
هذا
المخلوق الجميل
أجمل مخلوق أبدعته البشرية
هو الأدب. وهو جميل بإجماع لا بأكثرية أو أغلبية. إنه الوحيد
الذي يحظى بهذا الإجماع، من بين جميع الإبداعات البشرية. إن
العلم نفسه لا يحظى بهذا الإجماع، بل إنه حتى الآن لم يستطع
الاستحواذ على الأكثرية، فما أكثر الذين يهاجمونه ويرون فيه
غولاً مفترساً أظفاره لم تقلّم، يلتهمك بادأته السلام أم لم
تبادئه. إن غيلان ألف ليلة وليلة أرحم منه. ألق عليهم السلام
تسلمْ وقلّم لهم أظفارهم تكسب خدماتهم وتحقق سعادتك وتنل مبتغاك...
إن العلم أفسد حتى الهواء الذي نتنفس.
وهذا المخلوق الجميل
نعرفه ونشعر به، إلا أننا عندما نحاول تحديده بالضبط ينفر
مثل غزلان البوادي أو عصم الجبال. ومع ذلك فإننا مضطرون في
هذا الموضوع أن نقاربه بأشد ما تكون المقاربة من إحاطة والتصاق.
وحتى لا نجاري غيرنا
في التحذلق على القارئ فنلجأ إلى التعريفات التي وضعها المفكرون
من عرب وأجانب، ثم نناقشها بإسهاب ممل، فإننا سنعمد إلى اختيار
تعريف فضفاض يتفق عليه الشرق والغرب والشمال والجنوب، وهو
أن الأدب عبارة عن الكتابة الفنية في الشعر والنثر.
ولو استبدلنا الكتابة
بالقول لكان أفضل، لأن المصطلح الثاني يدل على الأدب الملفوظ
والمكتوب معاً. وما كان ملفوظاً لا يقل روعة عما هو مكتوب.
فالأدب الفولكلوري الضارب في القدم مايزال يسحرنا بروعته،
وبساطته الفنية وإن لم يكن مكتوباً. وبما أننا في عصر الكتابة
فقد ارتبط الأدب في ذهننا بكل ما هو مكتوب. ففي الغرب تطلق
كلمة أدب حتى على النشرة المرفقة مع الدواء، والتي ترشد الشاري
إلى طريقة الاستعمال المثلى. وهذا يشبه ما شاع عندنا عن الأدب
وهو الأخذ من كل علم بطرف.
لو أخذنا بهذا التعريف:
الكتابة الفنية في الشعر والنثر، لرأينا أنفسنا نقرّ للفلسفة
والسياسة وعلم الاجتماع والتاريخ والجغرافيا... بأنها تدخل
تحت مظلة الأدب. وهذا بالضبط ما نريد أن نهرب منه أو نعترض
عليه. ولكن قبل ذلك لنلق نظرة على ما نسميه "الكتابة الفنية"
فنلاحظ أن هذا التعريف هو تعريف براني تماماً. الفنية هنا
هي تلك القشرة الخارجية التي تبدو على الكتابة، إن أخذنا بها
أبعدنا قسماً كبيراً من الأدب عن الساحة. فماذا نقول مثلاً
عن أدب البانتومايم أو التمثيل بالإشارة؟
في بعض الأحيان تجد
المسرحيات الإيمائية إقبالاً أكثر من غيرها المكتوبة فتثبت
تفوقها عليها. فما الذي جعل مسرحية لا علاقة لها بالنطق تتفوق
على مسرحية مكتوبة بإتقان وبفنية لغوية مقتدرة؟ هل نقول ان
هواة الصمت والإشارة هم الذين يفضلون الإيماء والإيحاء على
النطق والخطابة؟ لا أظن ذلك فروّاد المسرح هم أنفسهم الذين
يرتادون النوعين.
الإيماء على حد قول
بافلوف هو النظام الإشاري الأول للغة، ربما كان الإيماء هو
اللغة الوحيدة التي كنا نستخدمها يوم كانت حبالنا الصوتية
لا تسعفنا إلا في إصدار.أصوات غريبة لا نستطيع أن نتكلم بها.
لقد بدأ الأدب منذ تلك الفترة تماماً، وإلا فما الذي يجعلنا
اليوم وبعد كل هذا التطور نعجب بالبانتومايم إن لم يكن فيه
هذا المخلوق الجميل الذي نسميه الأدب؟
في عام 1967 ظهرت مسرحية
"الشعر" فحققت شهرة عالمية وماتزال تحقق حتى الآن في الولايات
المتحدة الأمريكية. وهي مسرحية إيمائية تقتصر على بعض الأناشيد
والموسيقى. ولكن لا الموسيقى ولا الأناشيد ولا التمثيل المبتكر
هو ما حقق لها الشهرة. إن "الأدب" الموجود فيها هو ما حقق
لها الشهرة. ولو ارتبطت شهرتها بالأغاني والموسيقى لتهافتت
المسرحية بعد عدّة أشهر، لأن إنتاج الموسيقى والأغاني هو إنتاج
يومي تقريباً، وكل فوج جديد من هذا الإنتاج ينسخ سلفه ويحل
محله وهكذا.
هذا الأدب الذي يصلنا
من مسرحية "الشعر" هو أدب غير مكتوب ومع ذلك فإنه يؤثر فينا.
وأنا أعتقد أن هذا التأثير في النفس هو الأدب الحقيقي وليس
الكتابة الفنية التي قد يقتصر تأثيرها على الأذن فقط فنعجب
بها من غير أن تصل إلى نفوسنا. إن للأدب لغة خاصة جداً أوسع
من الملفوظ.
صار لدينا الآن عنصران
للأدب يمكن اعتمادهما: الكتابة الفنية والتأثير في النفس.
ولكن اعتمادهما يحتاج إلى مزيد من التحديد. فمن حيث الكتابة
الفنية هناك كتابات فنية راقية جداً ومع ذلك لا يجوز إقرارها
كأدب. فقد قيل إن كتابات الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط
تعتبر من أرقى الكتابات الفنية ، على النقيض من كتابات هيغل
السريعة والمتدفقة. كان كانط يهتم بإسلوبه اهتماماً كبيراً
على ذمة عبد الرحمن بدوي الذي خصه بأربعة كتب ألفها عنه.
ومن جهة أخرى فإن تأثير
كانط في القراءة كان تأثيراً كبيراً جداً وقد ذهب عبد الرحمن
بدوي إلى أنه أحدث ثورة لا تقل عن ثورة أرسطو. لكن لا عبد
الرحمن بدوي ولا غيره يبيح لنفسه أن يعتبر كانط أديباً. فالأدب
الفلسفي -إذن- يجب ألا يدخل تحت مظلة الأدب إلا ما كان منسجماً
مع الأدب الذي نعرفه ونحسه. إن كتاب نيتشه "هكذا تكلم زارادشت"
يدخل في باب الأدب، لأنه تغلغل إلى النفوس مثلما يتغلغل أي
نص أدبي، وبقي تأثيره مستمراً، فهو لم يكن تأثيراً موجيّا
ينتهي بانتهاء الموجة.
وربما كانت الماركسية
أوضح مثال نسوقه في هذا الصدد. فبعد فشل بيرسترويكا غورباتشوف
تعاورت الإنهيارات على الماركسية، وتدنى على الفور ثمن الكتب
الماركسية، حتى صارت أقرب إلى المجان ولا من مشتر. وقد كثرت
هذه الكتب على أرفف المعارض وسطوح العربات في الشارع، لكنها
لم تلق رواجاً على الرغم من كل ذلك. لكن كتب إيلوار وأراغون
ونيرودا وناظم حكمت ظلت في مكانتها المرموقة لم تتدن لا ثمناً
ولا اعتباراً. الآداب الأخرى التي تقوم على الدعاية من أمثال
الحرس الفتي والأوبكوم السري وبقية كتب الحرب شالت كفّتها
وتحوّل سوقها إلى مقبرة لها أما "صمت البحر" لفيركور فظل شامخاً،
لأن فيه أدباً حقيقياً.
هذا المثال، وغيره من
الأمثلة يقدم لنا الفارق الكبير بين ما هو أدب وما هو خارج
الأدب. فالأدب ليس المكتوب كتابة فنية وحسب، بل إن هذه الكتابة
الفنية سرعان ما تنهار إن خلت من الأدب، ومهما كان مستواها
الفني رفيعاً. والتأثير وحده لا يكفي. يجب أن يكون تأثيراً
مستمراً. كل تأثير يشبه الموضة الدارجة لا ينتج أدباً. الأدب
هو الأسطورة التي تعلو على الزمن وتمسك بالنفس في كل حين،
الأدب هو ما يخلد فقط، وعندما نقول عن أدب ما إنه أدب الماضي
الذي ولى زمانه، فإن علينا أن نعيد النظر في مفهومنا للأدب،
لأن مثل هذا الأدب يفتقر إلى "الأدب" الذي نحاول تحديده ليكون
ملموساً وبارزاً.
وكما بقي من الماركسية
أدبها الحقيقي، كذلك نلاحظ أن الأديان لم يبق منها سوى أدبها
الحقيقي. لقد انتهت الأديان الإغريقية والأديان الرومانية
وأديان القبائل الجرمانية، وأديان البلاد السكندنافية... ولكن
أدبها مازال باقياً فزيوس وجوبيتر وأودن، والسيرينات والأيرينات
والفالكيرات تحولت إلى رموز أدبية، ماتزال تعيش بيننا. ولو
لم تكن ذات دلالات أدبية لانتهت بانتهاء أديانها. إننا اليوم
نتعامل معها من دون أن نقول انها "دقة قديمة" بل على النقيض
من ذلك إذ نشعر أنها طازجة دائماً. والكتابة التي تظل طازجة
دائماً هي الأدب. ونقول الكتابة ونقصد الأدب كتابة أو فولكلوراً.
وحتى نوضح ماهية الأدب سوف نقدم هذا المثال الضارب في القدم
آلاف السنين والذي يرجع إلى الديانة الإغريقية القديمة.
كان ما كان في قديم
الزمان، ربة تختص بالقمح والإنبات أسمها ديمتر. هي التي تنبت
سنابل القمح وبراعم الشجر وزهور النباتات. كان لها ابنة تسمى
برسيفوني. وكان لها مربية أو مرضعة تسمى باوبو. كانت برسيفوني
جميلة كأمها فأحبها بلوتو رب الجحيم فاختطفها من حديقة الأزهار
عندما كانت تقطف سوسنة جميلة.
طار صواب ديمتر وشكت
أمرها إلى الأولمب. لكن اللعين بلوتو كان قد قدم حبات الرمان
لبرسيفوني فنسيت عالمها الأرضي: عالم القمح والأزهار. وأضربت
ديمتر عن العمل رغم توسلات مربيتها باوبو. وإضرابها عن العمل
يعني فناء البشرية. وقد ضج الناس واشتكوا للأولمب. الأرض أمحلت
والكروم أقعلت ولم تبق إلا مياه الينابيع والأنهار، والإنسان
لا يستطيع أن يعيش على الماء وحده. أقاموا المعابد لديمتر
وألفوا الأناشيد والأغاني ومارسوا طقوساً تعبدية عسى أن ترضى.
وقد لاحظ الأولمبيّون إن القضاء على البشرية يعني القضاء عليهم،
فأمروا بلوتو أن يسمح لبرسيفوني أن تمضي نصف العام عند أمها،
فعادت وعاد القمح والزهر ونما العشب، فشبعت الدابة وملأ الناس
أهراءهم...
من الأناشيد والأغاني
التي أداها الناس لترقيق قلب ديمتر هذه المقطوعة:
هيا يا ديمتر، لقد عادت
ابنتك
إليك، فمرّي على الحقول
لتزهر
وتعود إليها العصافير
المهاجرة
ويرجع الربيع بأبهى
الحلل.
فيا مليكة غليوس
يا واهبة الأرض أطيب
الغلال
اسبغي علي نعمتك.
وبعد آلاف السنين نسمع
أغنية من تأليف وتلحين وإعداد دبكة وإيقاع زكي ناصيف. تقول:
هلا يا هلا منلّك هالحلا
يا تكون الحلوة متلك
يما بلا
...
مري بأرض البور تخضر
العشبات
ويزهر منتور وتفتح وردات
أسمك عم يدور بعمري
غنيات
رددها العصفور وصار
يرتلا
هلا يا هلا
كيف خطر لزكي ناصيف
أن يقول إن هذه الحلوة إذا مرت بالأرض البور أحالتها إلى خضرة
وعطاء؟.... الأدب؟... إذن إنه الثابت الذي نستلمه قديماً ونستخدمه
طازجاً.
والدين الإغريقي دين
حديث إذا قيس بالدين المصري. لننظر في هذا الدين قبل عشرات
الآلاف من السنين، ثم لننظر الآن في الآداب التي بين أيدينا
نلاحظ أن ما بقي من هذا القديم جداً هو الأدب. فالمزامير التي
تنسب لداود هي في الأصل من الدين المصري، وهي التي بقيت منه،
مثلها مثل كل ما هو أدبي. إن الأدب هو ذلك الجزء الإنساني
الذي ينخلع عن زمنه ويبقى خالداً مهما كان مصدره.
والدين المسيحي يتحولُ،
أو تحولَ إلى رموز أدبية. الصليب بات رمزاً يستخدمه الأدباء
من جميع الأديان. المذود والمغارة وطريق الجلجلة انخلعت عن
الدين وصارت رمزاً للتواضع والتسامح والألم والتضحية. بل إن
المسيح نفسه بات رمزاً للفادي الذي يقدم نفسه ذبيحة من أجل
البشرية. إنه مثل بروميثوس، الذي تخلى عن عنصره الديني واحتفظ
بعنصره الأدبي. إن ما انتهى من الأدب المسيحي هو العنصر غير
الأدبي.
ولنقترب من عصرنا الحديث
أكثر فأكثر. لقد حقق عزرا باوند شهرة كبيرة في عالم الأدب
الحديث. ولا أظن أن أحداً منا ينكر فضله في الشعر والنقد والأدب.
لكن هذا الرجل كان من أشد أنصار موسوليني حماسة. إنه يشبه
دانتزيو الإيطالي، إن لم يفقْهُ اندفاعاً. سجن وعذب وظل مخلصاً
للدوتشي، ويرى فيه مسيحياً مقاتلاً سوف ينقذ البشرية. ومات
عزرا باوند من دون أن يتزعزع إيمانه بالدوتشي، الذي كان قد
سبقه إلى العالم الآخر. مات عزرا في 1972، أي بعد ربع قرن
من موت الدوتشي. وظل طيلة هذه المدة مخلصاً لمباديء الدوتشي.
واليوم نحن نتهافت على عزرا باوند ونتقزز من سيرة الدوتشي
ومبادئه. ولولا الأدب لكنا أنموذجاً للسخرية: نكره الدوتشي
ونعجب بنصيره المخلص.
إن هذا النصير المتحمس
مارس الأدب الحقيقي بكل جدارة. ولو أنه جعل أدبه صدى لخطابات
الدوتشي لسقط سقوطه. كانت خطابات الدوتشي "كتابة فنية" حقاً
ألهبت المشاعر. ومع ذلك لا يجرؤ أحد أن يقول أن خطابات الدوتشي
تشبه كتابات عزرا لا من قريب ولا من بعيد. ولكن لو أخذنا بظاهر
تعريف الأدب "كتابة فنية" لاضطررنا إلى جعل خطابات هتلر وموسوليني
ومن شابههما أدباً حقيقياً. فالأدب ليس ذلك النقش المزخرف
للكلمات الذي يعجبنا لوقت، بل هو ذلك الراسب النفسي الذي يؤثر
فينا دائماً وفي كل وقت. لقد ثبت أن الطلاء البراني، مهما
بدا ناصعاً، لا يمكن أن يكون قاعدة نقيس بها الأدب. قد يكون
قيمة إضافية، يمكن أن يعمق التذوق إذا كان طلاء ناجحاً. لكنه
ليس مقياساً قائماً بذاته، مع احترامنا لكل آراء البنيوية
وفروعها وأغصانها الكثيرة وبراعمها الجديدة.
حتى نعرف الأدب على
حقيقته فلنقم بترجمته إلى لغة أخرى. بعملنا هذا نكون قد نزعنا
ذلك الطلاء الخارجي، فإن بقي مؤثراً، وإن وجد أنصاراً وحماسة،
وإن استمر تأثيره خارج الزمن، فإنه أدب حقيقي، وإلا فإنه طلاء
براني لا يمس حقيقة الأدب. فالأدب ليس بذلك الذي يرتفع عن
ظروف الزمان فحسب، بل إنه أيضاً ذلك الذي يرتفع عن ظروف العرق
والبيئة والدين والعصبية. ولذا نرى أن من الخطأ الحكم على
أدب طبقاً لعرق أو بيئة أو دين أو عصبية. يجب أن نتريث حتى
يصفي الزمن هذا النتاج، فما كان أدباً ارتفع عن الزمن وعن
الأشياء الأخرى. وما كان طلاء سقط وانتهى. إن الترجمة -في
رأينا- هي إحدى الطرق التي نلجأ إليها لنعرف فيما إذا كان
ما نقدمه أدباً أو غير أدب.
وعلى هذا فإن الأدب
"إنساني" لا يختص بزمان ولا بمكان ولا بعرق. إنه إنساني, بمعنى
عالمي، فإذا قبل هذا الأدب هنا ورفض هناك، فإنه ليس أدباً،
وإن كان مكتوباً كتابة فنية.
أين اليوم الآداب العنصرية؟
من يتعاطاها أو يأتي على ذكرها؟ ألم تكن هذه الآداب مكتوبة
كتابة فنية؟ بلى، بل إن الفنية المتوافرة فيها تفوق فنية الآداب
الأخرى. وأنا أرى أن الأدب عندما يكون أجوف من الداخل يكون
مزخرفاً من الخارج مثل طبل كليلة ودمنة. لكن هذا من باب آخر
لا يعني أبداً ترك الحبل على الغارب، والدعوة إلى الكتابة
العشوائية، على غرار ما دعت إليه السيريالية، بل إن الوعي
الجمالي يجب أن يكون هادياً للكاتب لأنه هو الذي يستلم الفلز
من اللاوعي ويقوْلبه بطريقته ليصبح مقبولاً من الناس، وإلا
ظلّ في حالة فوضى وتشويش.
بيد أن الوعي الجمالي
ليس وعياً بالكلمة والجملة والتركيب فحسب، وإلا كان سيبويه
أعظم أدباء العربية. إن الوعي الجمالي هو ذلك الحس العميق
الذي ينتقي من الفلز الأدبي اللاواعي مادته القابلة للتشكيل.
والوعي الجمالي ليس طريقة ولا منهجاً. إنه استيعاب للتقاليد
الأدبية من أيام باوبو وحتى كنزا بورو أو الحائز على نوبل
1994.
وأنت تميز الأدب بهذا
الحس، حس التقاليد الأدبية. قد تحلله بعقلك وتبحث عن عشرات
الأسباب التي تجعل من هذا الأثر أثراً أدبياً. لكن مهما فعلت
تظل هناك أمور تشعر بها ولا تستطيع التعبير عنها. لقد حورب
دستويفسكي حرباً شعواء وكيلت له التهم من كل نوع فهو داعية
الإنحلال والهروب والعدمية والتقوقع... إلى آخر ما هناك من
صفات أفرزها المعجم الجدانوفي. وقد انجرّ الشبان وراء هذه
الدعاية وانكبوا -بناء على نصيحة لينينية- في قراءة البروليتوكولت.
ولكن لم يمر أكثر من بضعة عقود على الحجر الجدانوفي حتى انتصر
دستويفسكي واحتل مكانته في نفوس القراء في روسيا وفي بقية
بلدان العالم إلى جانب ليرمنتوف وبوشكين وغوغول..والأدب الحقيقي،
الأدب الذي يلتقطه حس التقاليد الأدبية، هو الأدب المستقل
الحر. مستقل حتى عن مؤلفه، وحر حتى لو كان في العصر العبودي.
سأذكركم بكاتب روسي عاش من أواخر العقد الثاني للقرن التاسع
عشر وحتى نهايته من 1819-1893 هو بافل مالنكوف الذي كتب باسم
مستعار هو بشرسكي. كان هذا الرجل موظفاً عليه أن يؤدي واجب
وظيفته. وقد كلفته الحكومة بملاحقة أولئك الوثنيين الذين يشكلون
جماعات مستقلة عن الحكومة وعن الكنيسة في آن. يقومون بطقوسهم
وشعائرهم من دون ان يزعجوا أحداً حتى النمال التي تدب على
أرضهم ما كانت تنزعج منهم. طاردهم مالنكوف مطاردة شديدة ونفذ
مهمته كموظف بإخلاص فقد شتت شملهم تماماً وقضى على القسم الأعظم
منهم. وكان هؤلاء المساكين يهربون بجلدهم من مكان إلى مكان
لا يبغون قتالاً ولا مجابهة.
هذا ما فعله مالنكوف
الموظف. أما بشرسكي الأديب فقد قدم لنا أروع الآثار الأدبية
التي تصف هؤلاء الطقوسيين الوثنيين فوصف عاداتهم وتقاليدهم
وعواطفهم الإنسانية وصفاً يثير الشجن ويهصر النفس ولو كانت
من حجر. ولهذا عاشت رواية بشرسكي "في الغابات" واحترم كاتبها
احتراماً كبيراً بينما صبت اللعنات على مالنكوف الذي قضى على
هذه المجموعات المسالمة.
إقرأ الآن ما كتبه بشرسكي
تجد نفسك أمام "أدب" حقيقي يتجاوز كل شيء. يتجاوز الطلاء البراني
والإطار الزماني ويصل إلى فؤادك الجواني. إنها تجربة غير آنية...
يعني أنها تجربة أدبية.
قارن بين بشرسكي الذي
كتب ومالنكوف الذي طارد وعذب وقتل تجد بونا شاسعاً. وقد فعل
مالنكوف خيراً إذ كتب تحت اسم مستعار، وإلا من يصدق أن التمساح
يبكي ضحيته؟.
كل ما ارتبط بمكان
أو زمان أو عرق أو دين، كل ما فشل في تجاوز العرضي لا يسمى
أدباً مهما أطلقوا عليه من ألقاب وأطنبوا في مدحه. الأدب هو
الذي نقرأ القديم منه فنظنه جديداً ونقرأ الجديد منه فنظنه
يرجع إلى أعماق التاريخ البشري. الكلمات التي تدل على المكان
والزمان والشخصيات في النص الأدبي لا تقدم ولا تؤخر لأنها
لا ترتبط بالأدب أو بالأصح لا تربط الأدب بها. تستطيع إن رغبت
أن تطلق عليها أسماء جديدة فلا شيء يتغير.
الآن سوف أضع أمامك
أيها القاريء نصاً شعرياً هو التالي، مرجئين الحديث عنه إلى
ما بعد قراءته:
أيتها الشمس أيتها الشمس
لقد حضر الموت، وحلت
النهاية
والشجرة سقطت وماتت
أيتها الشمس، أيتها
الشمس
لقد ولد الطفل في بطن
أمه
فالموت يحيا والإنسان
يحيا
أيتها الشمس أيتها الشمس.
إني أسألك: لمن هذا
الشعر؟ وإلى أي زمن ينتمي؟ وهل يخص شعباً يختلف عن شعبنا،
أو عن شعوبنا الحديثة؟
لا شك سوف تجيب بأن
هذا الشعر هو لشاعر حديث، قد تجعله سورياً أو عربياً أو أجنبياً...
ولكنه في كل الأحوال شاعر حديث. أما الزمن الذي ينتمي إليه
هذا الشعر فهو الزمن الحديث الذي تلوثت فيه البيئة فأماتت
كل شيء حتى الأشجار. ومادام الموت يحيا فإن كل شيء سوف ينهار.
وربما شط بك الخيال فرحت تقول إن مؤلف هذه الأبيات هو شاعر
حديث من حزب الخضر الذين ينتشرون في الأصقاع الأوروبية، والذين
جعلوا همهم الأول وقف هذا التلوث المريع الذي يتم بحجة التقدم
(؟).
وأنت محق فيما تذهب
إليه. ولكن الشعر إذا ربطناه بواقعته، فإن هذه الواقعة تشير
إلى أن الشعر هو من إنتاج أحد أقزام الغابون في إفريقيا السوداء،
ويرجع إلى آلاف السنين، فهو شعر بلا عنوان وبلا مؤلف. فقد
عفا الزمن على ذلك ولكنه احتفظ بهذ الأدب الرفيع.
وحتى تكون على بينة
من الأمر نقول لك أن هذا الشعر يقال عادة في عيد الشمس ويؤدى
بطيئاً ترافقه رقصة هادئة متمايلة تدل على الضراعة والتوسل،
كصلاة الاستسقاء عندنا. إنهم وثنيون يطلبون من الشمس، مصدر
الحياة أن تظل رؤوفة بهم تحفظ لهم الإنسان والشجر... تحفظ
لهم الحياة.
وعلى هذا يكون كل عمل
فني مؤثر في النفس يرتفع فوق الوثنية والوحدانية والعرقية
والإقليمية والعصبية... ويجتاز الزمن خلفاً أو أماماً بحيث
يلغيه إلغاء إنما هو عمل أدبي دون ريب.
ومع أن التاريخ والجغرافية
والسياسة والفلسفة وعلم النفس والفيزياء والكيمياء وحتى الرياضيات
كلها نابعة من الأدب، إلا أنها ليست أدباً أو على الأقل في
اعتبارنا الآن، لأن إدخال مثل هذه الفروع سيجعل مناقشة أي
قضية أمراً متعذراً أو مستحيلاً.
حتى الفروع القريبة
من الأدب والتي تكمله، كالموسيقى والنحت والرسم والإيقاع ليست
أدباً أو لن نعتبرها أدباً حتى لا نقع في إشكالات نحن في غنى
عنها، مع أن مثل هذه الفنون هي فروع متممة للأدب وعلى الأخص
الموسيقى والإيقاع.
لنقترب أكثر لتحديد
هذا المخلوق الجميل فنقول ان الشعر هو الأدب. الوجود الإنساني
هو وجود شعري، ودهشته هي دهشة شعرية انبرت الفلسفة للإجابة
عنها إجابات غير انفعالية فابتعدت عن الأدب. وعندما نقول الشعر
فإننا نعني ما خرج منه فيما بعد: الملحمة والمسرحية والخطابة...
والقصيدة بأنواعها والقصة والرواية والنكتة والحزورة واللغز
والفولكلور... إلى آخر ما هناك من فروع وأنواع.
الغناء والموسيقى والرقص
وسيناريو السينما والفيديو من متممات الأدب إلا أننا في مدخلنا
سوف نتجنبها وندعها بعيداً على أهميتها.
وبما أن هذا الطفل جميل،
أو يجب أن يكون جميلاً، فلا بد من أن ننبذ كل ما هو قبيح أو
كل ما لا تتوافر فيه الصفات التي تحدثنا عنها. وسنقدم مثالاً
نرجو أن يكون واضحاً وهو ملحمة "المسيح" لكلوبشتوك وهو شاعر
من القرن الثامن عشر، أنفق دهراً في تدبيج هذه الملحمة الطويلة
جداً، التي يروى فيها بلغة تمجيدية حياة وآلام المسيح من غير
أن يأتي بأي شيء جديد.
في ذلك الوقت تهافت
الناس عليها تهافتاً شديداً، وحققت شهرة واسعة ولكن فيما بعد
تبين للناس أنه لا يوجد فيها ما يستحث على قراءتها، فمعلوماتها
هي معلومات الأناجيل، لم يرتفع بها الشاعر إلى المستوى الأدبي،
بل ظل في حدود الدعاية الدينية بروح تعصبية. يضاف إلى ذلك
أنه أرهقها بالتطويل والإسهاب والإلحاف على النقاط التي أوردتها
الأناجيل.
اليوم لم يعد لها أي
تأثيرلا في الشعر ولا في النقد ولا في الأدب، ومن النادر أن
يأتي أحد على ذكرها مع أنها ملحمة ضخمة سلخ ثلاثين عاماً من
حياته لانجازها. من حيث الشعر قدم لنا شعراً دقيقاً من العروض
الثماني. ومن حيث اللغة يقال انه كان متقناً جداً للغته الألمانية،
وماتزال بعض أناشيده تقدم على أنها نموذج للغة الراقية...
باختصار ان كل المقومات الشكلية متوافرة في هذه الملحمة، ومع
ذلك لا يمكن أن ندخلها في حيز الأدب لأنها لم ترتفع إلى المستوى
المطلوب الذي تقتضيه التقاليد الأدبية. الشاعر غير الواعظ
والأديب غير المتعصب. ولو أن أيليوت جاءنا بشعر على غرار عقيدته
الكاثوليكية لكان مصير شعره كمصير ملحمة كلوبشتوك.
أما ملحمة الكوميديا
الإلهية التي كتبها دانتي قبل كلوبشتوك بأربعة قرون فإنها
تعتبر قمة من قمم الأدب لأنها ارتفعت عن الكهوف الضيقة للنظرة
الوحدانية التي كانت تفرضها الكنيسة الغربية. كانت صرخة حقيقية
في وجه الاستلاب الجسدي والروحي. إنها من الأدب الحي الذي
لا يموت. وقديماً قيل: ليس كل ما يلمع ذهباً. إن شرط الأدب
هو القبول الدائم من الناس جميعاً، بمعنى أن الأدب يتجاوز
الزمان ويخترق حواجز الدين والعرق والبيئة.. وكل ما تحدثنا
عنه. أن يوربيدس الوثني جداً يقرأه المسيحي جداً والمسلم جداً
بلا غضاضة... وبهذا المفهوم نتمنى أن ندخل ميدان الإنتاج الأدبي
حتى لا نحاسب سقراط كما نحاسب بودلير، أو نحاسب باغانيني كما
نحاسب أدغار ألن بو، أو نضع ملحمة هومر وملحمة كلوبشتوك في
خانة واحدة.
حنا عبود / كاتب وناقد
من سوريا