البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

رسائل نازك الملائكة إلي عيسي الناعوري خلال الخمسينات

بالتعاون ما بين دار مجدلاوي للنشر والتوزيع في عمان واللجنة الوطنية العليا لعمان عاصمة ثقافية صدر كتاب الباحث والصحافي الأردني تيسير النجار (رسائل نازك الملائكة - رسائل مخطوطة إلي عيسي الناعوري) وهذه الرسائل لم يسبق لها أن نشرت بالرغم من مرور أكثر من نصف قرن علي مكوثها طي الأدراج كما يقول النجار، ويتابع في مقدمته مبينا أهمية هذا الجهد (تكشف العديد من المسائل من حياة الأديبة نازك الملائكة وتوثق انفعالاتها عبر فترة ماتت فيها أمها وجدها وعمها، كما تقدم وثيقة ذاتية وإنسانية وفكرية عن ريادة الملائكة للشعر الحر ففي رسالتها المؤرخة في 16/11/1953 تقول يوأنا أعلم أن بدر السياب بدأ يحاول في إلحاح منذ سنة 1950 أن يخبر كل إنسان أنه هو الذي بدأ الحركة وأنني أنا لست سوي تابعة ..، ولكن الزميل سامحه الله علي كل حال ينسي أن القصائد كثيرا ما تنشر في الصحف قبل جمعها في دواوين مطبوعة، وهو لا يعلم علي الإطلاق أن قصيدتي الحرة الوزن ( الكوليرا) المنشورة في (شظايا ورماد ) قد نشرت في عدد كانون الأول (ديسمبر) 1947 في بيروت في مجلة العروبة التي كان يصدرها الأستاذ محمد علي الحوماني ،وأنني كنت قبل ذلك بشهرين قد أرسلتها إلي أديب صديق من لبنان أستطلع رأيه في هذا الأسلوب الجديد الذي وفقت إليه وأنا أحاول في جهد نفسي منفعل التعبير عن إحساسي تجاه الآلاف من الموتي الذين قضي عليهم داء الكوليرا الذي تفشي في مصر آنذاك، وقد استلمت من الأديب المذكور رسالة ما زلت أحتفظ بها يخبرني فيها أنه عرض القصيدة علي عمر أبو ريشة ونقولا فياض وعبدالله العلايلي وغيرهم فانقسموا حولها في الرأي .. ويتابع معد الكتاب النجار مقدمته التوضيحية قائلا وفي هذه الفترة من المراسلات 14-9-1952وحتي 16 ـ 5 ـ 1954 كان الأديب الناعوري يصدر مجلته الشهرية (القلم الجديد) في عمان وصدر منها اثنا عشر عددا .....، وإن مضامين الرسائل توضح فيما بينهما بأنها محض أدبية وأهميتها لا تكمن في كونها بين أديبين كبيرين ولكنها بالقدر نفسه تشكل ثروة أدبية تتيح للدارسين والنقاد إعادة النظر في حياة هذين الأديبين وفي إنتاجهما الإبداعي من جهة ثانية إذ ليس من سبيل إلي إنكار ما تتضمنه الرسائل من كشف خصوصيات حياتية أو صراعات أدبية أو جوانب في التأليف ما زالت غامضة علي الباحثين والدارسين، ثم أنها تجعل قارئها يقف علي حقيقة الشخصيات الأدبية والأعلام الذين ورد ذكرهم ضمنا في هذه الرسائل كما أنها تجلي جوانب مجهولة من حياتهم، وبالقدر ذاته تكشف ملامح من الحياة السياسية والاجتماعية في إطارها التاريخي آنذاك، وهي كذلك اعترافات شخصية لا تحب الملائكة أن تري النور أو تصل إلي الأسماع والعيون وإلا ما الذي يدعو نازك أن ترجو الناعوري بأن لا يقدم علي نشر رسائلها لو لم تكن فيها تلك الخصوصية الحميمة التي تضن بها علي الآخرين وتجعلها في منأي عن الرأي العام، وكيف كان يمكن لنا أن نقف علي جوانب الخصومة الأدبية بين نازك و السياب فيما يتعلق بريادة الشعر الحر، ولعل المتأمل في طريقة الخطاب الذي يتصدر هذه الرسائل يدرك مدي التوفير والاحترام والمكانة المميزة التي كان يحظي بها الناعوري في نفس نازك، وهو ما يكشفه أيضا الزمان المتواصل في المكاتبة) الكتاب ضم صور هذه الرسائل وطباعة لها وعددها 15 رسالة جري تبادلها خلال الفترة من 1952 وحتي منتصف العام 1954، ومما يجدر ذكره هنا أن الشاعرة نازك الملائكة من مواليد بغداد العام 1923 وتخرجت من دار المعلمين العالية العام 1947 وانضمت إلي معهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقي ـ العزف علي العود، وقد أصدرت ديوانها الأول (عاشقة الليل ) العام 1949 وفيما بعد أصدرت (شظايا ورماد )، ( شجرة القمر ) وغيرها إضافة إلي عدد من الكتب النقدية مثل (قضايا الشعر المعاصر) العام 1962، و( شعر علي محمود طه ) ( مأساة الحياة وأغنية الإنسان) 1970 وغيرها، وهي اليوم تعيش علي فراش المرض في القاهرة، أما الأديب الأردني عيسي الناعوري فهو من مواليد قرية ناعور قرب عمان العام 1918 وأتم دراسته الابتدائية في القرية، ثم تابع في المدرسة الأكليركية في القدس، وعمل في التدريس مدة 15 سنة في الأردن وفلسطين ،وقد كتب الرواية والقصة القصيرة والمقالة والشعر والنقد الأدبي كما ترجم عن الإيطالية والإنكليزية واليها وله نحو ستين كتابا مطبوعا، وترجمت أعماله إلي العديد من اللغات العالمية الحية، وقد عمل أمينا عاما لمجمع اللغة العربية الأردني منذ تأسيسه العام 1976 وحتي العام 1985تاريخ وفاته . من رسالة لها مؤرخة في 7 ـ 5 ـ 1953 أي قبل نصف قرن بالتمام نقرأ ( ... الجو عندنا حار هذه الأيام حرارة عالية لا تتيح كتابة الرسائل المترفة الطويلة، وبغداد تمر بفترة انفعال شديد نادر المثيل بسبب تتويج الملك العزيز، والحق أنني لم أشهد طيلة حياتي شعبا يحب ملكا إلي هذا الحد، وقد كان منظر الجماهير الهائلة مثيرا في بغداد يوم أقسم الملك اليمين، انه شيء تقصر اللغة عن وصفه وقد تضاءلت إلي جانبه مظاهر الزينة الفخمة التي كلفت الحكومة ثلاثة ملايين دينارا، فما قيمة المهرجانات إلي جانب هذا النهر الجارف من حب جماهير الشعب ؟ لقد وقفت أرقب الكتل المندفعة من الناس في افتتان لا حد له، انهم قوة هائلة هؤلاء الجماهير، ولو ألبسناهم أحذية وكسونا أجسامهم التي خشّنها البرد والحر وثقفناهم ..، ولكن دعنا من الأحلام المؤلمة التي لا فائدة منها ولنعد الي الحديث عن الأدب والشعر . لقد كان هذا خروجا علي سياق رسالة تكتبها شاعرة إلي صاحب مجلة ..أليس كذلك ؟ ولا أدري لماذا يخطر لي أن أرجوك ألا تنشر هذه الرسالة علي الرغم من أنك كنت مدركا دائما فلم تنشر رسالة مني . رسائلي علي كل حال فظيعة عادة بحيث لا يمكن نشرها وهذا هو الذي يحميني ..لك مودتي - المخلصة نازك الملائكة ) 2.

 

يحيي القيسي - عمان - 2003/04/29 - القدس العربي


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri