الحديثة كالفضائيات والتلفزيونات والانترنت ضرباً من ضروب التأقلم مع الآليات الدعائية والايديولوجية الغربية السلمية، ووسيلة من وسائل الحداثة المؤثرة، بدلاً من النزعة الاحترابية والعنفية التي وصمت بها.
ويتخذ الكاتب من التجربة الايرانية امثولة عن الجمع بين العصرنة وحجاب المرأة الذي لم يمنعها من الخروج من الفضاء الخاص الى الفضاء العام، والقيام بدورها لا كإمرأة فحسب بل كعاملة. وينتقد موقف وزير التربية الفرنسية عام 1994 حينما لم يجد في لبس الحجاب انتماء دينياً بل علامة على خضوع المرأة ورمزاً للامساواة بين الجنسين. وفي حين ان الغرب الذي يحاول وضع المرأة والحجاب على أرضية الصراع الحضاري بين التقدم والتأخر، ما يزال في مجتمعه حتى اليوم يعترف بالأنوثة <<كطبيعة خاصة>> بالمرأة. والمسألة النسوية عند بيرغات لا تختزل بارتداء الحجاب أو خلعه، بل بإتاحة الفرصة للمرأة لكي تنال نصيبها من التعليم وحقها بالعمل والاختيار.
وحيث أشاعت أطروحات أوليفية روي وجيل كيبل فكرة انحدار الحركات الإسلامية وأفولها، بعد إفلاس مشروعها السلطوي، واخفاقها في إقامة المجتمع البديل. يحتج بيرغات على هذا النمط من القراءة المنحازة التي تتمحور حول تجربة التيارات المهمشة والمتزمتة، في حين تتجاهل تيار الاصلاحيين الأوسع انتشاراً ونفوذاً، والذي يتمتع بنظرة انفتاحية على العصر، وعلى اقراره بمفاعيل الحداثة حين لا تتناقض مع المرجعية الدينية. ومن أعلامه الناشطين عبد السلام ياسين وراشد الغنوشي والسيد محمد حسين فضل الله. وهذه النظرة المتجاهلة لغنى أطياف الحركات الإسلامية، ناجمة عن مفهوم خاطئ وضيق لمسار هذه الحركات التي تقاربها مراكز الأبحاث الغربية، من خلال حصرها في سياق مأرب وحيد ومعيار عام، هو الاستيلاء على السلطة فحسب، دون سائر الخيارات الاجتماعية والثقافية الأخرى، دون الالتفاف الى تباين قماشتها المحلية وبيئتها السياسية، وظروف تكونها وتطورها، واختلاف تجاربها الذاتية. بل الواقع ان العديد من الأحزاب الإسلامية لم تتوار عن مسرح الأحداث السياسية. إنما نجحت في ان تتبوأ اليوم سدة الحكم (تركيا) أو تشارك في العمل البرلماني أو الحكومي في أوطانها.
ويستوحي الباحث من نغمة اخفاق الحركات الإسلامية التي يرددها كيبل وروي، رنين انتصار مكتوم لمقولات سياسية ذات أبعاد كوزموبوليتية تحاول ان تفرض نفسها على العالم العربي والاسلامي، وعلى العالم بأجمعه متناغمة مع المحاولة الحثيثة لعولمة المعمورة.
بيد أن بيرغات لا يرمي في كلامه هذا الى قطع الجسور بين الحركات الإسلامية ومسار العولمة. والانكفاء الى نوستالجيا حضارية منعزلة عن امتداداتها الكونية ومكتفية بذاتها. إنما يحاول ان يرسم خطوط تقاطعها وتمفصلها مع دينامية الحداثة وتجلياتها السياسية والاجتماعية والفكرية (الديمقراطية، مكانة المرأة، تداول السلطة، الاعتراض السلمي، التعايش مع الأقليات، التنمية، العدالة الاجتماعية). وهو يفترض ان ظهور مواطن مشتركة بين الشمال والجنوب توطئة لحوار حضاري، يساعد على تخفيف الاحتقان وحدة الصراع بين الطرفين. خصوصاً إذا ما راعت أميركا أو أوروبا في المنافحة عن مصالحها في أنحاء العالم، الجوانب الأخلاقية، والإحساس بالمساواة الإنسانية والثقافية، بدلاً من فرضها على الآخرين من موقع القوي الغالب، على الضعيف المغلوب. وبإفساحها المجال لتأخذ الترسانة الرمزية للثقافة الإسلامية مكانتها ودورها في إنتاج حداثة كونية مشتركة ومتعددة بالفعل. وليس في وسع هذه العولمة أن تفضي الى الضفة الأخرى، وان يتبناها الآخرون إلا بالإحالة الى مرجعيات تاريخية وثقافية، غير الثقافة الاوروبية والغربية. في حين يطالب بيرغات الجنوب الإسلامي بدوره ان يتجنّب الوقوع في فخ اللاعقلانية، والنبذ التلقائي لكل الثقافة الغربية وقيمها التي أثبتت مع تطاول الزمان، وحدثان الدهر إمكانياتها العملية وأبعادها الشمولية.

 

احمد زين الدين - السفير - 23/5/2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri