حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

دلالات (الجسر) في رواية ذاكرة الجسد

تحضر الجسور في رواية «ذاكرة الجسد» لأحلام مستغانمي في مواضع كثيراً جدّاً من الرواية، وحضورها يأخذ ثلاثة أنماط هي:
- النمط المفهوم، أي يحضر مفهوم الجسر بمعنى الانتقال إيحائياً دون ذكر للفظة الجسر.
- النمط الفنّي، وهنا يحضر مفهوم الجسر عبر الفن (اللوحة) التي يرسم عليها البطل الجسور كما مثلت في ذاكرته، مع مراعاة الأبعاد الفنية والنفسية والدلالية للمبدع المغترب عن الوطن.
ـ النمط الحقيقي، وهذا النمط يحضر بكل تداعياته بعد عودة البطل إلى مدينته قسنطينة، ليتأمل الجسور فيها، بكل ما تثيره في نفسه من تداعيات وذكريات.

أما النمط الأول، النمط المفهوم، فهنا تحضر دلالات الجسر بالمعنى التواصلي مع العالم الخارجي، والانتقال من المكان الضيق إلى المكان الأرحب، وهنا يرتبط مفهوم الجسر بدلالات مكانية أخرى كالبيت والنافذة والشرفة، ومن أمثلته قول خالد واصفاً شقته التي يقطن فيها في باريس:
((لقد اخترت هذه الشقة الشاهقة، لأنّ الضوء يؤثِّثها وهو كل مايلزم للرسام، فاللوحة مساحة لا تؤثّث بالفوضى، وإنما بالضوء ولعبة الظلّ والألوان.
فتحت نافذتي الزجاجيّة الكبيرة، ودعوتك للخروج إلى الشرفة.
قلتُ:

ـ انظري هذه النافذة، إنها الجسر الذي يربطني بهذه المدينة. من هنا، من شرفتي أتعامل مع سماء باريس المتقلّبة.
كل صباح تقدّم لي باريس نشرتها النفسية، فأجلس هنا في الشرفة لأتفرّج عليها، وهي تنقلب من طور إلى آخر. يحدث كثيراً أن أرسم أمام النافذة، ويحدث أن أجلس في الخارج لأتفرّج على نهر السين، وهو يتحوّل إلى إناء يطفح بدموع مدينة تحترف البكاء)) نلاحظ ارتباط مفهوم الجسر من خلال علاقته بالمكان العالي والشرفة، بدلالات جمالية نفسية، إذ إن الشرفة تقدّم جسراً نفسياً ينقله من حالة المكان المحدود المقيّد (داخل الشقة) إلى حالة المكان الرحب المتمثل بجزئيات مدينة باريس بكل ما تضج به من حيوية وجمال وصخب والمكان العالي هنا، يمنح إمكانيات التأمل والتدقيق في الكون، وبالتالي الإبداع، من هنا الشرفة كمفهوم انتقالي (جسري) هي محرّض على الإبداع، وبالتالي تجسير العلاقة الداخلية النفسية مع اللوحة، من خلال معطى التأمل الذي تبعثه الشرفة المطلة على باريس. وقد يشكل الحاجز الزجاجي الشفاف للشرفة، بعداً جمالياً عند معانقة الأمطار، نتابع المقطع السابق فنجد:
((يحلو لي الجلوس هنا على حافة المطر قريباً ومحمياً منه في آن واحد. منظر المطر يستدرجني لأحاسيس متطرفة))
فالجلوس مع المطر بفاصل زجاجي يجعل الإحساس مزدوجاً، فأنت مع المطر، وبمنأى عنه في آن واحد، وهذا يعزز دلالة الجسرية التي يضفيها المكان من خلال الانتقال من حالة إلى أخرى، من حالة السلب إلى حالة الإيجاب، من حالة اللاجمالي إلى حالة الجمال، هذا الانتقال الذي كان سينعدم فيما لو انعدمت الشرفة.
أما النمط الثاني للجسور، فهو النمط الفني، وهنا يحضر الجسر عبر اللوحة الفنية، فهو المكان الذي يسكنه الفنانون لفترة عابرة ومن هنا قد يكون الجسر موضوعاً لأجمل القصائد واللوحات، وكأن في ذلك نوعاً من التعبير عن عدم الارتواء من هذا المكان، وقد أدرك بطل الرواية (خالد) ذلك، عندما أشار إلى جسر ميرابو، بقوله:
((إنه جسر ميرابو. اكتشف أخيراً أنّ (أبو لينير) قد خلّد هذا الجسر في عدة قصائد، عثرت على بعضها منذ أيام في ديوان له. يبدو أنه كان مولعاً به. وإنّ الشعراء مثل الرسامين لهم عادة لا تقاوم في تخليد كل مكان سكنوه أو عبروه بحبٍّ. بعضهم خلّد ضيعة مجهولة، وآخر مقهى كتب فيه يوماً، وثالث مدينة عبرها مصادفة، وإذا به يقع في حبها إلى الأبد)).
وانطلاقاً من هذه الرؤية، ينطلق بطل الرواية (خالد) في تقديم رؤيته للمكان (الجسر)، ليس بوصفه مكاناً عيانياً مشاهداً، وإنما بوصفه كتلة من المشاعر والأحاسيس التي يضفيها الفنان على المكان، فينقله من دائرة المشاهد والعيني، إلى دائرة الفني المتخيل الذي يطفح إنسانيةً من هنا، فالمكان الفني هو المكان الذي يسكننا لا الذي نسكن فيه، وهذه الدلالة هي ما يمكن أن نلحظه في تعليق البطل على علاقة الرسم بالجسر، إذ نقرأ الحوار الآتي:
((ـ هل رسمت أنت هذا الجسر (جسر ميرابو)؟
أجبتك متنهداً:
- لا.. لأننا لا نرسم بالضرورة مانرى.. وإنما ما رأيناه يوماً، ونخاف ألاّ نراه بعد ذلك أبداً. وهكذا قضى (دولا كورا) عمره في رسم مدن غريبة لم يسكنها سوى أيام، وقضى (أطلان) عمره في رسم مدينة واحدة.. هي قسنطينة.
لم أكن أعي هذه الحقيقة قبل أن أقف منذ شهرين في هذه الغرفة مقابلاً لهذه النافذة، لأرسم بشيء من التوتر الاستثنائي لوحتي الأخيرة.
كانت عيناي تريان جسر ميرابو ونهر السين. ويدي ترسم جسراً آخراً ووادياً آخر لمدينة أخرى.
وعندما انتهيت، كنت رسمت قنطرة سيدي راشد ووادي الرمال.. لاغير. وأدركت أننا في النهاية لانرسم ما لانسكنه.. وإنّما ما يسكننا))
فالمقطع السابق يلخص علاقة المكان (الجسور(الذي يعد مَعْلَماً من معالم مدينة البطل (قسنطينة) وحضوره في الأماكن التي يراها، وهو مايوجّه ريشته لترسم مايدور في القلب لا ماتراه العين الباصرة. وبالتالي يتحوّل الفن إلى أداة تفريغ لما يدور في النفس من عواطف ومشاعر، وبهذا تتحول اللوحة إلى مكانٍ للإبداع والخلق الذي يعبّر عن مواجيد الذات التي تستحضر ماهو غائب لتشخّصه بصرياً عبر اللوحة، وكأنّ في ذلك كسر لحالة الغربة.
أما النمط الثالث للجسور في الرواية فهو النمط الحقيقي، وليس المراد بلفظة (الحقيقي) المعنى اللغوي المباشر بحدِّ ذاته، وإنما المراد، أن ما يتحكم بالسرد هو بنية مرجعية، أي الجسر الحقيقي في مدينة قسنطينة وما يثيره ذلك من إشارات ودلالات جمالية وثقافية وتاريخية، من هنا يحضر تصريح البطل خالد لحبيبته:
((إن أجمل مافي قسنطينة، جسورها لا غير))
ومن هنا يحضر الجسر في هذا النمط كمعادل جمالي للمدينة(قسنطينة) وكرمز من رموزها، وهذا قد يستدعي ذكريات تمثل تاريخاً للجسر عبر علاقته بالثوار، وعلاقته بالناس الذي يجعلونه مكاناً للارتياد والاستجمام، كما يحضر الجسر كمعطى جمالي، ولكن هذا المعطى المكاني قد يتحول إلى فلسفة قائمة بحدِّ ذاتها، تدل على التحـول والانتقال، وفي أحيـان مختلفة يدل على الصراع، وهذا ما نلمحه في قوله البطل:
((أليس التحايل على الجسور هو الهدف الأزلي الأوّل للإنسان الذي يولد بين المنحدرات.. والقمم؟))
وبذلك يمكن أن نلحظ أن دلالات الجسر كمكان دال على مكان أكبر (قسنطينة) قد أحضر فلسفة خاصة به، زادت من جمالية المكان وشعريته.
ـ الجسر / القنطرة:
تختلف النظرة إلى الجسر كمكان بين منظار الغربة، ومنظار الحضور، إذ لاحظنا أن الجسر يحضر عند شخصية البطل، وهو غائب، عن مدينته قسنطينة بدلالة فنية (اللوحة)، وبدلالات إيحائية الانتقال من حالة إلى أخرى، أما، هنا، دلالة الجسر مرتبطة في مواجهة جسور قسنطينة معاينة، لذلك نجد، هنا، دلالة الجسر مرتبطة بالتاريخ، وتحديداً تاريخ دخول الفرنسيين إلى هذه المدينة الباسلة (قسنطينة)، وتحضر دلالة الجسر مرتبطة بالشهداء، وبالهاوية (الموت)، وتحضر مرتبطة بعادات المدينة الاجتماعية، مسقطاً تلك التقاليد والعادات على المدينة، كل تلك الدلالات، يمكن ملاحظتها في الوصف الآتي:
((فرنسا التي دخلت الجزائر سنة 1830، لم تفتح هذه المدينة الجالسة على صخرة، إلا سنة 1837، سالكة ممرّاً جبلياً تركت فيه نصف جيشها، وتركت فيه قسنطينة خيرة رجالها.
منذ ذلك اليوم، ولدَ أكثر من جسر حول تلك المدينة، وكثرت الطرقات المؤدية إليها.
ولكن، كانت الصخرة دائماً أكبر من الجسور، لأنها تدري أن لاشيء تحت الجسور سوى الهاوية!
ها هي مدينة تتربّص بكل فاتح.. تلفّ نفسها بملاءتها السوداء وتخفي سرّها عن كل سائح.
تحرسها الوهاد العميقة من كلّ جانب، تحرسها كهوفها السريّة وأكثر من ولي صالح، تبعثرت أضرحتهم على المنعرجات الخضراء تحت الجسور.
هنا القنطرة.. أقرب جسر لبيتي ولذاكرتي.. أعبرها تلقائياً وكأنني أرسمها، مشياً على الأقدام، بين الدوار المبهم والتذكار وكأنني أعبر حياتي، أجتاز العمر من طرف إلى آخر ((فالوصف السابق يستفيد من الإيحاء، عندما جعل من مدينة قسنطينة (صخرة) تستعصي على الغازين، وبذلك يسقط عليها كل سمات القساوة والقوة في مواجهة المحتلين، ومكانها المرتفع جعلها مدينة غامضة غير واضحة أمام الفاتحين، مشبهاً المدينة بالمرأة التي تلتف بملاءة سوداء، للدلالة على الستر والتخفي، وكأنه بذلك يسقط عادات الزي الذي تستعمله النساء في تلك المدينة على المدينة ذاتها، إذ إن دلالة الملاءة السوداء فيها إيحاءات زي إسلامي. كما أنه بوصفه لأضرحة الأولياء الصالحين يصف لنا عادات المدينة بالتعلق بهؤلاء الرجال لما يضفونه عليها، وعلى أناسها، من بركة وخير.
وبناءً على ذلك، قد يكون الاحتلال الذي دخل قسنطينة، أو كثرة انتشار الجسور في هذه المدينة، هي وراء الإسهاب في وصف الجسور في هذه الرواية، إضافة إلى أن هناك سبباً داخلياً جعل من البطل )خالد (يحتفي بالجسور يتمثل في انتحار جدّه من فوق أحدها، وهذا ما ولّد في نفسه، أو في ذاكرته انطباعاً غامضاً عن الجسور، فحين تقف على جسر تشاهد الأرض تحتك، تنظر إلى جاذبيتها، وتشرف بنظرك على المسافات البعيدة، إنك تنظر مثلما ينظر نسر محلّق، لكنّك تخاف مع ذلك من الهاوية، أومن السقوط. أضف إلى ذلك أن ظروف الانتحار غالباً ماتكون غامضة، وغالباً ما يُقدّس الناس في سرّهم أسماء المنتحرين؛ لأنهم أقبلوا على شيء صعب بالنسبة لنا، إنهم قاموا بالفعل الذي نخشاه، ونتغزل به في شعرنا وأدبنا. يضاف إلى كلّ تلك الأسباب التي جعلت من خالد يحتفي بالجسور، سبب آخر جوهري، هو أنّ بيته كان قريباً من أحد الجسور، وهذا ما يجعل الجسر من مفردات المكان الأولى بالنسبة له.
يمكن أن نلحظ ما يدل على بعض تلك الأسباب، فيما لو وقفنا عند وصف الهاوية التي نراها من أعلى الجسر:((كنت أدري في تلك اللحظة، وأنا أنظر إلى الوهاد العميقة تحتي، إلى تلك الأنفاق الصخرية التي يشطرها نهر الرمال ببطء زبدي، أن «الهاوية الأنثى» كانت تستدرجني إلى العمق، في موت شبقيّ أخير، ربّما كان فرصتي الأخيرة للتوحّد الجسدي مع قسنطينة، ومع ذاكرة جد بدأتُ فجأة أشعر بتواطؤ غامض معه47)).
فقد مثّل البطل الهاوية بـ (الأنثى)، وبالتالي ربطها بكل إغواءات الأنوثة التي تحرّض الشهوة، ولكنّ الشهوة هنا، هي شهوة العمق الذي تراه ويستهويك، إنها شهوة السقوط الانتحاري، الذي يحقق التماهي مع تراب المكان، شهوة الطيران في الفضاء المعلّق بين الجسر والأرض قبل الارتطام بالقاع، إنها اللحظة التي لايستطيع الإنسان أن يمارسها إلاّ حين يقترب من الجنون، الجنون في أن تصفع الحياة بانتحارك، الحياة التي هزمتك كثيراً، ولا زلتَ تحلم أن تهزمها، ولو بهذه الطريقة المأساوية. ربّما كان هذا السبب الفني الإيحائي، كامناً وراء التغني في الجسور، ولكنه سبب يوحي بالهزيمة، وهذا ما يؤكده أن خالداً عاد إلى قسنطينة، وهو مهزوم من الحب، أو المرأة، وحضر إلى هنا ليشاهد زفافها. وهذا ما يمكن أن يقدّم لنا تبريراً لهذه التداعيات السردية حول الجسر المرادف للموت، والمثقلة بمشاعر الحزن والألم.
وتتناغم دلالات (الجسر) في الرواية مع السير السردي لها إذ تتخذ دلالات تصعيدية تساير الحدث، ومن هنا فإن تلك الدلالات ستجتح للتعبير عن النهاية المأساوية للقصّة، وهذا ما يمكن أن نلحظه، في الأمثلة الآتية:
ـ ((متـعب أنا كجسور قسنطينة، معلّق أنا مثلها بين صخرتين وبين رصيفين(48))).
ـ (()) لا تطرقي أبواب قسنطينة، الواحد بعد الآخر، أنا لا أسكن هذه المدينة، إنها هي التي تسكنني 49))
ـ (( أرقص كالمجنون في غرفة شاسعة، تؤثثها اللوحات، والجسور، وأقف أنا وسطها وكأنني أقف على تلك الصخرة الشاهقة لأرقص وسط الخراب، بينما جسور قسنطينة الخمسة تتحطّم وتتدحرج أمامي حجارة نحو الوديان 50)).
فبعد زواج حبيبة خالد، ترد مسميات المدينة، وخصوصاً الجسور والأبواب بهيئة قريبة من النهاية، فالجسور متعبة كناية عن تعبه، والأبواب مغلقة، كناية عن غيابه، إنها نهاية قصة الحب وبالتالي نهاية مفردات المكان الحاملة لكل أوجاع خالد وآلامه وغربته.
وتظهر في المقبوس الثالث السابق جدلية علاقة خالد بمسميات الأمكنة (الغرفة، الجسور، الصخرة، قسنطينية، الوديان)، تلك العلاقة التي تظهر لوثة الجنون الفلسفي نتيجة الوعي الحاد بآلام الحياة، وتناقضاتها، فيصل إلى حالة اللامحدودية من أي شيء، فيبدأ برقصة زوربا الشهيرة وسط الخراب الذي يحيط به، من موت أخيه حسان على أيدي الجزائريين أنفسهم الذين ناضل خالد من أجل حريتهم، فردّوا عليه بقتل أخيه، إلى فقد المرأة التي أحبّ، ومن هنا نفهم سبب تغيير علاقته الفكرية بالمسميات المكانية السابقة. ويتخذ رقصة الزورباوي هنا، تعويضاً عن رقصة اشتهاها في عرس حبيبته (وفقدهما معاً)، إنه رقص من لم يحظَ بشيء من آماله وأحلامه، فصار إلى موات بعد أن هزمته المدينة التي غادرها، والمدينة التي سكنها وتخلّى عنه الناس الذين أحبهم.

 

د. هايل محمد الطالب -
hael73@yahoo.com


 
© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.