حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الخيال كوسيط

درس الخيال في علم النفس القديم كإحدى القوى التي تتكون منها النفس البشرية وقد حدّدت في الدّماغ البشري كما حدّدت وظائفه ضمن القوى الإدراكية في النفس البشرية.

وقد اعتبروا المادة التي يدخل في تشكيلها الخيال مادة فنية، وقد تداخلت عدة قوى إدراكية مع الخيال وذلك لتداخل وظائفها واشتراكها في بعض الخصائص التكوينية، ومن هذه القوى الحافظة، المصورة، الذاكرة التخييل، وقد حاول المشتغلون بعلم النفس القديم تحديد خصائص كل من هذه القوى الإدراكية وتحديد مجال نشاطها.

وتعريف علي بن محمد الجرجاني يبين مدى تداخل الخيال مع القوى الإدراكية الأخرى ويعرفه كما يلي: "الخيال وهي قوة تحفظ ما يدركه الحس المشترك من صور المحسوسات بعد غيرية المادة بحيث يشاهدها الحس المشترك كلما التفت إليها، فهو خزانة للحس المشترك ومحلّه مؤخرة البطن الأول من الدماغ"(32).

الملاحظ على هذا التعريف أنه حدّد وضع الخيال في الدماغ (مؤخرة البطن الأوّل من الدّماغ) وهذا التحديد يشترك فيه تقريباً كل الفلاسفة الذين اشتغلوا بعلم النفس والفلسفة وخاصة ابن سينا ولم يضف إليه علم النفس الحديث عن طريق التشريح سوى بعض الإضافات الطفيفة (أنظر مثلاً مجلة العلم والحياة الفرنسية Science et Vie) مثل استبدال بعض خلايا الأعصاب عند تعبها أو شيخوختها، ولكن قطع الغيار هذه (على حدّ تعبير الدكتورة جاكلين رونو Dr Jacqueline Renaud).

وتعريف الجرجاني يبرز مدى التداخل بين عدة قوى إدراكية كانت من اهتمامات الباحثين في النفس، مثل الحفظ (أو الحافظة) وهي خزّان المعلومات كما حدّدته الفلسفة الحديثة. والحسّ المشترك وهو الإدراك الحسيّ الذي يتمّ عن طريق الحواس الخمسة: اللّمس، الشم، السمع، الرؤية، الذوق. و"غيوبة المادة" ثم إرجاعها وهو ما يمكن أن يسمى باستدعاء الذكريات (ويختلط فيه العنصر الإرادي عند الاستعادة، مع الذاكرة باعتبارها نشاطاً لا واعياً في أغلب الأحيان).

وتداخل هذه القوى الإدراكية عند التعرض إلى طبيعة الخيال دليل على مشاركته في مجالات النفس الأخرى ولا غنى للإنسان عنه مهما كان وضعه وتعامله مع العالم.

ومن طبيعة الخيال أنه يتوسط بين الحسّ والعقل، أي بين الأشياء التي تدرك بدون عناء كبير وبين العمليات العقلية الكبرى، وهو بذلك يسعى إلى تقريب الطرفين ومحاولة الارتفاع بالمحسوسات إلى مستوى المعقولات.

من هذه الطبيعة نبدأ في تلمس الجانب الديناميكي في الخيال. لهذا الغرض يجب استعمال مفهوم آخر استعمله علم النفس القديم وهو المخيلة التي تعطي ديناميكية للخيال لأنها "هي القوة التي تتصرف في الصور المحسوسة والمعاني الجوئية المنتزعة منها وتصرفها فيها بالتركيب تارة والتفصيل تارة أخرى مثل إنسان ذي رأسين أو عديم الرأس".

وهذه الديناميكية للخيال تبدو في نشاطه المتمثل في تركيب الأجزاء المفصولة إن في الواقع أو في التصور، وهذا ما يسمى بالجانب الخلاق في الخيال أو فصل أجزاء الواقع أو الصورة ثم إعادة ترتيبها مرّة أخرى بحيث تبدو كأنها أجزاء جديدة. هذه الوظيفة هي وظيفة تشكيلية.

ولا يمكن أن تكون الوظيفة التشكيلية متكاملة الأطراف ما لم يكن الشاعر قد عاين الواقع الذي يتكلم عنه أو عايش التجربة. وأيضاً يستطيع أن يدرك العلاقات الموجودة بين الأجزاء والجمالية التي تكتسبها عند إعادة صياغة النسب وترتيب العلاقات. "إن فاعلية (الخيال) مرتبطة باتساع الخبرة بالحياة المعاشة والقدرة على النفاذ إلى العلاقات الفاعلة في الأشياء والعلاقات التي تربط بين الأشياء ومثلما ترتبط بالقدرة على تمثل تجارب الآخرين في الماضي والحاضر"(33).

فبالإضافة إلى الوظيفة التشكيلية للخيال المتمثلة في إعادة ترتيب العلاقات وفصل الموصول ووصل المفصول وذلك بالقبض على معنى من معاني الواقع وتقديمه شعريا، فإن هناك وظيفة أخرى للخيال وهي تحويل التجارب القديمة تجارب جديدة. هذه الوظيفة تمثل جانباً من جوانب الخلق الفني" إن القدرة التخيلية تمكن الشاعر من إعادة تشكيل تجاربه التي مرّ بها بشكل أو بآخر بحيث يخلق منها تجارب جديدة"(34). هذه الوظيفة المزدوجة للخيال قريبة جدّاً من فكرة جابر عصفور وإلفت الرّوبي التي ترى أن الخيال هو النظر إلى جوهر الشعر من زاوية المبدع.

ويرى كمال أبو ديب أن الخيال يتعدى إعادة إنتاج التجارب القديمة أو تشكيلها تشكيلاً جديداً إلى خلق صور جديدة يقول: "يعمل الخيال ليس فقط على إنتاج الصور التي تقع في مجال الإدراك المباشر أو التي لها حضور مباشر، ولكن نشاطه يبتدي خاصة في خلق الصور التي تعرفها الحواس والنفس على السواء"(35).

وقد دار الجدل كثيراً حول كيفية الخيال فمنهم من يرى أنها تشكيل ومنهم من يراها خلقا جديداً ومنهم من يرى أنها إعادة إنتاج للتجارب القديمة، سواء كانت تجارب الشاعر أو تجارب الغير. ويحدّد باشلار كيفية التخيل بما يلي: "نرى الأشياء أوّلا ثم نتخيلها بعد ذلك، وعن طريق الخيال نركب نتف الواقع المدرك وذكريات الواقع المعاش"(36).

ولكن إذا توقفت وظيفة الخيال عن مجرّد التذكر فإنه يتحول إلى "ذاكرة" أو خزان للتجارب السابقة والماضي المعاش، والخيال – حسب باشلار دائما-(37) ليس فقط القدرة على تشكيل صور الواقع، بل يجب أن يتعدى الواقع الموضوعي – معطى حضوري- إلى خلق واقع جديد وبعث الحياة من جديد. وفي هذا التجاوز يبتدي الجانب الإبداعي للخيال (الجانب الديناميكي)، ويتميز عن عمل الذاكرة وعن التقديم الحسي البارد للتجارب الشعرية.

وقد تناول شاعران كبيران الخيال الشعري وحاولا التنظير له باعتباره ركيزة يقوم عليها العمل الشعري، وكل قصيدة تخلو من مسحة خيالية تتدخل إلى تسجيل العواطف أو وصف للحالات الشعورية التي تنتاب الشاعر. والنظريتان اللتان نتكلم عنهما انتجتا ضمن التيار الرومانسي، ويمثل الأولى عند العرب أبو القاسم الشابي في كتابه (الخيال الشعري عند العرب)(38) والثانية الشاعر الإنجليزي كولوربدج في كتابه الموسوم "سيرة ذاتية "Bibliographia Literaria". وتبدو بعض ملامح التشابه بين النظريتين.

وقد لاحظ أبو القاسم الشابي أن "الخيال ضروري للإنسان"(ص18) وهذه أبسط معلومة يمكن أن يعرفها أي مثقف وكل شاعر، وهناك أيضاً الخيال العلمي وهو لا يقل شأناً وتعقيداً عن الخيال الشعري والإبداعي. لأن عليه يقوم كل إبداع علمي أو فني. ولنتذكر حادثة أرخميدس "وجدتها، وجدتها" وما أوردته كتب الفلسفة من قصص حول هذا الموضوع معتمدة على تفسيرات اللاشعور. ويرى الشابي أن العربي كان يستعمل المجاز على أنه حقيقة (ص19) وهذا أيضاً أكدّته الدراسات النيلولوجية والانثروبولوجية منذ بداية هذا القرن عند كل من "شليجل" و"سابير" اللذين بحثا في السلالات اللغوية ثم تعرضا بعد ذلك إلى الجذور الأسطورية للغة حيث يختلط السحر بالخيال والأسطورة بالواقع، حيث كان الإنسان القديم يرى في الأسطورة واقعا.

انطلاقاً من هاتين المقدمتين، الخيال متأصل في الإنسان ثم المجاز باعتباره حقيقة وواقعا يقسم الشابي الخيال إلى قسمين، القسم الأوّل وهو ما أسماه "الخيال الشعري" لأنه يضرب بجذوره إلى أبعد غور في صميم الشعور أمّا القسم الثاني فقد أسماه "الخيال الصناعي" لأنه ضرب من الصناعات اللفظية ويسميه أيضاً "الخيال المجازي" لأنه مجاز على كل حال(ص26).

من هذه التقسيمات تبدأ ملامح نظرية الخيال الشعري عند الشابي وهي في تقسيمها هذا تشبه نظرية كولوردج التي كتبت قبلها بكثير، ولا أشك أنه اطلع على نصها لسببين: أنه كان يجهل الإنكليزية، ولأن النص لم يترجم إلى العربية كاملاً لحدّ الآن (في حدود إطلاعي المتواضع) عدا بعض التحليلات والتلاخيص.

بعد عرضه الخطوط العريضة لنظرية الخيال يشن الشابي هجوماً حاداً على الأدب العربي ويقول: "إنه أدب مادي لا سموّ فيه ولا إلهام ولا تشوف إلى المستقبل ولا نظر إلى صميم الأشياء ولباب الحقائق، وأنه كلمة ساذجة لا تعبر عن معنى عميق بعيد القرار ولا تفصح عن فكر يتصل بأقصى ناحية من نواحي النفوس"(ص103). ويعلل انعدام الخيال في الشعر العربي بأنه سمة من سماته وليس ذلك بعيب يعاب عليه. وهذا يتنافى مع أبسط قواعد الفن، ويناقض فيه الشابي ما قاله في الصفحات الأولى من "مسامرته" هذه بأن الخيال ضروري للإنسان ويتجلى في كل عمل البشر وفي كل انتاجاتهم الإبداعية. ...

يلتمس الشابي العذر للأدب العربي بقوله: "ولا ينقص من الأدب العربي شيئاً أنه مادي لا شيء فيه من عمق الخيال وقوة التصور لأن هذا منشؤه الروح العربية التي أملت هذا الأدب وألقت عليه هذا اللون الخاص"(ص107) وبعد هذا التلطف مع الأدب العربي يعود إلى الدّعوة إلى "العصيان الشعري" والتنكر للتراث الشعري" إنه ينبغي لنا إذا أردنا أن ننشئ أدباً حقيقاً بالخلود والحياة أن لا نتبع الأدب العربي في روحه ونظرته إلى الحياة"(ص112) وبعد الدعوة إلى العصيان والتفصل عن الروح العربية يسخر الشاعر الشابي من الكائنات الشعرية العربية ويشبهها بسفينة نوح التي رغم كل شيء أنقذت الحياة وحفظت من الحيوان ما شاء الله كما يشبهها بقلعة بابل، ويشبهها بالأرض المقدسة، ونمرّ عن التعليق عن كل احتقار، يقول الشابي: "بحيث تكون القصيدة كحدائق الحيوان فيها من كل لون وصنف أو كالأرض المقدسة التي يحشر فيها الناس من كل حدب وصوب ومن كل فئة وقبيل" (ص114).

ثم يحاول بعد ذلك أن يجد الشاعر تعليلاً لتنافي المكونات الشعرية داخل القصيدة العربية وعدم وجود انسجام وإتساق بين أجزائها أو بروز ملامح خاصة بها، يرجع ذلك إلى فقر البيئة العربية حيث يقول: "شب العرب تحت سماء ضاحية صاحية لا يحجبها سحاب مركوم. ولا يسترها ضباب كثيف وليس تحتها غير الصحراء الأبدية الصامتة التي لا يعرف الطرف لها حدّاً، تضرب في مناكبها سمائم القيظ وأرواح الرياح، مروعة تائهة شاحبة كأرواح ضائعة في آبار الجحيم"(ص129) وهذا المقطع رغم ما فيه من جمال وشعرية إلاّ أنه يحطّ من البيئة العربية ويجعلها السبب في فقر الخيال العربي.

وهذه الملاحظات ترتكز على عوامل الوسط الطبيعي من جهة وهي الوراثة من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة لعدم إطلاع العرب في جميع العصور الماضية على آداب الأمم الأخرى وهذا لاعتزازهم بلغتهم التي شرف الله سبحانه وتعالى أهلها بنزول القرآن الكريم باللغة العربية.

الملاحظتان الأوليتان تلتقيان مع نظرية هيلوبوليث تين Taine العنصرية التي تقول بوجود اسماء مكتوب على جباهها الإبداع وأخرى محرومة منه. أمّا الملاحظة الثالثة فهي وإن كان العرب يعتزون بلغتهم وبيانهم إلاّ أن ذلك لم يمنعهم من الإطلاع على الأدب الفارسي والهندي واليوناني عن طريق الترجمات للأعمال الإبداعية والفلسفية خاصة وذلك ابتداء من القرن الثاني للهجرة أي بعد استقرار الأوضاع السياسية وتأسيس الدولة الإسلامية.

والملاحظ أن الشابي قد اعتمد على نماذج شعرية محدودة دون استقراء كل الشعر العربي القديم، كما أن لتأثره بالمدرسة الرّومانية الأوروبية نزعة تمردية غذتها قراءاته الشعرية لكل من "لامارتين" حيث عارض قصيدته" البحيرة "بقصيدة البحتري والشاعر الاسكتلندي "أسيان" في قصائده التأملية ولم يقارنها مع التراث الشعري الضخم في الحكمة والتصوف الذي عرفه العرب.

ولكل ما يهمنا من نظرية الخيال عند الشابي هو تقسيمه الخيال إلى صنفين: خيال شعري وخيال صناعي و مجازي والذي يدخل في نسيج الصناعات الشعرية وعليه يقوم كل إبداع شعري ويميزه عن الأقاويل التي لا تدخل فيها الصنعة وتقترب من التخاطب العادي.

فإذا كان الشابي لم يوضح – بما فيه الكفاية- وظيفة الخيال بل تكلم عن بعض مظاهره في الطبيعة وفي الخلق الشعري، فإن الشاعر الإنجليزي كولوردج يعطي قيمة كبيرة في الإدراك وكيفية مواجهة العقل لعالم الأشياء، وهو بذلك يخلق نصفه ويدرك نصفه الآخر. هذه الوظيفة التي أعطاها كولوردج للخيال تقترب كثيرا من فهم الفلاسفة المسلمين لوظيفة الخيال وهي التوسط بين الإدراك الحسي (الحسّ المشترك) الذي هو من اختصاص العامة والبسطاء، ويمثل ما يمكن أن تدركه الحواس دون تدخل واع من العقل، والعمليات العقلية المعقدة التي لا يتدبّر أمرها إلاّ الفلاسفة والحكماء وأهل المنطق، ويرجع هذا الفهم لوظيفة الخيال من طرف كولوردج إلى إدمانه الفلسفة الألمانية الكلاسيكية التي تعتبر بحق وريثة الفكر الهيلني والتي يمثلها كل من كانط وهيغل وشليجل.

وقد لاحظ ر.ل. بريت R.L.Brett في بحثه المعنون التصور والخيال،

(39) أن كولوردج يستعمل مصطلحين أساسيين لفهم طبيعة العمل الشعري وهما الخيال والتصور. فالخيال هو القوة الإدراكية التي تتوسط بين الحس المشترك وبين العقل وتربط ما بين عالم الحسّ وعالم العقل أو بين عالم العقل وعالم الأشياء (ص50) في حين أن التصور، مختلف من حيث الوظيفة لأن "التصور عملية ترابط والخيال عملية خلق"(ص50) من هذه الملاحظة يتبين أن التصور عملية ربط بين أشياء مألوفة أو شاهدها المبدع من قبل وبراعته تكمن في إعادة توزيع النسب وترتيب العلاقات من جديد لإظهارها في شكل لم يسبق أن استقرت عليه من قبل وذلك دون المساس بطبيعتها. في حين أن الخيال هو خلق أشياء أو صور أو مثالات لم يسبق لها أن وجدت من قبل. ومن هنا يتبين الطابع الخلاق والإبداعي للخيال.

وفكرة التشكيل هذه قد عبّر عنها كولوردج بقوله: "فكما أن الخيال في عملية الإدراك يفرض شكلا ونظاماً على مادة الإحساس ويقوم بنصف عملية خلق لما يدرك، فإنه من الفن يؤثر في مادة الخبرة الأولية ويعطيها جديدا في الشكل والهيئة" (ص ص50-51).

وإذا كانت وظيفة الخيال هي وظيفة تشكيلية فإن التصور الذي هو عملية ترابط، أي ربط أشياء شاهدها المبدع من قبل فإنه بذلك يكتسب وظيفة تذكرية ويقترب من الذاكرة ولكنه يختلف عنها لأنه لا يتذكر إلاّ الأشياء والعناصر التي تدخل في نسيج العمل الفني. وهكذا يرى كولوردج أن "التصور ليس في الواقع سوى نمط من الذاكرة تحرّر من نظام الزّمان والمكان"(ص52) في حين أن الخيال يخلق عالماً جديداً(ص51).

بعد تحديد وظائف كل من الخيال والتصور يتعرض إلى طبيعة الخيال وتقسيماته وقد قسمه إلى قسمين: الخيال الأولي والخيال الشعري، وهذا التقسيم يقابل النّوعين اللذين استخرجهما الشابي. (فالخيال الأولي) عند كولوردج يقابله (الخيال الشعري) عند الشابي، و(الخيال الثانوي) عند كولوردج يقابله (الخيال الصناعي أو المجازي) عند الشابي. أمّا أمانويل كانط فيضيف إليهما نوعا ثالثاً وهو الخيال المولد (بكسر اللام وتشديدها) وهو يقابل تقريباً مفهوم التصور عند كولوردج، وهذا أثر من آثار الفلسفة المثالية والهيلينية الألمانية في فكر كولوردج.

وقد حدّد كولوردج وظيفة كل قسم من الخيال وطبيعته "فالخيال الأوّلي هو القوة التي تتوسط بين الإحساس والإدراك، وهو القوة الحية والعامل الأول في الإدراك البشري عموماً"(ص52).

والملاحظ أن هذه القوة الإدراكية (الخيال) تتمفصل في نفس الموضع الذي وضعها فيه الفلاسفة المسلمون وهو التوسط بين الحسّ المشترك والعقل المدرك. وهذه القوة الإدراكية هي قدر مشترك بين كل أفراد الجنس البشري ولا يتميز بها المبدعون دون غيرهم من البشر.

أمّا الخيال الثانوي (الشعري) فإنه من قدر المبدعين وحدهم ويحاولون عن طريقه إيجاد وحدة لهذا الكون وذلك عن طريق إدراكه إدراكاً شعرياً، وهو بذلك يكشف الحقائق الكامنة تحت المظاهرالزائفة يقول كولوردج "إن الخيال الشعري يجتهد أن يظهر لنا ما هو "حقيقي حقاً" أو بنية الكون أو المادة الأساسية في الخبرة البشرية أو الحقيقة وراء المظاهر .. " أن الخيال الشعري يجتهد نحو الكمال والتوحيد" (ص53). ولكن رغم المحاولات الدائمة التي يقوم بها الخيال الثانوي (الشعري) نحو الكمال والتوحيد ولكنه رغم ذلك لا ينجح لأن القوانين التي تحكم الفن قوانين تقنية بشرية في حين أن قوانين الطبيعة قوانين إلهية ربانية، ومهما اجتهد الفنان في إيجاد وحدة وانسجام فإن ذلك يبقى خارج القدرة البشرية.

أمّا أصول نظرية كولوردج فإنها تعود – كما أسلفنا- إلى الأصول الهيلينية- المثالية في الفلسفة الألمانية ونأخذ كمثال على ذلك أمانويل كانط الذي أخذ عنه كولوردج بعض العناصر من نظرية الخيال بالقدر الذي أخذ به عن شليجل وهيغل.

وقد قسم كانط هو الآخر الخيال إلى ثلاثة أقسام: القسم الأوّل وهو ما أسماه "بالخيال المولّد" ويقترب كثيراً من مفهوم التصور عند كولوردج، وهذا المفهوم نجده غير معلن عنه في "الخيال الشعري عند العرب" لأبي القاسم الشابي- وهذا في حدود فهمنا لنصه ومحاولة تأويل بعض أفكاره-.

أما القسم الثاني من الخيال فهو "الخيال المنتج" الذي يطابق الخيال الأوّلي عند كولوردج (ص55) ويطابق "الخيال، الشعري" عند الشابي، وهذه القوة تتوسط قوتين إدراكيتين –كما بينا ذلك من قبل- الإدراك الحسي والفهم. ويمكن ملكة الفهم من القيام بدورها، ويعتبر وسيطاً بين عالم العقل وعالم الأشياء، كما هو الحال عند كولوردج، وعند الفلاسفة المسلمين أيضاً.

أمّا القسم الثالث للخيال عند كانط فهو "الخيال الجمالي" وهذا النوع من الخيال" منتج أيضاً، ولكنه غير مقيد بالقوانين التي تحكم الفهم لأنه غير مرتبط بعالم التجربة الجنسية" (ص55). وهذا النوع يطابق الخيال الثانوي (الشعري) عند كولوردج، ويطابق أيضاً الخيال الصناعي (المجازي) عند الشابي، وهذه القوة الإدراكية لا يتمتع بها إلاّ المبدعون والفنانون الذين يستطيعون إعادة تشكيل العالم وإعطاءه شكلاً جديداً وذلك قصد إنتاج دلالة جديدة منتزعة من هذا العالم المتشكل إبداعياً.

ويمكن أن نلخص نظرية الشابي عند كل من الشابي وكولوردج وكانط:

الشابي

كولوردج

كانط

(؟)

"التصور"

الخيال المولّد

الخيال الشعري

الخيال الأوّلي

الخيال المنتج

الخيال الصناعي (المجازي)

الخيال الثانوي (الشعري)

الخيال الجمالي

نلاحظ أن مفهوم الخيال الشعري عند كل من الشابي وكولوردج يدخل في علاقة تقاطع (بالمفهوم المنطقي) حيث أنه عند الشابي يأتي في المرتبة الأولى ويطابق مفهوم "الخيال" كما عرّفه الفلاسفة المسلمون (هامش رقم 32)، أمّا عند كولوردج فيأتي في المرتبة الثانية ويسميه أيضاً "الخيال الثانوي" وبهذه التسمية عند كولوردج تطابق الترتيب باعتبار العلاقات الهيراركية Hierarchiques. كما نلاحظ –أيضاً- أن مفهومي الخيال الشعري والخيال الجمالي عند كل من كولوردج وكانط يفصح عن الوظيفة التي يقوم بها هذا القسم من الخيال الشعري على ما يسميه فلاسفة المسلمين بالخيال تارة و"المصوّرة" أخرى.

من خلال فحصنا لمحتويات النظريات التي قيلت في الخيال سواء عند فلاسفة المسلمين في القديم أو النظريات الحديثة العربية والأوروبية يتبين لنا دور الوسيط الذي يقوم الخيال سواء على مستوى الوظيفة أو على مستوى التمفصل داخل النسق الشعري والفلسفي باعتباره وسيطاً بين الحس المشترك والعمليات العقلية المعقدة.

- التخييل ورغبة التواصل:

إذا كان مصطلح المحاكاة يوناني الأصل والخيال مشترك بين اليونان والعرب وتطوّر في سياق علم النفس القديم، فإن مصطلح التخييل عربّي المنشأ. ومادة التخييل لغوياً متكونة من عنصرين: الأوّل هو الخيال والثاني هو بنية الكلمة التي تعني جعل "الآخر" يتخيل، أي إثارة نشاطه الخيالي، والتخييل يعنى في مفهومه الواسع التأثير على المتقبل وإثارة خياله. ولكن هذه العملية لا تخلو من القصدية الفنية والأخلاقية على السواء.

والتخييل في عرف الفلاسفة هو "الإيهام ويقال له التخييل أيضاً وهو أن يذكر لفظ له معنيان قريب وغريب فإذا سمعه الإنسان سبق إلى فهمه القريب ومراد المتكلم الغريب وأكثر المتشابهات من هذا الجنس، ومنه قوله تعالى: "والسموات مطويات بيمينه" وعلى هذا تصبح "المتخيلات هي قضايا يتخيل فيها فيتأثر النفس منها قبضاً وبسطا فتنفر أو ترغب كما إذا قيل الخمر ياقوتة سيالة انبسطت النفس وإذا قيل العسل مرّة مهوعة انقبضت النفس وتنفرت عنه والقياس المؤلف منها يسمّى شعراً"(40).

نستنتج من هذا التعريف قضيتين: الأولى هي الفاعلية السيكولوجية للتحيد وهي إثارة النفس وتنشيط الخيال، أي ممارسة بعض التأثير على متلقي الخطاب الشعري وهذه القضية قد تنبه لها الفلاسفة المسلمون منذ القديمبأن التخييل فاعلية نفسية بالدرجة الأولى مشحونة يقصد به معينة، أي أنها ترسم الهدف سلفاً وتوجه مشاعر المتلقي إلى وجهة معلومة سواء تنفير المتلقي من الموضوع أو ترغيبه فيه(41) هذه القضية الأولى- الفاعلية السيكولوجية للتخييل – تمثل وظيفة الشعر كما يراها النقاد العرب، أمّا القضية الثانية التي يثيرها تعريف التخييل فتتعلق بطبيعة الشعر، وهي اعتباره تخييلا، أي النظر إلى جوهر الشعر من زاوية المتلقي (42) في حين يصبح الخيال زاوية المبدع والمحاكاة زاوية علاقة العمل الأدبي بالواقع.

أمّا ابن سينا الذي يعتبر الناقد الأوّل لنظرية أرسطو والشارح لها- ولا أقول الناقل حتى ننفي عنه كل اتهام- فقد رأى هو الآخر أن التخييل يعنى شقين من القضية السالفة وهي الفاعلية النفسية وطبيعة الشعر معتمداً في ذلك على مقاييس العقل والمنطق. يقول ابن سينا: "ينظر المنطق في الشعر من حيث هو مخيل، والمخيل هو الكلام الذي تذعن له النفس فتنبسط عن أمور وتنقبض عن أمور بالجملة فتنفعل له انفعالاً نفسياً غير فكري، سواء أكان القول مصدقاً به أو غير مصدق به فإن كونه غير مصدق به غير كونه مخيلا أو غير مخيل"(43).

إن قضية التخييل كما يراها ابن سينا ترفد ثلاث قضايا تدخل في تعريف الشعر عند العرب: الأولى هي إثارة النفس، أي النظر إلى مصطلح التخييل واعتباره وسيلة للتأثير في المتلقي، والثانية هي اعتبار التخييل جزءا من جوهر الشعر، إذ لا يمكن أن نقول عن أي كلام أنه شعر إذا انتفى عنه هذا البعد (التخييل)، والثالثة هي قضية الصدق والكذب في الشعر أي مطابقة أو عدم مطابقة الشعر للواقع الذي يعرضه.

وهذه القضية الأخيرة- الصدق والكذب- قد تعرض لها أرسطو وذلك في معرض حديثه عن الشعر والتاريخ وانتصاره للأوّل باعتباره أكثر فلسفية من التاريخ، وهو ما عبّر عنه بالمصطلحين: الممكن والمحتمل، مما جعل بعضهم

(44) يرى أن هذه القضية خاصية من خصائص النظرية اليونانية، وقد دار جدال حادّ حول هذه القضية- الصدق والكذب في الشعر – وهذا ربيب المدرسة اليونانية قدامة بن جعفر يرى أن هذه القضية عامة وشائعة عند كل الأجناس البشرية، وإلى نفس الفكرة يذهب ابن وهب في كتابه "البرهان في وجوه البيان"، وهذه القضية هي ما يمكن ترجمته بالفن للفن والفن للأخلاق، أو بالالتزام وعدم الالتزام، أو بالشعر في خدمة الأخلاق و"الشعر بمعزل عن الأخلاق" كما رأى بعض النقاد القدامى.

وإذا كان عبد القاهر "الجرجاني يهمل مصطلح المحاكاة اهمالاً تاماً ويكتفي بالمصطلح الآخر التخييل، لعله يريد بذلك أن يقطع الصلة بالفكر الدّخيل ويطلب موضوعاً عربي النشأة"(45)، قد ساهم في بلورة هذين الاتجاهين معلّلاً رأيه ومحاولاً التمثيل لكل قضية.

يقول الجرجاني: "وكذلك قول من قال "خير الشعر أكذبه" فهذا مراده لأن الشعر لا يكتسب من حيث هو شعر فضلاً ونقصاً وانحطاطاً وارتفاعاً بأن ينحل الوضيع من الرفعة ما هو منه عار، أو يصف الشريف بنقص وعار، فكم جواد بخله الشعر وبخيل سحاه"(46). من هذه الكلمات يتبين موقف الجرجاني الرافض للتخييل باعتباره ضربا من الكذب وإساءة إلى الأشخاص، وهذا الموقف يتطابق مع ما جاء في الآية الكريمة "والشعراء يتبعهم الغاوون".

ويتضح هذا الموقف جلياً عندما يقارنه بالمقولة المناقضة للأولى عندما يقول: "فمن قال "خيره أصدقه" كان ترك الإغراق والمبالغة والتجوز إلى التحقيق والتصحيح واعتماد ما لم يجرِ من العقل على أصل صحيح، أحب إليه وآثر عنده، إذ كان ثمره أحلى وأثره أبقى"(47).

وموقف الجرجاني هذا تفصيل مقولة "خير الشعر أصدقه" على الكذب في الشعر، يعود إلى سببين رئيسيين: السبب الأوّل ديني وذلك باعتبار الشعر كذب ولا ينجو من هذا الزلق إلاّ من رحم ربك، والسبب الثاني سبب منطقي، لأن الصدق أقرب إلى العقل ويمكن التأكد من صحته أو بطلانه وذلك لعرض حقيقة معينة.

رأينا عند ابن سينا أن الشعر لا ينظر إليه من ناحية أنه صادق أو كاذب ولكن من زاوية أنه مخيل، ولكنه لا يمانع –مع ذلك- أن يجتمع الصدق مع التخييل، لأن الصدق إذا جاء مع التخييل كان أقوى وأشد على نفس المتلقي. وفي تفسيره لهذه القضية يقول جابر عصفور: "إن التخييل يمكن أن يجتمع مع التصديق داخل الأقاويل الشعرية، إذ ليس بينها تناقض في الحقيقة ولكن هناك مغايرة لأن الحقيقة التي يقدمها الشعر ليست حقيقة حرفية وإنما هي تمثيل تخيلي أو موازاة تخيلية تبدو فيها الحقيقة من خلال علاقات واقترانات لها مجالها المتميز"(48).

أمّا لطفي عبد البديع فيقول بمغايرة الحقيقة الشعرية للحقيقة العقلية، ويرى أن الجدل الذي دار حول صدق الشعر وكذبه يعود إلى تعارض يراه أصحاب هذه المقولة بين العقل والخيال وبين الأقاويل الشعرية والأقاويل الخطابية: "ولا مجال مع التخييل للكلام عن احتمال الصدق والكذب بمعناهما الساذج وقد بين ذلك حازم في كلامه على طرق العلم بما تتقوم به صناعة الشعر من التخييل وبما تتقوم به صناعة الخطابة من الإقناع والفرق بينهما"(49).

أمّا كمال أبو ديب فإنه يرى أن قضية "التخييل عند الجرجاني تمثل جزءاً من دراسته لطبيعة المعنى والتركيب الشعري"(50). وهذا طبعاً يعود إلى المنطلق النظري الذي انطلق منه كمال أبو ديب لفهم طبيعة الصورة الشعرية عند الجرجاني حيث اعتمد التخييل كوسيلة لخلق الصور الشعرية.

أمّا الباحثان التونسيان حمادي حمود والرشيد الغزي، فقد تعرضا عند قياسهما بمسح لنظريات الشعر عند العرب، في بحث بعنوان "تعريف الشعر في الشعرية العربية القديمة"(51). وقد حصرا جهود النقاد والمنظرين العرب القدامى بظهور اتجاهين رئيسيين: الاتجاه الأوّل اهتمّ ببحث العلاقة القارئ/ الشعر، أي الأثر الذي يمارسه الشعر (ص152) ولكن دون أن يوردا مصطلح التخييل رغم أنه- في هذا المجال بالذات- يتردّد بإلحاح سواء عند الفلاسفة أو في بيئة البلاغيين العرب، ولم يحاولا (الباحثان) إعادة تشكيل الإطار النظري والفكري الذي تطوّر فيه مصطلح التخييل أو مجالات تطبيقه.

أمّا الاتجاه الثاني، الذي حصراه عند النقاد العرب القدامى فهو الذي اهتمّ بدراسة القيمة التعبيرية للشعر، وتعرضا عند تفسيرهما لأسس الشعر عن قضية الصدق والكذب، وعن المحاكاة (أو ما أسمياه مشاكلة الواقع) (ص158). وهذا هو المجال الذي تطوّر فيه مصطلح التخييل والذي خصه الجرجاني بتحليلات فلسفية معمقة وفاضل بين الصدق والكذب الشعريين انطلاقا من خلفية دينية وخلفية فلسفية، ولكن مصطلح التخييل، لم يظهر – هذه المرّة أيضاً- لا ترجمة (لأن البحث محرر بالفرنسية) ولا بلغته رغم أن الأفكار التي وردت في الصفحات 158-159 قد تكلمت عن فكرة الصدق والكذب في الشعر وذلك عند عرضهما لأفكار ابن رشيق وابن طاطبا مع تركيزهما على فكر قدامة بن جعفر وابن سينا وابن رشد.

بعد ذلك تعرضا لفكرة "معنى المعنى" التي اشتهر بها عبد القاهر الجرجاني والتي تندرج في السياق النظري لفكرة التخييل- رغم أن الغرابي كان قد سبقه إليها- ولكن الباحثين لم يربطاها بما جاء في كتاب ريتشاردز وأوغدن "معنى المعنى" (لندن 1923) رغم أن الأفكار في كتاب ريتشاردز / أوغدن Richards- Ogdeni the meaning of meaning ونظرية الجرجاني تلتقي في أكثر من مستوى وتتنزلان في نفس المهاد النظري مع فروق في التطبيقات تعود إلى روح كل لغة.

"فالمعنى" يعنى عند العرب المعاني الأولى و"المعنى" المعاني الثواني، أمّا عند ريتشاردز فإنه يقترب من فهم الجرجاني و"معنى المعنى" يمثل عنده Teneur / Vehicule، أي الحامل /المحتوى ، و"المعاني" الأول "الدلالة الوحيدة، أما المعاني "الثواني" في التنظيم الدّال للخطاب الأدبي"(52).

أمّا كمال أبو ديب فقد تعرض هو الآخر إلى العلاقة بين نظرية الجرجاني وريتشاردز وبالذات عند تعرضهما للنظم والتركيب اللغوي للبنية الشعرية. يقول كمال أبو ديب: "كل من ريتشاردز والجرجاني نظرا إلى التعبير الشعري على أساس أنه انتظام للمعاني، حيث يغير المعنى الأوّل المعنى الثاني وفي المجموع يتغير الأوّل والثاني يفعل التركيب ككل"(53).

وهو نفس الشرح الذي أورده، عن "تودوروف" في تفسيره لمقولة "معنى المعنى".

أمّا لطفي عبد البديع فإنه يرى في "القول بالمعاني الأوّل والمعاني الثواني ما يوحي بأن الكلام يتألف من أكثر من طبقتين ويريدون بالمعاني الأوّل مدلولات التراكيب وبالمعاني الثواني الأغراض التي يصاغ لها الكلام، فإذا قلنا هو أسد في صورة إنسان فالمعنى الأوّل مفهوم هذا الكلام والمعنى الثاني هو شجاع، كأنهم يفرقون بين المعنى في ذاته مجرداً عن البعد الاستطيقي والمعنى الذي يتأتى فيه ذلك البعد". وهو بذلك – أي عبد البديع- يرى أن "المعاني الثواني هي محصلة المعنى السطحي – التركيب اللغوي- وتفاعله مع المعنى العميق، الأغراض التي يصاغ لها الكلام.

هذه هي الجذور النظرية والفلسفية التي قامت عليها نظرية "معنى المعنى" التي اشتهر بها عبد القاهر الجرجاني لكنها –حمود- الغزي – لم يبحثا في مجالياتها وسياقاتها النظرية المتعددة، ويمكن –لوحدها- أن تشكل الإطار النظري لبنية الشعر.

وقد ربط الباحثان قضية الصدق والكذب بمفهوم المحاكاة "وهذه الاشكالية الأخيرة بدت (لهم) مطابقة لفكرة عزل اللغة عن مضمونها ولكنها في نفس الوقت ذات صلة حميمة بمفهوم المحاكاة عند أرسطو كما فهمها

العرب" (ص161).

وما يلاحظ على هذا البحث –رغم المجهود النظري الذي تجلّى على مستوى التنظير والتحليل على السواء- أن الباحثين حصرا اهتمامهما في شكلية عقيمة بدعوى الالتزام بحدود المعطيات الموضوعية لنظرية الأدب، وبذلك أطنبا في إيراد مفاهيم عامة – إلى حد الاستهلاك – عن الوزن والقافية، وقد انطلقا من مواقع مثبتة وهي البحث في الجوانب الشكلية في نظرية الشعر العربي، ولكن هذه المواقف المسيغة أدّت إلى إعطاء رؤية غائمة وبذلك عجزا عن تحليل النموذج الشعري العربي وبحث أسسه النظرية، كما سادت البحث نغمة ساخرة ومنقصة من قيمة النظريات العربية.

ويلخّص عبد القاهر الجرجاني موقفه من التخييل بقوله: "وجملة الحديث الذي أريده بالتخييل هذا هو ما يثبت فيه الشاعر أمراً هو غير ثابت أصلاً ويدعى دعوى لا طريق إلى تحصيلها، ويقول قولاً يخدع فيه نفسه ويريها ما لا ترى"(54) وهو بهذا يدافع عن مقولة "خير الشعر أصدقه".

ويبدو عند تعرض الفلاسفة المسلمين إلى وسائل التخييل هي نفس وسائل المحاكاة، وهذا يؤكد أن الحدّين، أو المفهوم يتداخلان في كثير من الأحيان في أذهانهم ويتبادلان الوسائل والطبيعة، وأنهم –الفلاسفة- عندما يغيّرون زاوية النظر إلى جوهر الشعر، فإنهم يغيّرون المصطلح، لكن طبيعة الخطاب تبقى تدور في نفس المجال النظري.

- التوصيل الشعري:

الشعر شكل من أشكال التواصل بين أفراد الجنس البشري، ويقول في عملية التواصل هذه، ليس على المضامين لأنها في أغلب الأحيان معروفة من قبل المدين على التخاطب الشعري، ولكن على ما تتضمنه اللغة من طاقات تعبيرية وجمالية، تختلف عن عملية التواصل العادية.

فإذا كان التواصل العادي /اليومي يعتمد على الوظيفة المرجعية Référentielle للغة، أي مطابقة الخطاب للواقع المعاين، أي الذي يصير موضوعاً لكلام الذات المعاينة، فإن التواصل الشعري يرتكز أساساً على الوظيفة الشعرية poétique للغة، أي يصبح المرجع هو اللغة ذاتها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقيس حقيقة الخطاب إلا من داخله، أي من مكوناته الذاتية، انطلاقاً من هذه القناعات النظرية نرى جوليا كريستيفا J. Kristeva تقول: معنى المحتمل ليس له موضوع خارج الخطاب الأدبي.. قضية الصدق والكذب ليست من مجال اهتماماته"(55) وهكذا يأتي في المرتبة الثانية من العلاقة الرمزية للتخييل.

وإذا كانت كل عملية تواصل تفرض وجود ثلاثة أطراف وبإختلال هذه المعادلة فإن عملية التواصل لا يمكن أن تحصل، وحتى في الحديث الذاتي (المونولوج) فإن الباث هو المتقبل، وقد حدّد ر. جاكوبسون وسائط الاتصال (القنوات) وهي السياق والرسالة (المضمون) والاتصال والشفرة Code.

وإذا أردنا أن نوزع وظائف اللغة على الهيئات التي تشارك في صياغة عملية التواصل الشعري فإننا نحصل على الوظائف التالية:

الباث الشاعر، وظيفة اللغة عنده "شعرية".

الوسيط الشعر، شفرة، نظام من الرموز اللغوية.

المستقبل القارئ/ السامع، وظيفة اللغة لديه تعبيرية (تمثيل) وإذا كانت عملية التواصل تندرج عبر المراحل التالية، انطلاقاً من مصدر انبعاثها فإن عملية التلقي تتخذ الطريق المعاكس، انطلاقاً من القارئ/ السامع لتصبح عملية تحليلية، أمّا على مستوى التشكيل فإن الشعر الذي هو في الأخير بنية لغوية تحيل في المرحلة الأولى إلى عالمها الداخلي، ثم إلى السياق الشعري المتكون من النصوص الشعرية والفنية الأخرى التي تشكل خلفية "القصيدة" وأخيراً إلى السياقات الخارجية: اجتماعية، تاريخية، ثقافية.

وقد لخص جابر عصفور عملية التواصل بقوله: "إن كل عمل شعري يعنى تواصلا بين المبدع والمتلقي، والتواصل يبدأ بتوصيل رسالة من نوع خاص ذات محتوى متصل بالقيم.. ويوجهها.. المبدع إلى المتلقي من خلال وسيط نوعي هو القصيدة"(56).

هذا التقنين لعملية التواصل يحتوي الأطراف الثلاثة لعملية التواصل التي لا يمكن بغياب أحدها أن تتم عملية التواصل، ولكنه لم يركز بشكل خاص على نوع التشكيل الجمالي الذي يجب أن يحظى به هذا الوسيط النوعي الذي يتميز بخاصيتين خاصية التشكيل وخاصية الإيقاع.

هذا ما جعل الشاعر الألماني شيلر يقول: "نظرا لعدم توفر فكرة تامة، غامضة ولكنها قوية، وسابقة على وجود أي جهاز تكنيكي، فإنه يصبح من المستحيل أن يولد أي عمل شعري، وهكذا يصبح الشعر – إذا لم أخطئ- هو معرفة كيفية التعبير وتوصيل اللاشعور، وبعبارة أخرى لتشكيله في

موضوع"(57).

إن ملاحظة شيلر هذه تهتم بالتوصيل الشعري كقالب أكثر منه كوسيلة للاتصال وتركز خاصة على الإطار الإيقاعي باعتباره تشكيلا، أي صياغة للنسب بين الأصوات والمزاوجة بينها، والإيقاع بوصفه أداة شكلية تميز التواصل الشعري عن التواصل النثري وعن التواصل العادي العاري من أي مقوم فنّي.

أمّا على مستوى الدلالة، فإن التوصيل الشعري يختلف عن التوصيل العادي /اليومي الذي يحاول –قدر الإمكان- إقامة توازن بين الدّال والمدلول، وهكذا يصبح الدّال هو اللغة – وسيلة التواصل – كنظام من الرموز والإشارات، والمدلول وهو المرجع الذي يحيل إليه هذا الدّال. أمّا التوصيل الشعري فإنه يتجاوز المدلول المرجعي إلى مدلول من طبيعة أخرى وهو المدلول الشعري ولكن كيف يتجاوزه؟ تجاوزه لا يعني إلغاءه كلية والقفز عليه ولكن بإعادة تشكيله:

الدّال المدلول 1 (المرجعي)

المدلول 2 (الشعري) بنية الخطاب الشعري

وهذه الهيكلة الجديدة للبنية الشعرية تقترب من مفهوم الجرجاني وخاصة نظرية "معنى المعنى" حيث يصير المعنى الأول ما يفيده ظاهر الكلام (البنية السطحية) والمعنى الثاني هو محصلة التفاعل بين هذين المستويين من المعنى (البنية العميقة).

- بدلا من الخاتمة:

القول الشعري شكل تواصلي متميز، ويرجع ذلك إلى خصائصه البنيوية والتركيبية وإلى الوظائف التي يقوم بها داخل مجتمع معين، وللأقاويل الشعرية القدرة على التنقل في الزمان والمكان، وهذا سرّ اهتمام الأمم بها فهي تستطيع المحافظة على قوة وجمال محتوياتها ولا يستطيع الزّمن أن يؤثر فيها لأنها تنطلق أصلاً من الثوابت الموجودة في النفس البشرية.

أمّا الخصائص البنيوية التي يتميز بها القول الشعري فإنها تنقسم إلى قسمين:

الجانب التركيبي ويختص بكيفية نظم الرموز اللغوية لتكسب جمالية خاصة وشيئاً زائداً عن التعبير المألوف و"إخراج الكلام غير مخرج العادة" وكلّما غيرنا التركيب برزت الفروق بين المعاني، والتركيب تحكمه من جهة قواعد النحو، ومن جهة ثانية ضرورات المعاني ومقتضياتها.

والجانب الثاني هو الجانب الصوتي ويختص بالإطار الإيقاعي الذي يعتبر جهازاً تقنياً سابقاً حتى على تشكل الخطاب الشعري، كما هو الحال في عروض الخليلي والقول الشعري الذي لا يندرج ضمن إطار إيقاعي يمكن بسهولة أن يتداخل مع الأقوال الأخرى غير الشعرية.

والشعر غالباً ما يختص بوظيفة معينة تغلب على الوظائف الأخرى، هذه الوظيفة تتحدّد بطريقة تعامل الشاعر مع اللغة- كيفية نظمها- ومخاطبتها للخيال والعاطفة هذا لا ينفي وجود الوظائف الأخرى، ولكي يقوم بوظيفته هذه – التعبير والتخييل- يستعمل عدة وسائل منها المحاكاة والوزن والقافية والوظيفة الشعرية تتعدى التوصيل والإخبار إلى الإقناع، هذا الإقناع أمّا للاجتناب أو الإقبال على أمر أو قول أو فعل.

وقد تداخلت ثلاثة مفاهيم- أو حدود- هي المحاكاة والخيال والتخييل- لفهم جوهر الشعر باعتباره شكلا مميزاً من أشكال التواصل، تبادلت في كثيرمن الأحيان مواقعها النظرية والفكرية وذلك عند تغيير زاوية النظر، فيعرف الشعر تارة بأنه تخيل ومرة بأنه محاكاة وأخرى بأنه تخييل، ولا تتعارض هذه التعريفات للشعر، لأنها تشكل المستويات النظرية للشعر. وهذه المفاهيم الثلاثة: المحاكاة- الخيال- التخييل هي تجسيد استعاري لفكرة المرآة كما مارسها النقد الحديث. والشعر من هذا المنظور يصبح مرآة للواقع، مرآة للذات مرآة للآخر. فمتى تصبح هذه "المرايا المتجاورة "صفحة صقيلة واحدة؟!

 

د. حسين خمري


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved Alimbaratur.com.