حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

جماليات الغواية الشعرية

قراءة في تجربة الشعرية للشاعر صقر عليشي

أنّ المتابع لتجربة الشاعر صقر عليشي الشعرية التي ابتدأت بمجموعته \"بعينيك ضعت\"

عام 1976 حتى مجموعته الأخيرة \"أعالي الحنين\" عام 2003، سيلاحظ أن الشاعر ينتمي

إلى ما أسميه بالشعر العفوي؛ هذا الاتجاه الذي أسس له ووطده نزار قباني وهذا

الاتجاه يهتم ويُعنى بالجزئي واليومي وما هو مألوف، وما يُعرف بالموضوعات البسيطة

أي ما يدعوها جاك بريفر بـ (بذور الواقع) ويدعوها آخرون بـ \"الواقعية الشعرية\"

التي عبّر عنها إيلوار بقوله في ما كان يحلم بها الكثيرون.. أي أن يكون الشعر ملك

أو في متناول الجميع، عندما يصوغ الشاعر شعره بلغة رجل الشارع ولغة الحكيم والمرأة

والولد.. وباختصار أن يكون الشعر عفوياً وليس مصنوعاً بتعمّد..

وصقر عليشي الذي يتبّنى بعفوية هذا الاتجاه في شعره كاملاً، حاول أن يخلق لنفسه

فرادة تميّزه عن غيره، فعزز هذا الاتجاه بأنماط بنائية عدة تسهم في تحقيق الانسجام

في نصه وتعطيه خصوصيته التي تبعده عن الفوضى من ناحية والتي تميزه عن غيره من

النصوص من ناحية ثانية ومن هنا وظّف الشاعر تقنيات المفاجأة والطرفة والمفارقة في

تصعيد نصه، وابتعد فيه عن الغموض وإغلاق  النص كما ابتعد عن معالجة قضايا الوجود

والفناء ويبدو أنّ ذلك عن سبق إصرار وترصد وهذا ما نلحظ الشاعر يصرّح به في قصيدة:

\"توضيح بسيط\" من مجموعته قليل من الوجد:

\"تهمني المسائل الصغيرَهْ

أكثر من مسائل الفناء والوجود

أحب أن أذوق غامض التّفاح

أكثر مما لو أذوقُ

تمرَ الخلودْ

إن وُجدتْ فلسفة أحبها

فإنّها ـ لا شك ـ

فلسفة لها نهود\" ص 94

وهذا الاتجاه العفوي يتميز بخصائص فنية تميزه، مما يعني أنه يجب ألاّ ينصرف الذهن

إلى أن اجترار الكثيرين على الكتابة بهذا النمط استسهالاً وسذاجة، يجعل من هذا

اتجاه في متناول يد من هب ودب مما لا علاقة له بالشعر، إذ إن هذا النمط الشعري هو

من السهل الممتنع الذي تشعره قريباً منك ولكنه بعيد في بداهة أصحابه على النقاط

اللحظات الشاردة عن الذهن وتسجيلها، والتقاط ما نهمله جميعاً؛ لأننا نشعره ساذج؛

ليأتي المبدع ويلمعه ويجّمله ويقدّمه لنا بصورة مبهرة، وبناء على ذلك فإن هذا

الاتجاه هو اتجاه منحاز للتواصل الجمالي مع المتلقين، من هنا لا غرابة أن يحقق

تواصلاً مع الشريحة الواسعة من الناس بخلاف الاتجاه التجريدي الذي يناقش قضايا

الوجود والفلسفة الذي قد لا يحقق تلك التواصلية مع تمتعه بخصائصه الجمالية والفنية

التي تميزه عن مميزات الشعر العفوي.

1- المعجم الشعري:

اللغة مادة متطورة متجددة، وهذا قانون الحياة، لقد أيقن الشعراء المعاصرون أن كل

تجربة لها لغتها، وأن التجربة الشعرية، الجديدة ليس إلا لغة جديدة أو منهجاً جديداً

في التعامل مع اللغة وهذا ما أعطى لغة الشعر المعاصر بعامة تميزاً عن لغة الشعر

التقليدية، وهذا الكلام ينطبق تمام الانطباق على تجربة الشاعر صقر عليشي، فالشاعر

يعبّر عن عصر وعن مقولته الشعري بلغة عصره من هنا قلما نجد اعتماد الشاعر على اللغة

التقليدية فالشاعر لا يبتعد ابتعاداً كبيراً عن اللغة اليومية التي نستعملها أو

نسمعها لذلك فإن لغته تمثل اللحظة التاريخيّة الراهنة للغة سواء على صعيد المفردة

المستعملة أو على صعيد التركيب لذا يمكن القول إن الشاعر صقر عليشي يسهم مع أنداده

من شعراء هذا الاتجاه العفوي في إسقاط هالة القدسية التي تلبست لغة الشعر القديم

ليهبط بها إلى لغة البشر، أي إنه يؤنسن اللغة وينزلها من أبراجها العاجية لتحط مع

الناس، تلتحم بهم، إنها لغة تصدم التقليديين لأنها تسمي الأشياء بأسمائها دون

حوارية، لذلك فإن هذه اللغة هي صورة صادفة عن عصرنا كسرت الحاجز الوهمي بين

المفردات هي مادة للشعرية وأخرى غير شعرية وإنما كل المفردات هي مادة للشعرية

مادامت تعبّر عن الحالة، وتكتسب خَدرتها على الإدهاش من قدرة الشاعر على تشكيلها في

أسبقة تفاجئ المتلقي بما لا يتوقع.

أما المصادر اللغوية لتجربة الشاعر صقر عليشي، فيأتي في مقدمتها مصدر الطبيعة يليه

مصدر الحب، ولا غرابة في ذلك إذ إن تجربة الشاعر تدور في مجملها حول مقولتين

أساسيتين: المكان/ الطبيعة، والأنوثة/ الحب ـ كما نلاحظ ـ لذلك لا غرابة أن نلحظ

سيطرة المفردات المستمدة من هذين الحقلين ـ الضيعة والأنوثة ـ على لغة الشاعر، من

هنا يصح أن تطلق على الشاعر بأنه ابن الطبيعة البار، وفي هذا نزوع رومانسي غنائي،

وتسيطر مفردات الطبيعة والحب على لغة الشاعر في تجربته كاملةً ابتداءً من مجموعة

(بعينك ضعت) وانتهاءً بمجموعته الأخيرة (أعالي الحنين) ففي قصيدة \"أغاني إلى إلزا

الشرق\" نلحظ بروز مفردات حقل الطبيعة الآتية: (الخيول، السرو، يصهل، البراري،

حاكورة، الزيتون، الماعز، الراعي، سفح، الغروب،... يقول:

\".. خيولٌ من السرو

تركضُ في أفق عينيكِ

خلف الجفون العتيقة

ويصهل عمق هناك

وتجفل كل البراري السحيقة..\" ص 37

وهذا الانحياز التام الحقل الطبيعة يتضح في معجم الشاعر عليشي من عناوين قصائده،

ففي مجموعته الأولى تقرأ \"أغانٍ للسرو والساقية والنبع\" و \"دنيا السماوات\" و

\"عين الكروم\" وهي قرية الشاعر والرحم الذي ولدت منه لغة الضيعة، في حين تسيطر على

باقي عناوين المجموعة لغة الحب فتقرأ (بعينيك ضعت) و (رايات حبك) و (وحي العيون)..

كما نلاحظ انحياز الشاعر للتراكيب المستمدة من أخوة الناس مثل (شلوح للريح ص 36،

تأخذ مشواراً، ص 42، مشاوير الهوى ص51..\" وستعزز مفردات حقل الطبيعة في مجموعته

الثانية (قصائد مشرفة على السهل) فتبرز مفردات: النبع، البحر، الشجر، التل، الغابة،

الصباح، السنديان، الدروب، القطن،...\" ولكن الانحياز التام لمفردات حقل الطبيعة

ستتضح بشكل بارز وستسيطر على لغة الشاعر في مجموعته الأخيرة (أعالي الحنين) إذ إن

الشاعر يؤرخ فيها لسيرة المكان / الطبيعة بشكل تفصيلي، ولا يتضح انحياز الشاعر إلى

لغة الطبيعة في عناوين مجموعاته، ولغة قصائدها فقط، فنظرة على أغلفة المجموعات

سترينا \"أشجار، أغصان، عربة، أوراق أشجار، ورود\". أما لغة الحب فهي وإن تزاوجت مع

مفردات الطبيعة، لكنها في الغالب تعتمد التشخيص والمُشَاهد، من هنا نرى تركزاً في

هذه اللغة على مفردات: الحب، العيون، الشَعَر، الفستان، أحببتها، الفتيات، رقصة،

العاشق اسمكِ، منازل القلب، إلزا، أليسا، امرأة، تفاحيات، النهد،...

بقي أن أشير إلى ناحية أخرى في المعجم هي تَكَبُّس مقولة العلو))

الشاعر صقر عليشي، فهو بتأثير من بيئته الجدلية متأثر بتلك المقولة وهذا ما نلحظه

في عنوان مجموعتين هما ((قصائد  مشرفة على السهل)) و((أعالي الحنين))، فالقصائد في

العنوان الأول تأخذ مكان المرتقع الذي يوحي بعلو في المكان، وكذلك كلمة الأعالي في

العنوان الثاني توحي بحنين مختلف كماً ونوعاً عن الحنين العادي إنه الحنين الممتلىء

بالحب والوجد الذي يرفع من قيمتها وهذه الدلالة أي (العلو) نجدها بارزة في عناوين

قصائد كثيرة منها مثلاً ((حيث كل شيء مرتفع)) من مجموعة (قصائد مشرفة على السهل)

و((من على قمة الخيال)) من مجموعة (الأسرار) وقصيدة ((أعلى من الالتفات إلينا)) من

مجموعة (قليل من الوجد)...، وسترد هذه الفكرة منجمة في قصائد كثيرة لتعزيز الحالة

الشعرية والدلالية كما نلاحظ في قصيدة (أحب) من مجموعة الأسرار التي يفتتحها بقوله:

// أحبُّ إلى فوق ما يصعدُ الحورْ// صــ67ــ

وفي قصيدة ((سماء خاصة)) من المجموعة ذاتها إذ يقول في ثناياها:

// .. أنتَ ... لا تشمخ عليها يا حيلْ

هي أعلى .. لا تكابرْ

إننا نعرفُ بعضاً يا حيلْ

هي أعلى

فافسحِ الدرب لها

دون زعلْ // صــ75ــ

نلاحظ أن فكرة العلو هنا أتت في معرض مفارقة شعرية طريفة تقوم على الموازنة بين

شموخ الأنوثة، وشموخ الجبل لتجتاز فكرة العلو لصالح الأنوثة، وهي من المفارقات التي

يلتقطها الشاعر بحرفية.

2- جماليات المقولات الدلالية:

تسطر مقولتا الأنوثة والمكان على نتاج الشاعر كاملاً يردفها مقولات ثانوية أخرى

كمقولة الحزن والموت والفن،

وتسيطر مقولة الأنوثة بشكل واضح على مجموعتي (قليل من الوجد) مقترنة بمقولة الحب

وكذلك على المجموعة الأولى (بعينيك ضعت) في حين تبرز مقولة المكان/ الطبيعة في

مجموعة (أعالي الحنين) في حين تتوزع بقية مجموعات الشاعر على هاتين المقولتين

ومقولات جزئية أخرى وهذا ما سنلحظه فيما يأتي:

2-1: جماليات مقولة المكان/ الطبيعة:

تبرز مقولة المكان في مجموعة (بعينيك ضعت) من خلال قصيدتين هما: ((على الجسر))

وقصيدة ((عين الكروم)). في حين تبرز هذه المقولة في مجموعة ((قصائد مشرفة على

السهل)) من خلال قصيدتي ((نهر العاصي)) و (بيت)، أما في مجموعته ((الأسرار)) فتبرز

من خلال قصيدتين جزئيتين أي تتناولان الجزئي من المكان هما: قصيدة (حوار مع

الجغرافيا) وقصيدة (الكهف) وفي مجموعة (قليل من الوجد) التي تنحاز لمقولة الأنوثة

/الحب، ولا يبرز المكان إلا من خلال قصيدة واحدة هي ((غرفة في باب توما)). وتسيطر

مقولة المكان على مجموعة ((أعالي الحنين)) سيطرة تامة من خلال إبراز المكان يشكل

عام ومن خلال جزئيّاته. ونظرة سريعة على هذه القصائد قبل الدخول في التفصيلات تقدّم

لنا الحقائق الآتية:

1- تصوير العلاقة بالمكان من خلال الجزئي ((الجسر، نهر، العصي، بيت، الكهف،

غرفة..))

2- النظرة الشمولية للمكان من خلال قصائد (عين الكروم)، في المجموعة الأولى

والأخيرة.

3- ارتباط المكان بالطفولة زالجمال عند الحديث عن المكان الريفي سقط رأس الشاعر،

كما تلاحظ انحياز الشاعر لهذا المكان الأئثير لديه، في حين يرتبط المكان/ المدينة

بالعشق والحب، وهنا تحضر النزعة الجنسية، فالمدينة هي ابنة الصخب أي إننا هنا أحلم

ثنائية جمالية بين الريف / المدينة، من خلال ارتباط الريف بمقولات البداعة والبراءة

والنقاء والجمال مرتبطة بوجدٍ شديد وعاطفة جياشة، في حين تحضر الثانية كمكان عابر

احتوى ذكرى مارغاليا هي قصة حب، أو لنقل علاقة مع امرأة تتسم بالحسية وعلى ذلك يمكن

وضع ترسيمة أولية للعلاقة بالمكان في نتاج الشاعر يتمثل كما يلي:

* الدال: دمشق مدلول:

الحب، المغامرات النسائية

* الدال: بيروت (قصيدة الجسر) مدلول:

الضياع وفقدان الأمل

* الدال: عين الكروم مدلول:

الجمال، الولادة، الذاكرة

4- الحقيقة الأخيرة التي تقدمها النظرة العامة على قصائد المكان في

تجربة الشاعر عليشي هي تطور الرؤيا إلى المكان ابتداءً من قصيدته الأولى للمكان

وهذا ما نلحظه من مقارنة قصيدة ((عين الكروم)) في مجموعته الأولى مع مقيلتها قصيدة

((منظر عام)) ((عين الكروم)) في مجموعته الأخيرة وهذا ما سنلحظه في التحليل الآتي.

2-1-1: عين الكروم/ المكان:

يلفت الانتباه في تجربة الشاعر عليشي إخلاصه لوسائله التعبيرية فهو منحاز إلى الرسم

والتصوير ومن هنا تأتي براعته في إضفاء المشهدية الحسية على قصائده جميعاً، وتظهر

هذه الوسيلة التعبيرية في قصائد المكان بشكل يوحي لك أن الشاعر يرسم بالكلمات

المشهد، ففي قصيدة (عين الكروم) وهي أولى قصائد الشاعر المنشورة، نلمح وقوف الشاعر

في بداية النص عند تقديم المشهد العام لعين الكروم المكان فيقول:

// هذه ضيعتي تسامت على الدنيا

مكاناً، وأبدعت تزويقا

يرفل الصباح في محاسنها الغر

ويزهو الغروب حلواً أنيقا // (بعينيك ضعت صـ67ــ)

ثم ينتقل الشاعر من العام إلى الخاص، عبر تصوير الجزيئات فيربط الحب والخمرة،

مؤكداً مقولة النشوة التي يضيفها المكان على زائره، وهنا تحضر الرومانسية الغنائية

عبر إشراك عناصر الطبيعة فالزهو في التلول معربد، وأشجار السرو استحالت نساءً،

والسواقي والغار في حالة هيام، أما القباب فإنها (تلقي على الدهر حديثاً) ثم تحضر

مفردات النبع، والشعاب، ويختم الشاعر هذا المشهد بالعودة إلى ذاته في نهاية

القصيدة:

أنا والليل والشجون، ائتلفنا

لا نطيق البعاد والتفريقا

...   ...   ...   ...   ...

سوف أبقى طيراً يزقزق للصبح

متحصناً – رغم الدواهي – وريقا // صـ72-73ــ

فالمكان هنا هو صورة طبوغرافيا عن الواقع مزدان بلغة شعرية عبر بعض الانزياحات التي

تجنح للتشخيص من مثل (يرحل الصبح، يزهو الغروب، الحسن خمرة،...) وهي ف مجملها

انزياحات قائمة على الاستعارة التقليدية القائمة على المتشابهة. ولكن هذه الرؤيا

للمكان ستتطور بشكل كبير في مجموعة الشاعر الأخيرة، إذ ستصبح الرؤيا الشعرية للمكان

وللغة المعبرة عنه أكثر عمقاً وسيصبح الجزئي الذي لا يلفت الانتباه هو الأكثر عمقاً

في نقل الصورة.

تبدأ قصيدة ((منظر عام (عين الكروم)) (صورة قديمة):

// شجرٌ ذهبت وفقه الروح

دروب صغارٌ كُثُر

لستُ أعرف أين تروح

عَتَم الغيم

بعثرته الرياحْ

سماءٌ بحالة وجدِ

تداعبُ خدّي// أعالي الحنين صـ54ــ

وهنا لا بد من تسجيل الملاحظات الآتية:

1- عنوان القصيدة هنا منظر عام (عين الكروم) متبوع باستطراد هو عبارة (صورة قديمة)

وهذه العبارة صورة قديمة توحي بأن هناك صورة جديدة هي غير تلك المرسومة في مخيلة

الشاعر وهذا يستدعي حنيناً لشيء جميل فُقِدَ.

2- الملاحظة الثانية في مطلع القصيدة وضع الشاعر عبارة (لقطات من زوايا وأوقات

مختلفة) وهذه العبارة تجعل المكان هو الذي يوحد القصيدة من ناحية، وتبرر اعتماد

الشاعر على تقنية المقاطع في بناء نصه، فيقدم في كل مقطع صورة لجزئية ما من المكان.

3- نلاحظ انصهار الذات الشاعرة بالمكان عبر تداخل ضمير الآن باللقطات المعبر عنها

بطريقة قائمة على التماهي، ظذلك نلاحظ ولع الشاعر بالمشهدية الحسية والتصوير

فالمقاطع هي لقطات، وهذا المفردة (لفظة) لها علاقة بالصورة وبالتشكيل والرسم من هنا

لا غرابة إن قلنا إن الشاعر يرسم صورة في هذه القصيدة لقرية عين الكروم.

البناء الفني للقصيدة هنا مختلف، إذن، عن البناء الفني للقصيدة السابقة وإن اعتمد

في كلا النصين على المشهدية، فالقصيدة تعتمد المقاطع التي يقدم كل مقطع منها على

بؤرة دلالية واحدة تتضافر مع البؤرة الأخرى لتقدم النص عبر جامع واحد هو المكان، من

هنا تحضر مفردات الشجرة والدروب، الغيم، نبال، صخور، طائر، عاشقان، صوت الجارة،

التين، عواء الذئاب،... لتشكل المواد الأولية للصورة، ولكن تحضر هذه الجزيئات على

سبيل التذكر فاللقطات الحميمية، وبراءة الريف، وخصوصية المكان الذي يضفي على الحب،

... كل ذاك يحضر على سبيل التذكر، وهذا ما يضفي على النص بعداً درامياً يعززه

العنوان الذي نص على أن كل ذلك (صورة قديمة) وهذا يؤكد مقولة الفَقْد التي توحي

بحنينٍ إلى قيم ذهب أغلبها ولم يعد موجوداً نتيجة اللوثة الحضارية التي أصابت ريفنا

ومدننا فأفقدتها كثيراً من بريقها، ومن هنا فالنص لم يعد تصويراً فقط، وإنما هو

حنين لفَقْدٍ ما، على الأقل هو حنين لذكريات قديمة باتت العودة إليها بمقتبل الزمن

مستحيلة لأنها لم تعد إلا ذكريات والذكريات لا تعيش إلا في مخيلة قائلها أو مَنْ

عاشها ولا تُحدِثُ إلا أسً على زمن جميل مضى.

2-1-2: جماليات الألفاظ الدالة على المكان (جزئيات المكان):

وهنا نتوقف عند الألفاظ الدالة على المكان الجزئي، فعين الكروم هي المكان العام

الذي توقف عنده الشاعر، ولكن الأمكنة الأخرى تحضر في تجربة الشاعر مقترنة بمقولات

مختلفة، فيحضر الجسر في قصيدة (على الجسر) من مجموعة (بعينيك ضعت) وهو الجزء من

المكان معبراً عن الكل وهو (بيروت). وهنا لم يعد المكان ذلك الحاضن الحميمي للشاعر

وإنما صار المكان مقترناً بالأسى، فبيروت هنا في مكان الأسى والألم والموت:

// على \"الجسر\" كنت

أراقب بيروت

أبصر فيها اشتعالي

أراقب زحف اليباس

الذي جاء من جهة البحر

نحو الجبالِ

على \"الجسر\" كنت...

وكان الرصاص عيني.

وكان شمالي // صـ20ــ

وقد يحضر المكان بألفاظ دالة عليه كمفردة (بيت)، وهنا سنتوقف عند قصيدتين تناول

الشاعر فيهما البيت كمكان وحملت القصيدتان العنوان نفسه: (بيت) الأولى في مجموعة

(قصائد مشرفة على السهل) يقول فيها:

// تتوتر عضلاتُ البابْ

ويصرّ على أسنانه حانقاً

والريحُ الشرسة

تريد مزيداً من المصارعة

*       *       *

في الداخل

كل شيءٍ هادئ، ومطمئنْ

أمي

وإخوتي

والموقد

والصراصيرُ ترقدُ حالمة

في شقوق من الجدران الدافئةْ // صـ24ــ

والقصيدة الثانية في مجموعة ((أعالي الحنين)) وحملت عنوان (بيت) أيضاً يقول فيها:

// عاش بريئاً خالصاً من وفير الإسمنت

مستنداً على كمية كبيرة

من الأفقْ

عاش شجاعاً

لم يخف برْقاً

وما تصدعت أحجاره من خشية الرعدِ

ولم يساور طينهُ القلقْ

يعشعشُ الحمامُ والغبار

تحت سقفه

وكان في شباكه متسعٌ

تجلس الطفل مع الحبقْ

95-96

تقوم بنية هاتين القصيدتين اللتين تناولا موضوعة واحدة هي (البيت) المكان على

الصراع الذي يبرز عبر ثنائيات الداخل /الخارج، الحميمي/ اللاحميمي، الأمان

/اللاأمان. ويتضح هذا الصراع في القصيدة الأولى بشكل أكثر بروزاً، فبنية القصيدة

الأولى تقوم على مشهدين دراميين يبرزان الصراع، المشهد الأول يظهر صراع باب البيت

مع الريح عبر تشخيص طريف يظهر الباب إنساناً محارباً ومناضلاً في التصدي بشراسة

الريح، وبذلك يقدم هذا المشهد الصراع، القوة، اللاأمان، اللاحميمي... في حين ينقلنا

المشهد الثاني في هذه القصيدة إلى داخل البيت ليقدم لنا مقولات: الأمان، الهدوء،

الحميمي... فالداخل يناقض ما يحصل في الخارج من صراع.

أما القصيدة الثانية فتعرض لنا الدلالات السابقة نفسها ولكن في صراع درامي أقل

حدّة، إذ تكاد القصيدة تكون سيرة طريفة لهذا البيت؛ من خلال التشخيصي وإختفاء

الصفات الإنسانية على المكان فالبيت يعيش ببراءة ورضا، ويستند إلى الأفق، وفي الوقت

ذاته ه