
"فـتنة
المتخيَّل" لمحمد لطفي اليوسفي
النقد
كحكاية
صدر
عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، قبل فترة، كتاب للناقد
والأستاذ الجامعي التونسي محمد لطفي اليوسفي بعنوان "فتنة
المتخيل". الكتاب متفرد لأنه يجمع في أجزائه الثلاثة متن الثقافة
العربية وهامشها أيضاً. فيه تتجاور نصوص النثر مع الأشعار،
ونصوص السير الذاتية مع الرسائل، النظرية العربية القديمة
في الشعر والشعرية مع كتابات الجابري وأدونيس وصولاً إلى كتابات
الفقهاء والوعاظ كابن الجوزي مثلاً. فما الذي يجمع هذه النصوص
معاً؟ وما عناصر المنهج المبتكر الذي ابتدعه اليوسفي؟ هل من
الضروري حقاً النظر إلى الثقافة العربية بشكل شمولي، وهل يكفل
هذا فهماً أعمق لها، بعيداً عن الأفكار المسبقة التي منعت
التفكير وكبلت النقد واكتفت بالمسلّمات والشعارات؟
يقترح
محمد لطفي اليوسفي أن ننظر إلى كل تلك النصوص في شقيها الإبداعي
والنظري من زاوية المتخيل الذي صدرت عنه. ذلك أن النظر سيكفل
حسب رأيه الكشف عن القوانين التي تحكمت بأنماط الخطاب في الثقافة
العربية وأنواعه، مبيناً آليات تطورها، والتغيير الذي انتابها،
ومبيناً -الأهم ربما- قدرتها على الاختلاف والتنوع، وكيفيات
تأثرها بواقعها حين كانت الحضارة الإسلامية هي المسيطرة، قبل
انكفائها في ما يعرف بـ "عصور الانحطاط" مثلما يبين التغيير
الذي انتابها آن احتكت بالحضارة الغربية وتحديداً في القرن
العشرين.
استطاع
الكاتب وفقاً للمنهج الذي ابتكره أن يقيم نسقاً أصيلاً ومبتكراً
للثقافة العربية. ومنهجه غير مأخوذ من النظريات العربية القديمة
في الشعر والشعرية والبلاغة والبيان، ولا هو مستقى من النظريات
الغربية. وبذلك يحاول اليوسفي أن يتجنب الأخطاء التي طالما
وقع فيها النقد المعاصر الذي "لا يحاكي القديم فحسب بل يعجز
لحظة انفتاحه على الثقافة الغربية عن الإغتذاء بما أنجز من
تصورات ولا يتمكن في أغلب الأحيان من تطوير نفسه مستعيناً
بما صح منها وثبت بعد زوال الحماسة التي رافقت اللهج بهذه
التصورات.
وفي
الحالين يبدو الخطاب النقدي المعاصر استهلاكياً لا إبداعياً،
وخصوصاً أن اليوسفي يرى أن السبب "التقني"، إن جاز القول،
في فشل الخطاب النقدي المعاصر هو الاستعانة بمصطلحات مستقدمة
من النظريات الغربية أو من نظرية العرب القدامى في الشعر والشعرية،
ذلك أن المصطلح في الحالين لم يخدم النقد المعاصر بل خدم المكان
الذي استقدم منه، لأن المهم عند النظر في المصطلح بحسب اليوسفي
هو "علاقته بالفكر الذي أوجده أول مرة". فالاستعانة الجامدة
بالنظرية الغربية أو العربية القديمة تبين عجز النقد المعاصر
عن الانفتاح على الاثنتين لأنه يتلبسهما ولا يتمثلهما. والنتيجة
أن القراءة النقدية تصبح "عبارة عن متاهة تدفع بالخطاب النقدي
على درب الاتباع وتعمق مآزقه فيوهم ذلك الخطاب بأنه هو الذي
صاغ أسئلته بينما لم يفعل لأن من صاغ السؤال أصلاً هو إما
النظرية الغربية وإما النظرية العربية القديمة".
النقد
في قفص السؤال
إن
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن بعد قراءة مقدمة الجزء الأول
من الكتاب هو هل يمكن اليوم مقاربة الثقافة العربية بعيداً
عن النظرية الغربية وفيضها المستمر، والنظرية العربية القديمة
في الشعر والشعرية على حد سواء؟ وهل من جدوى في ابتداع منهج
جديد؟ والسؤال الأهم هل أجابت الدراسات النقدية في القرن العشرين
عن الأسئلة التي طرحتها على نفسها آن قاربت "التراث" أو "الحداثة"
متأثرة تارة بالنظرية الغربية عبر نسخها وتشويهها، وطوراً
آخر بالنظرية العربية القديمة عبر بعثها بشكل قسري وتحنيطها
مجدداً؟. يبدو أن مثالب الخطاب النقدي المعاصر كانت أوسع من
إنجازاته، لذا يتم الحديث دوماً عن حضوره مصاباً بأزمة أو
عن غيابه بسبب أزمة. لكن اليوسفي لا يكتفي بالتدليل على هذه
المثالب، بل يبين الأسباب الكامنة وراء عجز النقد المعاصر
عن الإحاطة بالنص الإبداعي. ويعتبر أن التقسيم التاريخي للثقافة
العربية ثلاث لحظات حاسمة : الأولى تمتد مما قبل الإسلام وحتى
تأسيس المدينة الإسلامية وصولاً إلى نهاية العصر العباسي،
والثانية لحظة عصور الانحطاط التي غالباً ما تم التبرؤ منها
وهذا واضح في تسميتها، والثالثة مرحلة النهضة. هذا التقسيم
هو السبب الكامن وراء هذا الفشل.
قانون
التنادي بين النصوص
القراءة
تقوم في الدرجة الأولى على المقارنة الديناميكية بين مختلف
النصوص، إذ أن المقارنة هي أداة النقد الأولى بامتياز، وبدونها
لا يستوي النقد ولا يكون. تعني المقارنة الديناميكية في الدرجة
الأولى أنه "تجب قراءة النص داخل سيرورة الإبداع في الثقافة
التي ينتمي إليها وداخل سيرورة الإبداع مطلقاً". إذ أن "النص
الإبداعي يدخل لحظة تشكله في علاقات سرية مع حشود من النصوص
السابقة عليه والمعاصرة له"، و لحظة تشكل النص "تجمع الماضي
والحاضر وما سيأتي أيضاً، فهذه اللحظات لا تتعايش فحسب كلحظات
بل تتعاصر وتتفاعل لحظة الكتابة".
انطلاقاً
من هذه الفكرة التي تبين أن لا كتابة من الصفر مطلقا،ً تماماً
كما أن لا قراءة من الصفر أيضاً يبدأ قانون التنادي بين النصوص
بالعمل ويكشف ما تتكتم عليه النصوص، والآليات التي تحكمت بها.
فهذه النظرة إلى العمل الإبداعي لا تعزله عن محيطه وإنما،
على العكس تماماً، تستحضر محيطه من نقد واكبه، أو نصوص عاصرته
أو سبقته سواء كانت تلك النصوص أدبية أم دينية أم وعظية، مما
يضمن لقانون التنادي بين النصوص أن يكون كالرافعة الحقيقة
للعمل النقدي، وخصوصاً أن المقارنة تتم هنا بين نصوص مختلفة
في الأساس. فهي تقع بين نص شعري وحكاية، أو بين نص شعري ومقتطف
من كتاب في الوعظ مثلاً. أما النتيجة الأكثر سطوعاً والتي
يمكن اعتبارها بمثابة إنجاز فذ غير مسبوق فهي القدرة على الكشف
عن المتخيل الذي حكم الكتابات العربية في مراحل مختلفة، وتالياً
التوصل إلى تحديد بعض من "النماذج العليا" في المتخيل العربي.
وبهذا
يسدي اليوسفي إلى الثقافة العربية وقرائها خدمة كبيرة. فعن
طريق تفكيك السرد في الحكايات والسير الشعبية من ناحية، وتفكيكه
في أخبار الشعراء من ناحية أخرى، يعين القارئ على أن يتحول
من قارئ "بريء" إلى قارئ "عليم" يملك القدرة على التحليل وطرح
الأسئلة. فالقارئ بعد "فتنة المتخيل" لن يقرأ أي شيء بالعين
نفسها مجدداً. تفكيك السرد سيدرب القارئ على تفكيك النصوص،
النثرية منها والشعرية، الدينية منها والفكرية، التاريخية
منها والمقالات الأدبية، وصولاً إلى السير الذاتية والرسائل.
وهنا تتجلى قدرة اليوسفي على قراءة ما حفل به المتخيل العربي
من شخصيات ورموز وكيفية تفكيكه لها ومن ثم إظهار كيفية تركيبها
وإعادة إنتاجها ضمن مختلف النصوص المدروسة.
يبدأ
اليوسفي الجزء الأول من كتابه ناظراً في اللحظة الحاسمة الثانية
في الثقافة العربية، أي ما يسمّى عصور الانحطاط. ولئن دأب
النقد في القرن العشرين على التبرؤ منها واعتبارها انحطاطاً
حقيقياً يجب تجاوزه في اتجاه الماضي التليد بغية الوصول إلى
المستقبل وافتراضات النهضة والحداثة الموعودين، فإن اليوسفي
يعتبر تلك المرحلة نقطة سؤال في اتجاهين: مرة في اتجاه الماضي
أي كيف تم تمثل الماضي العربي المشرق فيها، ومرة في اتجاه
الحداثة والنهضة في القرن العشرين بمعنى كيف نظر إليها العديد
من الكتّاب، الذين غالباً ما قرأوها من خلال أفكار مسبقة تؤكد
الانحطاط من دون أن تنظر حقيقة في نصوص تلك الفترة ومن دون
أن تنتبه إلى أن "الشرط السياسي أو الاجتماعي يلون العمل الإبداعي
بيد أنه لا يحدده مطلقاً". لقد حكمت تلك الكتابات - إلى حد
بعيد - النظرة الانتقائية الى التراث والمغرضة، والرغبة القوية
بمحو الماضي والبدء من الأول.
وبكلام
آخر نظرت تلك الكتابات إلى عصور الانحطاط من خارجها، وحكمتها
الرغبات والأهواء الخاصة بالكتّاب. لذا يرفضها اليوسفي وينطلق
بشكل عملي في اتجاه نصوص تلك الفترة، مازجاً على الدوام وبشكل
متواتر بين النصوص الشعرية والنقد الذي رافقها حيناً، والنصوص
ذات المنحى الديني التي عنيت بذكر مناقب الأولياء وأصحاب الكرامات
حيناً آخر. وبالطبع يأخذ النتاج الشعري في تلك الفترة المساحة
الكبرى من البحث، ويبتعد الكاتب قدر الإمكان عن إصدار الأحكام
على هذا الشعر. وهو يصل إلى استنتاجاته فقط حين يربط تلك النصوص
الشعرية بالنقد الذي رافقها: علاقته بالنظرية العربية القديمة
في الشعر والشعرية من ناحية، وعلاقته بالنصوص الكثيرة التي
عنيت بذكر الأولياء ومناقبهم من ناحية أخرى. وبدلاً من النظر
في تلك النصوص بحسب ذائقتنا اليوم، يقترح اليوسفي النظر في
ما طرأ على الذائقة من تبدل في تلك المرحلة، قبل أن يستنتج
أن التعطيل الذي انتاب الشعر في تلك الفترة له تراكم تاريخي.
فالشعر
تلاشى في ما ليس منه لأسباب عدة ربما أهمها على الإطلاق انتفاء
الفرق بين النظم المتكلف والشعر وكيف اضطلع الوزن بدور مضلل،
وثانياً التماهي بين الخطاب الشعري والخطاب الديني، ونتيجة
لذلك كف الشعر عن كونه خطاباً ذا طابع انشقاقي، وامتثل لمتطلبات
الخطاب الديني. ولبحث السبب الكامن وراء هذا التغيير لا يكتفي
اليوسفي بتحليل النصوص الشعرية بل يتقدم في بحثه خطوة حاسمة
حين يربط تلك النصوص الشعرية بالنصوص النثرية. فعبر النثر
وعبر الحكايات الغرائبية التي تتخطى العقل وتفوق الخيال والمنسوبة
الى الأولياء سينفذ اليـوسـفـي إلى المتخيل مقنعاً قارئه بشكل
آسر.
ينطلق
اليوسفي في قراءته من أن مأزق الشعر ليس مرتبطاً بالظروف السائدة
إبان عصر الانحطاط، وهو ليس وليد لحظة محددة في سيرورته، بل
انه آت من بعيد. وهو يطول نظرية العرب القدامى في الشعر والشعرية،
التي حدت حسب رأيه من جموح الشعر كخطاب انشقاقي في الدرجة
الأولى، فالنظرية العربية كانت عمل احتواء للإبداع، إذ مارست
سلطتها على الذات ومنعت الأهواء والرغبات، فهي أتت لتكرس قيم
المدينة وناسها في الإجتماع. أي أن ظهور "المدينة الإسلامية"
وسطوتها حكمت بشكل كبير كتابات المنظرين القدامى. والفرضيةالرئيسية
هنا هي أن انكفاء الشعر ارتبط ببدايات الإسلام ويختار اليوسفي
لحظة وقوف كعب بن زهير تائباً بين يدي الرسول الكريم كلحظة
مفصلية وحاسمة في انكفاء الشعر وكفه عن أن يكون خطاباً انشقاقياً
آن امتثاله للسلطة. ولن تبدأ "دروب الانشقاق" إلا بعدما نجح
الشاعر في إنتاج نصوص "توقظ في المتلقي أهواءه ونزوعاته".
وبهذا
يتفق اليوسفي تمام الاتفاق مع ابن خلدون في مقولته الشهيرة
التي حكمت إلى حد بعيد النظر في تاريخ الشعر العربي وتطوره.
فحسب ابن خلدون كان عمر ابن أبي ربيعة أول من فتح دروب الانشقاق
على قيم المدينة ونظمها حين كرس كل نتاجه الشعري للحب والغزل
وتمجيد الجسد. يقول اليوسفي محللاً عمر ابن أبي ربيعة والشعراء
العذريين أن الحب في شعره لم يكن مجرد غرض بل" كان طريقة في
المقام على الأرض". وبما أن الأشعار التي تركها عمر ابن أبي
ربيعة وغيره من الشعراء العذريين لا تبين لنا كيف استرد هؤلاء
الشعراء مكانتهم المتردية في المدينة الناشئة ونجحوا في تكريس
أشعارهم القائمة بالدرجة الأولى على التعارض المطلق مع الخطاب
الديني، فإن اليوسفي يستند إلى النثر مرة أخرى، فعن طريق تفكيك
السرد في حكايات الشعراء العذريين وأخبارهم، يرى في قصة وضاح
اليمن قمة التحدي والصراع بين المقدس والمدنس.
ويرى
في إشاعة أخبار جنون قيس بن الملوح خروجاً من عالم الإنس إلى
عالم الجان. ويربط اليوسفي بين هذا الانشقاق والشعراء الصعاليك
والشعراء اللصوص الذين كانوا -وفقاً لطريقتهم - شعراء منشقين
عن المجتمع الذي انتموا إليه. ويبرع اليوسفي في القبض على
تحولات صورة الشاعر المنشق/ الصعلوك في المتخيل الجماعي، من
طريق تفكيك السرد في النثر العربي في حكاية ما كان من أمر
الحجاج بن يوسف والليث، كيف تتم صياغة الخبر، وما ينشد الراوي
منها، كيف يدفع المتلقي إلى القبول بما يريد. ثم يربط ما بين
الصعاليك والتوحش في البراري، تارة من طريق المتحقق النصي
في الأشعار، وطوراً من طريق الأخبار والحكايات. إلى أن يصل
إلى مفهوم "الخلع" في المتخيل الجماعي، علاقته بإبليس وصولاً
إلى "خلع اليمين" ودلالته المتعلقة مباشرة بالمتخيل الديني
الجماعي. فتتلون صورة المخلوع بتلاوين رمزية تستمدها من المتخيل
الجماعي، وتتغير صورة الصعلوك/المنشق، إذ تتماهى مرة مع اللص
وقـاطـع الـطـريـق، ومرة مع صورة الشيطان، مـحللاً أشعار مالك
بن الريب وأخباره تحليلاً باهراً، لـيقبض على أحد أهم النماذج
العليا في الثقافة العربية والتي عليها مدار المتخيل العربي.
تقوم
تقنية اليوسفي في مقاربة هذا الشعر من طريق النثر والأخبار
والحكايات على التحليل اللغوي لما يرد في الأخبار وربطه مع
فلسفة الديانات، كمفهوم خلع اليمين مثلاً، ومن ثم البحث عن
منابتها في المتخيل الديني الجماعي، في اعتبار المتخيل أرض
الذاكرة والوجدان الجماعيين. مما يمكنه من أن يصل إلى معرفة
أهم النماذج العليا في الثقافة العربية، كيف تغيرت وتلونت
بحسب الظروف الاجتماعية والسياسية، وكيف تم التعامل مع الشعراء
الذين كانت لهم سلطة على الكلمات. فتصبح تلك الحكايات مدونة
تشهد نوعاً من الصراع الخفي بين الخطاب الجمالي والخطاب الديني
والخطاب الأخلاقي. ومن هذه النقطة يقول اليوسفي إن النثر العربي
هو الذي احتفظ بالذاكرة والوجدان الجماعيين، وبدأ رويداً رويداً
يملك طابعاً انشقاقياً وخصوصاً أن فن القص والحكي في الثقافة
العربية شهد تطوراً في العصور اللاحقة بينما كان الشعر يشهد
انكفاءً مضطرداً.
لكن
انكفاء الشعر في رأي اليوسفي مرتبط إلى حد كبير بالنظرية العربية
القديمة في الشعر والشعرية. فهي أتت لتكرس قيم المدينة الإسلامية،
مدينة العقل المختلفة عن المدينة الجاهلية، مدينة الأهواء.
لذا أفردت النظرية القديمة مساحة واسعة لمفهوم الغرضية في
الشعر العربي، وحددت ما يقال وما لا يقال في الشعر، فإن خرج
الكلام عما حددته النظرية بطل أن يكون شعراً. إن هذه النقطة
تستحق أكثر من غيرها المناقشة في الكتاب. فالنظرية تم استنباطها
بعد تدوين الشعر لا قبله، وهي استقت قوانينها ونظمها من الشعر
الجاهلي أصلاً. فكتابات الأصمعي وابن سلام الجمحي والتي تعتبر
بدايات النقد العربي انطلقت من الأشعار الجاهلية، وفي متن
هذه الكتابات ومتن كتابات الرواة الثقاة كأبي عمرو بن العلاء
تعايش الشعر والنثر العربي معاً. لئن اعتبر العرب الشعر على
الدوام أرقى من النثر فإن هذه الفكرة تغفل إلى حد كبير ما
كان من أمر الخطباء والمكانة التي تمتعوا بها قديما،ً جنباًَ
إلى جنب مع الشعراء والرواة من ناحية.
ومن
ناحية أخرى كان لتأكيد اليوسفي هوان الشعر والشاعر كابح كبير
في كيفية تعليله لظهور المتنبي. بيد أن القول إن الشعر يحمل
في ذاته بذرة انكفائه ليس قولاً خاطئاً البتة لكن هناك يقينية
غير مبررة في إعطاء الغرضية وتكريس المدح والهجاء هذه الأهمية
الفائقة. فتاريخ الشعر العربي يبين أن غالبية الشعراء الكبار
انشقوا فعلاً عن مقررات تلك النظرية إما بطريقة مباشرة (كالشعراء
العذريين، والشعراء الماجنين) وإما بطريقة غير مباشرة كالمتنبي
مثلاً. والشاعر "لا يتصرف في الكلمات تصرفاً جديداً لم يسبق
إليه فحسب... بل يقوم بتجديدها فيفتحها على دلالاتها الممكنة
والمحتملة وبذلك يخرج بها من مستوى المعنى الواحد إلى مستوى
الدلالات المتعددة".
وهذا
صحيح تماماً لأن الشاعر في وجدانه ولاوعيه الجماعي إنما يقبض
على "الأنماط العليا" هو أيضاً. يربط اليوسفي بين الغرضية
والتكسب، لكن التكسب كان موجوداً قبل النظرية العربية، فالنابغة
الذبياني أول من تكسب بالشعر. عدا أن التكسب كان على الدوام
مدعاة للذم لدى كل النقاد القدامى الذين كتبوا في الشعر والشعرية.
النظرية احتقرت التكسب ودانته وشهّرت به، وآثرت التركيز على
الجانب اللغوي والبياني في الشعر متخففة من الدخول في متاهات
التراتب الاجتماعي التي تفرض المدح أو الهجاء. وعلى حد سواء
مع النظرية، حفل النثر العربي بقصص تدين الشاعر المتكسب وتحقره،
لذا نجد عند النظر في القصص التي رويت عن ديك الجن الحمصي
وخصوصاً حين يقارنها اليوسفي بالقصص التي رويت عن البحتري،
كيف أن "النموذج الأعلى للشاعر" يتم تلوينه وتغييره على إيقاع
مكانة التكسب المتدنية نثراً ونظرية.
عدا
أن فرضية اعتبار النظرية العربية القديمة قد وضعت خدمةً للمدينة
الإسلامية، يبين أن اليوسفي نظر إلى المدينة الإسلامية في
اعتبارها ثابتة لا ينتابها التغيير، بينما في الواقع تختلف
المدينة الإسلامية الناشئة، عن الأموية، عن العباسية، نـاهـيـك
عنـها في عهود شهدت انكفاءً حقيقياً في الحضارة العربية. هذا
من دون أن ننسى أن غياب الأدب الأندلسي بالمطلق في الكتاب،
يعتبر خسارة وخصوصاً أن المدينة الإسلامية الأندلسية شهدت
تغيرات حاسمة أثرت في مسـيرة الثقافة والحضارة الإسلاميتين
مما منع إلى حد ما قبول تلك الفرضية بشكل عملي.
المتنبي
أمير الكلام
رغم
أن اليوسفي يتشبث بفكرته عن هوان الشعر والشاعر في المدينة
الإسلامية إلا أن ذلك لا يمنع مطلقاً من الاستمتاع بأحد أفضل
التحليلات على الإطلاق عن المتنبي أمير الكلام، مكانته في
المجتمع، بل مكانته على مر العصور. والأهم قصة التكسب التي
زعزعها المتنبي عبر شعره الذي سكن الذاكرة والوجدان العربيين
منذ نيف وألف ومئة عام، متفرداً بوقوفه وحيداً مجسداً سلطة
الكلمات وسلطان الشعر. في التحليل الممتع للقصص التي رويت
عن المتنبي نجد ربطاً موفقاً بينها وبين المتخيل العربي في
مجتمع ما قبل الإسلام الذي أولى أهمية كبيرة للنسب والكرم
والشجاعة والإقدام، فجاءت القصص التي تشهّر بالمتنبي لتبين
أن الحكايات لا تتشكل بعيداً عن الذاكرة الجماعية للمجتمع.
وفي الآن نفسه جاء النقاد وتحديداً "الذين اضطلعوا بدور مؤسس
في علوم العربية وآدابها" بمناصرة المتنبي كالمعري وابن جني
وابن الأثير وغيرهم ليكشفوا أهمية شعره ومكانته الرفيعة. وعملياً
يبرع اليوسفي في إيجاد الفرق بين الطريقة التي نظر بها النقد
إلى المتنبي وشعره وأخباره والطريقة التي نظرت فيها الحكايات،
"فما تقدمه كتب النقد من مقارنات يترك المجال مفتوحاً قدام
المتلقي كي يدقق النظر في التهمة ولا تسد عليه منافذ التأويل
والتدقيق وإعمال الرأي. أمـا الأخبار فإنها تعتمد المكر طريقاً
إلى الإيقاع بالمتلقي وجعله يسلّم تسليماً بأن شاعرية المتنبي
مجرد وهـم وأن شــعـره لـيس سوى محاكاة لشعر غيره واقتداء
بمنجزاتهم وحشد من سرقات واضحة".
الفرق
بين الرواية والنقد العربيين قائم على الفرق ما في الأولى
من إمتاع ومؤانسة اذ تستسلم لفتنة السرد و"تفتتح مجراها مستندة
إلى هذا الطابع التوليدي الذي يمحو الفاصل الدقيق الواهي بين
ما هو واقعي وما هو محض خيال وتوهم". والثاني من الكلام الذي
ينحو منحى تقريرياً منتصراً للشاعر من طريق العلم والمعرفة
مفصحاً عن غايته بلا مواربة أو مداورة.
لكن
تهمة المروق ورقة الدين التي التصقت بالمتنبي والتبست باسمه،
تبدو من أكثر النقاط إشكالية في الثقافة العربية، فعبثاً ربما
يحاول النقد الدفاع عن المتنبي في هذه النقطة، ذلك أن الروايات
"رسمت تمثلاتها وتفننت في بناء ما حفل به المتخيل العربي"
سواء بشقه الإسلامي من تشخيصات ورموز أو مستلهمة بعض المتخيلات
من ديانات أخرى كالدين المسيحي تحديداً. لكن كتاب المعري،
"معجز أحمد"، يدفع الأمور إلى نقطة أكثر إشكالية إذ أن "عبارة
معجز أحمد إنما تأتي لتخلق في ذهن المتلقي نوعاً من الزحزحة
الخطيرة. فالدال إنما يشير إلى القرآن وإلى النبي العربي".
ويدفع اليوسفي بهذه الزحزحة خطوة أخرى حين يتناول بالتحليل
قصة أوردها البديعي تمتد أحداثها من مدينة السلام إلى أقصى
بلاد الترك. هذه الحكاية التي تعبر عن المتخيل والوجدان العربيين
تخلق نوعاً من التوازي بين اللغة العربية والقرآن وشعر المتنبي،
حتى لكأن الشاعر ينازع القرآن على اللغة، مسترداً سلطة الكلمة.
فيتم
كشف الهالة القدسية التي أحاط بها الوجدان الجماعي الشعر.
إذ أن أثارة التوازي بين نص إبداعي ونص مقدس كان من نتائجها
أن "عبقرية اللغة العربية تعلن عن نفسها في النصين البشري
والمقدس". هذه الحكاية تمثل خطاب فتنة بامتياز، مثلها مثل
الحكايات الأخرى التي تناولت نبوة الشاعر. وفي تينك الحكايات
يتفنن الراوي في توظيف أساليب القص والسرد ليضمن للحكاية الخروج
مما هو واقعي نحو الغرائبي المفاجىء، مستنداً الى مبدأي إرجاء
الأحداث ورفع عدم التصديق، دافعاً المتلقي للاستسلام لغايات
الراوي، فيقع في دائرة فتنة السرد. كانت مسألة النبوة إشكالية
إلى حد بعيد بالنسبة الى النقاد، وكانت تثير فيهم هلعاً عظيماً،
ويرجع اليوسفي "هذا الهلع إلى كون النظرية النقدية إنما تشكلت
وافتتحت مجراها في فضاء حافل بالصراع حول الدين"، "فثمة في
كل مفكر أو ناقد فقيه متخفّ".
لكن
أهم ما في هذا التحليل للقصص والأخبار الخاصة بالمتنبي ومكانته
وما صنعه، أن اليوسفي لم ينظر إليها في اعتبارها "وثيقة تاريخية"
لأنه يصل إلى النتيجة نفسها سواء يتم التسليم بواقعية هذه
الحكايات واعتبارها أخباراً " تضعنا في حضرة صراع عنيف بين
المقدس والمدنس" أو حين يتم اعتبارها مختلقة، نسجتها المخيلة
الجماعية "فإن دلالتها على ذلك الصراع تصبح أشد كثافة"، وبذلك
يبدو الفرق بين تحليل اليوسفي وتحليل طه حسين للقصص والأخبار
التي رويت عن امرئ القيس جلياً، ففي حين كان تعدد أخبار امرئ
القيس وغرائبيتها ولا معقوليتها سبباً في إنكار طه حسين وجوده
برمته في كتابه المثير للجدل "في الشعر الجاهلي"، جاء تعدد
أخبار المتنبي وقصصه كرافعة حقيقة في الكشف عن "المتخيل" في
الثقافة العربية.
مبدأ
الجاذبية المعاكسة
يعتبر
اليوسفي أن الخطاب الديني قد اخترقه الخطاب الجمالي في نصوص
الفقهاء والوعاظ، ويفرد مساحة واسعة في الجزء الثاني من كتابه
لابن الجوزي الذي أمضى عمره مطارداً "المكار الأمهر إبليس"
ومتطيراً من الحب والهوى. وفي نصوص كتابي ابن الجوزي الشهيرين،
"ذم الهوى" و"تلبيس إبليس"، يتابع اليوسفي تفكيك السرد في
الحكايات، مبيناً أن تلك النصوص الدينية مخترقة بما هو جميل،
لكن ليس نافعاً كما ترغب النظرية القديمة، وإنما مهلكاً. فالميل
إلى التعجيب والفتنة ورفع مبدأ عدم التصديق جعل تلك الحكايات
تفتتح مجراها في منطقة الخطر وتفتن بالمتلقي وربما بابن الجوزي
نفسه. من هنا يستقي اليوسفي مبدأً فاتناً هو مبدأ الجاذبية
المعاكسة. "العقل ينظر في الكلام من جهة الصدق والكذب. والحال
أن أدبية النص وشعريته وفاعليته تتأتى في جانب كبير منها مما
ينبني عليه القول من تعجيب". ويكشف الكاتب كيف أن النظرية
القديمة ذات المنحى العقلاني "أهملت نصوصاً اعتبرت داخلة في
الخطاب الديني" ولم تنتبه إلى" ما تحتوي عليه تلك المتون من
أدبية ومن إبداعية تجعلها مسرحاً لنوع من الصراع بين الخطاب
الجمالي والخطاب الوعظي الإرشادي". فهي نصوص تشكلت لمحاصرة
الفتنة المتمثلة تارة بإبليس وطوراً بالحب والهوى. لكن الفتنة
تسللت إليها رغم الحصار من طريق فن القص وسرد الحكايات.
يبين
اليوسفي عند تحليله للحكايات كيف أن حدث القص يخرج من الواقعي
إلى الرمزي، وكيف يتحول النص إلى "مستقر تلتقي عنده العديد
من النصوص وتتسلل إليه الأنماط العليا" وسماتها فتمده بأبعاد
رمزية فيما هو يصهرها في محارقه ويتنامى ابتداءً منها". هنا
ينجح فن القص في التعبير عن الوجدان الجماعي والمتخيل الجماعي،
مازجاً الحديث بالشعر والقرآن والأساطير القديمة، مبتدعاً
رموزه الخاصة، "فتصبح الرموز الشخصية معابر منها تتسلل الرموز
العليا المشتركة وتشرع في العمل"، مما مكنه من أن يشهد تطوراً
مطرداً، ليجذب إليه لا العامة فقط وإنما الخاصة المتمثلة بالسلاطين
والعلماء. ويعتبر اليوسفي أن حركة الصعود التي اتسم بها فن
القص والحكي كانت متوازية مع حركة الانكفاء التي شهدها الشعر
آن قرر الامتثال لنظرية العرب القديمة القائمة على العقلانية
ولجم الأهواء. ويحدد اليوسفي أن هاتين الحركتين كانتا مرتبطتين
بالموقف من "المعنى وكيفيات إنتاجه" وتطالان "مفهوم الأدب
ووظيفته وعلاقته بالمتخيل الجماعي والوجدان الجماعي".
لكن
الانتقال الفجائي من تلك العصور إلى عصر النهضة وبدايات الحداثة
في القرن العشرين في الجزء الثاني من الكتاب سيجد تبريره آن
النظر إلى "المتخيل" الذي يوحد تلك النصوص، وله أن يفارق التبرير
آن الاعتماد على فكرة انكفاء الشعر بالتوازي مع صعود النثر
وحدها. إذ لا يمكن الإقرار بسهولة أن الثقافة قد تمكنت من
إنتاج بدائلها، فهذا لا يبرر التغيير الأكثر حدة الذي انتاب
الثقافة العربية وعلى وجه الخصوص في النصف الثاني من القرن
العشرين. ففي القرن العشرين وعند بدايات النهضة يبين لنا اليوسفي
كيف أن الافتتان بالغرب والتطلع إلى بناء حداثة كحداثته، جعلت
أكثر الخطابات الاستشراقية ظلاماً تحكم أنواع الخطاب في الثقافة
العربية. وعملياً افتتحت الكتابات التحديثية مجراها في منطقة
حساسة، إذ في الوقت الذي كانت تهدف فيه إلى التماهي مع الحداثة
الغربية في اعتبارها نموذجاً يحتذى، كان الإفلات من سلطة القدامة
واجتثاث السلفية بدءاً بالجذور، يميز غالبية تلك الكتابات
على نحو غير مسبوق.
لقد
كان لصورة الشرق المتخيلة في الخطابات الغربية أثر كبير على
كتابات العرب في بداية القرن العشرين، فهي صورة الشرق صنو
السحر والخيال تارة، وهي صورة الشرق الملعون الدوني طوراً.
ويكشف اليوسفي كيفية تسرب الخطابات الاستشراقية إلى الثقافة
العربية عبر مجموعة من الأمثلة التي تبدأ بالشعر وصولاً إلى
الفكر، مستفيداً من استنتاجات كتاب إدوارد سعيد الشهير، "الاستشراق"،
والفرق أن الأمثلة الغالبة هنا عربية على نحو تبدو فيه مقولة
سعيد "الشرق الحديث يساهم في مشرقة نفسه" أكثر تمثيلاً للواقع
وبشكل فضائحي. هذه الكتابات التي افتتحت مجراها في منطقة "المثاقفة"
تمثل لحظة مفصلية في مسار الثقافة العربية لا من كونها كما
يقول اليوسفي قد "أصبحت عبارة عن إلحاق للذات بآخرها وتكريساً
لمقولة كونية التماثل" فحسب، وإنما الأخطر حين شرعت في عملية
استبدال خطيرة لا تطال مجرد استلاب الذات بل إنها تطال "المتخيل"
العربي ذاته. هنا يمكننا أن نفهم بصورة أدق لماذا حفل الشعر
العربي الحديث بكثير من الرموز المقبلة من بعض الأساطير الإغريقية،
والأهم أن النقد المعاصر بدلاً من أن يشير إلى هذا الإبدال
الخطير، اكتفى بدور الشارح لكثير من الأساطير معتبراً أنها
أثرت الشعر العربي وأغنته. ومعالجة اليوسفي لموضوع الأسطورة
في بدايات الشعر الحديث تختلف عن غالبية معالجات النقد المعاصر
كونه يدلل بشكل ذكي على الفارق بين الأسطورة والأسطوري وهو
الموضوع الذي توسع فيه في "كتاب المتاهات والتلاشي في الشعر
والنقد".
وفي
كتاب سابق آخر يبين ضمن متحقق نصي هو قصيدة للسياب (انظر ص
136- 140 في "كتاب المتاهات والتلاشي في الشعر والنقد) كيف
تعطل الأسطورة المستقدمة قسراً شاعرية النص. بيد أن اليوسفي
في "فتنة المتخيل" وتحديداً في الجزء الثالث منه يعود إلى
أساطير اليونان مستنبطاً نظريته الخاصة في النظر إلى مجموعة
من السير الذاتية التي انتقاها. وفي الأمر مفارقة. إذ يتشبث
اليوسفي بفكرة قتل الأم والأم الأكول والأبوة الكاسرة وغيرها
مما حفلت به الأساطير القديمة، بدلاً من أن ينظر في "المتخيل
العربي" الذي صدرت عنه تلك النصوص. وعلى الرغم من أن تلك النصوص
تتميز بغياب الأم اللافت وبإعلاء شأن الأب إلى حد القداسة،
فإن انتقاء اليوسفي لها يوحي أنها أتت لتبرهن عن النظرية لا
العكس. فهناك سير ذاتية غائبة تختلف عن السير المدروسة كسيرة
جبرا إبرهيم جبرا مثلاً ، "البئر الأولى". السيرة ذاتية تنوس
بين الأدب والواقع دائماً. يقيدها الواقع كما جرى، بيد أن
الأدب يحررها من طريق التخييل. فما جرى مع طه حسين وعلاقته
بأمه هو واقع لا "متخيل"، قد يعتمد التخييل حين يجنح نحو المبالغة
بيد أنه لا يصدر عن "نموذج أعلى للأم" كما تصوره الأساطير
القديمة. وينطبق الأمر نفسه على سيرة فدوى طوقان، إذ كان لانتقاء
الشواهد أثر سلبي على السيرة ذاتها التي تتميز بإقصاء الكاتبة
لذاتها وبصراحة وجرأة في الكلام عن العائلة.
ومن
ناحية أخرى يبدو ربط صورة الأم الأكول بصورتها في المتخيل
الإسلامي واهياً، فلا تصلح آكلة الكبد أبداً كنموذج أعلى.
على العكس من ذلك كانت صورة الأم وصورة النساء، وعلى الأخص
"زوجات الرسول"، صورة نورانية في "المتخيل" الإسلامي الرسمي
على أقل تقدير، إذ أن صورة المرأة /الشيطان والتي عالجها اليوسفي
نفسه في كتابات ابن الجوزي تبدو مستمدة من متخيل ديني يتعلق
بقصة الخلق، وهو متخيل غير رسمي -إن جاز القول - عدا أنه متخيل
مرتبط بالأساطير القديمة. واليوسفي يتقبل صورة الأب النورانية
المبالغة في السير الذاتية ويعتبرها صادرة عن "المتخيل" لكنه
يرفض صورة الأم "الواقعية" في سيرتي فدوى طوقان وطه حسين.
على الرغم من أن اليوسفي يشير إلى المقاطع التي حاولت فيها
فدوى طوقان أن تكون منصفة مع "أمها" فإنه يتشبث بفكرته الأولية
مفتوناً بنظرية أملتها نصوص منتقاة لا تفيد كثيراً في إلقاء
الضوء على صورة الأم في المتخيل العربي، قدر ما تستفيد من
صورتها في المتخيل الذي حفلت به بعض الأساطير. وفي معرض معالجة
اليوسفي لصورة الكاتب الحاصلة له عن نفسه، يصبح من الصعب جداً
الدفاع عن الكاتب الذي يبدو نرجسياً بشكل مبالغ فيه، ولا توسط
لدى اليوسفي فهو لا يبدي التفاتاً لحالات الضعف الإنساني ولا
لانفعالات الكاتب. ويعمد إلى حشد كل ما من شأنه أن يبرهن على
نظريته في الجزء الثالث معتبراً أن ما قالته نازك الملائكة
مثلاً في معرض حديثها عن قضايا الشعر المعاصر يصب أيضاً في
الأمومة الكاسرة. لكن، وعلى الرغم من هذا كله لا يمكن إنكار
ما في تلك السير من تكلف وإعلاء مرضي للذات.
عن
طريق تحليل أو تفكيك الجزء الأول من "الكتاب" لأدونيس في نهاية
الجزء الثالث، يكشف اليوسفي صورة الكاتب المستبد، أو صورة
"أنا الكاتب"، وهي في رأيه "صورة نمطية مطلقة" ترسم نفسها
كصورة نورانية متقابلة مع صورة قاتمة للتاريخ العربي. ويؤكد
أن هذه الصورة، أي "المستبد"، آتية من بعيد، من عصور الاستبداد
العربي الذي لا ينتهي. وإن كان من الممكن القبول بصورة أدونيس
"مستبداً" فإنه يصعب القبول بأن الاستبداد آتٍ من بعيد، ففي
كل وقت هناك مستبد وفي كل ثقافة أيضاً، لا العربية على وجه
الخصوص.
قد
لا ينتهي الكلام عن "فتنة المتخيل"، فميزة هذا الكتاب أنه
يفتح النصوص كلها بطريقة آسرة وفاتنة. والأهم أنه كتاب لا
توسط لديه، ينحاز الى القارئ، يمكر به و يمتعه بالنقد كما
لو كان النقد حكاية.
ديما
شكر - 2004