حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الشعر زعزعة التعريف السطحي للحقيقة

كيف يمكن وزن الأشياء التي تجول بخاطر الشاعر، وما هي رؤيته للكلمات القديمة المستخدمة وكيف يدخلها ضمن التركيب غير المباشر للحقيقة المحسوسة وهي حقيقة أزلية ومتكررة ولا يبحث فيها بمعايير الغايات والأهداف وحتى ضمن معايير وردز ورث «معايير الأسباب»، ان الاستدلال على الحوادث للوصول إلى المتحقق الموضوعي وإحكام النص يعني لابد من العبث بالأشياء مرارا وإعادة تركيبها وكيف يتوافق مع هذا العبث والإعادة مع حيز الأشياء وكما يقول أرسطو: ان الجمال في الحيز والترتيب حيث تنحسر الغاية فيه ويكون التأمل روحيا خالصا موسوما بالاكتشاف لزعزعة التعريف السطحي للحقيقة بحساسية صافية تجاه الزمن لاكتشاف اللامتناهي لخيال لامتناه لا يعطي التبريرات ولن يكون له غير إعطاء المعنى المحفز لمعنى آخر غير معلوم وتكون ممارسة هذا الخيال لنشاطه بحرية تامة وفي أي شكل من أشكال التوتر الذي يقود الشاعر إلى غايته المقدسة يقول بودلير: لن يكون شعر من الأشعار نبيلا وعظيما إلا إذا كتب لمجرد المتعة في الكتابة، ان تنظيم الخيال وليس الاستسلام له لا يتعارض مع اطلاق حريته لأن هذا التنظيم حرية في حد ذاته لأنه يؤمن التعبير عن الصراع الداخلي للشاعر أو أي موقف من المواقف كان له التأثير في اثارة خوالجه اضافة إلى إظهار نسق مرتب من الوحدة ما بين الزمان والمكان والفعل «أي مجموعة الحوادث» التي ساعدت في خلق فكرة ما دون اشتراط ان تكون هذه الفكرة قد بنيت كليا على هذه الحوادث، ان ما يساعد في إضعاف قدرة التركيز هو التكلف في الصياغة بعد الإكثار من الحشود وعدم الإمساك بالمفيد فيها ويؤدي ذلك إلى تشتت المعنى فتغدو الصور الشعرية مجموعة من الألغاز لا يمكن معالجة حتى المتخيل منها.

لقد حذر «بريتون» مما يضر بالإصالة ويقضي على الدلالة اللاشعورية للصور حين يكون الإفراط والتكلف واضحين في هذه الصور عندها لا شيء له علاقة بشيء ولا كتابة تدل على فكرة وبهذا «لا وجود لشيء جميل حقا» كما يقول «بيوفيل غوتييه».

إن زعزعة التعريف السطحي للحقيقة تتطلب من الشاعر اضافة إلى النظر بحساسية صافية فحتى الواقع خارج اطار النص الشعري ليتم وبأقصر الطرق القبض على كل ما هو مغر وبسرعة ملائمة مع سرعة التوهج في عملية تباعية للربط بين قدرة البصيرة على التركيز والتحوط ويقظة الوعي والذي يسمح بمرور الصور العشوائية غير الدالة، إن إزاحة أي عقبة تنشأ أثناء عملية الخلق تؤشر جودة البناء وانسجامه ضمن الرؤيا التكاملية التي تصاحب نمو الأشياء من مشهد لآخر بعيدا عن التركيب المفتعل والذي ينمو مقصودا إلى مفاجأة ما غير كبيرة أو توقع سيكون معروفا سلفا، ان اللغة ليست مادة خام ونموها الحي يجعلها قابلة للتشكل والقولبة خارج سياقات استخداماتها وكذلك فإن ايجازها بلاغة وما يكتسب منها من مهارة يسهم في تجديد «ولادة المعنى».

إن سرعة التنقل ما بين الصور تؤدي إلى اكتشاف أكثر من معنى بالايحاء والتلميح دون الدخول بالأشياء التقريرية يتم تحرير الماضي لكي لا تسيطر سطوح الصور ويكون التعبير عن شكلها الخارجي ملاذا للنص عندها لن يكون هناك خلق ولن يكون البعد شكلا جماليا سوى ما تقع عليه العين وليس من شأن الشاعر ان يكون راويا لكل ما يحدث بل ان تسجيله يجب ان يتم لأشياء ستحدث أو يمكن ان تحدث وهو الذي أسماه أرسطو «قانون الضرورة أو الاحتمال» لذلك على الشاعر ألا يقلب الحوادث ويراجعها ويعاينها وتلك من وظيفة المؤرخ ولكن عليه ان يدس ذائقته ليتعرف على مستويات القوى التأثيرية وما تتركه في العقل الباطن لكي تعكس لمخيلته صورا بمفهوم اللذة في الاستدلال على ما هو جميل.

ان رؤى الانسان حاجاته ومتطلباته كثيرة ومتنوعة وأحيانا تصل حد التناقض وسجلات ذاكرته متلاطمة بما يحفظ منها في اللاوعي لهذا يوجد في النص غير المتوقع والمفارقات التي تعكس أضدادها في الموجودات للتدليل على أحقية اللاوعي في رسم الاتجاهات التخيلية للشاعر، ان الشاعر لا يظهر الشخوص وهي تتحدث عما يريد وتطالب ولا يخطط لهم نزواتهم أو مبتغاه منهم بل إنه يحررهم منه بعد ان وضع تأثيراته بشكل منفلت عليهم ووفق ذلك يكون العقل تكامليا لتداخل الأشكال غير المرئية وشحنات العاطفة ويبدأ النص بالتحرك لاستكمال وضعه النهائي وفق انتقالات حادة وسريعة تزاوج فيها القديم المستخدم والجديد الآني المبتكر ورغم هذه الانتقالات الحادة والسريعة فإن مسعى الشاعر تحريك الزمن لما بعد اللامرئي عند ذلك يمكن وزن الأشياء فالأشكال بشكلها العمومي تحولت إلى أشكال خاصة بفعل تأثير لحظة الدهشة كما ان اللغة جهاز تكوين الأفكار وهي لدى الشاعر ليست وسيلة للتعبير عن الأفكار الجاهزة وإنما هي وسيلة لكشف حقيقة مجهولة وهذا يتطلب السعي الحثيث للاحاطة بمتاهات ذاكرة اللغة لخلق تماسك في قيمة الإلفة كما يرى «غاستون باشلار» مكانا في اللامكان لأشياء ليس لها محسوسات فيما تعكسه من قدراتها التوالفية، ان الاستدلال للمكونات الجديدة ومعاينتها واصدار الحكم عليها تعبر عن أهمية وحيوية الأدوات المنتجة لها وهي عملية تهذيبية للصور المتضادة والمتداخلة عند ذلك يكون من اليسير حساب القيمة التأثيرية التي تركها المنتج يقول «رتشاردز» ان الشعر يتألف من تعبيرات ليست بالصحيحة وليست بالكاذبة ولكن لها مبرراتها في التأثيرات التي تحدثها بنا.

إن جوهر الشاعرية هو القدرة على التأسيس في مناطق معزولة نسبيا عن الوعي لأن الوعي يمارس لعبة الرقيب الشفاف في سعي الموجودات للتكاثر والنمو والتخلص من هذا الرقيب المقبول لتتمكن الشاعرية المنفلتة من تفتيت رواسب مخلفات القوى الادراكية عن طريق الاطمئنان لما يقوم به اللاوعي وما يرسله من بيانات هلامية تطلق حرية الشاعر في البدء في أي الخطوط المهمة لاستكمال عمله الابداعي وهو يعيش ثقل الدقائق واللهفة للخروج من السائد والمألوف.

 

قيس مجيد المولى


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri