حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

اللعب مع الشعر في قصائد من عصر التسلية

في شعر رعد عبد القادر تواصل مع جزئيات صغيرة،يمضي بها في استقراء شعري نحو عوالم اكثر خصوبة من واقع اشبه بارض بور. جزئيات،عوالم كبيرة،بحث عن مايدور وراء القصيدة، ليلملم بقايا المفردات،ويودعها ذاكرة تتسع لشعر يابى مغادرة اي من اشتراطاته.ان الشاعر الراحل رعد عبد القادر،يلعب مع قصائده كطفل يريد تعويده على اشياء لايفقها،ويمضي قاصدا عالما اخر انطلق اليه من اللعب،مثلما ينطلق احدنا الى الحب (الحب اوله مزحة (لعب) واخره جد) كما يقول ابن حزم الاندلسي في كتابه طوق الحمامة.ولو جئنا الى عنوان اخر مجموعة صدرت له العام الماضي عن دار المدى عصر التسلية اي عصر المزحة .. وهي من قصائده ومجاميعه الشعرية التي تركها بعد موته،فان العنوان يوحي بهذه المزحة.

يتضح من هذا ان ما عمد اليه الشاعر في مجموعته هذه،هو الاتيان بجملة بسيطة جدا، على اعتبار انها قصيدة ويتضح من قصائد المجموعة.
انه تعمد ذلك,لمنح قارئه استراحة شعرية،او اشعاره بان القصيدة ليست دوما تفاجئ او تدهش وانما تطرح السؤال.ربما كان هذا المنظور يسعى لتكريس ما هو مهم واهم، من خلال اشراك هذه الوساطة او زجها في عالم من الشعر الذي يزيح و يبدد هذه البساطة.
-زاهر
ابا معن
لاتسافر
الى اليمن
ومرات يعمل من خلال هذه البساطة الى الاتيان بجملة شعرية فيها احالة الى التاريخ او المكان.وفيها الدهشه والمباغته.في هذا ايضا قصد شعري فالجملة التي تكون مباشرة وبسيطة بامكانها ان تكون غير ذلك وهي تلخص حالة كبيرة او سياقا لم نتعود على المضي فيه.واعتباره غير قابل لكل شئ للتقسيم او التحليل وانما احطناه بقدسية لامبرر لها كوننا نعمل في منطقة الخيال اولا في كتابة القصيدة ومنطقة التفكيك واعادة الاجزاء في النقد ثانيا.فبات عمل رعد عبد القادر خارج سياق التعود الذي نريده ونسعى اليه احيانا يغرينا بكلام مفروشا مثل سجادة بلا نقوش ويدعو لنا معرفة ذلك الكلام وفي اي مكان نضعه وعندها يكون قد تحرر من عبء القصيدة وثيمتها وترك لنا دون ان يدري (خياره) الذي نريد الوصول اليه.
-المتنبي
نار تبكي
في شعب بوان
هنا ينقل المتنبي الذي تغنى بشعب بوان الى حالة التاسي والبكاء حينما يصفه ب(نار تبكي)
كانت العبارة الشعرية هذه تلخيصا لمعاناة المتنبي، وهو بمواجهة الامه وانفعالاته حينما يصف شعب بوان (بمنزلة الربيع من الزمان) حنى يصل الى المقطع الذي يقول:
ولكن الفتى العربي فيها غريب القلب واليد واللسان
ان شاعرا مثل (رعد عبد القادر) يضعنا منذ الوهلة الاولى امام رؤية مليئة بالخيال والدهشة والمباغتة، ويجعلنا نغوص معه عبر المفردات التي دخلت في لاشعوره، ليهيمن على ذهن قارئه، وقبل مماته بشهور اصدر مجموعته (صقر فوق رأسه شمس) على حسابه الخاص، وحينما سألته: لماذا على حسابك وانت بامكان اية دار نشر ان تطبع لك؟ اجاب: لا اريد ان اؤجل ما كتبت، فانا بحاجة ماسة الى الوقت . انه بذلك ربح مجموعته الشعرية ومعها قراءه، واستطاع ان يخاق جوا شعريا مليئا بالنقاش حين صدور المجموعه في وقت كان الترقب فيه على ما يحصل على المستوى السياسي للبلد، الان وبعد اكثر من اربع سنوات صدرت المجموعة تلك بطباعة جديدة مع مجموعته الجديدة التي هي مدار كتابتي في كتاب واحد عنو انه (عصر التسلية، ومثلما فعل في مجموعته (صقر فوق رأسه شمس) فعل في مجموعته هذه بوضع العناوين الفرعية لكل عدة قصائد في المجموعة. فثمة قصائد من مجموعته المذكورة هي نسج لقصائد اخرى اكثر ديناميكية من المفردات التي ضمتها. قصائد تستدعي القراءة تلو القراءه ولا تمنح نفسها بسهولة بل تبقى تبحث عن التأويل واكتشاف القصد فيها.ففي قصيدة منازل مثلآ،هنالك تلك القصدية التي لاتأ تي بعفوية،عند شاعر ادرك ادواته الشعرية وجعل منها سلاحآ، القصيدة والقارىء اذا مااعتبرنا االتمويه سلاحآ:
ماهذه المنازل التي تدعونا
الى الدخول اليها؟
ليس اعتباطآ ان تكون الابواب مغلقة
وليس عبثآ ان ندق على صدورنا
كل هذا الوقت
في القصيدة ثمة (منازل) وهذه المنازل (تدعونا اليها) اي للدخول اليها. ولكن هنالك قصدية في كون الابواب مغلقة ويسميها الشاعر (ليس اعتباطآ). اما بدل الدق على الباب فأننا
ندق على (صدور) نا. ان القصيدة تسعى منذ الكلمة الاولى الى وضعنا امام حيرة الدخول، والاغلاق، والدق على الصدور.
فهي اولآ:دعوة للدخول
ثانبآ: اغلاق الابواب
ثالثآ: الدق على الصدور
فالمفردات الثلاث دعوة، اغلاق، دق كانت هاجس الشاعر خلال القصيدة. فالدعوة تواجه بالرفض ودلالتها الاغلاق. والدق على الباب يواجه بالدق على الصدور...
ربما كانت العبارة الاخيرة، تمثل الندم او الخيبة، او الدلالة على قوة الرفض التي واجهت افتتاح القصيدة..
والمتابعة الدقيقة لما كتبه الشاعر الراحل رعد عبد القادر، توضح مدى المغايرة التي يسعى اليها، من مجموعة الى اخرى، هذه المغايرة منحت شعره الحيوية، ووضعته في مكانة شعرية لا تاتي من خلال التعكز على نجاح مجموعة، والعيش على صداه، وانما من خلال البحث والتقصي عن شكل جديد، كما في مجاميعه الشعرية، وكذلك عن ثيمة جديدة، واثبت ان الذي يكتبه يتمركز حول تجربة حياتية ثرة، وهو ايماءة لشعر اتخذ مركزه من حالة تستمر في تواصلها.

 

محمد درويش علي عن المدى الثقافي


 
© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.