من
الأرض اليباب إلى الفردوس الاصطناعي
تتّخذ هذه المقالة
نقطة انطلاقها عدداً من المشكلات المرتبطة بقصيدة ت.س.
إليوت الأرض اليباب، التي ظهرت في شكلها النهائي عام 1922.
وتنتمي الأرض اليباب إلى ذلك الحشد الاستثنائي من الروائع
الأدبية التي شهدتها الفترة حول الحرب العالمية الأولى.
وهو حشد "استثنائي" بسبب كميته، التي تبيّنها
أيّ قائمة تقريبية (جويس وفاليري، ريلكه وكافكا، سفيفو
وبروست، هوفمانستال وموزيل، أبولينير، وماياكوفسكي)، لكنه
أكثر من استثنائي لأن تلك الوفرة من الأعمال شكّلت ـــ
كما اتضح الآن، بعد أكثر من نصف قرن ـــ آخر موسم أدبي
في الثقافة الغربية. فخلال بضع سنوات أعطى الأدب الأوروبي
أقصى ما لديه وبدا على وشك افتتاح آفاق جديدة لا حدود
لها: غير أنّه بدلاً من أن يفعل ذلك، قضى نحبه. ولم يعد
هنالك سوى بضع قامات رفيعة، وكثير من المقلّدين: دون أن
نجد ما يمكن مقارنته بالماضي.
والحال، أنَّ أعمال
إليوت ـــ خاصة الأرض اليباب ـــ تكتسي معناها الكامل في
ضوء هذا النفاد لمبرر وجود الأدب ووظيفته التاريخية ضمن
الثقافة الغربية. فلا شك، أنّ قصيدة العام 1922 تمثّل في
آنٍ معاً ذلك النتاج النموذجي البارز وذلك النتاج "الحدّي"
الذي يثير القلق والانزعاج: ففيها آخر أصداء الرواية التكوينية
وآخر أصداء التقليد الغنائي المتردّي، وفيها برودة التمثيل
المجازي الديني وتقلقل المحاكاة الساخرة، والاقتباس التاريخي
المتبحّر وإرادة بناء منظومة صغرى ثقافية تقوم على ترتيبٍ
أسطوري. ثمّة شيء من كلّ شيء، في حقيقة الأمر؛ وإنّه ليصعب
أن نفهم كيف يمكن تماسك هذا الكل معاً.
هنالك، بالطبع، طريقة
بالغة البساطة، وتالياً شديدة الشيوع، في تفسير هذا الحال:
حيث لا يحتاج المرء لأكثر من اللجوء إلى فكرة الشعر التركيبي
"الجامع" أو "المشتمل على كل شيء"،
تلك الفكرة التي أشار إليها إليوت نفسه في كثير من المواضع(1).
غير أنَّ في هذا ضرباً من التهرّب. فمثل هذا "الاشتمال
على كلّ شيء" (كما سنواصل تسميته في الوقت الراهن)
ينبغي أن يمثّل، بالنسبة للتحليل الأدبي التاريخي، مشكلةً
حقيقية تحتاج إلى توضيحٍ من حيث ضرورتها التاريخية وأسلوب
عملها. أمّا تحويله بِضَرْبٍ من السحر إلى حلٍّ للمشكلة
فلا يفسّر كلّ شيء إلا لأنّه لا يفسّر شيئاً. وهو يسوق المرء
إلى الاعتقاد بأنّ إليوت قد وضع بذلك أساس "حقبةٍ"
جديدة في تطور الأدب؛ في حين يمكن لهذا المرء أن يعلم، إذا
ما كان رصيناً وصاحياً، أنّ العكس تماماً هو الصحيح.
سوف أحاول في هذه
الدراسة أن أطوّر خطّاً مختلفاً من التفكير، وما أطرحه هو
أنَّ الأرض اليباب والترتيب الأسطوري الذي يشكّل عمادها(2)
(والذي سوف أحدد طبيعته) هما، بالقطع، نتاجان ثقافيان مشروطان،
وقلقان، وتقريبيان، والسبب في ذلك هو أنّ إليوت حاول مع
الأرض اليباب أن يحلّ في الميدان الأدبيّ مشكلات كانت تتطلّب
بدلاً من ذلك تأسيس أنظمة جمالية وثقافية جديدة. أي أنّ
إليوت حاول أن يُحْرِزَ مع الشعر نتائج ما كانت لِتُحْرَز
إلا مع الثقافية الجماهيرية, حيث يكون من الطبيعي أن تتّخذ،
في هذا النظام الرمزي الجديد، معاني إ ضافية مختلفة. ويحاول
القسم الثالث من هذه الدراسة أن يقتفي آثار بعضٍ من هذه
التطورات والتحولات. ومع أنّ ذلك يمثّل، شكلياً، نقطة النهاية
التي يبلغها الاستقصاء, إلا أنَّ هذه الصفحات تظلّ افتراضية
إلى حدٍّ بعيد واقرب إلى الأطروحة: غايتها الأساسية الإشارة
إلى أنّ التحليل الأدبي ـــ إزاء عدد من الأعمال الأساسية
في القرن العشرين ـــ لا يمكنه أن "يصل إلى قرار"
إِنْ لم يخرج خارج مجاله "الخاص". وبما أن الأدب
بات في حِلٍّ من بعض الوظائف التي انتقلت إلى أنشطةٍ ثقافية
أخرى، فإنَّ على النقد الأدبي أن "يتعقّب" هذه
الوظائف ويجهد في سَبْر أغوار المعنى الذي يكتسيه هذا التحول.
أعلم أنني إذ أقول هذا أخاطر بفقدان كلّ تحديدٍ منهجي وإطلاق
كلام ضبابيّ وغائم ـــ الأمر الذي لست واثقاً من أنني لم
أجلبه على نفسي ـــ غير أنّ مثل هذه المخاطرة، مع الثقافة
المعاصرة الزلقة المتقلّبة، تستحق أن تُخَاض.
1 ـــ صَوْبَ الأسطورة:
"[المنهج الأسطوري]
هو ببساطة طريقة للتحكّم بتلك البانوراما الهائلة من العقم
والفوضى التي هي التاريخ المعاصر، ولتنظيمها، وإعطائها شكلاً
ودلالةً"(3). هذا واحد من أشهر أقوال إليوت النقدية،
والوصفة النظرية التي تحاول أن تشير إلى البنية العميقة
المشتركة بين بوليسيز والأرض اليباب. وأول ما تجدر ملاحظته
هو أنّ إليوت يؤمن بضرورة المنهج الأسطوري، إلى درجة أنّه
يعزو إليه "الأهمية التي لاكتشاف علمي"، ويقارن
جويس بإنشتين ويرى أنَّ "السيد جويس يتّبع منهجاً على
الآخرين أن يتّبعوه فيه"، لأنّ العالم الحديث لم يعد
من الممكن تمثيله من خلال الشكل الروائي: "إذا لم تكن
[يوليسيز] رواية، فذلك ببساطة لأن الرواية شكل لم يعد وافياً...".
ومع أنَّ هذه ملاحظة عرضية ـــ أقرب إلى جملة اعتراضية ـــ
إلا أنها مفصل حاسم يلقي الضوء على ذلك الطموح وتلك النزعة
"الكلبية" اللذين نظر بهما إليوت، في أوائل عشرينيات
القرن العشرين، إلى الاتجاهات الكبرى في الأدب الغربي. وتتأتّى
الكلبية من أنّ الرواية تُصَفَّى مرّةً وإلى الأبد بتلك
الملاحظة الباردة الجليدية التي ترى أنّها "شكل لم
يعد وافياً"؛ الأمر الذي سيكرّس لـه إليوت الناقد ـــ
وقلّة من النقّاد هم الذين أبدوا ما أبداه من تعدد المواهب
وقدرة على التهام كل شيء ـــ جزءاً مهماً من تأملاته في
العقود التالية. أمّا الطموح فيتأتّى من أننا إزاء رجل يفكّر
على مستوى "الحقب" التاريخية ولا يبدي أي خشية
إذ يحسّ بأنه عند بداية طور جديد، أو وخز ضمير من تخلّيه
عن الشكل الأبرز على مدى قرنين من الحضارة الأوروبية.
ولكن لماذا لم تعد
الرواية وافيةً؟ "لأنَّ الرواية بدلاً من أن تكون شكلاً،
كانت ببساطة تعبيراً عن عصر لم يفقد كلّ شكل بما يكفي لأن
يشعر بالحاجة إلى شيء أشد صرامة"، كما يتابع إليوت.
دعونا نوضح هذا القول. لقد دخلت الرواية أزمتها الأخيرة
("فقد انتهت الرواية مع فلوبير وجيمس"، كما يستنتج
إليوت بعد أسطرٍ ثلاثة) ليس لأسبابٍ من ضمن التطور الأدبي،
بل لأنَّ الحقبة التي جعلت الرواية ممكنةً تعاني أزمةً وقد
تحولت إلى "بانوراما هائلة من العقم والفوضى".
ومع أنَّ إليوت لا يساعدنا كثيراً في فهم خصائص هذه الحقبة
التي استسلمت الآن، إلا أنّ الشيء الوحيد الذي يقوله عنها
واضح تماماً: إنها "عصر لم يفقد كل شكل بما يكفي"،
حقبة كانت قادرة على أن تمنح نفسها شكلاً ـــ نظاماً ـــ
دون أن تلجأ إلى النتاجات الأدبية كنماذج للتنظيم. وليس
مصادفةً أن تُعرَّف الرواية بأنها "تعبير عن العصر":
ثمرة نظام من طبيعة أخرى، ليست شكلاً بالمعنى الدقيق للكلمة،
بل تجلٍّ لشكل أساسي يقع تحتها وترتكز عليه.
ها هنا إطارٌ مرجعيّ
ممكن لكي يأخذ سجال إليوت طريقه إلى مزيدٍ من الوضوح. فحكم
إليوت على حضارة القرن التاسع عشر يتوافق في نقطةٍ أساسيةٍ
مع الأطروحة التي لم تجد صياغتها الكلاسيكية إلا بعد عشرين
عاماً في كتاب كارل بولاني "أصول عصرنا"، ومفادها
أن القرن التاسع عشر شهد تحقق الفكرة القائلة بأنَّ المجتمع
يمكن أن يعمل بطريقةٍ عقلانية ومتماسكة نظراً لوجود آلية
اقتصادية محضة، ألا وهي "السوق ذاتي التنظيم":
أي آلية تسعى إلى غايات اقتصادية وكمية حصراً، وتكون بذلك
متحررة من أي تقييد ينبعث من القيم الرمزية والثقافية. فالمجتمع
في هذا النموذج النظري يعمل باستقلال عن الثقافة ويمكنه
أن يزعم تالياً ـــ وهنا نعود إلى إليوت ـــ أنَّ بناء العالم
الثقافي يمكن أن يكون مرناً نسبياً, ويفسح المجال لظاهرةٍ
مثل الرواية التي نادراً ما تكون مُصَاغةً شكلياً.
ليس هذا بالمكان المناسب
لكي نقرر ما إذا كانت هذه الأطروحة قائمةً على أساس متينٍ
أم لا. والمهم هنا هو أن نلاحظ كيف سيطرت صورة نظرية قريبة
من صورة بولاني على أبحاث كثير من المفكرين الأوروبيين في
العقود الأولى من القرن العشرين بأشكالٍ على هذا القَدْر
أو ذاك من الوضوح. فلو عدنا إلى سنوات الأرض اليباب لَصَعُبَ
علينا أن نمرّ مرور الكرام على التشابه بين بعض منطلقات
إليوت وذلك الاستقصاء الذي أجراه جورج لوكاش قبل بضع سنوات
في كتابة نظرية الرواية. حيث يشير لوكاش، مثل إليوت، إلى
أنَّ مكانة الرواية الشكلية أبعد ما تكون عن اليقين: فالدراما
"بوسعها...، بطبيعتها الشكلية القبليّة. أن تجد عالماً
ربما يكون إشكالياً لكنه يبقى مشتملاً على كلّ شيء ومكتفياً
بذاته. لكن ذلك مستحيل بالنسبة إلى الملحمة العظيمة".
ولكن، هل ثمّة معنى للكلام على "شكل" إنْ لم يكن
"قبلياً"، "متحرراً" إزاء المادة التي
يمارس عليها مقدراته التنظيمية؟ يبدو أن لوكاش يعتقد أَنْ
لا؛ لكنه يواصل قائلاً: "بالنسبة للملحمة، العالم في
أي لحظة معينة هو مبدأ نهائي؛ فهي أمبريقية في أساسها المتعالي
الأعمق، والأشدّ حسماً، والذي يحدّد كلّ شيء... ولا نستطيع
قطّ، ما دامت ملحمةً، أن تتعالى على طبيعة الحياة المعطاة
تاريخياً بما لها من اتساع، وعمق، وكمال، وتنظيم غني ومحسوس...
الملحمة والرواية، هذان الشكلان الكبيران من أشكال الأدب
الملحمي العظيم، تختلفان واحدتهما عن الأخرى ليس بمقاصد
كاتبيهما الأساسية بل بالوقائع التاريخية ـــ الفلسفية التي
يواجهها هذان الكاتبان"(4).
مثل هذه المقاطع وافرة
وغزيرة في نصّ لوكاش. ومع أنَّ نظرية الرواية من الكتابة
متناقضة أشدّ التناقض, وتشيع فيها رواقية تكوينية، يائسة
متهورة ("لقد ابتدعنا إنتاجية الروح... ابتدعنا خَلْقَ
الأشكال...")، إلا أنّه ما من شكّ في أنَّ لوكاش يعتقد
بأنَّ لعنة "العلاقة الضرورية التي لا تنفصم عراها
مع العارض التاريخي الملموس "قد حلّت بمحاولة الروائي
الشكلية: وهذا ما يحبط حتماً كلّ تحقق فعليّ. وبذلك يلتقي
لوكاش وإليوت في نقطة أساسية واحدة على الأقلّ: هي أنّ شكل
الرواية يتوقف على شكل "العهد"، وينحدر معه. وحين
يشير لوكاش، في الصفحات الأخيرة من نظرية الرواية, إلى دوستويفسكي
بوصفه بشيراً مُحْتَملاً بـ"عالم جديد"، فإنَّ
منطقه يجبره على أن يؤكّد بوضوح أن "دوستويفسكي لم
يكتب روايات": وهو تأكيد ينبغي أن يُؤْخَذ بخفة حين
يكون دوستويفسكي هو المعني، غير أنه تأكيد يبدي بقوةٍ تلك
الأعراض التي تميز طموحات لوكاش. فإذا أراد المرء أن يدخل
عهداً جديداً من الضروري أن يهجر الرواية. والمشكلة الآن
أن نفهم أي شكل أدبي سيحلّ محلّها، وبأي وسائل، ولأيّ غايات.
لنعد مرة أخرى إلى
ما قاله إليوت في العام 1923: "[المنهج الأسطوري] هو
ببساطة طريقة للتحكّم بتلك البانوراما الهائلة من العقم
والفوضى التي هي التاريخ المعاصر، ولتنظيمها، وإعطائها شكلاً
ودلالة". ها هو, أخيراً، ذلك "الشكل القَبْليّ":
فثمّة، من جهة أولى، عالم غير عضوي وخالٍ من المعنى، وثمة،
من جهة أخرى، منهج لـ"التحكم"، و"التنظيم"،
وإعطاء "شكل ودلالة". والعلاقة بين العهد والثقافة
التي كانت قد وسمت عصر الرواية قُلِبَت رأساً على عقب: فهنا
العهد بلا شكل تماماً، والثقافة ليست سوى شكل، قدرة تنظيمية
مجرّدة.
غير أنَّ إليوت لا
يقتصر ـــ كما يفعل وورينغر هيولم ـــ على إبراز ما للشكل
الجمالي من طابع مجرّد: "طريقة للتحكم، والتنظيم، وإعطاء
شكل ودلالة". فلعلّ المصطلح الأخير أن يكون الكلمة
المفتاح في مشروع إليوت الشعري. ومن المهم هنا أنَّ الكلمة
هي "الدلالة" وليست "المعنى". فالدلالة
كلمة ثنائية التكافؤ تشتمل على فكرة المعنى لكنها تربطها
بفكرة "الأهمية"، و"الصلة"، و"القيمة"
وتخضعهم لها.
ودارة القِصَر هذه
بين "المعنى" و"القيمة" تضع بحث إليوت
في القلب تماماً من أحد التشابكات المفاهيمية بالغة الإثارة
التي واجهتها الثقافة الأوروبية عند منقلب القرن. وسوف نبدأ
من العام 1892 حيث نشر المنطقيّ غوتلوب فريج مقالةً كُتِبَت
لها الشهرة، وعنوانها: "المعنى والمرجع".
وقد رمى فيها إلى
التأكيد على تمييز مزدوج: أولهما هو ذاك التمييز الذي ينبغي
تتبّعه في الألسنية، وبين المرجع (الشيء الذي "تُرْجِعُ"
أو "تُحِيلُ" إليه العلامة) والمعنى ("طريقة
تمثيل" الشيء)؛ حيث يكون لـ"نجمة المساء"
و"نجمة الصباح" المرجع ذاته، دون أن يكون لهما
المعنى ذاته"(5).
ومع أنَّ اسم فريج
لا يُقْرَن في العادة إلا إلى هذا التمييز الأول، فإنَّ
سجاله لا يتوقف هنا:
"ينبغي التمييز
بين مرجع علامة ومعناها وبين الفكرة المصاحبة. فإذا ما كان
مرجعُ علامةٍ شيئاً تدركه الحواس، فإنَّ فكرتي عنها هي صورة
داخلية، تنشأ من ذكرياتِ انطباعاتٍ حسيّة كنت قد كوّنتها
وأفعالٍ، داخلية وخارجية، كنت قد قمت بها. ومثل هذه الفكرة
غالباً ما تكون مفعمة بالمشاعر؛ ووضوح أجزائها المنفصلة
يتنوّع ويتأرجح. والمعنى الواحد ذاته لا يكون مرتبطاً على
الدوام بالفكرة الواحدة ذاتها، حتى لدى الشخص نفسه. فالفكرة
ذاتية: فكرةُ شخصٍ ما ليست فكرة شخص آخر. والنتيجة، بالطبع،
هي تشكيلة من الفروق في الأفكار المصاحبة للمعنى الواحد.
فالرسام، والفارس, وعالم الحيوان قد يربطون باسمٍ ما أفكاراً
مختلفةً. وهذا ما يقيم تمييزاً أساسياً بين الفكرة المصاحبة
للعلامة ومعنى هذه العلامة، الذي يمكن أن يكون ملكية مشتركة
لكثيرين فلا يكون بذلك جزءاً من طريقة العلم الفردي. ذلك
أن المرء لا يمكنه أن ينكر أنَّ لدى البشر مخزوناً من الأفكار
المنقولة من جيل إلى جيل.
وفي ضوء ذلك، لا حاجة
بالمرء لأن يتحرّج الكلام عن ألــ معنى، أمّا في حالة الفكرة
فينبغي له، بكلامٍ أدقّ، أن يضيف إلى من تعود وإلى أي زمن
تنتمي. ولعلّ بمقدورنا أن نقول: كما يربط شخص هذه الفكرة،
وآخر تلك الفكرة، بالكلمة الواحدة ذاتها، كذلك يمكن لشخص
أن يقرن بها هذا المعنى، ولآخر ذاك المعنى. غير أنّه يبقى
هنالك اختلاف بطريقة الربط. فليس ممنوعاً على هذين الشخصين
أن يلتقطا المعنى الواحد ذاته؛ لكنهما لا يستطيعان أن يمتلكا
الفكرة الواحدة ذاتها"(6).
تطرح هذه الجُمل المشكلةَ
بمصطلحاتها الأساسية. فالأمر لا يقتصر على اختفاء كل توافق
طبيعي بين المعنى والمرجع، أي بين اللغة والواقع، بل يتعدّى
ذلك إلى أنَّ العالم اللغوي ـــ الثقافي ذاته ينشطر بين
استقرار المعاني النسبي ويقينيتها وبين العشوائية المطلقة
التي تَسِمُ ما يدعوه فريج بـ"الأفكار"، أو ما
سيطلق عليه ماكس فيبر بعد بعض سنوات، متّبعاً خطاً مشابهاً
من التفكير في مجالٍ مختلفٍ، اسم "القيم". ويمكن
مواجهة هذا الوضع الذي رسمنا خطوطه العريضة بطريقتين متناظرتين
تماماً. فمن جهة أولى، يمكن للمعنى والفكرة ـــ القيمة أن
يظهرا قريبين جداً واحدهما من الآخر ومختلطين، مما يجعل
من الصعب التمييز بين حق المعنى (الذي يصبو إلى اليقين العلمي)
وحقل القيم (الذي يتّسم بمبادئ وأهداف مختلفة تماماً). ومن
جهة أخرى، فإنّ العلاقة بين المعنى (الذي يتّصف عند فريج
بأنه بين ذاتيّ على نحوٍ جوهري) والقيمة (التي تشتمل بخلاف
ذلك على أعمق الدوافع الفردية) لا تعود راسخةً وأحادية بما
فيه الكفاية، ولا يعود بالإمكان ضمان أي تلاحم ثقافي أو
استمرارية ثقافية: سواء على المستوى الاجتماعي أم على المستوى
الفردي: ذلك أنَّ "المعنى الواحد ذاته لا يكون مرتبطاً
على الدوام بالفكرة الواحدة ذاتها، حتى لدى الشخص نفسه".
ولقد قارب "ماكس
ويبر" الجانب الأول من هذه المسألة، ورأى أنَّ من الضروري
أن نعلم أنّ ذاتية القيم توجّه كلَّ نشاط فكري ولا يمكن
التخلص منها: وبذلك يكون من الحتمي أن تدخل مُثُلنا "في
صراع مع مُثُلٍ أخرى مقدّسة لدى آخرين بقدر تقديسنا لمُثُلنا"(7).
وإذا ما كان ذلك صحيحاً، فإن مهمة الثقافة تتمثّل في معرفة
أنّ "هنالك وسيبقى على الدوام... تمايز لا سبيل إلى
سدّه [بين]... تلك الضروب من الحجاج التي تركن إلى قدرتنا
على أن نتحمّس لأهداف عملية ملموسة أو أشكال وقيم ثقافية
وأن نحققها ... و... تلك الضروب من الحجاج التي تركن إلى
قدرتنا على، وحاجتنا إلى، أن ننظم الواقع الإمبريقي تحليلاً
بطريقة تدّعي الصِّحَّةَ كما لو كانت حقيقةً أمبريقية تجريبية"(8).
وكما هو معروف، فإنَّ
بحث ويبر، على الرغم من إقراره بأنَّ كلّ تحليل اجتماعي
ـــ تاريخي مدفوع بـ"مصالحنا" أو "قيمنا"،
إنّما يتعمّق في الجانب الثاني للمشكلة، ويحدّد تلك المعايير
التي يمكن أن تضمن لضروب الحجاج العلمي "الصِّحَّةَ
كما لو كانت حقيقة أمبريقية تجريبية"(9). وهذا يعني
أنّ ويبر يهدف إلى تحديد ذلك الانفصال بين حقل المعنى وحقل
القيم. غير أنّه قبل عامين فقط على مقالته، كان "هيوغوفون
هوفمان ستمال" قد استكشف الجانب الآخر للمشكلة. ذلك
أنَّ "رسالة اللورد تشاندوز" تتّبع تفكير فريج
خطوة خطوة، إنّما بنبرةٍ سوداوية يستدعيها ضرب من الوحدة
الضائعة: "حالي، باختصار، هو التالي: لقد فقدت تماماً
كلّ قدرةٍ على التفكير بأيّ شيء أو الكلام عليه بصورة متماسكة.
في البداية راح يتنامى
عجزي التدريجي عن مناقشة أيّ موضوع رفيع أو عام من ذلك النوع
الذي يريد الجميع، بكلّ طلاقةٍ ومن غير تردد، أن ينتهز فرصته.
وعشت نفوراً لا سبيل إلى تفسيره من نطق كلمات مثل الروح،
أو النفس، أو الجسد... تلك المفردات المجردة التي ينبغي
على اللسان أن ينتهز وجودها في إطلاق حكم، كانت "تتكرمش"
في لساني مثل فطرٍ عفنٍ...
كنت أمتلئ بغضبٍ لا
سبيل إلى تفسيره، ولا سبيل إلى إخفائه إلا بصعوبة، حين أسمع
أشياء مثل: لقد سارت الأمور على ما يرام أو بصورة سيئة بالنسبة
لهذا الشخص أو ذاك؛ العمدة ن شخصٌ رديء، القس ت رجل صالح؛
المزارع م يثير الشفقة، فأبناؤه أشخاصٌ مبذّرون؛ وسواه يثير
الحسد لأنَّ بناته مقتصدات؛ إحدى العائلات ترتفع مكانتها،
وأخرى آخذة في التدهور. كلّ 1ذلك يبدو متعذراً على الشرح،
كاذباً وفارغاً إلى أبعد الحدود. وأجبرني عقلي على أن أرى
كلّ ما يجري في مثل هذه الأحاديث من مسافة قريبة إلى حدٍّ
غريب... لم أعد أُفلح في فهم [البشر وأفعالهم] ببساطةٍ كما
كنت معتاداً. وبدت لي الأشياء جميعاً مفكّكة إلى أجزاء؛
ولم يعد أي شيء قابلاً لأن تحيط به فكرة واحدة. وراحت تعوم
حولي كلمات مفردة؛ وتحدّق فيَّ بعيون جامدة وتضطرني لأن
أحدّق فيها، دوامات كانت تصيبني بالدوار وأظلّ أترنح دون
أن أقبض إلا على الفراغ.
حاولت أن أخلّص نفسي
من هذه المحنة باللجوء إلى عالم الأقدمين الروحي... أَمِلْتُ
أن تعيد إليَّ صِحَّتي أفكارهم المرتَّبة واضحة الحدود.
غير أني لم أستطع أن أشقّ طريقي إليها. لقد فهمت جدياً تلك
الأفكار: رأيت تفاعلها الرائع يرتفع أمامي مثل ينابيع فاخرة
تتراقص فوقها كرات ذهبية. استطعت أن أحوم حولها وأراقب كيف
كانت تلعب، واحدتها مع الأخرى، غير أنها لم تكن معنيّة سوى
ببعضها بعضاً، وظلّت تلك الخاصية الأعمق، والأشدّ شخصيةً
في تفكيري مُقْصَاةً عن هذه الحلقة السحرية. وطغى عليَّ
برفقتها إحساسٌ رهيب بالوحدة؛ شعرتُ كما يشعر شخص حبيسُ
حديقة محاطة بتماثيل بلا عيون"(10).
تلك هي أطوار عدمية
تشاندوز: في البداية تفقد اللغة كلّ عفوية بالنسبة لمستخدمِها؛
ثمَّ يدرك هذا الأخير طبيعتها "الكاذبة والفارغة"
بالمقارنة مع الواقع؛ وأخيراً، وهذه هي الخطوة الحاسمة،
فإنَّ التماسك المفاهيمي، على الرغم من سريانه في مجاله
وفيما يتعلّق بأهدافه، يبدو الآن عاجزاً عن التوحّد مع "تلك
الخاصية الأعمق، والأشدّ شخصية في تفكيري". فلا يعود
بمقدوره أن ينتج قيمة: أي أن يؤسّس موقفاً من العالم، ضمن
العالم. وسوف نصادف هذه الحالة بعد عشرة أعوام، في المرثاة
الأولى من مراثي دوينو:
غريبٌ، حقاً، أن يكفّ
المرء عن الإقامة في الأرض،
أن يكفّ عن ممارسة
عادات لم يكد يكتسبها؛
ألا يسبغ على الورود،
وسواها من الأشياء الواعدة،
معنى المستقبل البشري؛
أن يكفّ عمّا اعتاد
أن يكونه، في أكفٍّ لا نهاية لقلقها؛ وأن
ينبذ حتى اسمه،
مثلما تُنبَذ لعبة
محطّمة.
غريبٌ، ألا يواصل
المرء أمانيه. غريبٌ
أن يشهد انحلال الصلات
جميعاً
متطايرةً في الفضاء.
وشاقٌّ أن يموت...(11)
وفي حين تمثّلت المشكلة
لدى "ويبر" بإبقاء السيطرة على طبيعة "القيم"
النهمة المتخلّلة كلّ شيء، فإن العكس هو الصحيح لدى كلٍّ
من هوفمانستال وريلكه. فما يفزعهما ليس تلك القدرة الكلية
التي يحوزها النشاط الرمزي لدى الإنسان بل غيابها: "انظروا،
الأشجار موجودة؛ والبيوت/ التي نسكنها ـــ لا تزال قائمة.
نحن وحدنا نمرّ بها/ مثل نسمة عابرة" (مراثي دوينو،
2، الأبيات 39 ـــ 41). فالمفاهيم تضفر "تفاعلها الرائع"
لكن ذلك لم يَعُد يعين تشاندوز في إضفاء دلالة على العالم.
تلك هي رحم "الكابح"
الاستثنائي الذي كان يكبح عالم الأدب النمساوي عند منقلب
القرن(12): تَحَفُّظُ من أ درك مدى العقم الذي ينطوي عليه
أن تُسْقِطَ على العالم ظلال رغباتك الخاصة المُطَمْئِنَة.
وقد يكون لهذا العالم معنى، لكنه بلا معنى بالنسبة لنا:
فقد ضاع بدون عودة ذلك التوافق بين القيم والواقع. ويلاحظ
فرويد في كتابه الحضارة ومنغصاتها أنّ "المرء لتساوره
الرغبة في القول إنّ خطة "الخلق" لا تشتمل حتى
على نية أن يكون الإنسان سعيداً"(13).
هذه الاعترافات الجذرية
بـ"انقشاع الأوهام" حيال العالم الإنساني هي الخلفية
التي تكتسي قبالتها محاولة إليوت بمعناها الكامل. فهو يريد
للقارئ أن يشعر بـ"الراحة" من جديد: بردم الهوة
بين المعنى والقيم والواقع. ذلك هو هدف نظرية "المعادل
الموضوعي"، تلك النظرية التي تمثّل معقلاً آخر من معاقل
فكر إليوت: "إنَّ السبيل الوحيد للتعبير عن الانفعال
في شكل فني هو بإيجاد "معادل موضوعي"؛ أو بعبارة
أخرى، مجموعة من الموضوعات، أو موقف، أو سلسلة من الأحداث
التي يمكن لها أن تكون صيغةً لذلك الانفعال المحدّد؛ بحيث
يُثار الانفعال على الفور ما إنْ تُقَدَّم تلك الوقائع الخارجية،
التي لا بدَّ أن تنتهي بخبرات حسية"(14).
والقصد هنا واضح,
على الرغم من لغة إليوت النقدية المرواغة دوماً: الشكل الفني
هو الوسيلة التي تعيد الارتباط بين التعبير والانفعال، بين
المعنى الموضوعي الاجتماعي والقيمة الذاتية. وليس مصادفةً
أنّ معظم شعر إليوت الباكر يمثّل محاولةً ـــ فاشلةً، في
حينها ـــ لإقامة ذلك الارتباط. "من المستحيل أن أقول
ما أعنيه تماماً"؛ "وعليّ أن أستعير كلَّ هيئة
متغيّرة / لكي أجد تعبيراً"؛ "بعد معرفةٍ كهذه،
أي غفران يُرتجى؟"(15). هذه الأبيات علامات على ضرب
من الجمود أو استحالة الحركة، ظلَّ قائماً حتى العام 1922،
حين كان إليوت لا يزال يستخدم ما ينطوي عليه "الصوت
الفردي" من وظيفةٍ غنائية تقليدية. ومع أنَّ هذا الصوت
راح يحتجب ويفقد فرديته شيئاً فشيئاً ـــ من بروفروك إلى
السارد الغفل في لوحة وجيرونشن ـــ إلا أنه ظلَّ حاضراً،
من وجهة نظر النحو والثقافة، بوصفه "أنا": الذي
ليس سوى واحد من الذوات الكثيرة التي يمكن أن تستخدم اللغة.
وهو عنصر يظلَّ على علاقةٍ جزئيةٍ وعارضةٍ بعالمي المعنى
والقيمة، ولذلك لا يمكن أن يطمح إلى أن يكون حاملاً تلك
الرابطة التي تصحّ على الجميع والتي أراد إليوت ـــ في مقالته
عن هملت كما في مقالته عن يوليسيز ـــ أن يقيمها بين هذين
الحقلين. ولكي يحقق هذا الهدف كان عليه أن يبلغ الأرض اليباب،
وتلك السِّقالة الأسطورية التي تشكّل أساسها.
غالباً ما توصف الأرض
اليباب بأنها "عمل جامع": كما لو أنها قادرة على
استيعاب كلّ ضربٍ من ضروب المواد مهما اختلفت وتغايرت، والكلام
على كلِّ ما في الوجود دون أن تقيم أيّ تمييز بين "الأساليب"
أو المستويات. ومن الواضح تماماً بالنسبة لي أنَّ هذا ليس
سوى تبرير ساذج: لكننا، إذا ما استطعنا أن نترجمه بمصطلحات
نقدية أشدّ صرامةً، نجد أنه ينطوي على بذرة من الحقيقة.
ذلك أنَّ الأرض اليباب تشيع الإحساس بأنها "جامعة"
ليس لكونها تحتوي "كلّ شيء"، بل لأنَّ لعناصرها
جميعاً، علاوةً على معناها "العادي" إلى هذا الحدّ
أو ذاك ـــ والذي لا يمكننا سوى على أساسه أن نعتبر هذه
العناصر متغايرة وتفتقر إلى العلاقات المتبادلة ـــ معنىً
مجازياً آخر يُسْتَمَدُّ من البنية الدلالية العميقة للقصيدة,
حيث تكون هذه العناصر، على العكس، متجانسة ومترابطة. وبعبارة
أخرى: ثمّة سُنَّة في الأرض اليباب تتيح تمثّل عناصر مستمدّة
من سنن مختلفة: والصفة "الجامعة" التي تظهر على
سطح القصيدة هي نتيجة هذا الإجراء الشكلي العميق: حيث يعمل
هذا الإجراء، بدوره وبصورةٍ جوهرية، كنظام أسطوري: "تكمن
الوظيفة الدلالية لأسطورة تكمل في قدرتها على أن تبيّن أنّ
ثمّة تشاكلاً دقيقاً بين أنظمة مختلفة (كالنظام الكوني،
والثقافي، والحيواني، والمناخي، والاجتماعي...، على سبيل
المثال) ... كلّ أسطورة... ينبغي النظر إليها بوصفها سنّة
بينية حقيقية مُقَدَّر لها أن تتيح إمكانية التحول المتبادل
بين المستويات المختلفة"(16).
هذه، إذاً، أولى تجليات
"المنهج الأسطوري" الشهير: ففي الأرض اليباب يُخْلَق
نظام حقيقي من التشابهات الدلالية، مختلف تماماً عن الاستعارات
(ولعله أشدّ "كذباً" من بعض النواحي) التي نجدها
في القصائد الباكرة، التي كانت مناسباتية صرف،ن وعاجزةً،
إذاً، عن أن تفرض معنى موحَّداً على مكوّنات النصّ المختلفة.
بيد أنّ الأمر لا ينتهي هنا فالنظام الأسطوري، بسببٍ من
قدرته على إقامة صلاتٍ منتظمة بين مستويات التجربة الإنسانية
المختلفة، يحلّ أيضاً تلك العلاقة الإشكالية بين التعبير
والانفعال، والمعاني والقيم، والوصف والتقويم: "تقيم
رموز العقل البريّ صلةً بين مستويين متميزين: بين مستوى
صور الكائنات الطبيعية وخصائصها الحسية من جهة أولى ومستوى
المعاني التي تنسبها كلّ سنّة رمزية إلى عناصر العالم الطبيعي
المختلفة من جهة ثانية... وهذه الخصوصية تنتج أيضاً ذلك
الضرب من المراوغة الإيديولوجية التي تلعب دوراً مركزياً
في الفكر الأسطوري... إنه لمن السهل أن نُسَاق إلى الاعتقاد،
في حالة الأسطورة، بأنَّ المعاني متأصّلة بطبيعتها في الأشياء،
وبأنها مستقلّة إذاً عن كلّ إرادةٍ بشرية وكل تدخّل بشري"(17).
وفي صيغةٍ تلخيصية
نستمدّها من كلود ليفي شتراوس: "لا يميّز الفكر البرّي
بين لحظة الرصد ولحظة التأويل..."(18). وهنا يمكن لنا
أن نقفل الجزء الأول من سجالنا. فاستخدام النظام الأسطوري
يتيح لإليوت أن يطور برنامجاً شعرياً يهدف إلى برء واندمال
ذلك الانقسام بين أحكام الواقع وأحكام القيمة، أن يقيم مكانه
شكلاً من الاتصال والإدراك لا يمكن فيه التمييز بين الحالتين.
كما يتيح ذلك أيضاً حلّ المشكلة الأساسية في كتاب لوكاش
"نظرية الرواية": كيف يمكن أن نعيد بناء صورة
للعالم بوصفه "كلّية ملموسة" تتجدد فيها "محايثة
المعنى" الكاملة: أي يكفّ فيها المرء عن ملاحظة ذلك
التباين بين العالم "كما هو عليه"، كمعطىً أمبريقي،
و"مُثُله" الخاصة. فبذلك يغدو هذان المستويان
متعالقين أصلاً: تغدو المُثُل راسخة أصلاً في بنية العالم
كما يقدّم ذاته للإدراك، ذلك أنَّ النصّ الأدبي يصف مساراً
تأويلياً يتوحّد فيه "الفهم الموضوعي" مع إجماع
الآراء المثالي، أو "إرضاء ذاتية" القارئ(19).
ولو عدنا خطوة إلى
الخلق، فإنَّ الأسطورة تضمن أن تكف الثقافة عن كونها مجرد
بنية فوقية إزاء "الحياد" الرمزي ـــ وتالياً
الاضطراب المحتمل ـــ الذي يبدو عليه الوجود التاريخي: بل
تقدّم ذاتها على أنها نظام قيمة يتخلّل "الدلالة"
ويسبغها، وبذلك يؤنسن كلّ تجليات ذلك الوجود. وسوف نرى أنَّ
العلاقة بين التاريخ والقيم، بين الزمن والأسطورة، تشكل
حجر الزاوية في الأرض اليباب.
2 ـــ على طاولة مدام
سوزوستريس
واحدٌ من أول الأشياء
التي تلفت الانتباه عند قراءة الأرض اليباب هو حمولتها الهائلة
من المراجع والإحالات الأدبية. وسواء كانت هذه المراجع مقتبسات
فعلية، حاضرة بما يشير إلى أنها كذلك (الأقواس أو الإشارات
التي تشير إلى أبيات مستمدَّة من أعمال أخرى، دون أن تُنْسَب
في العادة إلى أي من "أصوات" القصيدة)؛ أو مقتبسات
"مُعَدَّلَة" وضمنية، لم يُنَقَّب عنها إلا بعد
عقود من العمل النقدي الدؤوب والصبور (كما هو الحال في الأبيات
الثلاثين الأولى من القسم الثاني)، فإنّه يبقى هنالك شيء
واحد أكيد: دون مثل هذه السِّقالة الأدبية ما كان يمكن تصوّر
الأرض اليباب.
ولقد سبق للنقد أن
أوّل لجوء إليوت إلى شذارتٍ مُسْتَمَدَّة من التقليد الأدبي
بطرائق شتّى كثيرة. غير أنّ أحداً، على حدّ علمي، لم يَرَ
في ذلك واحداً من الإجراءات النمطية ـــ بل الاضطرارية ـــ
التي يلجأ إليها المنهج الأسطوري الشهير. ومما يلقي الضوء
على هذا الأمر الفصل الأول في كتاب "كلود ليفي شتراوس"
الفكر البرّي؛ إِذْ يمكن على نحوٍ مبرَّر ومنطقي أن نوسّع
التشابه بين البناء الأسطوري والحرتقة بحيث يمتد إلى الأرض
اليباب. فإليوت، مثل المُحَرْتِق ينتزع عناصر معينة (جملاً
أو أبياتاً في الغالب) من كلّيات منظّمة لها طبيعتها المختلفة،
مختاراً منها على وجه الدقة تلك العناصر القادرة على أن
تؤدي، ضمن البنية الجديدة التي هي الأرض اليباب، وظيفةً
جديدة، تبتعد إلى هذا الحدّ أو ذاك عن وظيفتها الأصلية.
"الفكر الأسطوري، ذلك "المُحَرْتِق"، يقيم
بنىً عن طريق الملاءمة والجمع بين أحداث، والأحرى بقايا
أحداث... شواهد متحجّرة على تاريخ فرد أو مجتمع"(20).
يستخدم ليفي شتراوس هنا مصطلح "البقايا"، وهو
مصطلح دأب نقّاد إليوت على استخدامه بالقدر ذاته من الغموض.
غير أنَّ التحليل الذي نجده في الفكر البرّي قد يساعد على
إيضاح معنى هذا المصطلح: فلو اتّبعنا تسلسل أفكار "ليفي
شتراوس"، لوجدنا أنَّ "الشذرة" التي يستخدمها
الخطاب الأسطوري (والأرض اليباب) كيانٌ ذو وجهين أو جانبين.
حيث يمكن أن ندعوها "شذرة" ـــ ونشدد بذلك على
عدم اكتمالها وصعوبة مغاليقها ـــ حين ننظر إلى سياقها الأصلي:
وما يبرز للعين، في هذه الحالة، هو ضياع المعنى، وذلك البتر
الذي خضع لـه العنصر المعنيّ. أمّا حين ننظر إليها في سياقها
الجديد، فنصادف حالةً مختلفةً تماماً؛ إِذْ تغدو "الشذرة"
وظيفةً: فما يلفت الانتباه ليس أنّها منخلعة ومنهوشة، بل
أنها تمتلك معنى ودوراً واضحين دقيقين، وأنّها تسهم على
نحوٍ فاعل في تركيب كُلٍّ مُنَظَّمٍ جديد.
كذلك تتكشف مواد بناء
الأرض اليباب وتبين عن ذاتها في ضوءٍ مزدوجٍ ومتكامل في
آنٍ معاً: فهي "شذرات" و"معانٍ غير مكتملة"
حين يُحْكَم عليها بالإحالة إلى التقليد الأدبي؛ وهي "وظائف"
و"دوال وافية" حين يتحول الاهتمام إلى القصيدة،
أو إلى الأسطورة. وبذلك يعمل بناء الأرض ليباب على إدراج
القارئ في ضربين متزامنين من التقويم: فهو، من جهة أولى،
يجعل التاريخ يبدو حطاماً متراكماً، وسيرورةً نابذةً وغير
مفهومة؛ وهو، من جهة ثانية، يقدّم البنية الأسطورة كنقطة
ارتكازٍ وإعادة تنظيم لهذا التسلسل الذي لا نهاية له. هكذا
يبدو الحسّ التاريخي والإيمان بالأسطورة معيارين للتقويم
متناسبين عكسياً: فكلما بدا الماضي بلا معنى أو اتجاه، ازدادت
قدرة حاضر الأسطورة الأبدي على امتصاص كلّ طاقة دالّة وإدراجها
ضمنه. ويلاحظ ليفي شتراوس أنَّ "...الغايات القديمة
هي التي تُسْتَدْعى على الدوام لتلعب دور الوسائل: وبذلك
يتحوّل المدلول إلى دالّ..."(21) وباختصار: إذا ما
كان العالم الغربي قد طوّر ـــ بخلاف "الفكر البري"
ـــ ثقافة ذات تاريخ، فإنَّ ذلك لا تكون لـه قيمته في عينيّ
إليوت إلا بقدر ما يمكن تفكيكه، واستخدام بقاياه في بناء
أسطورة"(22).
وهذا خَفْضٌ جذريّ
لقيمة التاريخ لا تكفي لتفسيره ميول إليوت المحافظة. فالهدف
الحقيقي لـ الأرض اليباب ليس إضفاء طابع المثال على أي عهد
سابق محدَّد بغية التنديد بالحاضر أو أيّ ملمح من ملامحه،
ثمّة شيء آخر في موضع الرهان: هو قَلْبُ تلك الطريقة التي
تنظر بها الحضارة الغربية إلى السيرورة التاريخية رأساً
على عقب. فالتاريخ ينبغي أن يُكَفَّ عن النظر إليه بوصفه
مُبْرماً فيما يتعلّق بالماضي، وبوصفه غير قابل للتنبؤ به
فيما يتعلّق بالمستقبل، بل ينبغي النظر إليه على أنّه آلية
دورية، وساكنة، إذاً, في جوهرها: فهي تفتقر إلى بُعْدٍ زمنيّ
حقيقيّ. وهذا التاريخ "السرمدي" لابدّ أن يكون
لـه عندئذٍ معنى مختلف جداً عن ذلك المعنى الذي يُنْسَب
إليه في العادة. ولن يكون عندئذٍ ذلك النطاق الذي تولد فيه
قيم مختلفة، وتواجه بعضها بعضاً، وتزول في صراعٍ متواصل
يستحيل التنبؤ بنتيجته. وسوف يكفّ عن كونه ذلك التجلي الصريح
للكيفية التي تكون بها كلُّ قيمٍ مفردة وثابتة، بتنويعاتٍ
لا قيمة لها ويمكن تجاهلها. وسيكون أيضاً "موضوعياً"،
على طريقة البنية الأسطورية: ففي هذه البنية، يكون لكلِّ"
فعل إنساني ممكن معناه الخاص القَبْليّ والوحيد، والذي يُعْرَف
ويُقْبَل كونياً على أنه كذلك. وهكذا لا يكون "إيقاف"
التاريخ سوى الخطوة الأولى، والوسيلة الضرورية، على طريق
تحقّق مشروع أشدّ طموحاً بكثير: استعادة ثقافة مفردة, موحَّدة,
وقاطعة إذا جاز القول.
"ثمّة، إذاً،
ضَرْب من التنافر الأساسي بين التاريخ وأنظمة التصنيف. وهذا
ما قد يفسّر ما يعزى بتسميته الخلاء الطوطميّ"، ذلك
أنَّ هنالك غياباً ملحوظاً ضمن حدود الحضارات الكبرى في
أوروبا وآسيا لكلّ ما يمكن أن يحيل إلى الطوطمية، حتى لو
كان على هيئة بقايا. ولا شكّ أنّ السبب في ذلك هو أنَّ هذه
الحضارات اختارت أن تفسرّ ذاتها بواسطة التاريخ، ومثل هذا
المسعى لا ينسجم مع ذلك التصنيف للأشياء والكائنات (الطبيعية
والاجتماعية) في مجموعات متناهية. كلّ المجتمعات في التاريخ
في حالٍ من التغيّر. لكن المجتمعات ترتكس لهذا الشرط المشترك
بطرائق مختلفة جدّاً. فبعضها يقبله، عن طيب خاطر أو عن سواه،
وتسترعي نتائجه (عليها وعلى غيرها من المجتمعات) قسطاً هائلاً
من الاهتمام. أما بعضها الآخر (ممّا ندعوه بالبدائي لهذا
السبب) فيريد أن ينكره ويحاول، بمهارةٍ نستخفّ بها، أن يجعل
حالة تطوره، التي يعتبرها "قَبْلية"، دائمةً قدر
الإمكان"(23).
في لندن ما بعد الحرب،
شرع إليوت بهدم هذا الجانب على وجه التحديد من جوانب الحضارة
الغربية. فإذا ما كانت الأسطورة، حيث تلتفت إلى الماضي،
تُفْسِدُ ترتيب مجرى التاريخ إلى درجة أنه لا يعود بالإمكان
التعرّف إليه فإنها حين تلتفت إلى المستقبل تكون الأداة
المثلى لانتقاء الأحداث التاريخية مسبقاً، وتخليصها بذلك
من كلّ انعدام لإمكانية التنبؤ بها. وإليوت لا يخضع بأي
حال من الأحوال لفتنة "السعي وراء الجديد": وهنا
يمكن، بالمناسبة، قياس المسافة التي تفصله عن الطليعيين,
الذين التزم إزاءهم الصمت المطبق. ذلك أنَّ "الجديد"
لا يمكن قبولـه إلا إذا أُدْرِجَ في إطار رمزي يهبه موقعاً
ومعنى قَبْلياً، على نحوٍ يحيّد جدّته بأشدّ ما يكون التحييد.
ومن المؤكّد أنَّ
إليوت لم يكن الوحيد الذي اتّبع هذا السبيل، فصورة التاريخ
ـــ تاريخ الماضي، كما تاريخ المستقبل ـــ التي تنطوي عليها
بنية الأرض اليباب العميقة كان قد سبق لها، قبل عدد من السنوات،
أن وجدت تجسيدها القوي في عمل تأريخي على وجه التحديد: هو
تدهور الغرب لأوزوالد شبنغلر. حيث يقول هذا الأخير: "تنتمي
الرؤيا التاريخية الحقيقية... إلى ميدان الدلالات [يستخدم
المترجم الإنجليزي المصطلح ثنائي التكافؤ الذي استخدمه إليوت
في مراجعة يوليسيز]، الذي لا تتمثّل الكلمتان الحاسمتان
فيه بـ"الصحيح" و"الخاطئ"، بل بـ"العميق"
و"الضحل"... الطبيعة تُعالَج علمياً، أمّا التاريخ
فشعرياً"(24). هكذا تعود تشكّلات القيمة ـــ ثابتة
دون تبديل ـــ في كلّ عهد تاريخي: حيث يكمن الطموح العظيم
لكتاب تدهور الغرب في "إظهار أنّ الإبداعات والأشكال
العظيمة جميعاً دون استثناء في الدين، والفن، والسياسة،
والحياة الاجتماعية، والاقتصاد، والعلم تظهر، وتتحقق، وتخمد
على نحوٍ معصرن [وأشخص العصرنة بكل واقعتين تاريخيتين تحتلان
في ثقافتيهما موقعين ـــ نسبيين ـــ متماثلين تماماً، فيحوزان
تالياً أهمية متساوية تماماً"] في جميع الثقافات؛ بحيث
تتوافق البنية الداخلية لكلّ منها ذلك التوافق التام مع
بنى الأخرى جميعاً..."(25).
يتمثّل الوجه اللافت
بين أوجه هذا الخطّ من التفكير في أنّ مبدأ السببية
ـــ الذي يشكّل الأساس
الحقيقي لكلّ تأريخ يتّسم بأيّ قَدْر من الطموح العلمي ـــ
يختفي من دون أثر. فما من حدث في اللوحة العامة التي يرسمها
شبنغلر وإليوت يمكن أن يكون قادراً قطّ على تشكيل "مشكلة"
يقتضي حلّها تحديد الأسباب التي تقف وراءها، وذلك لأنَّ
الأحداث جميعاً معروفة مسبقاً، وجميع نتائجها موصوفة ومحدّدة.
إنه عالم مسحور: لا شيء يحدث فيه. وهذا السكون على وجه التحديد
هو ما يسبغ الفتنة والسحر على صور "التاريخ" هذه.
وهو، كما لاحظ لوسيان فيفر، "ما جلب النجاح لشبنغلر.
ليس نجاح المؤرّخ الذي يحلل ويستنتج، بل نجاح المتنبئ والساحر،
والرائي... فالقارئ العادي يُؤخَّذ بتملّق حبّه الفردي والراهن
لذاته. ومن المؤكَّد أنّه، كبرجوازي صغير بروسيّ أو ساكسوني،
ليست لديه تلك الروح الفاوستية؛ لكنه يتوق إليها ويتوهّم
أنه يمتلكها..."(26).
هكذا يقدّم شبنغلر
وإليوت لقارئهما فرصة المساهمة في عودة القرون الأثرية والمتحجّرة.
فيشعر مرّة أخرى بأنه منغمس في جوٍّ مُفْعَمٍ بالمصير: قد
ضاعت كل حرية، من غير شكّ، لكن الوجود يستعيد تلك الهالة
الرمزية والمترعة بالمعنى التي بدا أنها فُقدت دون رجعة.
والتعطّش إلى المصير هو نقطة الانطلاق في ذلك المقطع الذي
لعلّه أشهر المقاطع في الأرض اليباب، مقطع كشف الطالع الذي
تقوم به البصّارة المشهورة مدام سوزوستريس (الأبيات 43 ـــ
59). فعلى طاولة البصّارة، يتّخذ مثال التاريخ الدوريّ شكله
الأبرز، وتجد الشخصيات، والمواقف، والتطورات نفسها قائمة
في تشكيل يتحكم به التزامن: ورقة تحت أخرى، أو إلى جانب
أخرى، في ترتيبٍ يذكّر بطريقة تنظيم المواد الأسطورية التي
أَحْكَمَهَا ليفي شتراوس لكي يفسّر المفارقة الزمنية المتأصّلة
في الأسطورة، حيث يتصف الزمن الأسطوري بأنه "مُرْتَجَع
ومُبْرَم في آنٍ معاً، تزامني وتعاقبي"(27). وهي مفارقة
لا يمكن حلّ عقدتها إ لا بـ"ترجمة" تدفّق الزمن
إلى حدود مكانية، أي إلى ذلك البعد الذي لا يعرف أيّ زمنية.
"الزمن، يا بنيّ، يغدو هنا مكاناً": لعلها ليست
مصادفة أن نجد هذا البيت في بارسيفال "لواغنر"،
ذلك العمل الذي يدور أيضاً حول الكأس المقدسة، قبل الأرض
اليباب بأربعين سنة.
طاولة مدام سوزوستريس
هي مركز الأرض اليباب. ومثل آلاف الحضارات في فلسفات التاريخ
الدوريّة أو سلاسل الفكر الأسطوري المتناهية والمتشاكلة،
فإنَّ الأبراج ورموز ورق "التاروت" تتبدّى بذلك
الانتظام الثابت، ضمن نظام مهيب وأليف في آنٍ معاً. ولقد
لاحظ أدورنو أنّه: "بِقَدْرِ ما يكون النظام الاجتماعي
"قَدَرَاً" لمعظم الأفراد مستقلاً عن إرادتهم
ومصلحتهم، فإنّهم يسقطونه على النجوم لكي يحرزوا بذلك درجةً
أعلى من الكرامة والتبرير يأمل هؤلاء الأفراد أن تكون لهم
حصتهم فيها"(28). إنَّ إعادة تكريس التجربة اليومية،
بِقَدْرِ الإمكان، هو المسعى المشترك الذي تتقاسمه جميع
أشكال الفكر التي تفحصّناها إلى الآن. وإذا ما كان هذا الطموح
يتكشّف، في الأرض اليباب, عبر كلماتٍ فارغةٍ تطلقها دجّالة
مشعوذة، فلا ينبغي لذلك أن يضللنا: فعلى الرغم من السخرية
الظاهرة على السطح، إلا أنَّ "...جميع الرموز الأساسية
في القصيدة تبرز هنا... و"قراءة الطالع"، التي
يأخذها جمهور القرن العشرين على محمل السخرية، تغدو حقيقة
كلما تقدّمت القصيدة..."(29)، كما لاحظ كلينث بروكس
بدقّة شديدة. وخلاصة القول، إنَّ الخرافة تغدو حقيقة في
الأرض اليباب.
يلقي مقطع مدام سوزوستريس
الضوء على موتيف حاسم آخر من عقود الأرض اليباب: التعامل
مع "الشخصيات" الأدبية، أو لمزيدٍ من الدقّة،
تَحَلُّل هذا العرف في قصيدة إليوت. ذلك أنَّ "الشخصية"
الحديثة ـــ التي هي شخصية روائية بصورة أساسية ـــ تغدو
ممكنة حين تتغير تدريجياً بتقدّم السرد تلك الصفات التي
تحددها، وتلك القيم المحمولة لديها بهذا القَدْر أو ذاك
من الوعي. وهذا يعني أنها تحتاج إلى بنيةٍ لا يكون فيها
محور التركيب ـــ البعد الزمني ـــ مقتصراً على كشف التقابلات
التبديلية التي انطلق منها، بل يسهم في تعديلها وإنتاج تقابلات
جديدة. فما أنْ يتحطّم ذلك الثبات الأصلي في البيكارو، حتى
يجد بطل الرواية نفسه في قلب السيرورة تماماً: فإذا ما كان
نسطور يظلّ الحكيم على الدوام، فإنَّ ولهلم مايستر سوف يترك
لآخرين أمر "تربيته" على قيمٍ تختلف أشدّ الاختلاف
عن تلك التي انطلق منها، وسوف يتبع راستيناك، مع التعديلات
اللازمة، مساراً مماثلاً.
وبعبارة أخرى، تبرز
الشخصية بقدر ما تحرر نفسها من المحدوديات المتأصّلة في
"الأدوار" ـــ الاجتماعية قبل الأدبية ـــ التي
تميّز أشكال المجتمع السكوني جميعاً. ذلك أنَّ "الدور"
يعيّن بالضبط عدداً من الوظائف المقيّدة، المتجانسة، والثابتة:
أمّا "الشخصية" فتتطور، بخلاف ذلك، ككيان متغيّر
ومتغاير. والحال، أنَّ إليوت يتعامل مع هذا الأمر أيضاً
ذلك التعامل الفظّ العنيف الذي تقتضيه بنية الأرض اليباب
الكلية. فما يعنيه "احتواء" رزمة ورق التاروت
على جميع شخصيات القصيدة (كما يشير إليوت نفسه في ملاحظة
على البيت 46، ولكي نبدّد كل شكّ) هو، بكل بساطة، أنَّ خصائصها
وعلاقاتها الممكنة قد أُسْبِغَت عليها وتحددَّت مرة وإلى
الأبد. فالأوراق ليست، في الحقيقة، سوى تمثيلات رمزية لأدوار
اجتماعية ـــ ثقافية معينة يُرى أنّ لها أهمية خاصة: فشخصيات
الأرض اليباب لا توجد إلا لكي تعيد تجسيد هذه الأدوار وتثبت
صحّتها وسريانها. وهي أمثلة أو نماذج أكثر منها شخصيات:
مجرد تجليات لنظام محدَّد مسبقاً، وليس مصادفةً أننا لا
نجد في الأرض اليباب من يتأمّل ذاته ويفكّر فيها، على العكس
من بروفروك، والسارد في صورة وجيرونشن: فحين يكون معنى الوجود
مترسّخاً مسبقاً في موقع الفرد الموضوع، لابدّ أن يغدو بُعد
الشكّ أو الفضول الذاتي مجرد بعد سطحي زائف، دون أسف على
شيء(30).
هنا يبرز ذلك العداء
الجذريّ الذي يكنّه إليوت للفردانية(31). حد الإلحاح ذاته،
في البحث عن الكأس المقدّسة وما لـه من مجرى منفرد إلى أبعد
الحدود، لا يمكن أن يصل إلى خاتمة إلا باختفاء الذات الفاعلة
التي تقوم به: ففي القسمين الأخيرين من الأرض اليباب لا
يقتصر الأمر على أنه لا يعود من الممكن أن نتبيّن أيّ "شخصية"،
بل يتعدّاه إلى أنَّ ضمير الشخص المتكلّم ذاته لا يكاد يستخدم
نهائياً(32). وبذلك، فإنَّ " المنهج الأسطوري"
الذي ساعد على الحدّ من دور التأويل الفردي، واستبدل به
إدراكاً "فورياً" للمعادِلات "الموضوعية"
الكونية، يعمل ضمن القصيدة ذاتها على إزالة ذلك العرف الذي
يفرّد الشخصية الأدبية من خلال تسويتها على قدّ الرمز غير
الشخصي في ورقة التاروت.
وهذه "التضحية"
بالفردية هي ما يقتضيه على نحوٍ ضروري قيام العالم ما بعد
الليبرالي: التضحية التي تفتتح عمل سترافينسكي "شعائر"،
وتختتم رواية كافكا "المحاكمة". وإذا ما كانت
تضحية الربيع الأرض اليباب شاحبة بعض الشيء، إلا أنها تظلّ
عنيفةً ومؤثّرة على الرغم من ذلك. وإليوت، الذي يلمح إليها
في بداية القسم الأول من مقطع مدام سوزوستريس (العرّافة
المعاصرة)، يعود إلى تكرارها، بنوع من حسّ التناظر الشديد،
حوالي نهاية القسم الثالث، في استطراد تيريسياس (العرّاف
القديم) وفي الملاحظة التي يُرفقها إليوت به: "على
الرغم من أنَّ تيريسياس لا يعدو كونه مشاهداً وليس "شخصية"
فعلية، إلا أنه أشدّ الأشخاص(33) أهمية في القصيدة، إذ يجمع
الآخرين جميعاً. فكما يضيع التاجر الأعور، بائع الزبيب،
ويذوب في شكل البحّار الفينيقي، ولا يتميّز هذا الأخير تماماً
من فرديناند أمير نابولي، كذلك تكون جميع النساء امرأة واحدة،
ويجتمع الجنسان في تيريسياس. وما يراه تيريسياس هو، في الحقيقة،
جوهر القصيدة".
تعكس هذه الكلمات
بصدق تلك السيرورة الجارية في الأرض اليباب، والي تتمثّل
بالحدّ من كلّ فردية أساسي: حيث يتحقق ذلك الخوف الأبدي
من فقدان المرء لاسمه"(34), ويغرق الفرد في "كليّة"
لن يخرج منها قطّ. وهذا ميل سوف تؤكّد عليه أعمال إليوت
الأخرى، من "لا تُكْرهيني أن أكون منشقّاً" في
خاتمة أربعاء الرماد إلى قول يوحنا الصليبي الذي تُصَدَّر
به قصيدة آلام سويني، إلى تلك الأرثوذكسية الفظيعة في "إنَّ
في بدايتي نهايتي" و"إنَّ في نهايتي بدايتي"
اللتين تفتتحان "إيست كوكر" وتختتمانها على التوالي.
ولا نحتاج سوى أن نضيف أنَّ إعادة الامتصاص الأسطورية الرفيعة
هذه التي تمارسها كليّة مُلْزِمَة هي، بالنسبة لإليوت، السيرورة
التاريخية الوحيدة الجديرة بالتأييد. وهنا يمكن أن نقدّر
مدى اقترابه من فلسفاتٍ كليّة أشدّ صخباً، الأمر الذي تثبته
حقيقة أنَّ إليوت قد أعطى، منذ أواسط عشرينيات القرن العشرين،
أفضل ما لديه كإيديولوج: ليس كشاعر، وأقلّ من ذلك ككاتب
مسرحي، ولا حتى كناقد، بل كصاحب لتلك الكتابات المعنية بالأنظمة
الثقافية التي هي كليةً بالتعريف: الدين في "سعياً
وراء آلهة غريبة وفكرةُ مجتمعٍ مسيحي، و"الثقافة"
بمعناها الأشمل في ملاحظات من أجل تعريف للثقافة.
غير أ نّه يبقى علينا
أن نضيف أنَّ إليوت قد بقي على حواف الموجة الكليانية: ومع
أنَّ احتراسه الجزويتي الرصين، الذي تعزّز بتحوله إلى الكاثوليكية
الإنجليزية، لا بدّ أن يكون قد لعب دوراً ما، إلا أنَّ السبب
الأكثر إقناعاً وراء هذا التحفظ يكمن في مكانٍ آخر كما يبدو
لي. هو حقيقة أنَّ الأرض اليباب ـــ على الرغم من بساطة
إطارها ـــ تشتمل على عدد من "العيوب"، إذا جاء
القول، تعوق أسطورة إليوت عن التحول، كأساطير آخرين، إلى
أداة للموت موثوقة ومُحْكَمَة. وهذه العيوب هي ما سنلتفت
إليها الآن.
3 ـــ "العلامات
تُؤْخَذ على أنها عجائب"
رأينا إلى الآن ما
حفز الاهتمام المتجدد بالفكر الأسطوري، والسمات التي تتقاسمها
الأرض اليباب مع الأسطورة بوصفها بنية ثقافية قديمة. بيد
أنّه من غير المُقنع أن تُبْعَث الأسطورة من جديد بكلّ نقائها
الأصلي: فمثل هذا المجيء الثاني في القرن العشرين كان ليبدو
سخيفاً منافياً للعقل. وهذا مايدفعنا لأن نلتفت الآن إلى
تلك التسوية, أو الملاءمة المتبادلة التي جرت بين متطلبات
البنية الأسطورية والوضع الثقافي المتغيّر، ذلك الوضع غير
المتناظر والمؤسَّس على أهداف متغايرة، مما يطابق القرن
العشرين.
ينبغي أن نلاحظ، أولاً
وقبل كل شيء، أنَّ الأرض اليباب ـــ مقارنةً مع الأسطورة
بمعناها الضيق ـــ يُفْصَح عنها بطريقة تقريبية لا سبيل
إلى علاجها. ولقد سبق أن بيّن ليفي شتراوس أنَّ أيّ تحويلٍ
صغيرٍ في بنيةٍ أسطورية لا بدّ أن يدعمه منطق صلب؛ لكن الأمر
ليس كذلك في الأرض اليباب. ففي حين يمكن أن نردّ المقتبسات
الأدبية، و"الشخصيات"، والتوازيات التاريخية،
والمجازات التي تظهر على البنية السطحية للقصيدة إلى نظام
من التشاكلات مماثل لذاك الذي كان يقوم عليه الفكر الأسطوري،
إلا أنه لا يعود بمقدورنا أن نستنتجها منه. وتتألف مستويات
الفكر الأسطوري أو سننه المتنوعة من عدد متناه ومحدود من
العناصر التي تتوافق تماماً مع عناصر أخرى في سنن أخرى،
فلا يمكن استخدام إلا مثل هذه العناصر، وهذا ما يتيح لكلّ
سرد ـــ بل يضطره ـــ لأن يتّبع على نحوٍ صارمٍ غاية الصرامة
منطقاً يقوم على الجمع والمزج. غير أنَّ آلاف السنين من
التطور والتنوع الثقافي باتت تفصلنا عن ذلك، بتسارعٍ حاسمٍ
منذ القرن السابع عشر فصاعداً. هكذا اختفت سنن كاملة، ونشأت
أخرى جديدة تماماً، والأهمّ من ذلك أنَّ كلّ سنّة قد اتّبعت
سبيلها الخاص، فحولت عناصرها وضاعفتها وكفّت عن الاهتمام
بوجود ذلك التوازي الصارم بين المجالات أو العوالم الثقافية
المختلفة: أي أنّها لم تعد تهتّم بوجود ذلك النظام الذي
يمكن أن ندعوه نظام الأنظمة والذي يتّسم بتشاكل مطلق.
ولذلك، فإنَّ إليوت
حين بدأ مشروعه الرامي إلى إحياء سحر الفكر الأسطوري، ما
كان يمكن لهذا المشروع أن يظهر إلا كضربٍ من التسوية بين
متطلبات البنية الأسطورية وموادها المكوِّنة. وتكمن مفارقة
الأرض اليباب في إدراك أنَّ نقاء المشروع الأسطوري لم يعد
قابلاً للتحقق بتلك الصورة الكاملة. فالأشياء لم تعد متطابقة
في الأرض اليباب إلا إلى درجة معينة: فجميع الروابط قابلة
للمساءلة، وجميع التشاكلات تتحول إلى تشابهات. ووظيفة ذلك
البيت المستمد من بودلير أو دانتي يمكن أن يؤديها بيت آخر,ومشابه،
والمرأة في الحانة وضاربة الآلة الكاتبة يمكن أن تحلّ محلّهما
شخصيات أخرى كثيرة (كما يعترف إليوت نفسه في ملاحظةٍ)؛ والحروب
البونية ولندن الملكة إليزابيت هي أمثلة أو نماذج تاريخية
يمكن مسخها بشيء من الحرية.
ولست أشير هنا إلى
"عيب" في الأرض اليباب. فقد تبدو القصيدة بعيدةً
عن الكمال لأنثروبولوجيٍ يحاول أن يتناولها كأسطورة بالمعنى
الضيّق, أو لناقدٍ أدبي يرى نجمة الشمال في الدقّة المناسبة
الفائقة لكلّ صورة بمفردها. لكن تقريبات القصيدة، حين يُنْظَر
إليها من منظور مختلف، تشير إلى سرّ أسطوريتنا اليومية وتمثّله:
تلك الأسطورية التي لم تعد قائمةً على "التابو"،
أي على المحرّم، بل على المسموح(35). فالعالم البدائي كان
عالماً من المحظورات وكان على الأسطورة أن تقصي أو تعيد
اصطفاف كلّ ما لا يتلاءم مع ترتيبٍ ثقافي معين، ولهذا السبب
على وجه التحديد كان عليها أن تلجأ إلى منطق صارم لا يلين.
أمّا القرن العشرين الغربي، من جهة أخرى، فهو فردوس الحريات،
وتقوم أسطوريته على أساس مفاده أنَّ ما من شيء إلا ويمكن
قبوله، وتمثّله, واعتباره ذا صلة: إحلال بلاغة "الحقّ"
محلّ بلاغة الواجب.
وكانت الدادائية (والسريالية
بدرجةٍ أقلّ) قد قطعت على هذا الطريق شوطاً أبعد مما قطعه
إليوت: ولا حاجة بنا إلا لأن نتذكّر كيف "حلّت"،
إذا جاز القول، مشكلة الاستعارة، ذلك الشكل البلاغيّ الأشدّ
"أسطورية"، إذ تقوم مهمته على إقامة صلاتٍ جديدةٍ
أبداً بين مجالات دلالية مختلفة. فإذا ما كان الشِّعر الباروكي
ـــ وهو أول حركة أدبية يكون عليها أن تتعامل مع التكاثر
الصاخب، وغير العضوي، للسنن الثقافية المستقلة باطّراد ـــ
قد نشر القناعة بأنه كلما ازداد "إدهاش" الاستعارة
ازدادت "شعريتها" (أي أن قيمتها تزداد بازدياد
المسافة التي تضعها الأعراف الثقافية بين المفردتين اللتين
تربط بينهما هذه الاستعارة)، فإنَّ هذا الميل يخضع مع الدادائية
لتغيّر نوعيّ. فما تقترحه أي قصيدة دادائية أو أيّ بيان
دادائيّ لم يعد صِحّة رَبطٍ معين ـــ أو "معناه"
بين الذاتي ـــ بل التأكيد الساخر على إمكانية قبول أيّ
ضرب من ضروب الربط، بما يعني أنَّ أحداً منها لا يفوق سواه
صِحَّةً وشرعية.
عند الدادائية كلّ
شيء ممكن: أمّا الأرض اليباب، التي جاءت بعد الدادائية ببضع
سنين، فتميل إلى استعادة التوازن. وإليوت ينتمي إلى الباروك
أكثر مما ينتمي إلى الطليعة: فهو لا ينفكّ يحاول أن "يحيّد"
حتى أجرأ التداعيات وأكثرها "حرية"، يربطها إلى
حقولٍ دلالية، مهما تكن واسعةً وضبابية. وبذلك، فإنَّ جذرية
الدادائية تنحلّ، أو تغدو مبتذلةً، إن شئتم، تضطلع بذلك
الدور الذي تضطلع به "التحفيزات" كما سيدعوها
الشكلانيون. لكن التاريخ أثبت أنَّ إليوت الكلاسيكي على
حقّ "وتزارا" الفوضوي على خطأ. فالأسطورية التي
تحيط بنا لا تنجم عن التسوية بين جميع المعاني بين الذاتية،
بل عن تحولها الذي لا ينتهي إلى آلاف من الأشكال المختلفة
وغير المُرْضية مهما اختلفت. وفي مثل هذا العالم، حيث يبدو
كلّ شيء ممكناً، فإنَّ الافتقار إلى الدقّة هو الذي يحكم
وليس الإرادة الاعتباطية(36).
من هنا أهمية الحشو
في كلٍّ من الأرض اليباب والثقافة الجماهيرية لاحقاً. فحين
تغدو الصلة بين الصورة ومعناها العميق مراوغةً وبعيدةً عن
اليقين على نحوٍ ميئوس منه، يبقى السبيل الوحيد لنقل المعنى
المرغوب فيه متمثّلاً في الدوران المتواصل حولـه والتسليم
بأنَّ المحاولة لن تنفع قط": فالمسألة لم تعد إيجاد
الكلمة "الصحيحة"، بل الكلمة الأفضل وحسب. وهذا
ما يفسّر أيضاً ـــ كيما نعود إلى النقطة التي عُنِيَ بها
القسم الأول من هذه الدراسة ـــ أنَّ "شعور الراحة"
الذي تشيعه الأسطورة الحديثة لابدّ أن يكون مختلفاً، ليس
عمّا كان يجري في الأسطورة البدائية وحسب، بل أيضاً عن النموذج
الذي أُحْكِمَ في واحدةٍ من لحظات "التركيب" العظيمة
التي شهدتها الحضارة البرجوازية، ألا وهو نموذج الرواية
التكوينية عند غوته. ففي نهاية سنوات تدريب فيلهلم مايستر،
يجد كلُّ شيءٍ ـــ الأحداث، والشخصيات، والقيم ـــ ترتيباً
لا التباس فيه ضمن كلّية عضوية. ذلك أنَّ تكوين فيلهلم مايستر
ـــ ومن خلاله، تكوين القارئ ـــ يقوم تحديداً على معرفة
هذا الحال؛ والشعور بأنه مندمج فيها وإيجاد سلامه الخاص
هناك في النهاية: "...لقد أحرزتُ سعادة لا أستحقها
ولا أودّ مقايضتها بأيّ شيء في الدنيا".
لكنّ ذلك لم يعد ممكناً
بالنسبة لقارئ إليوت. ففي الأرض اليباب ليس ثمّة سيرورة
تتطور عبرها الكلّية الأسطورية، للتكشّف في النهاية. فهي
تبقى ذاتها: واضحة وغامضة؛ كليّة الحضور ويصعب إدراكها في
آنٍ معاً؛ فقيرة جوهرياً ـــ مثل "مفهوم" الأسطورة
الحديثة لدى بارت ـــ وغنية على نحوٍ فاخر، لكنه طفيلي،
في الوقت ذاته: تمسك بصورةٍ بعد أخرى، لكنها لا تستطيع قطّ
أن تسيطر عليها تماماً لأنها تربط بينها على الدوام عبر
قاسم مشترك أدنى وضيق حتماً.
وقارئ إليوت، مثل
السائق في المدينة أو مشاهد التلفزيون، في وضعٍ غريب حقّاً.
فكلّ ما يراه، أو يقرؤه، أو يسمعه لا يكون لـه معنى إ لاّ
بقدر ارتباطه بـ"كليّة" أساسيةٍ ما: لكن أثر الرسالة
وسحرها يكمنان على وجه الدقّة في حقيقة أنَّ سنّتها لا يمكن
قطّ اقتفاؤها بذلك اليقين ولا يمكن الكشف عن كلّيتها؛ بل
يُبْقي عليها في حالةٍ ضبابيةٍ وغير محدَّدة. وبخلاف الأطروحة
المُقدَّمة في ديالكتيك التنوير، فإنَّ الثقافة الجماهيرية
لا "تُلَبّي على نحوٍ هزليّ مفهوم ثقافةٍ موحَّدة..."(37)،
لكنها لم تعد تتّسم بتلك الشفافية الكاملة والدافئة التي
تشكّل أساس كلّ نظام عضوي. والثقافة الجماهيرية لا تجد بعدها
البلاغي في "رمز" غوته، أو تستبدل به "التمثيل
المجازي" كما درسه بنيامين ودي مان. فالتقابلات التي
تُقْرَن عادة بالرمز والتمثيل المجازي (طبيعي/ صنعيّ، متزامن/
متعاقب، عضوي/متشظٍّ، مُطَمْئِنٌ/ ساخر، وهلم جراً) تفقد
في حالة الثقافة الجماهيرية كلّ قدرة على التفسير: وهذه
إلماعةٌ، لكنها مهمة، إلى طابعها غير المسبوق في التاريخ.
لعلّ بلاغة الثقافة
الجماهيرية (التي لا بدّ تعدّل التصنيف القائم) سوف تسمح
بتقدّم حاسم في تأويل هذا الوجه المراوغ من أوجه العالم
المعاصر. أمّا الآن، فلا يزال تناول رولان بارت المقتضب
لـ"بنية النبأ في نشرات الأخبار" أذكى محاولة
في هذا الحقل: "يُخْتَبَرُ الحدث تماماً كعلامةٍ محتواها
بعيد عن اليقين... لعلَّ دور [النبأ في الأخبار] أن يكون
ضمن المجتمع المعاصر دور المحافظ على التباس العقلاني واللاعقلاني،
القابل للفهم وما لا يسبر غوره؛ وهذا الالتباس ضروري تاريخياً
لأنَّ الإنسان لا يزال بحاجة إلى العلامات (التي تطمئنه),
وكذلك إلى العلامات التي يكون محتواها بعيداً عن اليقين
(والتي تلقي المسؤولية عن كاهله)..."(38).
تلك هي حالة الوعي
الشفقية: ليست عز الظهيرة ولا الليل العذب. وهذا هو السبب
على وجه التحديد في أ نَّ علاقتنا بالثقافة الجماهيرية لا
تقف عند حدّ. فلا مجال لخاتمةٍ أو يقين، حيث أقامت بنية
الاتصال ذاتها حكم الحيرة والارتباك, حكم الانفصال والتفريق،
حكم الإرجاء والتسويف. "علاقة المستهلك بالعالم الواقعي،
بالسياسة، والتاريخ، والثقافة ليست علاقة مصلحة، أو استثمار،
أو مسؤولية مُلْزِمَة وَلم تَعد أيضاً علاقة عدم اكتراث
كامل ـــ فهي، بالأحرى، علاقة فضول... على المرء أن يجرّب
كل شيء: بل إنّ الإنسان في المجتمع الاستهلاكي يقضّ مضجعه
الخوف من أن يكون قد "فوّت" شيئاً ما، أيَّ متعةٍ
مهما تكن... لم يعد الأساسي هو الرغبة أو حتى الذائقة أو
الميل المعيّن، بل فضول مُعَمَّم يدفعه قلق واسع النطاق"(39),
ذلك القلق الشامل الذي يعتري الإنسان ـــ الرادار لدى رايسمان,
فيكون مستعداً دوماً لالتقاط الإشارات من العالم الخارجي
دون أن يكون متيقناً قطّ من قدرته على فكّ مغاليقها. وهذا
قلقٌ لم يعد شبيهاً بذلك "القلق" الذي وصفه فرويد
في كتابه ما وراء مبدأ اللذّة, والذي يدفعه خوف الرضّة,
أي القناعة بأنَّ العالم الخارجي معادٍ جوهرياً للفرد. لم
يَعُدْ تلك الحالة الذهنية لشخصٍ يعيش في توقّع دائم للخطر:
بل قلقُ من لا يكفّ عن الشعور بأنَّه بات أخيراً على وشك
ـــ إنّما على وشك وحسب ـــ أن يحكم قبضته على موضوع الرغبة،
ومعنى الحياة، وقواعد اللعبة، مع أنه لم يغير سوى موقعه
على رقعة شطرنج العالم المعاصر التي لا نهاية لها، وعليه
لذلك ألا يكفّ عن تكرار هذا الفعل ذاته وإعادته دون انقطاع(40).
كيف مكن لكلّ ذلك
أن يحصل؟ فالسؤال المهمّ ليس "ما صورة العالم التي
تنقلها الثقافة الجماهيرية؟"، بل "أيّ عالم هذا
الذي يسمح بأن يعمّه مثل نظام القيم هذا؟" وقبل أن
نحاول الإجابة، لا بد من أن نجلب إلى اللوحة عنصراً جديداً.
في لحظة معينة من
دراسته " المعنى والمرجع" يتساءل فريج ما إذا
كان من الممكن "أن يكون لجملةٍ ككلّ معنىً فقط، دون
أن يكون لها مرجع". والجواب هو أجل، إنّ ذلك ممكن:
"من الواضح أنّ
ثمّة معنى للجملة: "كان أوديسيوس يحطّ على شاطئ إياكا
وهو غارق في سباتٍ عميق". غير أنه موضع شكّ ما إذا
كان ثمّة مرجع للاسم "أوديسيوس"، الوراد في هذا
الموضع، وموضع شكّ تالياً ما إذا ان ثمّة مرجع للجملة ككلّ...
فالفكرة تبقى ذاتها سواء كان لـ"أوديسيوس" مرجع
أم لا. وما تشير إليه حقيقة أننا لا نشغل أنفسنا مطلقاً
بمرجع جزء من الجملة هو أننا ندرك ونتوقّع أنَّ ثمّة مرجعاً
للجملة ذاتها. وتفقد الفكرة قيمتها بالنسبة لنا ما إنْ ندرك
أنَّ مرجع أحد أجزائها مفقود... ولكن لماذا نريد أن يكون
لكلّ اسم علم ليس معنىً وحسب، بل مرجع أيضاً؟ لماذا لا نكتفي
بالفكر؟ لأننا معنيون، وبقدر ما نكون معنيين، بقيمتها الحقيقية.
ولا تكون الحال كذلك على الدوام. فلدى سماع قصيدة ملحمية،
مثلاً... لا نهتمّ إلا لمعنى الجمل والصور وما تثيره من
مشاعر. أمّا سؤال الحقيقة فيدفعنا إلى التخلّي عن المتعة
الجمالية وإحلال موقف الاستقصاء العلمي محلّها. ولذلك لا
يهمّنا في شيء ما إذا كان ثمة مرجع للاسم "أويديسيوس"،
مثلاً، ما دمنا نعتبر القصيدة عملاً فنياً ونقبلها بوصفها
كذلك"(41).
يصف فريج هنا ذلك
الوضع الدلالي بالغ الخصوصية الذي يميّز الأدب ويجعله شكلاً
من التواصل أبعد من الحقيقة والزيف. وهذه طريقة حديثة نسبياً
في الحكم على الظاهرات الأدبية والفنية: تبدو في كتاب كانط
"نقد ملكة الحكم"، وربما كان الدافع وراءها ضرورة
"تبرير" النشاط الجمالي على أساس مبادئ لم تعد
معرفيةً على وجه الحصر: فتطور العلوم الأمبريقية في القرنين
السابع عشر والثامن عشر كان كفيلاً، في النهاية، بأن يمضي
بالأدب إلى عالم "المعرفة الناقصة"، الأدنى والتي
تحتلّ المرتبة الثانية(42).
يحرّر الفنُّ ذاته،
إذاً، من المعرفة والأخلاق ويغدو، عبر هذه السيرورة، ذلك
الحقل الوحيد الذي يحافظ فيه مبدأ "طغيان الأفكار"
على فعاليته، كما يلاحظ فرويد في المقالة الثالثة من "الطوطم
والتابو"، بعد أن طُرِدَ تدريجياً من نطاقات الثقافة
البشرية الأخرى. واعتقادي أنَّ واحدة من السمات المذهلة
في قرننا العشرين تكمن في عكس هذه السيرورة ذلك العكس الجذري.
فقد تحرّر عدد من النشاطات الثقافية بشكل متزايد أو تحلّل
من كلّ الروابط المرجعية لمصلحةِ بُعْدٍ جماليٍ أساساً،
ليس معنياً سوى بمستوى المعاني والقيم الثقافية المزدوج.
وإيجاد الأمثلة على هذا التغيّر من أيسر الأمور. ولعلّ الحياة
السياسية أن تقدّم لنا أوضح الأمثلة، وإذا ما كان ذلك بيّناً
تماماً في حالة الإيديولوجيات الشمولية التي شهدها النصف
الأول من القرن العشرين، فمن الواضح الآن أنَّ المنطق ذاته
يحكم زمننا أيضاً، وإِنْ بنبرة أخفت وأقلّ فتكاً. ولقد كرّس
هربرت ماركوزه بعضاً من أبرز أجزاء كتابه "الإنسان
ذو البعد الواحد" لذلك الطابع المتناقض داخلياً الذي
ميّز البلاغة السياسية بعد الحرب ليختم بتأكيدٍ متناقضٍ
في الظاهر مفاده: أنَّ "من لم يتكيّف عقله بعد بما
يكفي، يبدو لـه كثير من النقاش العام والمطبوعات العامة
سريالياً تماماً"(43). أمّا رومان جاكوبسون فيتّبع
خطّاً من التفكير مختلفاً تماماً ليصل إلى النتيجة ذاتها،
حيث يبيّن في مقالة شهيرة أنّ النجاح ـــ السياسي ـــ الذي
يحرزه شعار "أنا أحب آيك" لا يمكن تفسيره إلا
على أساس جاذبيته الأدبية.
هكذا، تختفي الطموحات
"العقلانية" و"التجريبية" التي تصدّرت
ولادة المجال العام البرجوازي، تماماً كما تختفي ما كان
أداتها الأساسية، الصحيفة. فثمّة تناقض أسطوريّ حقّاً في
جذر الصحافة الحديثة: ذلك أنَّ "الواقعة" ـــ
النبأ الإخباري ـــ التي تتدبّر هذه الصحافة كلُّ يوم بيومه
أمر إنتاجها بهذه الطريقة أو تلك، لا يمكن أن تُقْبَل في
الصحيفة إلا إذا أُدرِجَت في نظامٍ ينبغي ألا تفضي إلى تآكله،
بل ينبغي لها، إن أمكن، أن تعزّره وتقوّيه. فالهدف الحقيقي
للصحيفة اليومية ليس اتّباع التاريخ خطوة خطوة في عدم قابليته
للتنبؤ به، بل المشي فيه مشياً وئيداً بغية إظهار أنّ لا
شيء مما يحدث يقتضي أن نغيّر أفكارنا. وبعيداً عن الخضوع
العبودي لـ"الواقعة"، فإنَّ الصحيفة تحول كلّ
حدث إلى داعم لنظام القيم القائم. فهي ليست معنية، ولا يمكنها
أن تُعنى، بـ"قيمة الحقيقة" في النبأ الإخباري،
بل بفعاليته الرمزية وحسب.
وهذا ما يصل بنا إلى
المثال الكلاسيكي الأخير على ضياع المرجع: الإعلان. فالإعلان
ـــ كما يشير الأصل اللاتيني للكلمة "Publicitas"
ـــ يجعل الأشياء "عامة"، إنّما بتلك الطريقة
التي لا يعود فيها للخصائص "الاجتماعية" لهذه
الأشياء أيّ علاقة بهذه الأشياء ذاتها، بل بالمعاني والقيم
التي نسبغها على امتلاكها. ولذلك، فإنَّ الإعلان لا يكون
قطّ إعلاناً عن شيء، بل عن المضامين الرمزية التي يغدو الشيء
ـــ مثل الواقعة بالنسبة للرأي في الصحافة ـــ مجرد حامل
لها. يقول بودريار: "بدلاً من الذهاب إلى العالم عبر
توسّط الصورة، فإنَّ الصورة تعود إلى ذاتها عبر العالم".
ويضيف: "الحقيقة هي أنَّ الإعلان (وسواه من وسائل الإعلام
الجماهيرية التي يصحّ عليها الشيء ذاته) لا يخدعنا: فهو
أبعد من الحقيقة والزيف"(44).
ما وراء الحقيقة والزيف:
تعود بنا معظم النتاجات النمطية في الثقافة الجماهيرية إلى
تلك الأطروحة التي أسّست، في حينها، استقلال الفن، إنّما
مع فارقٍ حاسم يتمثّل في أنَّ الطابع اللامرجعيّ للأدب كان
واضحاً ويمكن إدراكه على هذا النحو، مما يحدّ من مزاعم هذا
الاستخدام المحدّد للّغة ومن مدى فعله، أمّا الثقافة الجماهيرية
فتنشر هذه الخدعة الدلالية على مدى النشاطات الثقافية بأكملها
ـــ ما عدا العلم والتكنولوجيا ـــ وبذلك تنتشل المرجعية
الذاتية من الحالة الحدّية التي اعتادت أن تكون عليها وتجعلها
الممارسة الاتصالية عادية في كل اتصال.
والحال، أنّ القرن
العشرين قد شهد إضفاءً هائلاً للطابع الجمالي على الثقافة.
ولعلّ ذلك على وجه التحديد أن يكون السبب، كما لاحظنا في
بداية هذه الدراسة، في أنَّ ما يمكن أن نعتبره الشكل الفني
الأبرز في الحضارة البرجوازية ـــ أي الأدب المكتوب ـــ
قد اعتراه في بداية القرن العشرين ذلك التدهور الذي لا سبيل
إلى كبحه: فما كان يشكّل وظيفته النوعية ذات مرة تحرّك الآن
وتحوّل إلى كوكبة من الممارسات الثقافية، جاعلاً من وجودٍ
نشاطٍ مكرَّسٍ لهذه الغاية حصراً أمراً يكاد أن يكون نافلاً.
وهذا ما يفسّر لجوء
إليوت إلى الأسطورة كما يفسّر إخفاق هذا اللجوء، والتخلّي
عن هذا التجريب بعد بضع مئات من الأبيات. فإذا ما أراد المرء
أن يُبقي على الأدب حيّاً في وَضْعٍ راح يفقد فيه كلَّ نوعيةٍ
أو خصوصية، لابدّ أن يحاول أن يجعله "أسطورياً"
على وجه التحديد: ليجعله وظيفة يتداخل مع وظيفة الثقافة،
ويطرحه كحالةٍ قادرة على مجانسة المجالات الرمزية المختلفة
والربط فيما بينها(45). بيد أنّ نجاح المحاولة الأسطورية
ـــ وهي تنجح في الأرض اليباب، على الرغم من التنويعات التي
رأيناها ـــ يعني أنه قد بات لدينا نتاجٌ لم يَعُدْ "أدباً"،
بل "أسطورة" على وجه الدقّة. ولقد أخطأ إليوت
بالفعل، في نقطة محدّدة: ذلك أنَّ النظام الأسطوري ليس "منهجاً"،
بل كلٌّ تصنيفي يرمي إلى الكمال والاكتفاء الذاتي، ولا يقوى
على إدراك وجود أنظمةٍ رمزية أخرى سواه، وذلك لسببٍ بالغ
الوجاهة هو أنّه يمثّل نظام الأنظمة جميعاً. وهذا يعني أن
النظام الأسطوري لا يمكن استخدامه كوسيلة لتحقيق أهداف أخرى.
فلا يمكن قطّ للأسطورة أن تكون "منهجاً" أو "طريقة"
لكتابة القصائد. واستخدامها كأساس لقصيدة الأرض اليباب يجعل
هذه الأخيرة نقطةً فارقةً في ثقافة القرن العشرين: إلا أنه
يضعها خارج الأدب. وبكلام أدقّ: فإنَّ الأرض اليباب نقطة
ثقافية فارقة لأنها لم تَعُد أدباً.
يمكن الآن أن نصل
بين المشكلات التي عنينا بها في القسمين الأخيرين من هذه
الدراسة. فدلالات الثقافة الجماهيرية البعيدة دوماً عن اليقين
والتي لا تقف عند حدّ تتكامل مع طابعها الجمالي ـــ الأسطوري
في جوهره. وضياع كل هدف مرجعيّ والتمثّل المتزايد لسننٍ
متغايرة يفسح المجال أمام فَهمٍ تقريبيّ وسديميّ يشجّع،
بدوره، على تطور سنّة يتعاظم فقرها و"تغنيها لذاتها"،
كيما نستخدم مصطلح إليوت نفسه. وبذلك تُظْهِر الثقافة الجماهيرية
حجم اختلاف مصير الفن في الحضارة البرجوازية عن ذاك المصير
الذي رآه شيللر: "المنفعة هي صنم العصر المعبود، وعلى
سائر القدرات أن تعمل على خدمته وسائر المواهب أن تقسم لـه
يمين الولاء. وفي مثل هذه الموازين المختلّة لم يعد للخدمة
الروحية التي يؤدّيها الفنّ أيّ وزن... وروح البحث الفلسفي
ذاتها تستولي من الخيال على مقاطعةٍ تلو أخرى، وتؤول جبهات
الفنّ إلى انكماشٍ في حين تتسع حدود العلم"(46). فمن
الواضح كلّ الوضوح أنّ الأمور قد سارت في مسار مختلف تماماً:
فتكاثر الابتكارات والآلات جعل من المستحيل أن نقررّ ما
"النافع" وما هو "غير النافع"، حتى
في حقل الأشياء اليومية، فما بالك في حالة الممارسات الرمزية؛
وكذلك الأمر بالنسبة للعلاقة بين العلم والفن، حيث لاشكّ
في أنّ التقدم العلمي قد أفسح المجال أمام توسّع الفن توسّعاً
زائداً، بدلاً من أن يحدّ مجال فعله.
وليس هذا بالوضع القياميّ:
بل العكس تماماً. فمن الواضح أنَّ الأسطورية المراوغة والتأملية
مُفَضَّلَة كثيراً على تلك الأسطورة الأشدّ إحكاماً، وبريقاً،
واسترسالاً والتي انتشرت، في ثلاثينيات القرن العشرين، عبر
السهول الأوروبية. ومحلّ الإقامة الذي تختاره الأسطورية
المعاصرة هو المجتمع المدني، مجال الاستهلاك و"الحياة
اليومية"، كما كتب "بودريلارد". وهي ترمي
بذلك إلى حصر الدولة حصراً صارماً ضمن حدود ضروراتها السياسية
ـــ الأخلاقية، الأمر الذي تبيّنه حقيقة أنَّ لمجتمعات الغربية
باتت غير قادرة على إنجاز ذلك العمل الذي يُعَدّ أبرز أعمال
الدولة، و"واجبها" بامتياز: كَسْبُ الحرب. ذلك
هو الحال, سواء كان خيراً أم شراً: لقد جعلَ انتشارُ البعد
الجمالي ـــ الأسطوري ثقافتنا بعيدةً عن الأذى على نحوٍ
لعلها لم تكن عليه قطّ من قبل(47).
ولا شكّ أنّ هذا "البعد
عن الأذى" لا يعني "انعدام النفع". لكنه
هنا نَفْعٌ بوظيفةٍ مختلفةٍ عن تلك التي عادةً ما كانت تُنْسَب
إلى الثقافة. فالثقافة، في حضارتنا، لا تُسْتَخْدَم لتوجيه
حياتنا، سواء كان ذلك خيراً أم شرّاً: الأحرى، أننا نعيش
لكي نستهلك الثقافة. ومثل هذا الاستهلاك لم يعد نافعاً في
ضمان "إجماعٍ" يتركّز على القيم القادرة على أن
توجّه سلوك الفرد في تلك الحقول التي نعتبرها أساسية ـــ
الحياة السياسية، والعمل خاصةً ـــ بل هو نافعٌ في إفراغ
تلك الحقول من كلّ قيمة رمزية: أي في اختزالها إلى مجرد
وسائل تفتقر إلى أي قيمة جوهرية. والفضول الهائج المدفوع
بالموضة والذي يسيطر ضمن نظام الثقافة الجماهيرية هو نظير
وتتمة اللامبالاة الثقيلة والبليدة التي ازدهرت إزاء العمل
والسياسة. ويلاحظ "بودريلارد" بدقّةٍ وسخريةٍ،
في الصفحات الأولى من كتابه "مجتمع الاستهلاك"،
أنَّ العالم لغربي المعاصر ـــ الذي كان قد بنى شبكةً رمزيةً
مفروضةً حول استهلاك السلع ـــ ينظر إلى إنتاج هذه الأخيرة
بالطريقة ذاتها التي ابتدعت بها القَبَلية الماليزية أسطورة
الكارغو، لكي تفسّر أصل الأشياء. وهذا يعني أنَّ الإنتاج
يُعتَبر إلى حدٍّ بعيد ضَرْباً من المعجزة التي ينبغي التمتُّع
بثمارها ـــ ما دامت موجودة ـــ دون أن نكثر من الأسئلة.
وهذا وضْعٌ مزعج،
ولعلّه يبدو معاكساً تماماً لآمال وطموحات روّاد المجتمع
البرجوازي. بيد أنَّ التفحّص الدقيق يُظْهِر أن الوضع المعاصر
يضرب بجذوره، فيما يتعلّق بنقطةٍ حاسمة، في ذلك التواشج
بين البروتستانتية والرأسمالية: "والحال، أنَّ خلاصة
هذه الأخلاق هي كسب المال، المزيد من المال على الدوام،
متضافراً مع تجنّب صارم لكلّ مباهج الحياة العفوية، بحيث
تكون خالية من أيّ شائبة متعيّة، كي لا نقول لذية. ويُنْظَر
إلى ذلك على أنّه غاية في ذاته، فيبدو، من وجهة نظر سعادة
الفرد الواحد أو منفعته، أمراً متعالياً تماماً وغير عقلاني
بالمرّة"(48). متعالٍ وغير عقلاني: هاتان الصفتان تكشفان
معنى العمل الذي حلله ماكس ويبر. فالعمل, في شكله الرأسمالي،
لا بدّ أن يكون لا عقلانياً إذا ما كان عليه أن يغذّي سعادة
الإنسان الدنيوية: أي إذا ما قام معناه على تحقق قيم ثقافية
معينة في هذا العالم. لكنه يكون عقلانياً ـــ على نحوٍ راسخ
وأكيد ـــ حين يكتسب معناه من مكانٍ ليس هو هذا العالم بل
العالم الآخر, وعندئذٍ تغدو صفوف الأرقام ـــ حيث لا ينتج
البيوريتاني أشياء بل كميات مجردة ـــ في هذه الرواية ذات
المدخلين مرآةً سحريةً نُقِشت فيها مصائر الجميع(49). لقد
غدا الله مستغلقاً ومعادياً، والعمل مجرداً ويمكن أن يكون
بلا حدودٍ إذاً: ولقد ترتّبت على تضافر هذين الأمرين عواقب
استثنائية مزعجة, خاصةً بعد أن أخذ جون ويسلي الموقَّر على
عاتقه، عند مطلع الثورة الصناعية، أن ينشر المبادئ الجديدة
بين أولئك الذين لم يكن في حياتهم ـــ لعقود كثيرة ـــ سوى
العمل. وهكذا غدا العمل نواة الوجود البشري الأساسية، لكن
ذلك لم يكن إلا إلى الحدّ الذي رحَّل معناه كاملاً، وقيمته
الرمزية كاملةً، من هذه الحياة إلى الحياة الأخرى. ولذلك
كان الدفء المنبعث من لغة الأرقام أشبه بنورٍ من القمر:
لا يمكن أن يكون وافياً، بل لا يمكن أن يكون موجوداً إذا
لم تسلّط شمس العالم الآخر الخلفية نورها عليه. غير أنَ
الشمس أيضاً تموت، وفي يوم من الأيام كفّ الغرب، الذي نسي
الجحيم منذ زمن طويل، عن الإيمان بالجنة. كما قرّر ملايين
البشر، في الوقت ذاته، أنّ اثنتي عشرة أو أربع عشرة ساعة
من العمل كل يوم شيءٌ باهظ حقّاً. وباختزاله إلى جزء من
الحياة الإنسانية متضائل باطراد، ولا تبعث فيه آمال الخلاص
الغامضة شيئاً من روحها، فبدا العمل البرجوازي، لأول مرّة
في ضوءٍ حقيقي، متواضعاً حقّاً. ويعود سحر أعمال "ماركس"
و"ويبر" إلى حقيقة أنَّ كليهما قد حاول ـــ وإن
يكن بطريقتين جدّ مختلفتين، ولا يمكن التسوية بينهما إلى
حدٍّ ما ـــ أن يخلعا على العمل معنىً دنيوياً صارماً: حيث
تبدو، في هذا الضوء، نظرية إعادة التملّك الجماعي والواعي
للعمل ونظرية التسامي على أنهما الوهمان الجريئان الأخيران
اللذان أنتجتهما الثقافة الغربية عن نفسها.
فقد اتّخذت الأمور
مساراً مختلفاً حقاً. ولم ينتج القرن العشرون ثقافةً جديدةً
للعمل ضمن العمل: بل وسّع الهوّة بين العمل والثقافة. ولم
يعد ثمّة أحد في الغرب يؤمن بأنّ العمل يمكن أن يضفي دلالةً
على العالم، شأنه شأن السياسة التي يصحّ عليها القول ذاته.
وتلك القيم التي من أجلها يعتبر الجميع أنّ الحياة تستحق
أن تُعاش باتت تُلْتَمس الآن في مكان آخر: فالعمل والسياسة
يمكن احتمالهما ـــ وليس أكثر من احتمالهما ـــ فقط بقدر
ما يفسحان المجال للدخول إلى هذا المكان الآخر الذي انقطعت
كلّ صلةٍ لـه بهما.
واعتقادي أنَّ هذا
الوضع غير مسبوق في التاريخ. ويصعب القول إلى متى يمكن أن
يبقى مجتمع يغذّي بنفسه مثل هذا الرأي، والأصعب أن نحدّد
ما الذي يمكن أن يحلّ محلّه. وعلى الرغم من إدراكي أنَّ
شعر "ثوماس ستيرنز إليوت" لا بدّ أن يبدو، عند
هذا الحدّ، بعيداً ونائياً أشدّ النأي, فإنَّ علينا أن نقرّ
بأننا نفعل أقصى ما بوسعنا لكي نضمن لآخر بيتين في قصيدته
"الرجال الفارغون" واللذين باتا الآن هما نفساهما
ملكية مبتذلة من ملكيات الثقافة الجماهيرية ـــ أن يثبتا
أنهما كانا في النهاية ضَرْباً من النبوءة بأن: "على
هذا النحو ينتهي العالم
لا بِدَويٍّ عنيفٍ
بل بنشيج"
(1) لعلّ المثال الأشهر
بين هذه المواضع هو قول إليوت: "حين يكون ذهن الشاعر
قد أُعِدَّ على الوجه الأكمل لأداء مهمته، فإنه يعمل دوماً
على إدماج الخبرات المتنافرة؛ أمّا خبرة الرجل العادي فتتسم
بالعماء، وعدم الانتظام، والتشظّي. فقد يقع هذا الأخير في
الحبّ، أو يقرأ سبينوزا، دون أن تكون لهاتين الخبرتين أي
علاقة واحدتهما بالأخرى، أو بضوضاء الآلة الكاتبة أو رائحة
الطبخ؛ أمّا في ذهن الشاعر فلا تني هذه الخبرات تشكل كليات
جديدة". ("الشعراء الميتافيزيقيون" (1921)،
في مختارات نثرية من ت.س.إليوت، تحرير فرانك كيرمود، لندن
1975، ص 64).
(2) من الأدقّ القول
إنّ هذا الترتيب الأسطوري يشكل عماد المقاطع الثلاثة الأولى
من القصيدة، وهي المقاطع التي تمتلك ما يبرر وصفها بأنها
الأشهر والأشدّ إثارةً للاهتمام. وكان أليساندرو سير بييري
قد كتب مقالة مقنعةً جداً حول الانقطاع البنيوي في الأرض
اليباب وما استتبعه ذلك من تحوّل من المنهج الأسطوري إلى
المنهج التمثيلي ـ التعليمي. انظر:
“Il doppio registro
del Waste Land” in Hopkins-Eliot-Auden. Saggi sul parallelismo
poetico, Bologana 1969.
(3) "يوليسيز،
والنظام، والأسطورة"، في The Dial، تشرين الثاني 1923.
(4) جورج لوكاش، نظرية
الرواية، لندن 1978، ص 46، 56.
(5) "في المرجع
والمعنى"، في ترجمات من كتابات غوتلوب فريج الفلسفية،
تحرير بيتر غيتش وماكس بلاك، أكسفورد 1952، ص 27.
(6) المصدر السابق،
ص 59 ـ 60.
(7) ماكس فيبر، "الموضوعية"
في العلم الاجتماعي والسياسة الاجتماعية، في منهج العلوم
الاجتماعية، نيويورك 1949، ص57.
(8) المصدر السابق،
ص58.
(9) هذه هي، مثلاً،
وظيفة مبدأ "العلة الكافية": "التحليل أحادي
الجانب للواقع الثقافي من "وجهات نظر" معينة...
يكون بريئاً من تهمة الاعتباط بقدر ما يفلح في تقديم تبصّرات
في الترابطات التي يتبيّن أنها ذات قيمة في تفسير الحوادث
التاريخية الملموسة تفسيراً علياً" (لمصدر السابق،
ص71).
(10) "رسالة
اللورد تشاندوز"، في أعمال نثرية مختارة، لندن 1952،
ص133 ـ 135.
(11) ر.م. ريلكه،
مراثي دوينو، 1، نيويورك 1972، الأبيات 69 ـ 78.
(12) "المأزقية!"
هكذا يفتتح جورج لوكاش مقالة لـه عن ستيفان جورج ("العزلة
الجديدة وشعرها"، في كتابه الروح والشكل، لندن 1974،
ص79). ليقول لاحقاً في هذه المقالة: "الإنسان في أناشيد
جورج... هو إنسان متوحّد منقطع عن كل الروابط الاجتماعية.
ومحتوى كلّ أنشودة بمفردها ومحتوى كليتها هو شيء ينبغي على
المرء أن يفهمه، لكنه لا يستطيع قط: وهو أنَّ اثنين من البشر
لا يمكن قطّ أن يصيرا واحداً... ما من شكوى في قصائد جورج
عملياً: إنها تنظر إلى الحياة مباشرةً، بهدوءٍ وربما باستقالةٍ،
إنما بشجاعة على الدوام، وبرأس مرفوع على الدوام... وداعٌ
جميلٌ، قويٌّ، شجاعٌ، على طريقة الأنفس النبيلة، دون شكوى
أو رثاء، بقلبٍ كسيرٍ إنما بخطى ثابتة، "مؤلَّفةٍ"
على النحو الذي يقتضيه التعبير الرائع، الجامع، الشبيه حقاً
بما نجده لدى غوته" (المصدر السابق، ص87 ـ 90).
(13) سيغموند فرويد،
الحضارة ومنغصاتها، في الطبعة الموثوقة لأعمال سيغموند فرويد
التحليلية النفسية الكاملة، تحرير جيمس ستراتشي وآنا فرويد،
المجلد 21 (1927 ـ 1931)، لندن 1961، ص76.
(14) "هملت ومشكلاته"،
الغابة المقدّسة (1920)، لندن 1967, ص 100، التشديد لي.
(15) حول هذه الموضوع،
انظر كتاب تيري إيغلتون منفيون ومهاجرون: دراسات في الأدب
الحديث، لندن 1970، ص140: "في القصائد الباكرة، لم
يتحقق المعادل الموضوعي، بمعناه الذي يتجاوز المخيّلة المحلية؛
أو بكلام أدقّ، كان موضوع بعض هذه القصائد الباكرة هو ذاته
البحث عن المعادل الموضوعي".
(16) ج.فيرارو، Il
ligaggio dil mito، ميلانو 1979، ص164 ـ 165.
(17) المصدر السابق،
ص22.
(18) كلود ليفي شتراوس،
الفكر البرّي، لندن 1962، ص223.
(19) "...لا
يوقر الكون قطّ ما يكفي من المعنى و... لدى العقل دوماً
من المعاني المتاحة ما يزيد على الأشياء التي ينيط بها هذه
المعاني". إن هذا التباين على وجه التحديد بين عالم
"فقير" أشدّ الفقر في المعنى وثقافةٍ "غنية"
أشدّ الغنى في القيم غير القابلة للتطبيق هو ما تحاول الأسطورة
أن تداويه. (كلود ليفي شتراوس، الأنثروبولوجيا البنيوية،
هارموندزورث 1972، ص184).
(20) الفكر البرّي،
ص22.
(21) المصدر السابق،
ص21.
(22) الماضي بوصفه
كومة هائلة من المواد التي يمكن أن نستخدمها كما نريد: من
وجهة النظر هذه، تكون الأرض اليباب الترجمة الأدبية لواحدة
من مؤسسات القرن التاسع عشر الثقافية العظيمة: المتحف. فالعمل
الفني المحفوظ في المتحف هو على الدوام، مثل "مقبوسات"
إليوت، نتاج عملية نَزْعٍ من السياق: فلكي يُجلب ذلك العمل
إلى المتحف, لا بدّ من نزعه من محيطه الأصلي. و(بعبارة مبتذلة،
لابدّ من سرقته: وملاحظة إليوت
ـ "الشعراء الأغرار
يقلدون، أمّا الشاعر الناضج فيسرق" ـ كان يمكن للورد
إيلغن أن يتخذها شعاراً). غير أنّ القطعة الفنية في المتحف
تُبْعَد، بالمقابل، عن عاديات الزمن وتُسْتَخَدم جميع الوسائل
اللازمة لإسباغ الخلود عليها: والمثل, فإنَّ ترتيب سرقات
الأرض اليباب ضمن البنية الأسطورية يهبها ذلك السريان المتجاوز
للزمن.
(23) الفكر البرّي،
ص232، 234. ويعبّر كلود ليفور عن مفاهيم مماثلة في مقالةٍ
تعود إلى العام 1952، هي: “Societes sans histoire et historicite”,
in les formes de L,histoire, باريس 1978، ص39.
حيث يقول: "وكذلك
تجد المجتمعات البدائية نفسها في وضع يضطرها لمواجهة "الأحداث"،
لكنها لا تمتلك ثقافة قادرةً على أن تضفي قيمة على هذه الأحداث.
هكذا يظهر "الحدث" و"المعنى" ككيانين
لا سبيل إلى التسوية بينهما: "مهما يكن تأثير الحدث
وانتشار مفاعيله في المجتمع والثقافة، فإنه لا يفضي إلى
اشتغال ديالكتيك التغيير. فهو ليس حاملاً للمعنى؛ إذ يبدو
البشر عازمين على تمثله، وعلى تفضيل التسوية بين ضرورات
التكيّف والرغبة في المحافظة وعدم الاستسلام لفتنة الجديد
بأي حال من الأحوال".
(24) أوزوالد شبنغلر،
تدهور الغرب، لندن 1926، ص 26.
(25) المصدر السابق،
ص112. مع أنّ لـ"ثقافة" شبنغلر تقليداً ألمانياً
نوعياً ومديداً يقف وراءها، إلا أنها تتوافق في نقاطها الأساسية
مع "أسطورة" إليوت.
(26) انظر:
Lucien Febvre, “De Spengler ? Toynbee. Quelques philosophies
opportunists de l’histoire”, Revue de Metaphysique et
de Morale, Paris 1936, pp.578.
(27) الأنثروبولوجيا البنيوية، ص 211.
(28) ثيودور أدورنو، "النجوم تتنزل إلى الأرض:
عمود الأبراج في اللوس أنجيليس تايمز: بحث في الخرافة الثانوية"،
في: Jagrbuch fur Amerikastudien، هيدلبرغ 1975، باند 2،
ص27.
(29) كلينث بروكس، الشعر الحديث والتقليد، نيويورك
1965، ص167.
(30) لا يكون النظام ما قبل البرجوازي قد عرف علم النفس
بعد، أمّا المجتمع مفرط التصنيع فيكفّ عن معرفته... فالبنية
ـ السلطة الاجتماعية تكاد تكفّ عن أن تكون بحاجةٍ إلى توسّط
فعاليات الأنا والفردية... والأنماط المعاصرة حقاً هي تلك
الأنماط التي لا يدفع أفعالها الأنا ولا اللاوعي، إذا شئنا
الدقة، بل ميول أو اتجاهات موضوعية متماثلة مثل إنسان آلي.
فهي تؤدّي معاً طقساً فارغاً من المعنى والحسّ على وقع إيقاع
قسري متكرّر ومُقْفِرٍ لوجدانها وعاطفتها..." (ت. أدورنو،
"علم الاجتماع وعلم النفس ـ New Left Review,II، 47،
كانون الثاني ـ شباط 1968، ص 95).
(31) وهذا ما يقرّب هذا العداء، بالمناسبة، من أول
تجليات الأدب الجماهيري الكبرى. فعالم الرواية البوليسية
ليس مأهولاً أيضاً إلا بمثل هذه الصور النمطية، تلك الحوامل
البسيطة والنقية لدور اجتماعي: وكل من لا يبقى منسجماً مع
ما هو عليه لا بدّ أن ينتهي كمجرم. ومن المفيد في هذه النقطة،
وسواها ـ على الرغم من استحالة ذلك هنا، للأسف ـ أن نقارن
بصورة منهجية بين عمل إليوت وعمل فاغنر: حيث كانت ثلاثية
فاغنر أول محاولة لإقامة ثقافة أوروبية متقدمة على بنية
أسطورية.
(32) ثمّة استثناءان فقط: الأبيات 359 ـ 365 والأبيات
422 ـ 433. الأول هو مقطع ذو فائدةٍ مشكوك فيها (إذ أوحى
به، كما يقول إليوت، ما حدث خلال إحدى الحملات الاستكشافية
إلى القطب الجنوبي)؛ والثاني هو صدى لطريقة التأليفا لمستخدمة
في الأقسام الثلاثة الأولى، والتي لطّفها الآن تماماً ذلك
الواقع الأمثولي ـ التعليمي المسيطر.
(33) هذا المصطلح (Personage: شخص مشهور أو مهمّ؛ شخصية
تاريخية أو أدبية) كان قد بَطُل استعماله وغدا قديماً وبالياً
في أيام إليوت؛ ولعلّه يستعمله ـ بمعنى "الأهمية"
ـ لأنه يتيح لـه أن يعيد الصلة بين معانٍ كانت قد تطورت
منفصلة عن بعضها عن بعض، بمرور الوقت و تخصيص اللغة: "الشخص
الواقعي"، "الشخصية الأدبية"، الممثل"،
"الدور الاجتماعي".
(34) ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، ديالكتيك التنوير،
لندن 1973، ص31.
(35) مؤكّد أنني لا أعني أنَّ المحظورات والتابوات
لم تعد موجودة في الثقافة الجماهيرية. ما أعنيه هو أنَّ
المُحَرَّم لم يعد ذلك المصدر الخفيّ للإنتاج الثقافي، كما
كان الحال في النظام الفرويدي الذي قام، ليس مصادفة، على
مفهوم "النفي"، الذي يقضي بأنَّ ظاهرةً ثقافيةً
ما لا يمكن أن توجد إلا بقدر ما "تنفي"، أي تحرّم،
رغبةً مقبولة. وكما يلاحظ ماركوزه بحقّ في الأسطر الأولى
من إيروس والحضارة، فإنَّ "التضحية المنهجية بالليبيدو...
هي ثقافة" بالنسبة لفرويد (لندن 1972، ص23).
غير أنه يبدو لي أنَّ الديناميات المعنية قد تغيرت
خلال العقود الماضية وأنَّ المجالات المُحَرَّمة قد تضاءت
باطّراد وغدت مجرد بقايا مُقدَّر لها أن تتآكل بمرور الوقت:
قد يُنْظَر إليها على أنها عقبات، وعلى أنها تقييدات مؤلمة
أو حتى لا تُطاق: لكنها لم يعد لها ذلك الدور المؤسِّس فيما
يتعلق ينظامنا الثقافي. فليس الأمر إذاً أنَّ التابوات قد
اختفت، بل أنَّ وظيفتها قد تغيّرت.
(36) "...المعرفة المتضمّنة في مفهوم أسطوريّ
هي معرفة مشوّشة، مكونة من تداعيات هشّة، لا هيئة لها، ولا
بدّ من التشديد الدائم على هذا الطابع المفتوح الذي يتّسم
به المفهوم؛ فهو ليس ماهية مجرّدة، نقية؛ بل تكثيف سديمي،
لا شكل لـه ولا استقرار... وهذا يعني أنَّ المفهوم أفقر
من الدال بكثير، على المستوى الكميّ، فهو لا يفعل شيئاً
على الأغلب سوى إعادة تقديم نفسه" (رولان بارت، "الأسطورة
اليوم" في أسطوريات، لندن 1972، ص119 ـ 120). وعلينا
أن نتذكّر أنَّ بارت يتناول الأسطورة اليوم، كما يشير عنوان
هذا الفصل من كتابه، الأمر الذي نزع النقد الأنثروبولوجي
إلى إغفاله.
(37) هوركهايمر وأدورنو، ص131.
(38) رولان بارت، في:
“Structure du fait divers”, in Essais critiques,
Paris 1964, pp 196-7.
(39) انظر، جان بودريار في:
La Socitè de consummation: ses myths, ses structures,
Paris 1970, pp. 39, 113.
(40) المصدر السابق، ص80 ـ 81: "يختبر المستهلك
[عملية التمايز من خلال الاستهلاك] على أنها حرية، هدف،
خيار لسلوكه المميّز، ولا يختبرها كإجبار على التمايز وخضوع
لسنّةٍ ما. فأن يميّز المرء نفسه يعني في الوقت ذاته وعلى
الدوام أن يقيم نظام الاختلافات الذي هو، منذ البداية، واقع
المجتمع الكلّي والذي يتغلّب على الفرد حتماً... غير أنّ
إجبار النسبية هذا هو الذي يقضي... بألا يقف نقش التمايز
هذا عند حدٍّ أبداً. فلا يسعه سوى أن يقدّم مبرراً لطابع
الاستهلاك الأساسي، طابعه اللامحدود، الذي يشكّل بعداً يتعذّر
تفسيره بالنسبة لأي نظرية في الحاجات والإشباعات... العلامة
المميزة هي إيجابية وسلبية على الدوام، وهذا على وجه التحديد
ما يجعلها تحيل إلى علامات أخرى على نحوٍ متواصل وتُحْدِث
إشباعاً جوهرياً لدى المستهلك".
(41) فريج، ص62 ـ 63.
(42) ثمّة إعادة باء لهذه السيرورة ضمن الثقافة الإنجليزية
نجدها في:
Lucianp Anceschi, Da Bacone a Kant, Bologna 1972.
(43) هربرت ماركوزه، الإنسان ذو البعد الواحد، لندن
1972، ص82.
(44) بودريار، ص191، 197.
(45) يمكن أن نجد برهاناً غير مباشر على هذا الأمر
في كتابات إليوت النظرية. فالقراءة المتمعنة تبيّن أنه يكاد
أن يكون من المستحيل الكلام على "جماليات" إليوت،
حين نعني بالجماليات رسم الحدود الدقيقة لمجالٍ مستقلٍ.
فمنذ مقالاته الأولى، كان إليوت مهتماً بالفن ليس لسماته
المميزة وحدوده تالياً، بل لقدرته على الإدماج: حيث بدا
لـه تلك الوسيلة المثلى للإطاحة بالحدود بين المجالات الثقافية
المتعددة وإعادة توحيدها. وجميع ملاحظاته الشهيرة تتحرك
على نحو واضح في هذه الوجهة: على الفن أن يكون جامعاً مشتملاً
على كل شيء وأن يفضي إلى تشكيل "كليّات متكاملة"،
ويعيد اللحمة بين الحسّ والفكر...
(46) هذا المقتبس من الخطاب الثاني في كتاب شيللر في
تربية الإنسان الجمالية، لندن 1954، ص26.
(47) أثارت هاتان الجملتان الأخيرتان اعتراضات كثيرة.
ولأنّ ما كُتِبَ قد كُتِبَ، فقد تركتهما على حالهما، على
الرغم من أنني أشعر الآن بأنَّ التعبير كان مُضَلِّلاً وأنَّ
الفكرة ككلّ قد تمّت صياغتها بطريقةٍ غير مكتملة. فما أعنيه
ـ ولا أزال ـ هو أنَّ "الثقافة السائدة" ـ نظام
القيم الأشمل في المجتمعات الغربية ـ لا صلة لها بالحرب
وتعاديها في جوهرها. فقد فقدت الحرب ما كان لها من أهمية
في أوروبا القرن التاسع عشر (دع عنك التشكيلات الاجتماعية
الأسبق). وهذا ما يجعل الحروب التقليدية ـ القائمة على التجنيد
الإلزامي طويل الأمد، الذي يمثل الطريقة "الديمقراطية"
في تشكيل جيش ـ أكثر فأكثر صعوبة، إنْ لم تكن غير قابلة
للتصور. ولهذا ربما تكون المجتمعات الغربية قد غدت عاجزةً
كمجتمعات ـ أي ككيانات جمعية منخرطةٍ في حراكٍ عام ومرتبطة
معاً بمجموعة من المبادئ المشتركة، مثل فرنسا ما بعد الثورية
عند نهاية القرن الثامن عشر ـ عن شنّ الحروب وكسبها. غير
أني أدرك الآن أنني أغفلت كثيراً تلك التطورات التي اعترت
التكنولوجيا العسكرية وجعلت نموذج "الحرب الديمقراطية"
نموذجاً بَطُلَ استعماله. فالحروب المعاصرة تُخَاض ـ وقد
خيضت ـ بمجموعةٍ من الجنود المحترفين، أو بفريق من الخبراء
النوويين. وبذلك لم تعد بحاجةٍ إلى نظام قيم "محارب"
أو "عدواني" وإلى مجتمع متلاحم يشكل خلفيتها الداعمة.
وإذا ما مضينا أبعد بهذا السجال، فإننا نواجه التناقض الذي
مفاده أنّ الحرب يمكن أن تقع الآن لأنّ الثقافة السائدة
تشعر بانعدام الصلة أو العداء تجاه كلّ ما يهمّ الدولة.
فحقيقة الأمر أنَّ "فردوس الحريات" يعمل في الاتجاهين:
حيث يحرر "الحياة اليومية" ويترك الدولة، في الوقت
ذاته، حرّة أكثر من ذي قبل في أن تعمل من خلال كيانات مستقلة
لا يمكن أن يمارس عليها سوى أقلّ قَدْر من الضبط العام إذا
ما مورس أصلاً. وكان ألكسيس دي توكفيل قد لخّص هذا الوضع
ببلاغة قبل مئة وخمسين عاماً، إذ قال: "الأمم الديمقراطية
ترغب في السلام بطبيعتها أما الجيوش الديمقراطية فترغب في
الحرب".
(48) ماكس فيبر، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية،
لندن 1965، ص53.
(49) المصدر السابق، ص80: "...تقويم القيام بالواجب
في الشؤون الدنيوية على أنه الشكل الأرفع الذي يمكن للنشاط
الأخلاقي لدى الفرد أن يتّخذه... أسبغ على النشاط الدنيوي
دلالة دينية حتمية, و... خَلْق فكرة النداء بهذا المعنى".
ـ فرانكو موريتي
ـ ت. د. ثائر ديب