الشكل
الحلزوني
وعلاقته بالفكر
والأدب
لقد
أهتم الإنسان
في عصره المبكر
بأشكال وجدها
في بيئته الطبيعية،
لفتت أنتباهه؛
فقلما خفي
عليه أن النمط
الذي ينسج
العنكبوت
على منواله
حلقات شباكه
وتصميم البناء
الذي يبدو
لقوقعة الحلزون
والوضع الذي
تبدو عليه
الأفعى عند
سباتها، يتخذ
شكلاً مشتركاً؛
شكل الحلزون
Spirale . ومدلول المفردة
اللاتينية
spira يشمل أي إلتواء
لجسم من الأجسام:
منحنيات الأفاعي
أو القواقع
على سبيل المثال.
ومن جذر الكلمة
ذاتها ترد
spirare أو spirabilis التي
يمكن ترجمتها
الى (لطف الهواء)
وكذلك أيضاً
(الإنتعاش).
وفي مدلول
الكلمة inspiration
(الوحي الروحاني)
يشار بوضوح
الى الأرتباط
بجذر الكلمة
اللاتينية
spiritus (الروح) المعروفة
في الدين والأساطير
الشعبية Mythologie
التي تعتبر
علة مطلقة
للوجود الإنساني.
إن من يتعرض
الى قوة إمتصاص
دوامة مائية،
من يتمكن من
مشاهدة عاصفة
دوارة رملية
أو مائية،
تقتلع بيسر
وسهولة السيارات
وسقوف المنازل
والحيوانات
والناس، يستطيع
أن يدرك مدى
القوة التي
تتمتع بها
الحركة الحلزونية.
فالمراقب
المتمعن سيكتشف
بالتأكيد
الإتجاهين
المتضادين
لكلتا الدوامتين
الحلزونيتين؛
الدوامة المائية
وتدور من الخارج
الى النقطة
الداخلية
المركزية،
والدوامة
الهوائية
وتدور من الداخل
الى الخارج.
وقبل أن يعي
الإنسان هذه
المعلومة،
لا بد أن يكون
قد أدرك الأهمية
التطبيقية
للشكل الحلزوني.
هل دفعه الى
هذا التأمل
آثار أقدامه
في رمال الصحراء
أم في الطين
أم الجليد
عندما كان
يحوم ويدور
حول حيوان
بري يروم أصطياده؟
هل أهتم بألتفاف
النباتات
المتسلقة
كأشجار الكروم
واللبلاب
مثلاً؟ ربما
لاحظ بتمعن
أيضاً الدوامة
في شعيرات
نبات من الفصيلة
ذاتها أو في
شعر حيوان
أو في نوع من
أنواع الصبار.
وسواء كانت
هذه أم حصلت
لقاءات غيرها
مع النموذج
الأساسي للشكل
الحلزوني.
فإن الحضارات
التي ظهرت
على الكرة
الأرضية في
عصور مبكرة
جداً قد أعادت
تصنيع هذه
الظاهرة فنياً.
في المحيط
الأوربي تستفزنا
حضارة البلدان
المتشاطئة
على نهر الدانوب
الى إمعان
النظر في هذا
المحيط الحضاري
الفخاري المحدد
الذي ينتمي
الى العصر
الحجري الحديث
الذي يتميز
بأستخدامه
لنموذج الحلزون
في زخرفة الأواني
الفخارية.
هذه (الأواني
الفخارية
الحلزونية)
ظهرت في الحضارة
التريبولية
Tripolge Kultur وموطنها
بالقرب من
مدينة (كييف)
الحالية. وهي
تتمتع بأهمية
كبيرة في التاريخ
الفني وتعد
شبيهة لحضارة
(يانغ ـ شاو)
Yang – Shao في صين ما
قبل التاريخ
وإن لم تكن
بمستواها.
أما كيف أثرت
فخاريات بلدان
الدانوب من
جهة أخرى في
الحضارة الديمينية
Dimini – Kultur في (تيزاليا)
Thessalien القريبة
من سالونيكا
الحالية،
والتي أستحدثت
شكلاً حلزونياً
أحمر اللون
على أرضية
صفراء وإطار
بني اللون،
فهذا أمر يحتاج
الى مزيد من
الإيضاح.
حقاً إن الحضارات
الأولى التي
استفادت من
نموذج الحلزون
والخطوط المنحنية
في أوائل العصر
الحجري الحديث
يمكن أن نجدها
واضحة في سهول
بلغاريا،
في جبال البوك
Bukkgebirge و (تيز) Theiss ثم
أنتقل الشكل
الحلزوني
عبر (تيزاليا)
Thessalien (الأراضي
الممتدة شمالي
اليونان) وأصقاعاً
أخرى. ففي بداية
العصر البرونزي
وجد في (كيكلادن)
Kykladen كما يظهر
ذلك مجسماً
على المقبض
البرونزي
الذي عثر عليه
في جزيرة (ناكسوس)
Naxos والمستوحى
من أمواج البحر.
إن نظرة من
أرخبيل هذه
الجزر الى
آسيا الصغرى
عبر جزيرة
(خيوز) Chios لا ينبغي
أن تغفل عن
موقع (كلازوميني)
Klazomeni حيث ولد
رجل يدعى (آنا
كساغوراس)
Ana xagoras حوالي سنة
500 ق. م. كان يعتقد
بأن هذا العالم
المادي الملموس
نشأ من عناصر
حقيقية كثيرة
صغيرة لا نهاية
لها. هذه ال
Homoiomerien (بذور الأشياء)
كما أسماها،
عادت الى الإنتظام
من خلال ال
Nous العقل المنظم
للعالم، إثر
حركة معينة
بعد أن كانت
مضطربة في
الأصل: ((وهيمن
العقل أيضاً
فوق كل الحركة
الدوارة،
فمنح هذه الحركة
القوة الدافعة
الأصلية. ومنذ
البدء تماماً
أخذت هذه الدوامة
إنطلاقتها
نحو الخارج
من موقع صغير
إستمرت بالإسراع
والإتساع
وسوف تستمر)).
ومع أن الفيلسوف
لم يستخدم
الإصطلاح
إلا أنه وصف
بوضوح هذه
الحركة، حركة
العقل المنظمة
للعالم بـ
(الحلزونية).
وما كنا نعلم،
قبل شهادة
الفلسفة الإغريقية
الكلاسيكية
هذه أن شخصاً
ما قد ألحق
الإتجاه الحلزوني
بعملية الخلق
العقلية المنظمة
لهذا العالم.
غير أن العلم
التخميني
Wissen Intuitive لم يكن
مفقوداً حتى
حلول عصرنا
هذا وقد وثق
هذه المسألة
(آيرون جيكل)
Erwin Qaeckle في كتابه
الموسوم (التكافل
الإنساني).
إن معرفة الأرتباط
بين العقل
والشكل الحلزوني
تعود الى ألفين
وخمسمائة
سنة مليئة
بالشواهد
وقد أتسمت
أيضاً بصلتها
بالأديان
وتعاليمها.
فتمثال (بوذا
المنتصب) المنحوت
في القرن الخامس
الميلادي
في (سارنا) Sarna
والموجود
في المتحف
الوطني في
دلهي، يعتمر
شعراً ذا شكل
حلزوني. ولوحة
القديسين
البوذيين
الخمسة والعشرين
الذين يحيطون
بـ (أميتابها)
ويستقرون
فوق سحب حلزونية
الشكل. ويحيط
بهذه اللوحة
اليابانية
التي رسمها
(كوياسان) Koyasan
بإطار حلزوني
الشكل. إن رمز
(التاو) Tao التنين
الملتوي على
شكل حلزوني
يذكرنا بالتطابق
الميثولوجي
والديني عن
التنين والأفعى،
غير أن الأفعى
لا تجسد الشكل
الحلزوني
حسب ولا تقتصر
علاقتها بالموضوع
على الصلة
الإشتقاقية
بجذر الكلمة،
فتغيير جلدها
السنوي يعد
في مجلس الإله
(أسكليبيوس)
رمزاً للحياة.
ومن هذا الطريق
أتخذت رمزها
الحلزوني
الشكل الملتف
حول عصا أسكولاب.
وصارت بذلك
رمزاً لفن
الطبابة وإسعاف
الحياة. وأفعى
مدغارت أحاطت
بعالم الجرمان،
وفي معبد الأفعى
في (وايداه
ـ داهومي) Whydah
– Dahomey يعظم هذا
الحيوان بإعتباره
روحاً إلهية.
وفي التوراة
إلتوت الأفعى
بإعتبارها
سبب الخطيئة
الأولى فوق
صورة الشيطان
حتى تم الإعتراف
بذكائها الأبدي.
وفي حضارات
المكستيك
Mixteken والمكسيك
Mexikos واليوكاتان
Yukatan تمثل مجرة
درب اللبانة
أفعى يكسوها
ريش أخضر. مما
يدل على أنهم
يقارنون بين
الشكل الحلزوني
لحركة الأفعى
وتلك المجرة.
وشبيه بهذا
الرمز المتعدد
الشكل تبدو
العلاقة واضحة
بين العقل
والحلزون
في الديانات.
منها مطابقة
طواف المسيحيين
حول حوض المعمودية
في مدرسة (رايشنآور)
للشكل الحلزوني،
و (أمونت) Ammonit
يستمد أسمه
من (آمون) Ammon الإله
المصري القديم
الذي يحمل
قرون كبش حلزونية.
والشكل الحلزوني
للقوقعة يشير
الى إله الهواء
القديم؛ هذا
الذي إندمج
فيما بعد بـ
(إله الشمس)
آمون ـ ري Amun
– Re . كما الإله
الآستيكي
Quetzalcoatl، في ذلك
الإقليم من
عالمنا الذي
أظهر لنا أروع
عرض لحركة
حلزونية: ألا
وهي المجرة.
إن حقيقة الإتجاه
الحلزوني
لمجرتنا (درب
اللبانة) أو
أي نظام كوكبي
آخر ناشئ من
حركات مختلفة
للكواكب والنجوم
في خضم مجرتها.
فقانون كبلرشن
Keplerschen يوضح بأن
حركة النجوم
أكثر سرعة
في مركز المجرة
من تلك التي
في محيطها
مما يمنح منظرها
شكلاً حلزونياً
على نحوٍ جلي.
هذه الظاهرة
الميكروفيزيائية
يمكن أن تجعل
ليوفنهوك
Leeuwenhoek مخترع المجهر،
ينظر إليها
كما لو كانت
شكلاً من أشكال
البكتريا،
التي تظهر
بأشكالها
الأساسية،
كروية أو عصوية
أو حلزونية.
لذا يجب منذ
البدء عدم
إستبعاد مقارنة
الشكل الحلزوني
في الكون المصغر
بالضباب النجمي
في القطبية.
فإذا ما تلاحق
تسارع جزيئات
الطاقة الفيزيائية
العالية البروتونات
أو النيوترونات
بما يقارب
سرعة الضوء،
رسمت الجزيئات
المطرودة،
رغم قصر وجودها
الحر، مسارات
في الحجيرة
الضبابية،
تمثل خطوطها
وإنحناءاتها
شكلاً حلزونياً
أيضاً. ويتضح
هنا، حيث مكان
اللحام بين
المادة والطاقة،
حيث عرف مبدأ
التكافؤ لدى
آينشتاين
ثبوته التجريبي،
وجود الشكل
الحلزوني،
كما وجد عاشق
الطبيعة (جوته)
مراده في عالم
النبات، الذي
يتضمن بالنسبة
له كلا المبدأين
الجوهريين؛
القطبية Polaritat
والإزدياد
Steigerung.
ويؤكد الشكل
الحلزوني
ذاته كموضوع
لا يحده زمن
بعينه في تاريخ
الفن من خلال
العديد من
اللوحات التي
أبدعتها ريّش
الفنانين
الكبار من
أمثال (روبنز)
Rubens في لوحتيه
(رقصة الفلاحين)
و (البطل والعشيقة).
و (فان كوخ)
Vangogh في لوحتيه
(Hiroshige) و (Hundertwasser).
إن مبدأ الإنطلاق
المضاد لا
تدل عليه الظواهر
الطبيعية
حسب كدوامة
المياه أو
العاصفة الدوارة.
فصورة المدينة
المستقبلية
(أوروفيل) Auroville
تبين قوة الإمتصاص
العمرانية
للإنسان في
حياة مدنية،
في الإتجاه
المضاد من
خط إندفاعها
نحو الخارج.
وتاج كنيسة
رومانية في
(لور) (Loire) يجسم
شكلاً حلزونياً
مزدوجاً،
كدلالة على
تخطي الدنيوية
أو الإنتصار
عليها.
لقد وجدت الأشكال
الحلزونية
في عصور مبكرة،
في أوعية القبور
وشواهدها
والأماكن
التاريخية.
وجرب المرء
في هذا الصدد
أن يفكر بتيار
(ماء الحياة)
أو بالعقل
الفياض، الذي
((يجري حيثما
يشاء)). وهكذا
أصبح الشكل
الحلزوني
رمزاً يحظى
بأهمية مركزية
بالنسبة للإنسان.
فإكتشافه
لذاته في مجرى
هذه الحياة
الدنيوية
يتم في أتجاهين
مزدوجين في
الشكل الحلزوني.
ففي الحركة
البطيئة المتجهة
الى الداخل
يصل الى معرفة
النفس التي
تؤهل ثانية
لتطور متزايد
في هذا العالم.
إرش
منده
ترجمة: قاسم
مطر التميمي
/ عن المدى الثقافي