قراءة
في أبجدية
الشاعر ناقدا
يقترب
الشاعر في
ملامسة المتخّيل
الإبداعي
من ثنائية
الخلق و التشكيل
معا، حيث يقتحم
عوالم الكتابة
وهو مدجّج
بالرؤى الباعثة
على إنتاج
الموقف ضمن
الراهن المعيش
في شتى تمظهراته،
حينها يرتقى
الشاعر إلى
رتبة الرائي
الخالق و المبدع
و المنظّر
في الوقت ذاته،
فيغدو الإبداع
لديه ثنائي
الإخراج ؛خلق
و توليد متخيلات
شعرية من جهة
و رؤى و موقف
و تنظير من
جهة أخرى ...،
من هنا تطرح
هذه الورقة
للمقاربة
خصوصية الشاعر
الناقد وفق
ثنائية الخلق
و التنظير.
لمقاربة
الرؤيا السابقة
أنطلق في طرح
مجموعة من
الأسئلة الإجرائية
التالية :
" هل اهتم الشاعر
العربي المعاصر
بتجربته الشعرية
الإبداعية
أم عمل على
تعدي هذه التجربة
بأن يحاول
أن يفهم حقيقتها
,و يبحث عن
دوافعها و
سياقاتها
؟
* أين
موقع الشاعر
المبدع من
حركية المثاقفة
الإبداعية
العامة و ما
هي علاقته
بالملموس
النقدي المنسوج
حول شعره أو
شعر زملائه
من الشعراء
؟
* ما
الذي يجبر
الشاعر على
تخطي عتبة
الشعر و الوقوف
عند الممارسات
التنظيرية
للشعر؟ وهل
للتنظير النقدي
عند الشاعر
قيمة أدبية
تضاف إلى قيمة
أثره الإبداعي
السابق ؟
* ثم
ما هي علاقة
هذا التنظير
النقدي بالمدوّنة
النقدية الأكاديمية"
الكلاسيكية"
عند النقاد
المحترفين
؟
أعتقد
أن الشاعر
هو أول ممارس
للعملية النقدية
و لو كانت
تلك الممارسة
ممارسة ضمنية
فقط لا تتعدى
دخيلاء نفسه
لحظة المخاض
الإبداعي
،"فلا شك في
أنه يبذل جهدا
مهما في المستوى
الشخصي المتعلق
بشعره حين
يسعى إلى بلوغ
حد من النضج
الذي يضع عمله
الإبداعي
فيه ليقدمه
مطمئنا إلى
متلقيه"(1)
,و هذا ما يجعل
من الممارسة
النقدية الذاتية
عند الشاعر
لا تتعدى حدود
التقويم الذاتي
للناتج الإبداعي
لديه، قبل
أن يُصدّر
إلى الناقد
المحترف أو
الأكاديمي
،"فليس الشاعر
في ذلك بمختلف
عن أي شخص
آخر يريد لعمله
بلوغ حالة
من الجودة
و القبول في
حدود أوسع
في قناعته
الشخصية ,لأنه
يطمح إلى نيل
رضا الآخرين
و إعجابهم
"(1).
و لكن
هناك طائفة
أخرى من الشعراء
لم تكتف بهذا
المستوى من
النقد أو التنقيح
الذاتي لكتاباتها،
وإنما عملت
على اقتحام
فضاءات النقد
والتنظير
ضمن حركية
مثاقفة واسعة
الآفاق ,تتطلع
نحو خلق أنموذج
من الكتابة
المدعّمة
بالطروحات
التنظيرية
المواكبة
للراهن الإبداعي
في شتى تمظهراته
ووفق سياقات
و أيديولوجيات
آمنوا بها،
وجعلوها منطلقا
فلسفيا للعملية
التنظيرية
والتقويمية
معا، من خلال
سعيهم "إلى
تقديم أفق
من الكتابة
النقدية التي
تعكس وعيا
و خبرة و ثقافة
جعلتهم مؤهلين
لوصف خاص بهم
هو : الشعراء
ـ النقاد"(1)
، خاصة عندما
ابتعد نقدهم
عن الرؤيا
الذاتية المتفرّدة
للأشياء،
و أخذ طابعا
رؤيويا مشتركا،
ساعدت في تغذيته
ظهور اتجاهات
أدبية تجمع
عددا من الأدباء
الذين يمارسون
الكتابة و
التنظير انطلاقا
من قواسم مشتركة،
وقد تجلى ذلك
في الأدب الحديث
عند جماعة
الديوان،
وجماعة أبولو،
وأدباء المهجر،
وجماعة الفن
و الحرية أو
السرياليين
العرب، وجماعة
شعر. فأضحت
لهم "ملامح
فكرية و فنية
واضحة، ومستوى
من الثقافة
العصرية،
لم تقف عند
الموروث العربي
وحده، بل استطاعت
أن تنظر إلى
ما لدى الغرب
من مذاهب و
اتجاهات و
تستعين بجوانب
منها لتقديم
رؤية جديدة
تستوعب التجربة
العصرية "(1).
لقد
استطاع الشاعر
الناقد في
تقديري أن
يقرأ اللحظة
الشعرية الهاربة
من الواقع
ضمن نسيج من
العلاقات
الفكرية والثقافية
والاجتماعية،
ويكوّن وعيه
النقدي في
إطار هذه العلاقات
ذاتها، حتى
ولو أضحى أكثر
تأدلجا من
الناقد الأكاديمي
المحترف ذاته،
فالشاعر "فرد
ينسج علاقات
تفاعلية مع
مجتمعه، و
بيئته، في
وقت وزمان
محددين، وبوحي
هذه العلاقات
يواجه ما يعترضه
من عوائق في
سبيل تحرّكه
الفاعل الحرّ،
معتمدا ما
يتيسر له من
وسائل ذاتية
و موضوعية،
ومن خلال هذه
المواجهة
تتضح رؤيا،
ويتبلور موقفه،
لأن الرؤيا
و الموقف،
ليسا سوى تعامل
الشاعر مع
ما يعترضه
من عوائق،
تعاملا صراعيا
لكي يُحقق
وجوده الانساني
الذي لا يكون
إلاّ وجودًا
في موقف".(2)
والواضح
مما سبق أن
الشعر في تقديري
لا يقف عند
عتبة الرؤيا
و توليد الموقف
النابع عنها،
لأنه لو كان
كذلك لما احتاج
الشاعر إلى
طرح مواقفه
النقدية خارج
إطار التشكيل
الإبداعي
الشعري ذاته،
لهذا أعتقد
أن بناء الموقف
النقدي عند
الشاعر يجب
أن ينطلق من
تشكّل المشروع
الاجتماعي
في وعي الشاعر
أولاُّ، وعليه
تبنى فلسفة
التنظير للشعر
بأعتباره
حالة اجتماعية.
فبالرغم
من أن الكتابة
الإبداعية
الشعرية هي
كتابة تنطلق
من آليات فنية
و جمالية سامية
إلاّ أننا
لا يمكن أبدّا
أن ننكر اجتماعية
هذه الكتابة
حتى ولو امتلكت
نسبة من التمييز
والاستقلالية،
فالعلاقة
بين رؤيا الشاعر
و الوسط الاجتماعي
,ليست علاقة
انعكاس آلي،
لأن العمل
الشعري لا
يتحقق إلاّ
بعملية إدماج
بين الشخصي
والاجتماعي
أو الفردي
العام.
وقد
ساعدت ثقافة
الالتزام
في الخمسينات
من القرن الماضي
بناء الموقف
النقدي عند
الشاعر العربي،
خاصة عندما
تبلور المشروع
الواقعي في
إطار واقعية
عربية متميزة
جراء مجموع
الأحداث السياسية
والاجتماعية
والاقتصادية،
حيث أضحى الشعراء
الواقعيون
يعلنون "المبادئ
الوطنية والقومية
والإنسانية،
فيطالبون
بتحرّر الأوطان
من المستعمر
ووحدتها،
وتحرر الشعوب
من التخلف
الحضاري المزري
ونهضتها إلى
مستوى عصر
الذرة وهم
يعتنون بالجانب
المادي للفرد
و يتطلعون
إلى غد أمثل
تسود فيه العدالة
الاجتماعية
بين المواطنين
"(3).
وكان
لهذا الموقف
الواضح أن
تجلى المشروع
النقدي الخمسيني
و الستيني
عند الشاعر
العربي المعاصر
في فضاء من
الإيديولوجيا
الواقعية
عرضه الدكتور
خليل أبو جهجة
في القراءة
التالية :
"لقد
حفل النقد،
بعدّة نظريات
,إزاء الموقف
, الذي على
الشاعر أن
يتخذه في مواجهة
المجتمع و
الحياة و الكون
و تفرّعت تلك
النظريات
في عدّة اتجاهات
أبرزها :
* اتجاه
يدعو إلى الأدب
الهادف الملتزم
.
* اتجاه
يقبل الالتزام
في النثر و
يرفضه في الشعر
.
* اتجاه
ثالث يرفض
الالتزام
بنوعيه و يدعو
لمذهب الفن
للفن ."(2)
إن
تشكل الموقف
النقدي عند
الشاعر العربي
المعاصر وفق
فلسفة و إيديولوجية
الاتجاه الأول
مثلا، سوف
يقود الشاعر
مباشرة إلى
تبني وإثراء
مواقف اجتماعية
مؤدلجة بحكم
الواقع السياسي
المسيطر على
الساحة، لهذا
تصدر إبداعاته
عن التزام
بالنظرية
الاجتماعية،
فيغدو الموقف
لديه وسيلة
من وسائل بناء
الحياة الإنسانية
وتحسينها،
ولذلك فإن
عليه أن يواجه
الواقع بدل
أن يهرب منه،
وألاّ ينظر
نظرة فردية
دون رؤية جماعية."(3)
وقد
كان لأزدهار
النقد الإيديولوجي
أثر كبير في
بناء معالم
نظرية نقدية
موازية للإبداع
الشعري عند
الشاعر العربي
المعاصر ,خاصة
بعدما أكد"الماركسيون"
ضرورة الالتزام
الفني و الإبداعي
و النقدي.
ويستند الماركسيون
في بلورة نظريتهم
النقدية -
الواقعية
الاشتراكية
- على المبادئ
الإيديولوجية
للنظرية الماركسية
التي ترى أن
العمل الأدبي
جزء من البنية
الفوقية التي
تحكمها علاقات
دياليكتكية
مع بنية المجتمع
التحتية،
مع التأكيد
أن العمل الفنّي
تركيب معقد
جدًا، وله
نوعية خاصة،
وأننا قد نكشف
ملامح الصراع
الطبقي في
الفن لكن تفسيره
غير ممكن فقط
في الصراع
الطبقي، لهذا
كان دور الشاعر
في هذا السياق
هو العمل على
جعل تلك العلاقة
الدياليكتكية
علاقة اجتماعية
سليمة لا تعكس
ملامح الصراع
الطبقي فنيا
و إنما تحاول
أن ترتقي بالبروليتاريا
إلى الفن و
لكن ضمن سياقه
المؤدلج. (4)
ولكن
المتتّبع
للملموس الشعري
بعد الحرب
العالمية
الثانية يدرك
مباشرة أن
الموقف النقدي
عند الشاعر
قد تشكّل في
فضاء الالتزام
ولكن وفق قراءات
مختلفة للالتزام
من جهة وللواقعية
من جهة أخرى،
فإذا كانت
الواقعية
الاشتراكية
العربية هي
القراءة المتجسّدة
إبداعا و تنظيريا
فإن الواقعية
اليمينية
و الواقعية
الانتقادية
هما أيضا واقعيتان
لازمتا المخاض
الفكري عند
الشاعر العربي
المعاصر،
وأضحت كل واحدة
منهما فلسفة
قائمة بذاتها
يتغذى منها
التنظير الشعري
عند الشاعر
العربي المعاصر.
خاصة عندما
راح اليمينيون
(السلفيون)
يستقرئون
الماضي لإحياء
الحاضر وبعث
المستقبل
وفق موقفهم
من الماضي،
وهذا عكس النظرة
الاشتراكية
الماركسية
التي تقوم
على استقراء
الحاضر لدخول
المستقبل
في إطار قيم
أيديولوجية
وضعية، "فمن
هذه النقطة
المغتربة
عن واقع الحياة
العربية بكل
موروثاتها
انطلق اليمينيون
في وضع الأسس
الخافتة لواقعيتهم،
فقد أدرك هؤلاء
أن جوهر المبادئ
الاشتراكية
و المتمثلة
في العدالة
الاجتماعية
و الارتقاء
بالإنسان
والقضاء على
الآفات الاجتماعية،
مبادئ سبقت
إليها العقيدة
الإسلامية
منذ قرون،
والأحق بهم
إحياؤها في
إطار واقع
جديد ينبع
من بعث المبادئ
والأسس الدينية.
فبدأت الدعوة
إلى "التمسك
بالشريعة
الإسلامية
على أساس أن
تطبيقاتها
العملية حققت
ما تنشده الإنسانية
من قيم حضارية
متقدمة على
الشعوب المجاورة
والعهود السابقة
..."(3).
أما
قراءة الواقعية
الانتقادية
للمشهد الاجتماعي
العربي فهي
قراءة انطلقت
من نقد الواقعية
الاشتراكية
والسلفية
معا، وفي انتقاد
السلوك النمطي
لدى اتباعهما،
ويمثل هذا
الاتجاه في
الكتابة مجموع
الشعراء الذين
انطلقوا في
تنظيراتهم
و إبداعاتهم
من أعلى مراتب
الواقعية
لتبنى الالتزام
الذاتي المتحرّر
من كل أشكال
القيود السلفية
والإيديولوجية
,بعد رفضهم
لنمط الأديب
المقيّد بالشعارات
و المكبّل
بفلسفتها.(5)
وقد
فصّل الدكتور
خليل أبو جهجة
في الطرح السابق
حين قسم الموقف
الشعري في
لبنان مثلا
ضمن الرؤية
النقدية الشاملة
في مرحلتي
الخمسينيات
والستينيات
إلى قسمين
رئيسيين هما:
* اتجاه
لا يلتزم نظرية
ذات أبعاد
أيديولوجية
محدّدة و هو
حال الكثير
من شعراء مجلة
شعر أمثال
أدونيس ,و
يوسف الخال
,و خالدة سعيد
,و جبرا إبراهيم
جبرا....
* واتجاه
يصدر عن مذاهب
نقدية أيديولوجية
واضحة المعالم
خصوصا مذهب
(الواقعية
الاشتراكية)
النظرية الفنية
والأدبية
للفلسفة الماركسية
اللينينية.(2)
من
هنا أعتقد
أن شعراء الاتجاه
غير الأيديولوجي
هم الذين قادوا
حركة التنظير
للشعر، انطلاقا
من قناعتهم
الفكرية والفلسفية
البعيدة عن
الالتزام
الأيديولوجي
لأنهم "ليسوا
بعيدين عن
المذاهب الأدبية
الأوروبية
من رومنطيقية
و رمزية ...ولا
من نظريات
الغرب الفلسفية
والسياسية
و الاجتماعية
,خصوصا ما
يعود للثورة
الفرنسية
بمبادئها
التي دعت إلى
النضال قوميا
و إنسانيا
ضمن شعارات
الحرية و المساومات
والعدل "(2)
فمن
بين نتائج
الاحتكاك
بالثقافة
الغربية في
عالمنا الإبداعي
ظهور ظاهرة
الشاعر الناقد
الذي يحاول
جاهدا أن يؤسس
في تنظيراته
وإبداعاته
معا لمدرسة
في الكتابة
الشعرية،
توضع ضمن فلسفتها
أسباب وقواعد
و أصول و استشرافات
الكتابة. ويرجع
هذا في تحليلي
إلى تقمص الشاعر
العربي المعاصر
دور المثقف
المتميز في
عصره شأن شعراء
أوروبا في
القرن التاسع
عشر و العشرين،
الذين لم يكتفوا
بدور المنشدين
الفطريين
للشعر وإنما
"كان أكثرهم
من مثقفي عصرهم
البارزين،
وتظهر قصائدهم
كأنها التطبيق
الممكن لتبنيهم
أو لريادتهم
موجات جديدة،
ولقدرتهم
على احتواء
الأفكار والنظريات
والفلسفات
التي عاصرتهم
"(6)
و تشير
الأستاذة
فاطمة المحسن
إلى نقطة مهمة
مفادها أن
الموقف النقدي
عند الشاعر
العربي المعاصر
قد سبق تطبيقاته
الشعرية أو
على الأقل
لم يتماشى
مع ممهداتها
النقدية تقول
:
"...إن
منظري الشعر
من الشعراء
العرب، في
الغالب، هم
الأقل حظا
في النجاح
الشعري، عدا
أدونيس ونازك
الملائكة
في نجاحها
النسبي، ولدينا
أمثلة بارزة
وبينها أمين
الريحاني
رائد الحداثة
الأدبية العربية
وواضع أصول
الشعر المنثور
,و لم تكن خلاصة
جهوده التطبيقية
في ديوان(الريحانيات)
إلاّ الدليل
البيّن على
فشل الشعر
الذي يحاول
قبل الأوان
استباق الممهدات
الممكنة لظهور
الموجات الجديدة.
و لم يبق في
ذاكرة الأدب
الكثير من
شعر الشعراء
النقاد من
مدرسة الديوان،
ويصح هذا التصوّر
على شعر جبرا
إبراهيم جبرا
لاحقا و يوسف
الخال، وسلمى
الخضراء الجيوسي
وحتى محمد
بنيس..."(6).
أعتقد
أن ما ذهبت
إليه الأستاذة
فيه جانب كبير
من الصّحة
خاصة إذا ما
وقفنا على
صمود المناهج
النقدية التقليدية
لفترة طويلة،
والتي أبطأت
بصمودها هذا
حركة الحداثة
الفكرية والاجتماعية
لعقود عديدة،
ووضعت في طريقها
معيقات كثيرة
حالت دون وصولها
إلى التكوينات
الاجتماعية،ونظمها،
وبالتالي
تمثلاتها
الأدبية،
فقد "كان القرن
العشرون مؤشرا
لتسارع عملية
التبدّل في
الأفكار و
النظريات
و الفلسفات
و بالتالي
المناهج في
قراءة الشعر
,فنشأت المدارس
المتداخلة
في النقد وأسهم
شعراء الغرب
ربما أكثر
من نقاده بحمية
في بلورتها
,فكان لهم
الريادة في
تبني التطبيقات
النقدية و
المدارس الفرعية
التي ظهرت
نتيجة لها
."(6)
و لهذا
أضحى التنظير
النقدي عند
الشاعر العربي
المعاصر تنظير
ثقافيا مرّ
خلاله بمرحلتين
أساسيتين
هما: مرحلة
التلقي، ومرحلة
الاستيعاب.
فبالنسبة
للمرحلة الأولى
كان الشاعر
في تقديري
يقف أمام الدياليكتكية
الغربية موقف
انبهار تارة
و موقف المقلّد
تارة أخرى،
خاصة و هو
يعي بإرادة
أن دوره في
هذه المرحلة
- على الأقل
- هو دور المتلقي،
فلقد "ساعد
دور الشاعر
المتلقي غير
مستوعب لتلك
النظريات
على إحداث
تلك الفجوة
بين الشعر
المثقف، والشاعر
المثقف. القصيدة
الحديثة هي
نتاج تثاقف
مع الغرب قبل
كل شيء ,و لكنها
لم تكن البرهان
الساطع على
ثقافة الشاعر
الحداثية
على الأقل
..."(6).
أما
مرحلة الاستيعاب
فقد أخرجت
إلى الساحة
الفكرية شاعرا
ناقدا يتمثل
معالم الحداثة
العربية في
شتى تمظهراتها،
و أعتقد أن
مرحلة بيروت
في الخمسينيات
والستينيات
قد عملت على
تشكيل نماذج
من الشعراء
النقاد خاصة
ضمن فضاء جماعة
شعر، أمثال
نازك الملائكة،
وخالدة سعيد،
وأدونيس،
وجبرا إبراهيم
جبرا ويوسف
الخال، ثم
أعقبتها موجة
إصدار البيانات
الشعرية التي
بدأت في العراق
على يد الشعراء
من جيل ما
بعد الحرب
العالمية
الثانية أمثال
نازك الملائكة
في مقدمة ديوانها
شظايا ورماد،
ومقدمة ديوان
توفيق صائغ
التي كتبها
سعيد عقل،
ومقدمة ديوان
"سريال" لعبد
الرحمان الأسدي
وأروخان ميسر،
و امتدت إلى
مرحلتي السبعينات
و بداية الثمانينات
في كتابات
نزار قباني
النثرية وأدونيس،
وصلاح عبد
الصبور وعبد
المعطي حجازي،
و محمد الفيتوري
ومحمد بنيس
وغيرهم.
وكانت
مجلة "الآداب"
البيروتية
قد طلبت من
الشعراء البارزين،
في حركة الشعر
الحر، أن يكتبوا
شهادات عن
تجربتهم الشعرية،
ضمن سياق تقييم
تجربة الشعر
الحر في عمومها
وما حققته
من إنجازات.
فكتب صلاح
عبد الصبور
مثلا إلى جانب
أقرانه البارزين
ما كان بمثابة
البذور التي
تفرعت عنها
كتب كاملة(7)،
إذ أصدر عبد
الوهاب البياتي
كتابه "تجربتي
الشعرية"
في بيروت عام
1968، ولحق به
صلاح عبد الصبور
في العام التالي
بكتاب "حياتي
في الشعر"
الذي صدر عن
دار العودة
في بيروت 1969،
وتبعهما سميح
القاسم بكتابه
"عن الموقف
والفن: حياتي
وقضيتي وشعري"
الذي صدر عن
الدار نفسها
1970،ولم يتأخر
أدونيس طويلا
فأصدر كتابه
"زمن الشعر"
1972 الذي حمل
خلاصة آرائه
ولحق به نزار
قباني بكتابه
"قصتي مع الشعر"
1973.
وكانت
هذه الكتب
الخمسة، المتتابعة،
علامة دالة
على تغير وعي
الشاعر المعاصر
بفنه، وإلحاحه
على هذه المغايرة
في علاقته
بالسابقين
من ناحية،
وعلاقته بفنه
، ماهية ووظيفة
وأداة من ناحية
ثانية، وعلاقته
بالقارئ الذي
يتلقى والمجتمع
الذي يستقبل
من ناحية أخيرة.
وقد كشفت هذه
العلاقة،
في تجاوبات
سياقاتها،
عن المكانة
المتميزة
التي أخذ يحتلها
الوعي التنظيري
للشاعر المعاصر،
في موازاة
الممارسة
الإبداعية
وفي علاقته
معها، على
نحو أصبح جانباً
مائزاً من
وعي الحداثة
ومكونا من
مكوناتها،
وذلك من حيث
انقسام هذا
الوعي على
نفسه، وتحوله
إلى فاعل للتأمل
ومفعول له
؛حيث يستوي
في ذلك تأمل
الفعل الإبداعي
الذي يتطلع
إلى حضوره
الذاتي بالقدر
الذي يتطلع
إلى حضور العالم
خارجه، أو
التأمل التنظيري
الذي يبرر
به المبدع
مسار فعله
الإبداعي،
مدافعاً عن
مغايرته،
ومؤسساً هذه
المغايرة
بما يمنحها
حق الوجود
وأولوية الحضور،
وذلك من منظور
تضيئه كلمات
صلاح عبد الصبور
عن الشعر الذي
هو جدير بأن
توهب له حياة
بأكملها.
وبانحسار
دور المجلات
الأدبية الفاعلة(8)
ومنابر النشر
الحرة، وضمور
محفزات الجدل
والمعارك
الأدبية،
"تراجع مشروع
الشاعر الناقد،
ولكن هذا الدور
يبدو الآن
في تفاعل جديد،
ونتخيل أن
أسبابه تختلف
عن السابق
فليس هناك
مؤشر بديل
على توفر منابر
النشر الأدبي
تجمع المواصفات
السابقة ,كما
أن الحياة
الأدبية العربية
يشوبها الخمول
والتعب والتشتت
وفي الظن أن
الشاعر في
دوره الجديد
يجد بعض عزاء
بسبب انحسار
مكانة الشعر
."(6)
و مما
سبق عرضه أستطيع
أن أحدّد ثلاثة
أسباب رئيسة
لتفاعل مشروع
الشاعر الناقد
في الشعرية
العربية ضمن
السياق الاجتماعي
أوجزها فيما
يلي:
1. الواقع
السياسي العربي
بعد الحرب
العالمية
الثانية،
وما أفرزته
السيطرة الاستعمارية
من مشكلات
ومهمات وقضايا،
تطلبت إعلاء
الموقف وصياغة
الطروحات
حتى ولو كان
ذلك ضمن فضاءات
فنية وإبداعية.
2. الواقع
الاجتماعي
المتخلف اقتصاديا،
وانعكاسات
ذلك على البنية
الفكرية الاجتماعية
حيث عمّ الجهل،
والتخلّف
في جل الأقطار
العربية وكان
الشاعر يرى
في هذا الواقع
تكريسا للسياسات
الاستعمارية
البائدة،
من هنا وجب
إعلاء الموقف
ضمن أطر نضالية
إلزامية تارة
و ملتزمة تارة
أخرى.
3. ولادة
فعل المثاقفة
التفاعلية
مع الآخر في
إطار الالتقاء
بالفلسفات
والنظريات
الأدبية العالمية
"والتفاعل
معها خصوصا
تلك التي غزرت
على الساحة
العربية, مع
بدء السيطرة
الاستعمارية
على بلادنا,
واتساع الاحتكاك
مع العالم,
اقتصادياً
وسياسياً،
وحضارياً
وثقافياً.
ومع تعدّد
الاتجاهات
السياسية
و الأيديولوجية
والأدبية
على الساحة
العربية."(2).
مبررات
الكتابة النقدية
عند الشاعر:
لإدراك
مبررات الكتابة
النقدية التنظيرية
عند الشاعر
العربي المعاصر
يجب الوقوف
عند علاقة
الشاعر بالنقد
من خلال ضبط
موقف هذا الأخير
من العملية
النقدية ذاتها.
خاصة إذا علمنا
أنه في كثير
من الحالات
(عند الشعراء)
نجد أن "العمل
الإبداعي
قادر على إبراز
رؤيته النقدية
بهيئة أفضل
مما هو الحال
في التنظير
لها ."(2)
ينطلق
موقف الشعراء
في النظر إلى
العملية النقدية
(النقد) من
ضرورة الحكم
على الأثر
الإبداعي
انطلاقا من
وعي من عاناها،
أي إعلاء التجربة
الشعرية لدى
الشاعر إعلاءاً
يصل إلى د