 |
|
حسن نجمي |
شعرية
الأنقاض:
المشترك
في كتابة الحرب سطوة العنف والوحشية والإحساس الجارح بعبثية الأشياء
ـ 1 ـ
لم
أعش هذه الحرب إلا كصور وخطابات.
ولا
أعرف هل ما كنت أراه وأسمعه وأقرؤه عن هذه الحرب سيؤول إلي الذاكرة
أو إلي النسيان، بل لا أعرف هل هذه اليوميات (هل الكتابة ؟)، وهي
تحفر تحت أنقاض الحرب، هي لإنتاج آليات التذكر أم مجرد أفق للنسيان؟
ومم تتشكل بالأساس ذاكرة الكاتب ؟ـ كما تساءل كاتب فرنسي ـ هل مما
عاشه أو علي العكس مما لم يعشه؟ وبمعني آخر، هل يكفي أن نعيش حربا
من بعيد، عبر الفضائيات والصحف وقصاصات الأخبار ومن خلال ردود الفعل
الشفوية، لنزعم أننا عشنا هذه الحرب وبالتالي يمكننا أن نكتب عنها؟
ونتساءل
أيضا: إذا لم يكن الكاتب جنديا أو محاربا أو ضحية مباشرة لفعل الحرب
وعنفها المادي، كيف يحق له أن يدون يوميات عن الحرب؟ ثم هل اليوميات
جنس إبداعي وتدويني موقوف فقط علي أهل الحرب أم من المشروع جدا أن
يتبناها حتى من كانوا ضحاياها رمزيا، ولو من خلال عنف الصورة وعنف
الخطاب ؟
ـ
2 ـ
إن
علاقة الحرب بالكتابة قديمة، وقد ظلت تتجدد باستمرار بل كثيرا ما
خلقت الحروب المختلفة، عبر التاريخ آدابها وفنونها ورغم اختلاف الحروب
واختلاف أزمنتها وأمكنتها، بل كان ثمة علي الدوام نوع من المشترك
في الكتابة أو الإبداع الذي تنتجه: سطوة العنف والوحشية والتدمير
والخراب وأنقاض الحياة من جهة، ومن جهة أخري الإحساس الجارح الممض
العميق بعبثية الأشياء.
كان
موضوع الحرب لا يستنفد وكيف يستنفد ولم تتوقف طاحونة الحروب أبدا،
من حرب طروادة إلي الحرب الأمريكية علي العراق. ولذلك كانت الكتابة
عن الحروب هي الإمكانية الوحيدة الممكنة للاستيراد الإنساني من اللاإنساني،
وإخراج الأليف من عمق الوحشي. وذلك حتى لا ينطفئ ما يتبقى من ضوء
شاحب تحت الظلال المتخايلة العتمة للعمي المطلق وهو يلقي بالمصادر
الفردية والجماعية إلي مستنقعات الدم والوحل.
ولحسن
الحظ أن الحرب لا تنتصر وحدها. فعندما يتهدم كل شيء، وينهزم الجميع،
ويتراكم الخراب في العمران والبشر...، يخرج الكتاب والشعراء والمبدعون
منتصرين أيضا، علي الأقل من حيث ما ينتجونه من نصوص وكتابات وإبداعات
فنية وفكرية تصون للإنسان إنسانيته المفترضة.
هكذا،
في الشعر، في الرواية، في القصة القصيرة في السينما، في المسرح،
في التشكيل، في الموسيقى في كل صوت وكل صمت خلاق، كانت الحرب رحم
العنف بامتياز أفقا قدريا للفكر ومادة أولية للأبدع. ولنا أن نستعيد
ذاكرة النصوص، آلاف النصوص الشعرية والروائية (وغيرها) التي مرت
بنا بحروبها الضروس الطاحنة، من شعراء الاغريق ـ من ندبة أوليس حرب
طروادة ـ إلي شعراء الجاهلية العربية قبل الإسلام، إلي أبي تمام
والمتني، إلي بالزاك la chartreuse de parme وتولستوي (الحرب والسلم)،
إلي بروست وسيلين وسارتر وكامي ومالرو وأونغاريتي وروني شار وغونتر
غراس وصولا إلي محمود درويش وأدونيس وعبد اللطيف اللعبي وسعدية يوسف
وعشرات الشعراء والروائيين والقصاصين والمسرحيين والسينمائيين والتشكيليين
العرب من الذين عاشوا الحروب العربية فعلا أو عايشوها من خلال المواكبة
الإعلامية الطازجة الماكرة.
ـ
3 ـ
إن
شعرية الأنقاض هي شعرية الشهادة.
إنها
أيضا شعرية تلك اليد المليئة بالساعات بتعبير قصيدة للشاعر بول تسيلان
اليد التي تظل تتحرك وتدون بينما تكون العين ساهية ومفجوعة والجسد
شبه معطل أو شبه مخدر أمام هول ما يحدث علي أرض أصبحت تقريبا بلا
آلهة؟
وفي
شبه ساعات فارغة وبشعور جندي يعد الدقائق في الخندق ولا يقوي علي
أن يبرح موقعه، كنت أكتب وأدون هذه الأفكار وأتابع هذه التفاصيل
والمعطيات، وأداري العجز الطاغي وموجات الخيبة التي كانت تصل دون
انقطاع إلي ساحل الروح.
كنت
أتألم لما أشهده أتعاطف وأتضامن، أغضب وأسخط، أفكر وأحلل. أحاول
أن أفهم وأحاول أن أتجاهل في نفس الآن. وكنت موزعا بين المشاعر والمواقف.
حاسم في رفض الحرب حيث إن هناك من العتمة أكثر مما هناك من ضوء،
في الواقع وفي العقل وكأني سمعت بأذني ذلك المواطن العراقي البسيط
وهو يصرح للصحافة : نحن علي الطرف الآخر من الستارة ولا نعرف كيف
سينتهي هذا الفيلم.
ـ
4 ـ
وكم
شغلتني التفاصيل، والأفكار الصغيرة التي كانت تولد في زحمة الوقائع
والانشغالات، بل وشدتني كثيرا الجمل الصغيرة المتطايرة في التصريحات
والندوات الصحافية وأحيانا في المقهى والشارع.
كيف
أنسي (في تقرير إخباري) تلك البقرة التي برزت فجأة في فراغ الفضاء
ومناخ الحر والغبار جنوب العراق والقوات الغازية تتقدم باتجاه بغداد؟
البقرة الوحيدة العزلاء وقد راحت تتجول وسط الفوضي وعلي جانبها كان
الدم ينزف يقول كاتب التقرير.
كيف
أنسي أيضا جندي المارينز الأمريكي، بعد أن قتل عراقيا بفضل استعانته
بمنظار الرؤية الليلية، وهو يصرح لصحافي قائلا : بالنسبة إلي، لم
يكن أكثر من نقطة. ظل اختفي فجأة حالما أطلقت النار ثم أضاف : كأننا
نتفرج علي لعبة هائلة من ألعاب الفيديو.
وفي
ظل الإحساس بالعجز الاممي، انتبهت إلي ما قاله الممثل السابق للعراق
في المنتظم الدولي (محمد الدوري) تلك الجملة الصغيرة النفاذة المعبرة
: الامم المتحدة مشلولة بسبب الضغط الامريكي عليها ، والذي يطول
أمينها العام، بل حتي عمال المصاعد في بنايتها.
ـ
5 ـ
ومع
أنني لم أحارب ولم أشارك ولم أكن قريبا من وقائع تلك الحرب المدمرة،
بل كنت أدون وأكتب فقط علي مبعدة آلاف الكيلومترات، لم أكن أخرج
سليما معافي من كل صفحة إن صح أن أستعير بتصرف سطرا شعريا لروني
شار.
كأن
هذه اليوميات التي كنت أدونها كل يوم، تحت أدخنة المشاعر الموزعة
المرتبكة الغامضة، كانت في العمق تدبيرا للقلق والألم.. وأحيانا
لبضع غبطات صغيرة منفلتة لا تسمي.
كم
هزتني أيضا الانهيارات الشاملة التي أتت بها هذه الحرب، انهيارات
الأشخاص والقيادات والقيم. أصبحنا أمام عالم مختلف يعيش فيه الكثيرون
بدون تأنيب ضمير رغم امتلاكهم لفائض كبير مما يحتاجه آخرون. وتقريبا،
انهارت القوة الأخلاقية المتبقية، ولم يبق بيننا وبين القرف والسام
والإحباط أي جدار عازل. تعري كل شيء.. وتعرينا. ولم تتعر الأجساد
فقط، حيث أصبح العرب بلا سراويل وإنما تعرت الروح الجماعية والأفكار
والخيارات.
ووقفنا
علي تخوم الهواء وأصبح الشعر هلال الكون الحيي، فلم نعد نراه إلا
تحت أردية الغيم. وإذ سقطت الخطابات والشعارات والأنساق الكبرى في
الفكر والواقع، لم يبق لنا سوي شعرية الأنقاض، شعرية المهدم والخرب
والزائل، شعرية الشيء الصغير شعرية التفصيل، شعرية الجزئي والشذري
والهش والضئيل والخفيف، شعرية المهزوم.
ـ
6 ـ
من
النافذة، في غرفة المكتبة بشقتي بالرباط في الساعة العاشرة ليلا،
أري أضواء سلا والقرية شاحبة. أري رذاذا ضبابياً ناعما وصامتا يبلل
الأشجار والبنايات ويصيب الدواخل بشبه صدأ.
مازال
هناك شرطي المرور واقفا بمعطفه الجلدي الأبيض. أظن أنه سيغادر في
الحادية عشرة ليلا. قبل قليل مر القطار السريع الأزرق قادما من القنيطرة
إلي الرباط. لمحته يعبر فوق جسر أبي رقراق. وكانت مصابيحه مضيئة.
قبل قليل كان هناك أكثر من شرطي مرور وكان يصلني في الطابق الثالث
صخبهم من أسفل العمارة.
دائما،
هذه الأشجار الخضراء المزهرة بالأصفر والوردي والبنفسجي.. التي لا
أعرف أسماءها، صامتة ولا يصلني حفيفها وأنا هنا خلف الزجاج أراوغ
غبار الكتب والعطس الطارئ الرهيب والحساسية وأدون أفكارا يومية عن
الحرب التي تصلني هي أيضا صامتة وهادئة وناعمة تقريبا، لأنها لا
تصلني إلا كصور وتعليقات.
والحق،
إنني لم أر الحرب علي العراق.. لأنني لم أعانها كما يعانيها أولئك
الذين ظلوا تحت عنفها المدمر في العراق، وفي المنطقة المتقدة ككل.
كأن
هذه الحرب لم تحدث. فزجاج النافذة لم ينكسر والقطار مر قبل قليل
والشرطي مازال واقفا في مكانه عند ملتقى الطرق. وأنا هنا بجسدي كاملا.
ولكن الأنقاض ليست متخيلة ولا بعيدة فقد أضحت هنا في الدواخل، في
النفس والروح.. وفي الكلمات.
تقديم
كتاب يصدر قريبا عن دار الثقافة بالدار البيضاء بعنوان شعرية الأنقاض:
يوميات الحرب علي العراق.
حسن
نجمي / شاعر من المغرب - 13.04.2004