حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

"ديــــــوان الــزنـــــــادقـــــة" لـجــــــمـــال جــــــمـــعــــة
الـبــحـــــث الــجــــــامــع لـلـــشــــــعـــر الــضــــــائـــع

"ديوان الزنادقة" الصادر حديثاً لدى "دار الجمل"، يجمعه همّ أدبي وفكري واحد، تجميع نصوص الزنادقة الشعرية التي لم يسبق أن ضمّها كتاب في عينه، خشية أن يأتي يوم لا نجد فيه سطراً واحداً منها أو شاهداً شعرياً يفصح عن أفكارهم للأجيال المقبلة. يعرض الكاتب والباحث جمال جمعة في مدخل إلى نصوص الزنادقة الشعرية نبذة عن انبثاق الإسلام ونشأته في الجزيرة العربية، التي كانت في مرحلة ما قبل الإسلام بيئة مدنية متعدّدة ومتعايشة المذاهب والأديان، فيها الوثنية واليهودية والنصرانية والصابئة، والحنفية والمجوسية، وملاحدة قريش وزنادقتها. وكانت مكّة في ذلك الحين مثالاً للتعددية والتنوّع والغنى الفكري والديني والثفافي.
في قلب هذه التعددية، بدأ القرآن دعوته هادئاً ومسالماً وكان على اطلاع واسع على معتقدات الديانات الأخرى. ويبدو ذلك جليّاً في نصوص القرآن حيث ترد مقارعة الحجّة بالحجّة والردود على الخصوم الفكريين وبخاصّة "معطّلة العرب" أو "الدهريين" كما سمّاهم الشهرستاني وهم عبّاد الأصنام والملحدون الذين ينكرون الخالق والبعث والرسل.
اشتدت الصدامات بين الرسول وخصومه الفكريين وفي مقدمهم النضر بن الحارث الذي اعتبره ابن هشام من "شياطين قريش" ودفعه النبي إلى علي بن أبي طالب الذي قتله، ثم خرج الرسول من مكّة إلى يثرب حيث كفّر كلّ من هو على غير دين الإسلام "ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه" ثم عاد إلى مكّة فاتحاً.
استمرّ تيار الزندقة بعد موت الرسول في صدر الإسلام واتسعت دائرة الإلحاد والزندقة والمروق، وغدا الدين في أحيان على هامش الحياة ورهن المتعبّدين والمؤمنين فقط. وظهر في قصائد الشعراء وفي المجالس الشعرية آنذاك "الحنين إلى شرب الخمر والتغني بها، الحيرة من قضية المعاد وفناء الإنسان، التبرّم بالفروض الدينية والتوق لأيام الحريّة الخوالي في الجاهليّة" (ص 26).
كان مفهوم "الزندقة" ملتبساً في بداياته، فمنهم من كان يخلط الزندقة بالدهرية، ومنهم من يعرّفها بالثنويّة أو أتباع ماني، ومنهم من يعتبر الزنديق هو القائل ببقاء الدهر ودوامه ومن لا يؤمن بالآخرة وبوحدانية الخالق. تعدّدت التفسيرات والتحديدات، فالزنديق هو الكافر والملحد والمنشق عن تعاليم دينه أي المهرطق، إلى أن صار لهذا المفهوم في العهدين الأموي والعباسي مدلول خاص. فالزنادقة هم الذين تجمّعوا في الكوفة وكانوا يظهرون الإسلام ويبطنون تعاليم المجوسية والإلحاد.
أتلفت نصوص الزنادقة النثرية واعتقل أصحابها وأمر الخليفة المهدي، ثالث الخلفاء العباسيين، بقتلهم، وكان أنشأ ديواناً وسمّاه "ديوان الزنادقة" وذلك بغية مطاردتهم وتعقّبهم، فغيّبت نصوصهم حتى عصرنا الحاضر. وبما "أن ناقل الكفر ليس بكافر" على حد تعبير الشيخ محمد بن صالح العثيمين، فقد رأى جمال جمعة وجوب تجميع النصوص الشعرية التي تمكّن من العثور عليها بعد جهد جهيد خوفاً من فقدانها واضمحلال هذا التراث، فجمع أشعار ما يزيد على مئة "زنديق"، كعمرو بن هشام الذي سفّه المسلمين وعصماء بنت مروان التي هجت الإسلام وحرّضت على النبي وأهله قبل أن يبعث إليها الرسول من يغتالها.
يذكر جمعة في كتابه المتنبي الذي عثر في بعض أبياته على كفريات عديدة مبثوثة في ديوانه كقوله في صباه ارتجالاً:

"أيَّ محلٍّ أرتقي/ أيَّ عظيمٍ أتقي؟
وكـلُّ ما قد خلقَ الله/ وما لم يخلُقٍ
محتقرٌ في هِمّتي/ كشعرةٍ في مفرِقي".
فهنا لزمه الكفر باحتقاره خلق الله، وفيهم الأنبياء والمرسلون والملائكة. كما وجد في بعض أبياته تجديفاً على الذات الإلهية:
"وفؤادٌ ما تسلّيه المُدام/ وعُمرٌ مثلما تهبُ اللّئامُ"
فاللئيم هو نقيض الكريم وواهب الأعمار هو الله.
عثر الباحث أيضاً على هجاء لشهر رمضان في شعر إبن الرومي:
"إذا برّكتَ في صومٍ لــــقومٍ/ دعوتَ لهم بتطويل العــذابِ
وما التبريك في شهرٍ طويلٍ/ يُطاولُ يومُه يومَ الحسابِ؟!
فليتَ الليل فيه كان شهراً/ ومرَّ نهارُهُ مرَّ السحابِ
فلا أهلاً بمانع كلَّ خيرٍ/ وأهلاً بالطعامِ والشرابِ".
احتوى الشعر العربي على كفريّاتٍ عديدة. فقد قال جميل بثينة هازئاً من فريضة الجهاد مثلاً:

"يقولون جاهِد يا جميلُ بغزوةٍ/ وأيُّ جِهادٍ غيرهنّ أريدُ؟
لكلّ حديثٍ عنـدهنّ بشاشةٌ/ وكلّ قتيلٍ بينهنّ شهيدُ".
لم تقتصر كفريات العرب على الهزء بالقرآن أو بشهر رمضان، أو على احتقار خلق الله أو تهديد المسلمين كما فعل سمّاك اليهوديّ بعد مقتل كعب بن الأشرف، أو على حثّ القبائل على قتال محمّد يوم أحُد، بل تعدّتها إلى ادعاء الألوهية وإلى الشطحات الصوفية وهي دعوى يفصح عنها المتصوّف عبر الإتصال والإتحاد بالله فيعبّر عن ذلك بأقوال غير مراقبة قد تتبادل الضمائر فيها المواقع. هذا ما قال به الحسين بن منصور، أي الحلاج:

"رأيت ربي بعينِ قـلبي/ فقلتُ: من أنتَ؟ قال: أنتَ"!
ويُنسب إليه قولُهُ الذي نقرأ فيه جليّاً الإتحاد بالله والحلولية:
" أنا أنتَ بلا شكٍّ/ فسُبحانكَ سُبحاني
وتوحيدُكَ توحيدي/ وعِصيانُكَ عِصياني
وإسخاطُكَ إسخاطي/ وغُفرانكَ غُفراني
ولِمْ أُجلَدُ يا ربي/ إذا قيلَ هـو الزاني؟".
من أشهر من يذكرهم الكاتب أيضاً محيي الدين بن عربي الذي يقول بالاعتبار وبوحدة الوجود:
"لقد صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ/ فمرعىً لـغزلانٍ ودَيرٌ لرُهبانِ
وبــيتٌ لأوثـانٍ وكــعبة طائـــفٍ/ وألواحُ توراةٍ ومُصحَفُ قرآنِ".

لا يخفى على قارىء هذا الديوان انهمام الكاتب بالتراث الإسلامي والعربي. فهو صرف جهداً كبيراً ووقتاً شاسعاً في عمله هذا منقّباً عن آثار "الزنادقة" الشعرية، مصنّفاً إياها وجامعاً مصادرها، مخرجاً إياها من ظلمة المتون. يظهر جمال جمعة من خلال هذا الكتاب باحثاً دؤوباً وشغوفاَ بالإسلام، مفتوناً بنشأته وبتاريخه، ذا ثقافةٍ إسلامية عربية عميقة وشاسعة. فهو يذكر في مقدّمة كتابه "إخترت تسمية "الزنادقة" لشعراء هذا الديوان بمعناها المتداول، لأني رأيتُ في تلك الكلمة إسماً جامعاً شاملاً لكلّ من لم يؤمن بنبوّة محمّد وبرسالته، سواء كان قائل الشعر مشركاً، موحّداً، نصرانياً، يهودياً، أو ملحداً. واشتغلتُ على جمع هذه النصوص ما يقرب السنين الخمس، راجعت فيها مئات المصادر وقلّبت آلاف الصفحات علّي أعثر على البيت والبيتين، ولربما راجعت مصدراً من خمسة عشرَ جزءاً دون أن أعثر فيه على كفريّة واحدة".
لا يمكن قراءة هذا الديوان قراءةً معرّضة للشك. إنه يشكّل عملاً جريئاً في ذكر كفريات العرب الشعرية التي بقيت عرضة للحذف والبتر والتغييب. ولا يغيب عنّا أن أوّل من بذل جهداً لجمع بقايا نصوص الزنادقة النثرية هو الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه "من تاريخ الإلحاد في الإسلام". في انتظار اكتشاف المزيد من النصوص (كما وعدنا الكاتب) التي بقيت إما طيّ النسيان وإمّا طي الكتمان وإمّا سجينة الخوف وإمّا في متون الكتب والمخطوطات.

 

باسكال تابت - النهار


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.