متاهات
الأمكنة بين اليوت وكافافي
حين
يكون الإدراك نسبيا في إطاره المنهجي.. والمسح الدقيق، والمتكون
أصلا.. علي مداخلات الأسئلة الملحة.. التي يفرزها الواقع الاجتماعي:
في هذه الحالة، تكون العلة، في استجواب الأسئلة لأنها هي الحدود
التي توضح عملية، ما علق في فضاء الصمت، الذي مكن، هذه المداخلات
من تجزئة (الزمكان) وتسريع العجز الذي حصل في المكان لتستريح
الاستمرارية، بمعناها التقليدي في فرز هذه الأسئلة: وطبيعياً،
يستطيع الفعل في معناه: تحطيم مسار الصمت المكاني بالإجابة
علي كل الأسئلة.. بل تحويل المنطوق الي كثافة تتسامي في حيز
البقاء الناجز في (عملية الوعي المدرك).. فهي عينات من حقائق
الإدراك.. وتاريخه.. ويمر تكزانه الواعية.. فهي تبقي ساكنه،
وإن لم يتم تحريكها باتجاه الارتباط بحلقات الارتباط (الزمكانية)
ويأتي
تطابق هذه الأشياء في مسيرة الوعي الاجتماعي ــ والتاريخي
ليحدد المسيرة الفكرية.. وهي تتعلق بالمفاهيم ذات النقلات
التاويلية.. وتتلخص الإجابة الوافية: لما حدث في التاريخ..
وهو استجواب دقيق للوقوف عند الاثر الفني أو (الادبي) الذي
اتصل بهذه المعادلات، الشائكة.. ويتضح هذا المنوال بعملية
(الانفعال) داخل سلطة العزلة.. وهي تعي تاريخ الإدراك القانوني
(لجمال).
إن
اللحظات التي تم انتزاعها، في صمت وعزلة.. في وحدة تبقي الإطار
الموضوعي.. داخل وحدة الادراك التاريخي، في الفعل الفني ــ
والأدبي ونحن ندرس.. خواص تطور المعني (الموضوعي) في النص
الشعري لشاعــرين ــ هما (ت. س. اليوت) و(كافافي) وهما يشكلات
وحدة رئيسة تختفي وراءها (السطوح) السرية لتأتي بمتاهات الامكنة،
حيث تصبح اليقظة.. هي استرجاع لعملية، الانفلاق، علي الواقع
واختفاء المساحات الواسعة، في فضاءات القصائد.. (فالشاعر (كافافي)
يبدأ إيقاعه الشعري، بمركب اجتماعي واقعي صرف (كما يقول (ديدرو)،
أما (اليوت) فبقي أسير (المكان ــ والتحول الكنسي ــ الكاثوليكي)
إضافة الي عمليــة الاحتفاظ بالنزعة (بيورتانية) ميزت (الاجواء
الامريكية) أضافة الي (النزعة الدانتيتة) والتي غلبت علي شعره
(وكافافي) رغم التأثير الواضح بالشعر اليوناني القديم وبالاسطورة
ــ والرمز.. فقد كانت (الداتتية) ــ (ولاهوت ــ القرون الوسطي
ــ وعصر النهضة.. هي من السمات التي ميزت شعر (كافافي).
فكانت
الاجواء الفكرية التي أفرزت (أمرسن ــ وأميلي ديكنسون) وهو
الجانب الارتباطي الذي ميز (اليوت) في تلك الفترة ــ أضافة
الي (الرمزية) (الفرنسية) والاصل المنجز فيها في (أدجار الان
بو) والمورث الامريكي في (هنري جيمس) وهذا العامل غير مباشر)
لقد كان القرن الثامن عشر ــ وعصر النهضة: قد وجدا الرمز ــ
والاسطورة عند (كافافي) فاستطاع هذا الشاعر أن يقوم بعملية
شد أواصر التطور من حالاته الجزئية بماضيه وركاماته الي غايات
جديدة ــ وعصرية، في المنحي ــ الاسطوري.. فكانت (التلقائية
ــ والواقعية) غير واضحتين ــ كذلك غير متوفر عند (اليوت)
وحتي (بيتس).
كان
(كافافي) واضح المعالم في أنماط شخصياته ــ والصفاء.. والصفتان
اللتان يتمتعان بها.. وقـد تمثل العنصر الرئيس في إخراجــه
(الموروث الشعري ــ لأليوت) فـي (دانتي) و(بودلر كما قلنا..
هذان النمطان.. قد تغلغلا في منظمومات الانساق المحورية (لأليوت)
حيث اصبح واضحا في نهاية قصيدة (الارض البيات) وهي اشارة ــ
جلية ــ واضحة: في التكوين الهرموني للمتاهة. يقول (اليوت):
مدينة
غير واقعية،
وتحت
الضباب الأطلسي من فجر شتائيّ
يتدفق
حشد فوق جسر لندن، جم غفير
لم
أكن أتصور أن الموت قد أطلق من عقاله
مثل
هذا اليوم الجم الفقير.
وهم
يرسلون التنهدات قصيرة مبهورة مكسورة
وكل
امرئ حّدد ناظريه أمام قدمية.
وتدفق
الحشد صاعدا التّل أو منحدرًا في شارع الملك وليم(1).
حيث
تعيش القديسة ماري ولنوث الساعات
بصوت
يموت متلاشياً عند الدقة التاسعة الأخيرة
آه
أبعد الكلب عنها، ذلك صديق ليتي الإنسان
وإلا
نبش عنها الثري بأظفاره!
أنت
ايها الشقيق المنافق! يا ضدي ــ يا أخي!
إلا
أن ما أضيف من.. تفصيلات معزولة.. كان أساسها المسح الغائب
(للمدينة) والذي لايمت بأي واقعية لهذا الحدث.. والأيمان عن
(الغابة) الرئيسية) وما أصاب المورورث من عجز في الأيمان..
وهو مؤشر يؤكد، الحطام الرئيس (للصورة العقيمة) وهي المحصل
الرئيسي، لمدخلات المكان.. الذي وضحة (بودلير).
ومن
الاساس التحليلي لعمليات الوعي.. يبقي تصنيف (كافافي) لشخصيات
التاريخ الإغريقي.. فهي الطريقة المثلي للمجازفة القياسية
عنده.. وهو يتحرك في المكان ويستحضر التاريخ الإغريقي بإضافة
بعض اللمسات الدقيقة، والشمولية، سواء علي مستوي سلوك أبطاله..
وعلي مستوي ظروفهم.. وطباعهم.. إنها الرموز، والإيضاحات (الجماعية
ــ والفردية) و(بواقعية حية) يقول: كافافي..
أبن
بحار بائس (من جزيرة في بحر أيجة)
كان
يعمل في دكان حداد.
ملابسه
وأحذية مهلهلة.
كان
عليه.. أن يكدح بمشقة تستدر الدموع
وكانت
يداه ملطختين (بأصداء ــ والزيوت) (2)
إضافة
الي كونهم كيانات (مادية) وصور اجتماعية متعددة، لنماذج كادحة..
باقية في الحياة.. كان (كافافي) سباق الي التجريبية في الشعر..
ذلك بسبب أساليبية الرؤيوية، التي، أحكمت سلطاتها عليه.. وبسبب
عدم الاستقرار.. وعدم (شروعه في عملية التنسيق لهذه الأساليب)..
فكان الانطباع ظاهراً عليه..
التهام
الأفكار المجردة
حيث
تلتهمه الأفكار المجردة (أحيانا) ثم يبدأ بعملية الفرز، كانت
تظهر صعبة عليه.. بسبب ظهور (دالتها) دون المزاوجة بين المجرد،
من هذه (الصور) ــ وبين (النبل الإنساني) ــ الواقعي.. الذي
شكل موقف (كافافي ــ بالكامل) وهو المنعطف الخطير في حياته
الشعرية وتجربتة الحية.. وبقي (كافافي) ــ متفاعلا مع هذه
الصيغ والمواقف ــ والخواص.. من الزاوية الواقعية ــ والاخلاقية
الصرفة رغم.. ابتعادها عن الخيال الشعري مما سبب له هذا الموقف
ايقاعات مختلفه في خواصه الشعريه وهذا الخلط شكل خللا في تكوين
(الإيقاع الأسطوري) في أكثر قصائده.. ففي قصيدة (تير ميبولي)
مات هؤلاء الرجال، مما أثار واقعية شديدة الإعجاب، وفي هذه
القصيدة حقق (كافافي))موقفا تجريديا مطعما بلا أخلاق في حين
موقفا تجريديا مطعماً، بالأخلاق في حين خلت القصيد ــ من (الصممية
ــ والمنطق الخيالي).
يقول
(كافافي)
أصوات
مثلي، حبيبة
أصوات
مثلي، حبيبة
لأولئك
الذين فقدناهم، فأمسوا كمن ماتوا أحياناً تتحدث الينا، في
الحلم وأحياناً، في التفكير، يسمعها الدماغ
ومع
هاجسها، تعود الينا، لحظة
أصوات
من شعر حياتنا الأولي.
كالموسيقي
الثلاثة، ليلا في البعد.(3).
وبقيت
مدينتا (اليوت ــ وبولدلير) هي النماء والقحط ــ والشيطان
ــ والوعي الهابط.. الذي يعرقل مهام المعرفة في حركة الي الخلف..
التي تفضي ــ بالانسان الي الحالة الصغيرة جداً فقد أعطي (اليوت)
هذا الموقف (حالة جديدة) وموقفاً وهو الشبيه (بموقف ــ وحالة
كافافي)حين توغل في ــ مداخل الأواصر المكانية ــ الانسانية..
في عملية اللاوعي وبقي يعانـي الموقف (السطحي) وعــدم تشخيص
العّلة الرئيسة وحين حـاول (اليوت) أن يكتشف، أفقاً جديداً
في الموت من خلال منطق (المكان) المحدد بآواصره الحياتية..
فكان الهامة الرئيسي (دانتي ــ وبودلير) علي ظهر البسيطة وهو
(يترجم الموت ـ في هذه المدينة القاحلة) وهي تئن من وطأة الهلاك
لأن الذين سكنوها ــ لم يضعوا مخرجاً في الارادة، و(القوة
ــ والشهوة) كما يسميها (اليوت) وبقوا يجوبون الفيافي في دون
مسوغّ.. فالزمان في المدينة بقي كما هو.. زمن أفلح.. والعتمة
استسلمت للقدر.. فضياء الفجر أصبح رمادياً.. وماضي في طريقه
يلف المدينة.. أنه الاحساس، بالاحباط ــ والمرارة.. لحالات
الوعي (التي يتم اغتيالها ــ في وضح النهار.. هذه عملية إنذار
للحقب الواقعية.. في عمليات (اللاوعي) في (تراجيديا الرعب
في المدن المحطمة وأن الخروج في الذات.. عاد سفه.. وان التوقف
عند هذه الأفعال.. وهي توافق الفعل المحشـــــو (بالفراغات)
بات، خروجا علي المألوف في الذات المعذبة. يقول (اليوت)
في
الساعة البنفسجية المسائية التي توجه
(الناس)
نحو البيوت وتجيء بالبحار الي بيته من البحر
وترجع
الضاربة علي الآلة الكاتبة الي بيتها في موعد الشاي
فتنزل
ادوات الفطور وبقاياه، وتشعل المدفأة، وتستخرج الطعام من العلب(4).
لقد أيقظ (اليوت الرغبة التحديثية في اللاوعي.. عبر حقب كاملة
حيث اهتم بالمؤثرات الطبيعية (تلادب ــ والشعر) بشكـــل خاص
في غابة المقدسة.. التي أثبتت صحتها في (الموروث) ــ واستجابته
الدقيقة لعمليات النفور، بعد تركه ركام من العلاقات المعتمة
ــ والفارغة ــ والفارقة في عمليات (اللاوعي السيكولوجي) بعكس
(كافافي) الذي تمحو في صيغة الاحساس.. وهو يقف، خارج التجربة
الشعرية منعزلا عن الانعكاسات ــ والرغبة بحجة تكثيف وجوده
في الآخرين، من المتلقين لشعره.. في هذه الحالة.. يجد (كافافي
متعة كبيرة.. وهو يعرض خواص (اجتماعية وفردية) ويحاول تحريكها
من أتجاهات عدة.. قد تكون صيغة غير قابلة للتوسع.. وتكون حدتها
بانقلاب ــ (الزمكان) عبر الخواص الاجتماعية ــ الي حب المشاهدة
فقط دون معني.
كان
(كافافي) يبحث عن حلول طبقية بوعي اجتماعي ــ طبقي ناضج في
فترة من أعقد الفترات التاريخية.. باعتبارها رمزه الرئيس بغزاواتها..
وفشل الحياة في المدن القديمة.. وهنا يلتقي (كافافي مع اليوت)
في فساد المكان ــ والواقع ــ والمدينة باطــار (سسيولوجي)
يبحث عن حل يأتي عبر الرغبة الجامحة في تكوين المعالم الجديدة..
لمدن وأماكن ظهرت عليها علامات (الموت) وملأها (الدخان الأصفر)..
والتحول الذي حصل في واقع المكان.. بحيث أصبح.. يعطي، خواص
بالعنت ــ والانهزامية.. التاريخانية التي أصبحت عبارة عن
رغبات فارغة.. لا تستند الي أي مبحث ــ وملاحظة.
إن
الوصف الذي يكشف عدة من الملاحظات المختلفة وعن أدوار النضج
ــ والالتزام أمام الرغبة (الشيطانية) وهي تنقض.. علي السابلة
وهو في الطريق (كما يقول اليوت) والكشف يتم.. بالتقدير والمراجعة
المبنية.. بانتماء ــ الي المدينة العليا من المذهب الفكري..
لأنه حجر الزاوية.. تعززها أنساق من القيم الاجتماعية.
فالبنية
العليا.. مأخوذة بحساسية فكرية.. وهي بقايا منظومة من التفاعل،
المنطقي..(بين الروح في العالم العلوي قبل الهبوط الي العالم
السفلي: كما يري (أفلاطون).. وهي وليدة تقدم حصل في تركيبة
(اجتماعية متطورة تكون، عبر صراع مرير.. أنتج البدائل دائما
بصيغ (جدلية) وهي في تداخل وتتابع مع الحواس وعبر الأزمان...
فهي خلاصة متطورة... كما يري هيجل.
(1)
ماثيسن، الشاعر الناقد، ت. د أحسان عباس.
(2)
كافافي في 120 قصيدة ترجمة سعدي يوسف.
علاء
هاشم مناف - ألف ياء