
تهشيم
الصورة الفنية في شعر الحداثة
يتفق الباحثون المعاصرون
على أهمية آراء الناقد عبد القاهر الجرجاني (ت/ 471) كونها
تشكل نُضجاً في الدرس النقدي عند العرب. ومن هذه الآراء ما
يراه في تأثير الصورة في العمل الفني (الشعر خاصة) وإعطاء
مصطلح الصورة دلالة النقدية الرافضة لتحدد معناه بالنقل الشكلي
أو الحرفي ليس إلا. ولذا يقول أحد الدارسين لهذه الصورة "فالجرجاني
قد أعطى للصورة رؤية جديدة.. فالصورة عنده ليست هي الشيء نفسه،
وإنما هي مميزاته المفرقة لـه عن غيره. وهذه المميزات قد تكون
في الشكل، وقد تكون في المضمون، لأنَّ الصورة مستوعبة لهما،
والنظرة لأحدهما لا بدَّ أن تنعكس على الآخر"(1) وتأييداً
لذلك يقول الجرجاني "واعلم أن قولنا "الصورة" إنَّما هو تمثيل
وقياس لما نعمله بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا، فلما رأينا
البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة، فكان تبيّن
إنسان من إنسان وفرس من فرس، بخصوصية تكون في صورة هذا لا
تكون في صورة ذاك، وكذلك كان الأمر في المصنوعات، فكان تبيُّن
خاتم من خاتم وسوار من سوار بذلك، ثمَّ وجدنا بين المعنى في
أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقاً عبَّرنا
عن ذل الفرق وتلك البينونة بأن قلنا: "للمعنى في هذا صورة
غير صورته في ذلك". وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئاً نحن
ابتدأناه فينكره مُنكر، بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء
ويكفيك قول الجاحظ: "وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير".
(2)
ثمَّ يؤكد أهمية التكامل
في تكوينها بحيث إذ حذف جزء منها انهارت فيقول: "فإنك تجد
الصورة المعمولة فيها كلما كانت أجزاؤها أشدّ اختلافاً في
الشكل والهيئة ثمَّ كان التلاؤم بينها مع ذلك أتمّ، والائتلاف
أبين، كان شأنها أعجب والحذق لمصورها أوجب"(3) ولا ينسى أثر
الصورة في المتلقي من حيث تقريبه إلى فهم النص فيقول(4): فالاحتفال
والصنعة في التصويرات التي تروق السامعين وتروعهم، والتخيلات
التي تهز الممدوحين وتحركهم وتفعل فعلاًً شبيهاً بما يقع في
نفس الناظر على التصاوير التي يشكلها الحذاق بالتخطيط... كذلك
حكم الشعر فيما يصنعه من الصور، ويشكله من البدع ويوقعه في
النفوس من المعاني التي يُتوهم بها الجماد الصامت في صورة
الحي الناطق.." ويتم تلقي الصورة على وفق ما يراها الجرجاني
من خلال التشبيه وله وجهان. فيقول: (أن الشيئين إذا شُبّه
أحدهما بالآخر كان ذلك على ضربين: الأول تشبيه الشيء بالشيء
من جهة الصورة والشكل كتشبيه الشعْر بالليل والوجه بالنهار..
والثاني الشبه الذي يحصل بضرب من التأول كقولك: هذه حجة كالشمس
في الظهور" (5) والعذر في ذلك أن الشبهة نظير الحجاب فيما
يدرك بالعقول لأنها تمنع القلب رؤية كما يمنع الحجاب العين
أن ترى ما هو من ورائه" وهذا تأول في تحصيل الشبه كما يراه.
ويأتي بعد الجرجاني في فهم الصور الفنية ابن الأثير (أبو الفتح
ضياء الدين/ ت 637 هـ) مؤكداً الصورة من خلال التشبيه الحسي
وهو يقسم التشبيه إلى أربعة أقسام، ثلاثة منها تخص الصورة،
أمَّا الرابع فيقع في تشبيه المفرد. يقول ابن الأثير(6): "الأول:
تشبيه صورة بصورة، كقوله تعالى: "وعندهم قاصرات الطرف عينٌ،
كأنهنَّ بيضٌ مكنون" الصافات / 48 ـ 49 . والثاني تشبيه معنى
بصورة، كقوله تعالى: "والذين كفروا أعمالهم كسرابِ بقيعة"
النور/ 39 . والثالث تشبيه صورة بمعنى كقول أبي تمام:
وفتكتَ بالمال الجزيلِ
وبالعدا
فتكَ الصَّبابة بالمحُبِّ
المغرم"
ويرى في الثاني أبلغ
الأقسام لتمثيله المعاني الموهومة بالصورة المشاهدة. وفي الثالث
ألطفها لكونه شبه فتكه بالمال وبالعدا بفتك الصبابة، وهو فتك
معنوي. وبالتالي فإنه نقل صورة إلى غير صورة.
وتتضح رؤية الصورة في
نقدنا العربي القديم على يد حازم القرطاجني (ت/ 684 هـ) الذي
تأثر بالفكر اليوناني حيث نظر إليها من خلال التخييل والمحاكاة
فيقول(7): "إن المعاني هي الصورة الحاصلة في الأذهان عن الأشياء
الموجودة في الأعيان. فكل شيء لـه وجود خارج الذهن فإنه إذا
أدرك حصلت لـه صورة في الذهن تطابق لما أدرك منه، فإذا عبّر
عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك أقام اللفظ المعَّبر
به هيئة تلك الصورة الذهنية في إفهام السامعين وأذهانهم. فصار
للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ."
أمَّا كيفية اقتباس
المعاني فإن حازم القرطاجني يراها في طريقين: "الأول تقتبس
منه لمجرد الخيال وبحث الفكر.. ويكون ذلك بقوة التخيّل والملاحظة
لنسب بعض الأشياء من بعض" والثاني تقتبس "بسبب زائد على الخيال
هو ما استند فيه بحث الفكر إلى كلام جرى في نظم أو نثر.."(8)وتكون
محصلة ذلك في النص "تصوير الأشياء الحاصلة في الوجود وتمثيلها
في الأذهان على ماهي عليه خارج الأذهان من حسن أو قبح حقيقة.
أو على غير ما هي عليه تمويها وإيهاماً"
ولا ترسم الصورة دون
تجربة حيّة يعيشها الشاعر حيث يتفاعل المكان (البيئة) مع الإنسان
(الشاعر) ولذا ترى حازماً يقول(9) "فقلما برع في المعاني من
لم تنشئه بقعة فاضلة، ولا في الألفاظ من لم ينشأ بين أمة فصيحة،
ولا في جودة النظم من لم يحمله على مصابرة الخواطر في أعمال
الروية الثقة، ولا في رقة أسلوب النسيب من لم تشط به عن أحبابه
رحلة"
هذا الاقتصار على هذه
الآراء لا يعني بالضرورة كل ما قيل، بل تمثل وضوحاً في وعي
النقاد العرب الذين نظروا إلى الشعر من خلال الصورة وحاكموا
الشاعر على قدرته عند قول الشعر، فكانت معالم نقف عندها ونحن
ندرس الصورة دون أن تفارق هذه الآراء الدرس البلاغي من مجاز
أو تشبيه أو استعارة لترسم لنا رؤية للصورة الشعرية في القصيدة
العربية القديمة.
1 ـ 1
لن تكون طبيعة البحث
هو الاتجاه بالصورة كما تراها الفلسفة وإن شكلت أقوالها اتجاهاً
تمثل إضاءة في تصورها. فأرسطو يرى أن "الصورة تقابل المادة
وتقال على ما به من وجود الشيء أو حقيقته أو كماله" وعند "كانت/
عمانوئيل/ 1724 ـ 1804 ": "هي المبادئ التي تتشكل بها مادة
المعرفة" (10) وعند الشريف الجرجاني (ت/ 816 هـ) "صورة الشيء
ما به يحصل الشيء بالفعل"(11) وعند أصحاب المعرفة "الصورة
هي الشيء الذي تدركه النفس الباطنة والحس الظاهر معاً، لكن
الحس الظاهر يدركه أولاً ويؤديه إلى النفس".
أمَّا التعريف الذي
يُقرّبنا من الصورة فهو ما قال به علم الجمال من أن التصورية
تعني "أن الغاية من الفن ليست في محاكاة الطبيعة، وإنما هي
في تمثل طبيعة وهمية"(12) ولذا يرى فيها أحد دارسيها أنها
"واسطة التحام الإنسان مع الكون لتشكيل نوع من الوجود الإنساني
الخاص"(13) فإذا سألنا عن الوجود الإنساني الخاص فإن علم النفس
يرفض هذا الافتراض ليحدد أن كلمة الصورة تعني "إعادة إنتاج
عقلية، ذكرى، لتجربة عاطفية أو إداركية غابرة ليست بالضرورة
بصرية"(14) وما يؤكده الناقد (آي . إ. رتشاردز) من أن "ما
يعطي الصورة فاعليتها ليس حيويتها كصورة بقدر ميزتها كحادثة
ذهنية تربط نوعياً بالإحساس" وأدخل (عزرا بوند) الزمن شاهداً
على حدوثها فقال: "بأنها تلك التي تقدم عقدة فكرية وعاطفية
في برهة من الزمن وهي توحيد الأفكار متفاوتة"(15)
ويرى غيره أن الصورة
"ليست مجرد نتيجة لحساسية الشاعر بل هي القصيدة نفسها، وقد
تمَّ بيانها ابتداء من الأشياء، إنها حركة الأشياء والكائنات
التي تحاول التوحيد بين ثقل الأعماق الزاخرة واستقرار التيار
الدائب"(16)
1 ـ 2
من أجل خلق الصورة يتعاون
الخيال مع اللغة ولذا قيل إن "تمثل عملية التخيل الأساس الأول
الذي ينطلق منه الفنان، بعد انفعاله، ليضع أحاسيسه ومشاعره
وصوره الكثيرة المنثالة في شكل فني منظم. ومن الصعب تماماً
خلو الشعر من عنصر الخيال، وإلا غدا كلاماً مبتذلاً لا قيمة
له. فقد يكون خيالاً أولياً يشترك فيه مع سائر الناس فلا يتفرد
عنهم بشيء. وربما كان خيالاً سلبياً أو إيهاماً وذلك ما يشترك
فيه معظم الشعراء.. إلا أن المهم توفر عنصر الخيال في إحدى
نسبه أو درجاته في عملية التعبير."(17)
أمَّا اللغة فإن المفردة
تمثل دلالة لترسم صورة المعنى وعند ذاك تقترب الرؤية المعبرة
عن إحساس الشاعر من خلال هذا الاقتران الذي قال عنه العالم
اللغوي "كارل فسلر": "إن صورة الاقتران اللغوية ليست على الإطلاق
حركات منطقية إنها حلم الشاعر، حيث تتصام الأشياء، لا لأنها
تختلف في ما بينها أو تتحد، بل لأنها تجتمع في الفكر والشعور
في وحدة عاطفية"(18) وبذلك تكون الصورة تعبر عن الشعور أو
الفكرة وهذا يعني أن "الصورة تستكشف شيئاً بمساعدة شيء آخر"
ولذا قيل إن "الشعور يظل مبهماً في نفس الشاعر فلا يتضح لـه
إلا بعد أن يتشكل في صورة. ولا بد أن يكون للشعراء قدرة فائقة
على التصوّر تجعلهم قادرين على استكناه مشاعرهم واستجلائها."
(19) وفي هذا يقول الناقد الروسي (شلوفسكي): "إن الشاعر لا
يخلق الصورة والخيالات، وإنما يجدها أمامه فيلتقطها من اللغة
العادية، ولهذا فإن الخاصية المميزة للشعر لا ينبغي أن تكون
مجرد وجود هذه الأخيلة، وإنما الطريقة التي تستخدم بها."(20)
وقد يكون هذا الاستخدام بعيداً عن الواقع ممَّا يوقع في الغموض
ذلك أن "العلاقة بين الكلمة والواقعة في الشعر أكثر غموضاً
وبعداً من العلاقة بين الصورة والشيء المصور، في الرسم مثلاً،
فالكلمة التي تدل على شيء ليس من الضروري أن يكون استخدم في
الصورة الشعرية مقصوداً به استحضار صورة هذا الشيء في الذهن"(21)
ويرفض أحد الشعراء الفرنسيين
عملية المقارنة بين رسم الصورة والواقع الذي أثر في الشاعر
فدفعه إلى خلقها في شعره فيقول(22): "إن الصورة إبداع ذهني
صرف. وهي لا يمكن أن تنبثق من المقارنة، وإنما تنبثق من الجمع
بين حقيقتين واقعتين تتفاوتان في البعد قلة وكثرة.." ولهذا
تراه يؤكد أن "الصورة لا تروعنا لأنها وحشية أو خيالية بل
لأنَّ علاقة الأفكار فيها بعيدة وصحيحة.. وإن بدت جديدة أمَّام
العقل". يؤيده في ذلك (جورج والي) الذي يقول: "إن الشعور ليس
شيئاً يضاف إلى الصورة الحسية، وإنما الشعور هو الصورة، يبقى
مستقراً في الذاكرة مرتبطاً بمشاعر أخرى محوراً لها، وعندما
تنبثق هذه المشاعر للضوء فإنها تتخذ شكل الصورة" (23) ويُوضّح
ذلك (هويلي) قائلاً: "إن الشعور ليس شيئاً يضاف إلى الصورة
الحسية، وإنما الشعور هو الصورة، أي أنها هي الشعور المستقر
في الذاكرة، الذي يرتبط في سرية بمشاعر أخرى ويعدل منها. وعندما
تخرج هذه المشاعر إلى الضوء وتبحث عن جسيم فإنها تأخذ مظهر
الصورة في الشعر."(24)
إن خلق الصورة الفنية
في الشعر لا يتم إلا من خلال التجربة الذاتية للشاعر وما يحوط
به من بيئة مكانية تنظر إلى المحيط (الأشكال والألوان) ما
ينعكس ذلك كله في نفسه أو شعوره. وهذا يعني أن الشعراء يتفاوتون
في هذه النظرة أو الشعور، فتتفاوت صورهم المخلوقة "ومن هنا
كانت الصورة دائماً غير واقعية وإن كانت منتزعة من الواقع،
لأنَّ الصورة الفنية تركيبة وجدانية تنتمي في جوهرها إلى عالم
الوجدان أكثر من انتمائها إلى عالم الواقع"(25)
1 ـ 3
تعامل الشاعر العربي
مع الصورة الفنية في القصيدة من خلال البلاغة ووجد المجاز
والاستعارة والتشبيه دون أن ينسى الكناية، أدوات ترسم فيه
الكلمة صورة رائعة يختلط فيه إحساسه معها. وهذا ما نراه بارزاً
في كتابات النقاد القدامى، ولنا في ابن الأثير الذي يدرس هذه
الأنواع البلاغية من حيث قسّم المجاز ـ الذي يعني نقل الألفاظ
من معنى إلى آخر ـ إلى قسمين: الأول توسع في الكلام والثاني:
التشبيه وحدد المجاز بالأول، أمَّا التشبيه فقد اعتبره على
ضربين: التام والمحذوف. وقصد بالتام ذكر المشبه والمشبه به.
أمَّا المحذوف فقد أظهره باعتباره استعارة لان المشبه يذكر
دون المشبه به. ويدفع بالقارئ في التعريف إلى العموم ليقول
(26): "إن المجاز ينقسم إلى توسع في الكلام، وتشبيه واستعارة.
ولا يخرج عن أحد هذه الأقسام الثلاثة فأيهما وجد كان مجازاً".
أمَّا الكناية فهي من
المجاز عرّفها ابن الأثير بأنها "اللفظ الدال
على الشيء، على غير
الوضع الحقيقي، بوصف جامع بين الكناية والمكنِّي عنه" (27)
وصحة ذلك "أن الكناية إذ وردت جاذبها جانبان حقيقة ومجاز وجاز
حملها على الجانبين معاً." ويضرب مثلاً في قوله عزَّ وجل:
"أو لا مَسْتُم النساء" المائدة /6 والكناية فيه أن اللمس
هو الجماع بين الرجل والمرأة.
وتظهر الاستعارة في
قول الوأواء الدمشقي:
فأمطرتْ لؤلؤاً من نرجس
وسَقَت
وردا ًوعَضَّت على
الُنَّاب بالْبَرَدِ
علّق ابن الأثير قائلاً
(28): (فإذا أظهرنا المستعار لـه صرنا إلى كلام غَثّ وذلك
أنّ نقول: "فأمطرت دمعاً كاللؤلؤ من عين كالنَّرجس، وسقت خدّاً
كالورد وعضت على أنامل مخضوبة كالعناب بأسنان كالبرد) وهذا
القول يكون عند ذاك تشبيهاً ظاهر الأداة.
وتضح الصورة الفنية
في قول ذي الرُّمة:
ما بَالُ عَيْنكَ منَها
الماءُ يَنْسكِبُ
كأنَّهُ من كُلَى مَفْرّيةٍ
سَرَبُ
هذا التشبيه قال عنه
ابن طباطبا العلوي: "تشبيه الشيء بالشيء صورةً ولوناً وحركة
وهيئة" 029) فالصورة في صدر البيت تظهر عين المخاطب وقد تدفق
الماء منها (المشبه) تشبه صورة الُكلى وقد تقطعت فتسرب الماء
منها في عجزه (المشبه به) الحركة واضحة من خلال جريان الماء
بالقوة.
1 ـ 4
لما كان تعريف الصورة
غير متفق عليه عند دارسي الأدب، فإن أنواعها لن يكون من السهل
الاتفاق حولها. ولكن (أوستن وارين) و (رينيه ويليك) يريان
أن هناك ثلاثة أصناف رفيعة هي: الخفية والجذرية والمتوسعة
برزت في الشعر الغربي فيقولان (30): "إن الصورة الخفية هي
صورة الشعر الكلاسي. والصورة الجذرية هي صورة الشعر الميتافيريقي
المميز لدون (جون / 1572 ـ 1621 م ). أمَّا الصورة المتوسعة
فتغلب على شكسبير" ويبرران ذلك بقولهما إن "العامل المشترك
بين الثلاثة وعلامات السمو المشترك لديها، هي مميزاتها الأدبية
النوعية (مقاومتها للتبصر التصويري) وجوانيتها (مجازها العقلي)
واختراقها الداخلي للحدود العقلية (تزاوجها المخصب) المنتج،
الخلاق" أمَّا دارسوا الأدب العربي فقد ظهروا إلى الصورة الفنية
من خلال ثنائية التكون الجمالي في النص الشعري من خلال أربع
رؤى معاصرة وهي:
أ ـ المرئية وغير المرئية:
قال د. عز الدين إسماعيل (31): "الشعر ينبت ويترعرع في أحضان
الأشكال والألوان، سواء أكانت منظورة أم مستحضرة في الذهن"
وهذا يعني أن الصورة المنظورة هي المرئية، وأما مستحضرة في
الذهن" وهذا يعني أن الصورة المنظورة هي المرئية، وأما غير
المرئية فهي التي وصفها بـ "المستحضرة في الذهن". وإذا كانت
الألوان والأشكال فضلاً عن الملمس والرائحة والطعم، كل هذه
تساهم في خلق الصورة الأولى أداتها النظر فإن العقل لا يقف
عند هذه بل يتجاوزها إلى كل الأشياء الواقعة وكل الصفات ولذا
تراه يقول: "حين نتحدث عن تشكيل الصورة الشعرية ينبغي أن نفرق
بين التفكير الحسي والرؤية البصرية للشيء المكاني" ويرفض رأي
بعض النقاد الذين يجعلون المرئي ممثلاً للحسي. فيقول: "الصورة
المرئية ليست دائماً هي الصورة المرئية. وعلى هذا لا نستطيع
دائماً حين نطالع الصورة الشعرية أن نتمثلها شيئاً عيانياً
قائماً في المكان، إذ إن كثيراً من مفردات هذه الصورة بالرغم
من أنه حسي يصعب في كثير من الأحيان تمثله واقعاً في المكان"
وهو في هذه الرؤية (المرئي وغير المرئي) يبرر ما يراه وعذره
في ذلك أن "الكلمات في الاستعمال الشعري ليست إلا مجرد أدوات
تمثل الأشياء. وليست الصورة التي تتكون من هذه الكلمات إلا
صورة تعبيرية وليست صورة مشابهة"
ب ـ البسيطة والمركبة:
ـ يرى د. عبد القادر الرّباعي وهو يدرس الصورة الشعرية عند
زهير بن أبي سُلمى أن صُوره مركبة فيعرض الأبيات من لامية
للشاعر يقول فيها: (32)
تَبصّر خَليلي هل تَرَى
من ظَعائن
كما زالَ في الصّبح
الأشَاءُ الحَوَاملُ
نَشَزْتَ مِن الدهناءِ
يقطعنَ وَسطها
شَقائقَ رملٍ بينهنّ
خَمَائَلُ
فلما بَدَت سَاقُ الجواءِ
وصارَةٌ
وَفرشُ وحَماواتُهن
القَوَابلُ
طَربت وقال القلَبُ
هل دونَ أَهلها
لمن جاورتْ إلاّ ليالٍ
قَلائلُ
يلفت الباحث نظرنا وهو
يشرح تجربة الشَاعر التي يتصارع فيها الحزن (مراقبةَ الحبيبة)
وهي بعيدة يُذكرّه أصوت الحداة بها، والفرح لقربه من الظعائن
وأمل (لقاء الحبيبة)، هذان موقفان متضادان داخل الشاعر خلقا
نتيجة للظروف التي يعيشها الشاعر وأعطت الظعائن تصوراً كما
تعطي الأطلال في نفس الشاعر وهو ما خلق صورة مركبة تظهر في
البيت الأول حيث يلوح تحرك النخل الصغار (الأشاء) في الصبح
وهو يمشي فظن أنها تمشي. كما شرحه ثعلب (أحمد بن يحيى) في
الديوان وتكون الصورة: (شبَّه تحرك الظعائن والإبل بالأشياء
إذا حركته الريح وزعزعته). فعلق الباحث قائلاً: "إن الصورة
تركيبة معقدة يتدخل في تأليفها عنصران هامان أحدهما ظاهري
يقوم في الحواس المخيلة والثاني باطني يقوم في النفس وموطن
التجربة. ويكون الأول عادة معادلاً للثاني وعلى قدر انفعاله.
فالظعائن كالأطلال تشكل المظهر الخارجي لمضمر داخلي بحيث يؤلفان
معاً الصورة) المركبة في شعر الشاعر.
أمَّا الصورة البسيطة
فهي الناتجة عن تشبيه المفرد بالمفرد في صفة مشتركة بينهما
وتكون مفردة أيضاً كقول أبو العلاء المعري: (33)
رُبَّ ليلٍ، كأنّه الصبحُ
في الحسـ
نِ وإن كان أسود الطّيلسَان
فقد شبه الليل بالصبح
بأداة كأن، ووجه الشَبه هو الحسن. وبذلك اعتمدت (المفردة سواء
كان ذلك عبر الوصف أو العطف أو صوراً قصيرة التي هي جملة التشبيه)
(34) والنقد الذي يؤاخذ عليها (أن الصورة الشعرية ينظر إليها
وكأنها شيء قائم بذاته أو أنه خارج القصيدة) (35) وليس العكس.
ج ـ الفاعلة وغير الفاعلة:
ـ ينظر د. محسن اطيمش إلى الصورة الفنية في الشعر من خلال
نمطين توظف فيها الصورة الشعرية ويقسّمها إلى:
1 ـ الفاعلة: ويقصد
بها: "النمط الفاعل الذي يؤدي وظيفته الفنية في القصيدة ويتحول
إلى أداة تطور المعاني وتكشف الموضوع وتبلور الحالات والمواقف،
وهذا النوع من الصورة العشرية هو الأكثر اكتمالاً وأهمية،
وبه تتحول الصورة إلى نسيج شعري لا تقوم القصيدة بدونه، أو
أنها بدون هذه الصورة ستفكك وتتهدم، وتضيع قيمتها ومعناها،
لأنَّ هذه الأداة صارت صلب القصيدة"(36) ويضرب مثلاً في قصيدة
بدر شاكر السياب "المومس العمياء":
"وكأن ألحاظ البغايا/
أبرٌ تسلّ بها خيوط من وشائع في الحنايا/ وتظل تنسج، بينهن
وبين حشد العابرين/ شيئاً كبيت العنكبوت يخضه الحقد الدفين/
حقد سيعصف بالرجال.."
يعلق د. محسن اطميش
قائلاً: "إن السياب كان هو المتحدث.. فلجأ إلى تصوير أعين
أولئك النسوة مقارناً بين حركتها في البحث عن الزبائن وحركة
انسلال الخيوط من الإبر، تلك الخيوط التي تغزلها الروح الجريحة
المنكسرة لتنسج بالتالي بين المومس والزبون "شيئاً كبيت العنكبوت
واهياً قابلاً لأنَّ ينقطع بسرعة لأنَّ هذه العلاقة لا تخلو
من منفعة مشبوهة بالحقد، حقد المومس على الزناة. فتتحول الصورة
الشعرية إلى موقف نفسي وفكري"(37) وهذا التحول هو فاعلية الصورة
التي يراها.
2 ـ غير الفاعلة: قال
د . محسن اطيمش 038) عنها "إنها صورة منطفئة وعابرة، وقدرتها
على كشف الموضوع الشعري أو تطويره ضئيلة لأنها غالباً ما ترد
على هيئة جملة شعرية، تتصف بالجمال إلا أنها تظل أقرب إلى
كونها حُلية" لا تقدم إضاءة للنص الشعري ويضرب مثلاً في قصيدة
عبد الوهاب البياتي "إلى مؤتمر السلام في برلين":
"قبعة البحار/ وعامل
المنجم والتلميذ والطيار/ سرب عصافير على بحيرة النهار/ وددت
لو قبلتهم/ قبلت كل الناس/ يا صديقنا البحار"
يعلق د. محسن اطيمش
على الصورة الشعرية التي صوّرها الشاعر "سرب عصافير على بحيرة
النهار" فيقول: "كأنها صورة عابرة، وليست ذات قيمة كبيرة.
فهي مقارنة جميلة أو تشبيه يعجب الذين يبحثون عن الصورة كتصوير
لا غير، لأنَّ هذه اللقطة كانت أشبه بالومض الذي سرعان ما
خبا دون أن يخلف أثراً فاعلاً في نمو القصيدة، فهي عبارة مرت
وانصرف الشاعر بعدها إلى حديثه الذي يكاد يكون مباشراً."
د ـ الذهنية والحسية:
قسَّم د . عبد الإله الصائغ الصورة الفنية إلى ثلاثة أقسام
وهو يدرسها فيشعر الشريف الرضي. فجعل الذهنية على نوعين: الأولى
المركبة وأسماها بـ "إيهام الصورة" والثانية الذهنية التي
يمكن أن تسمى الذهنية المقاربة. أمَّا الثالثة من تقسيمه فهي
الحسية.
1 ـ الذهنية: (أ)ـ الذهنية
المركبة أو (إيهام الصورة حسب رؤيته) ويعني بها الصورة (التي
ليس لها ما يطابقها في الخارج، فالشاعر يرسم صورته وفي نفسه
إيهام المتلقي بأنها تقرير للواقع وهنا يتألق دور الباحث في
ربط أجزاء الصورة وملاحقة روافدها) (39) ويضرب مثلاً لهذه
الرؤية بعشرة أبيات نذكر منها ثلاثة حيث يقول الشريف الرضي:
أيا لله أيّ هوىٍٍ أضاء
بريق بالطويلع إذْ تراءى
ألمًّ بنا كنبض العِرقِ
وهناً
فلما جازنا ملأ السماءَ
كأنَّ وميضَه أيدي قيون
تُعيدُ على قواضِبها
جَلاءَ
يعلق د. الصائغ قائلاً:
"هنا مقطع عرضي لصورة جزئية ذهنية مزاجها حشد من اللقطات تستأثر
الحسية منها بنصيب وفير، تقترب الدلالات لنفهم أن الشاعر عاشق
مجرّح متحد بالطبيعة اتحاد النبض بالعرق، فالبريق الذي تراءى
بالطويلع لم يضئ السماء ابتداء، وإنما أضاء ذاكرة الهوى، فألم
به كنبض العِرق وهناً وبعدها أضاء السماء.." (40) ويشير الباحث
إلى حزن الشاعر لبعد الحبيبة ويعتبرها في الأبيات صورة ذهنية
ويرصد إلى جانبها صورة جزئية أخرى في القصيدة مزاجها الذهن
والحس.
(ب)ـ الذهنية المقاربة:
يقول د. عبد الإله الصائغ(41): "الذهن مصدر العملية التصويرية
ومركزها، بيد أن صوره لا تبين إلا من خلال الحواس، فإذا صنعنا
مقاربة من صور الذهن نحو الحياة/ الموت، الحب/ المقت، اليقين/
الشك، المروءة/ الغدر. ويمكن رؤية هذه المقاربات.. تقع تحت
سلطان التصوير الحسي أداتها الاستعارة والكناية" ويضرب مثلاً
في قول الشريف الرضي:
خطبتني الدنيا فقلتُ
لها ارجعي
إني أراك كثيرة الأزواج
2 ـ الحسية: قال د.
عبد الإله الصائغ: "ونعني بها فنياً تفكيك الواقع وتشكيله
في المخيلة الثانية تشكيلاً لحمته الحواس الخمس.. وتأسيساً
على هذا المعنى ثمَّة الصور البصرية والسمعية والشمّية والذوقية
واللمسية"(42)
ويضرب مثلاً في قول
الشريف الرضي(43):
لأبعثنّ على البَيْداء
راحلةً
والليلُ بّالريح خَفَّاقُ
الجَلابيبِ
ما كنتُ أرغبُ عن هوجاء
تقذف بي
هامَ المَرورى وأعناق
الشَناخيبِ
يُقدم لهذين البيتين
كي يوضح الصورة فيقول: "إنَّ الصحراء في ذاكرة الشاعر البصرية
مساحة متشابهة الأطراف والأعلام والألوان والأصوات والشميم..
تضل السفر وتسكب الوحشة، وسطها نلمح راحلة الشاعر وهي تعدو
به، ثمَّ يرسم خلفها ليلاً بهيماً، فتتحول إلى هيئة سمعية
لمسية"
2 ـ 1
يرفض د. صلاح فضل أن
تكون وظيفة الصورة هي تجسيد الأشياء المجردة والعبور من الأمر
المعنوي إلى الشيء المحسوس في النص الشعري. ويرى العكس وعذره
في ذلك أن (كثيراً من الاستعارات تضع شيئاً حسياً محل شيء
آخر مثله، فعندما نجد صوراً مثل "الشعر الأزرق" و"العيون الشقراء"
يدرك أن كلمات الألوان هنا لا تحيل إلى الألوان ذاتها.. وعندما
يقول شاعر آخر "ملائكة زرق" فلا توجد هناك أية صورة يستحيل
تصورها، وإنما هي عملية استثارة لحالة وجدانية لا يمكن الوصول
إليها بطريقة أخرى(44) ويوضح أن "محور الاستعارة والصورة في
الشعر هو تجاوز اللغة الدلالية إلى اللغة الإيحائية، وهو عبور
يتم عن طريق الالتفاف خلف كلمة تفقد معناها على مستوى لغوي
أول لتكتسبه على مستوى آخر، وتؤدي بهذا دلالة ثانية لا يتيسر
أداؤها على المستوى الأول" وهو في هذا الرأي يأخذ بما قاله
(جان كوهن) من أن (الاستعارة غاية الصورة. فالانزياح التركيبي
لم يحصل إلا لأجل إثارة الانزياح الاستبدالي، إلا إن الاستعارة
الشعرية ليست مجرد تغيّر في المعنى. إنها تغيّر في طبيعة أو
نمط المعنى، انتقال من المعنى المفهومي إلى المعنى الانفعالي.
ولهذا لم تكن كل استعارة كيفما كانت شعرية، فإذا كان المدلول
الثاني جزءاً من المدلول الأول، فإن تغير المعنى يبقى منحصراً
في مستوى دلالة المطابقة. لقد تمَّ استبدال المعنى لا اللغة"(45)
وإذا كانت هذه وظيفة
الصور المصنوعة من إبداع الشاعر ذاته، فإن هذا الشاعر قد تتجاوز
صناعته للآخر حيث يوظّف الصورة التي صنعها الشاعر غيره سواء
أكان توظيفه بمعناها أم بمبناها وهدفه من ذلك خلق رؤية جديدة
عند المتلقي وقد نظر إليها د.محسن اطيمش كنتيجة لحالة التوظيف
فقال: "إن الالتفات إلى مكونات الصورة الموروثة هو التفات
جزئي، وغير موظف توظيفاً إيجابياً تاماً، إلا أنه سيقود الشاعر
إلى أنماط أخرى.. أمَّا تضميناً للصورة أو تمثلاً لها وإعادة
خلقها من جديد لتلائم حالة الشاعر وتخدم مضمونه المعاصر، أو
تقود الشاعر إلى استحياء المناخ التصويري الموروث بشكل عام"
(46). وهذا يعني أننا أمَّام حالتين:
الأولى: ـ التوظيف الناجح.
ويضرب لـه مثلاً بقول بدر شاكر السياب في قصيدة "المومس العمياء"
"الليل يطبق مرة أخرى
فتشربه المدينة/ والعابرون إلى القرارة مثل أغنية حزينة"
فيقول: "العلاقة المجازية
التي هي (شرب الليل) انتماء للماضي الشعري وتأثر في الصورة
التي وردت في أبيات أبي العلاء المعري:
يكاد الصبح تشربه المطايا
وتملأ منه أوعية شنان
ثمَّ يعلق قائلاً: "إن
لكلا الصورتين معنى ووظيفة في القصيدتين، لكن ما يتضح هنا
هو أن السياب التقط تلك العلاقة المجازية ونأى بها، ربط بين
"شرب الصبح" و"شرب الليل". وكان التحول هو تكوين تصويري فاعل
ومدخل وصفي يسهم كثيراً في بلورة الحالة الشعرية، ذلك أن السياب
كان بصدد رسم صورة للمدينة الموحشة التي يخيم عليها الليل
والحزن وتعيش حالة من الجدب وبذلك أخذ يتجاوز الالتفات البسيط
والعابر للصورة القديمة، لقد بدأ يتمثلها ويعيد خلقها، لتخدم
موضوعه وموقفه المعاصر"
الثانية: ـ التوظيف
القاصر: وهو التضمين التام الذي يلجأ إليه الشاعر دون أن ينجح
في أن يكتسب دلالات جديدة ولم تنصهر هذه الدلالات داخل السياق
الموضوعي لقصيدته بل تبتعد عمَّا كانت تعنيه في الموروث. ويضرب
د. محسن اطيمش شاهداً في التضمين الذي وظّفه الشاعر عبد الوهاب
البياتي في قصيدته "كتابة على قبر عائشة":
"يا راكبا نجران/ بلّغ
نداماي إذا ما طلع النهار/ واقتحمتْ مدينةَ الموتى خيول النار/
وشطّ بي المزار/ "أن لا تلاقيا" ولا لقاء/ وابكِ على طفولتي
أمَّام صمت القبر/ وقف على إطلال هذا القلب/ مُصلّياً للرب"
فيقول (47) "يستعير
قول الشاعر عبد يغوث بن وقاص:
أيا راكبا أمَّا عرضت
فبلغن
نداماي من نجران أن
لا تلاقيا
وواضح أن البياتي كان
يتابع كلمات الشاعر القديم وهو وإن أدخل بين تلك الكلمات قوله"
واقتحمت مدينة الموتى خيول النار" إلا أنه ما استطاع أن يخرج
المعنى القديم من واقعه النفسي أو يضيف شيئاً جديداً، أو أن
يتوجه به وجهة أخرى. فبيت عبد يغوث كان يشير إلى الأحزان واليأس
المتأتي من البعاد الذي لا يعقبه تلاق، وهذه الحالة النفسية
هي محور معاني قصيدة البياتي أيضاً، ومن هنا ينأى تضمين الصورة
الموروثة عن أن يكون إيجابيا، لأننا نعرف أن للتضمين الفني
وظيفة هي في الغالب لتطوير المعنى أو الحدث أو التسامي بالانفعال"
وهذا ما لم يحدث أو يتمكن الشاعر منه توظيفاً وخلق قصوراً
عجز تضمينه أن يحقق ما تصور أو أراد أن يوصله إلى المتلقي
فكانت الصورتان قد تكررتا دون أن توحي بجديد.
2 ـ 2
إن الصورة الشعرية الجامدة
التي عرف بها شعر ما قبل جيل الرّواد في العراق قد دفع بشعراء
الحداثة إلى أن يجنحوا بخيالهم بعيداً عن تلك الصورة المكررة
والمقلدة في الشعر الموزون المقفى ولهذا أخذ ناقدو هذا الشعر
عليه عجز خيال الشاعر من (أن يوحد ما بين أجزاء الصورة، أو
يوحد ما بين أعماق الشاعر والطبيعة. وبدا الشاعر وكأن الموضوع
مفروض عليه من الخارج وليس نابعاً من أعماقه.. وهكذا جاءت
الصورة منفصلة تمام الانفصال عن بعضها، وكان لغياب الخيال
الأصيل الأكثر تكثيفاً وتهذيباً أكبر الأثر في هذه الرداءة
التي طغت على كل الاستعمالات الاستعارية) (48) ولكن لا يعني
ذلك حكماً مطلقاً بل يكاد القصر أن يشمل شعر القرن التاسع
عشر والنصف الأول من القرن العشرين، أي ما قبل شعر الحداثة
الذي مثل فيه شعر الرّواد ضوءاً لم يستفد منه الشعراء الذين
جاءوا بعدهم من الاهتداء به أو تجاوزه (كالذي نقرأه عند بدر
شاكر السياب مثلاً حين قدم مجموعة من الصور الحزينة لعيون
حبيبته وهو يرحل عنها مشرداً)(49) يقول السياب في بداية قصيدته
"أنشودة المطر"
"عيناكِ غابتا نخيل
ساعة السحر/ أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر/ عيناك حين تبسمان
تورق الكروم/ وترقص الأضواء كالأقمار في نهر/ يوجه المجذاف
وهناً ساعة السحر/ كأنما تنبض الأضواء في غوريهما النجوم"
يعلق د. علي عباس علوان
على هذه الصورة الفنية فيقول(50): "إنَّ السياب لم يقدم لنا
هذه الصورة الجزئية من الطبيعة ليربط بينها ربطاً عقلياً،
وإنما قدمها وقد تحققت فيها تلك الوحدة الحيوية الكامنة وراء
هذه الجزئيات، ووجدنا الخيال قد عمل على تحقيق هذه العلاقة
الجوهرية ما بين الإنسان والطبيعة. وقامت العاطفة بالربط الخفي
الذي شدّ كل تلك الصورة السريعة غير الناشزة إلى بعضها بحيث
يحس المتلقي بهذا الحزن الهادئ العميق وقد تنافذ مع الطبيعة
التي خلع الشاعر عليها أحاسيسه ورؤاه." والسياب لم يكتفِ بالعلاقة
المكانية مع الطبيعة بل جمع إليها العلاقة الزمانية وهو يرسم
صورته الشعرية وبذلك كانت إرهاصات التجديد يحملها إحساسه المرهف
الذي فات على شعراء آخرين دون أن يتنبهوا عليه في تشكيل الصورة
في الشعر الحديث ذلك أن (التشكيل الزماني في القصيدة كالتشكيل
المكاني، معناه اخضاع الطبيعة والتلاعب بمفرداتها وبصورها
الناجزة كذلك كيفما شاء، ووفقا لتصوراته الخاصة)(51) إذا أراد
أن يعبر عن نفسه وبذلك نجح السياب في رسم الصورة الفنية في
شعر الحداثة قبل أن يكون مجدداً فيه ويتجاوز الصور الفنية
في الشعر العربي القديم الذي ظل زمناً طويلاً يناجي الأطلال
(المكان) دون أن يغادرها أو يتمكنمن أن يربطه بالزمان. ولم
يحدث هذا الربط إلا بفعل متغيرات العصر الحديث. وصارت الصورة
الفنية ليست وقفاً على (الألوان والأشكال وحدها هي العناصر
الحسية التي تجتذب الشاعر بل إن الملمس والرائحة والطعم لتتداخل
مع الشكل واللون وفي الصورة الشعرية"(52) المعاصرة التي أخذ
بها الشاعر ليخلق صلة مع المتلقي تجمع ثلاث رؤى: هي جدتها
وكثافتها ثمَّ ما يمكن أن توحيه وبذلك تجاوزت جمود الصور عند
السابقين من الشعراء.
2 ـ 3
إن فقر الخيال عند شعراء
الشعر الموزون المقفى دفع بشعراء الحداثة إلى أن يبتعدوا عن
تقليدهم أو السير في طريقهم وهم يقرأون مثلاً موشحة من شعر
السيد محمد سعيد الحبوبي حيث يقول(53)
وبدت شمساً لها الجعد
بروج
وبخديها لمرتاد مروج
جادها ماء الصِّبا،
فهو يموج
وعليها الخال لما طفحا
قلت: فك رقي ياذا الحبش
وقيل في نقد هذه الصورة
إن "الحبوبي قد جاءت أبياته وقد شدها إلى بعضها رابط عقلي
بارد مجود من أحاسيس الشاعر وعاطفته ولم يستطع خياله أن يوحد
بين أجزاء الصورة.. فقد جعل الشاعر من خد الحسناء الصافي مرجاً
معشوشباً. وجعل من الخال الذي طالما جمل خد المرأة في كل الشعر
العربي، طفحاً جلدياً مقززاً، وأكثر من ذلك صور هذا الخال
حارساً حبشياً يقيّد حركة الشاعر ويحبسه" (54) فكان ذلك الخيال
فقيراً والوصف مصنوعاً، كل ذلك مثل غياب تجربة لم يتمثلها
الشاعر.
هذا الفقر في الخيال
دفع بشعراء الحداثة إلى تجاوز شعراء الأدب العربي إلى الآداب
الأوربية تأثراً أو تقليداً فكانت حصيلة هذا التجاوز تهشيماً
بالمتعارف من الصور الفنية التي اعتاد على خلقها الشعراء وتمًّ
ذلك عن طريقين:
أـ التأثر في شعر الشعراء
الأوربيين حيث يقول د. محسن أطيمش (55) "تأثر الشاعر الحديث
في الشعر العالمي في مجال خلق الصورة وإيجاد العلاقات البلاغية
الجديدة في المجاز والاستعارة من أجل خلق رؤى وصور تتميز بالحداثة
فسنجده يتأثر في شعراء أوربيين معينين، ويتخذ من معطيات شعرهم
مصدراً ونبعاً يغترف منه". أمَّا أشكال هذا التأثر فإن يراه
على شكلين: الأول اقتباس وتضمين. والثاني على شكل إشارة عابرة
ويعلق على الشكل الثاني بقوله: "وكأن مبرر وجودها (الإشارة)
هو الإعجاب الجمالي المحض. وفي هذه الحالة ستكون مثل تلك العبارة
غير فاعلة في القصيدة" ويضرب مثلاً فيقول: "ففي شعر البياتي
تتكرر عبارة "الرجال الجوف" أكثر من مرة. والرجال الجوف هي
عنوان لواحدة من أبرز قصائد الشاعر الإنكليزي (ت.س.إليوت)
كما يتكرر عنوان قصيدة أخرى لـه هي (أربعاء الرماد)
أمَّا الشكل الأول فإن
التضمين يظهر في شعر البياتي نفسه وهو يقول: "لا تجرا فرات
حتى أكمل النشيد" قد أخذه من "إليوت" الذي يقول: أيها التيمز
الحبيب، إجر الهوينا، حتّى أتمّ أغنيتي"(56)
ويقتبس من ناظم حكمت
قوله: "وأجمل الأشياء/ ما هو آت ماوراء الليل من ضياء"
"ومصدر هذه الصورة أبيات
ناظم حكمت: "أجمل أيامنا هي التي لم تأتِ بعد"(57)
وتأثر بدر شاكر السياب
في الشاعر التركي ناظم حكمت حيث يقول السياب في قصيدته "أنشودة
المطر":
"وكل عام حين يعشب الثرى
نجوع/ ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع"
من شعر ناظم حيث يقول(58)
"هنا عالم يحير من يراه/
يموت فيه الناس حين تكثر الغلال"
ومن اليوت أخذ السياب
قوله:
"البحر متسع وخاوٍ/
لا غناء سوى الهدير"
أمَّا قول أليوت في
الأرض اليباب: (59)
"موحش وخالٍ هو البحر"
ويرى د. محسن أطيمش
(أن أغلب الاقتباسات من الصور الشعرية إنَّما يجيء بشكل عابر،
أمَّا وظيفتها ضمن الموضوع الشعري فتوشك أن تكون معدومة" ويضرب
مثلاً في قصيدة سعدي يوسف:
"للنساء اللواتي يرحن
ويغدون في حجرة يتحدثن عن/ ميكائيل انجلو/ للنساء اللواتي
يطالعن أثوابهن ويلبسن قبل المساء الكتب/ للنساء اللواتي يداومن
في التوكالون../"
ويعلق قائلاً: (60)
"ولعل القارئ سيتساءل عن القيمة الموضوعية للاقتباس من اليوت
قوله "في الغرفة النسوة ذاهبات آتيات، يتحدثن عن فنان ولوحات"
ودوره في القصيدة، هذا الدور الذي يكاد يكون غائباً، ولا يبدو
الاقتباس هنا إلا إعجابا وزينة ومدخلاً للحديث الذي سيتراكم
ويتكرر عن النساء اللواتي لا تعجبهن إلا البهرجة والمظاهر
المخادعة"
ب ـ تقليد المذاهب الأدبية
في الغرب. ويمكن أن نتخذ من الرمزية والدادائية والسوريالية
نماذج لتأثير هذه المذاهب في شعراء الحداثة وخلقه هذا التأثر
في تهشيم الصورة الفنية في شعرهم:
1 ـ الرمزية: مذهب أدبي
فرنسي يدعو (إلى عدم التفريق بني العالم الخارجي والعالم الداخلي..
وأن الشعر الذي نحا نحو الرمزية لا يبدو سهل الفهم. وقد يكون
معقداً مغلقاً، وذلك لأنَّ الشاعر صار يستخدم رموزاً وصوراً
لا يدركها القارئ، وقد يصعب عليه فهمها إلا بجهد ومشقة. وتبنوا
لغة للشعر جديدة، وعدم تأييد الذين يقيسون الأخيلة الشعرية
بالمقاييس المنطقية أو يخضعون الشعر للتحليل والتعليل.)(61)
فكيف فهم شعراء الحداثة
الرمز؟ لقد فهموه مقترناً بالأسطورة وهذا ما أثقل على المتلقي
أن يفهم الشعر بعد أن أغلقوا عليه فهم الصورة الفنية فيه دون
أن يرجع إلى الأسطورة، يقول أدونيس:
"أقسمت أن أظل مع سيزيف/
أخضع للحمى وللشرار/ أبحث في المحاجر الضريرة/ عن ريشة أخيرة/
تكتب للعشب وللخريف/ قصيدة الغبار" هذه الصور الشعرية لا يمكن
أن تفهم دون العودة إلى الأسطورة الإغريقية فضلاً عن الشاعر
الذي لم يتعامل مع سيزيف المقولة بل الرمز، (وسيزيف في هذا
السياق يعني شيئاً فردياً بالنسبة لتجربة الشاعر، ولكنه في
الوقت نفسه ـ شأن كل رمز شعري يخاطب ضميراً إنسانياً جمعياً)(62)
2 ـ الدادائية: ـ صنفت
على أنها حركة فنية كان ظهورها نتيجة لما أحدثته الحرب العالمية
الأولى في المجتمعات الأوربية، فتبنى دعاتها (الإبداع الذاتي
والتعبير عن الفردية بأي صورة يراها الفنان أو الشاعر. ولذلك
كثرت طرائق التعبير فيها وانحدرت هذه إلى أن سميت فوق الطبيعة"
(63) ولذا جاء الشعر الذي كتبوه بصور غير مترابطة مع الواقع
أو المجاز. فكان النص جمعاً لألفاظ لا معنى لها، فإن تأثر
فيها شعراء الحداثة فلا ننتظر إلا صوراً مهشمة لا توصل بالمتلقي
إلى رؤية و معنى. ويمكن أن ندرج نصاً لا يختلف كثيراً عمَّا
كتبه الدادائيون، فيقول أحد شعراء الحداثة: (64)
"ينصهر النظام: بالرغم
من/ التدخل الإضافي/ قد ينبغي أن نوهم اللولب/ بكتلة الكثافة/
ولأن كفي تنتشر/ أحدس أن البحر لي/ معاً نسافر الليلة/ لثكنات
الجسد المادي/ وفي المعرفة تكسب المعرفة/ كيمياء الهموم" وقد
علق أحد النقاد قائلاً: "ما يلاحظ على المتن هذا الحشد من
المفردات الرياضية والفيزيائية التي تطفوا على سطحه وتجعل
من لغته لغة بكماء لا تحتمل أي تأويل.. لغة تبدو للوهلة الأولى
مشحونة باستعارات مرتجلة لا تفضي في واقعها إلا إلى دلالات
كامدة" (65) بعيدة حتّى عن الكتابة الآلية كما زعم.
عبد العزيز إبراهيم