حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

هل بلغ الأدب العربي المقارن مرحلة الرشد؟

لم يعد خافياً على أحد أن الريادة الفكرية والثقافية في الوطن العربي قد انتقلت في الثمانينات من هذا القرن من مشرق وطننا إلى مغربه.

وبينما كان ذلك العقد بالنسبة للمشرق العربي عقد السنوات العجاف ثقافياً فقد أنجبت الساحة المغاربية عدداً مرموقاً من المفكرين والمثقفين والعلماء في مختلف مجالات الفكر والثقافة والعلوم الإنسانية. نذكر من هؤلاء من باب المثال وليس من قبيل العصر المفكر العربي الكبير محمد عابد الجابري الذي شخص أزمة العقل العربي بعمق وشمول لم يبلغهما أحد قبله. ونذكر أيضاً المفكرين الكبار:

عبد الله العروي وعبد العزيز الحبابي ومحمد أركون. أما على صعيد النقد الأدبي ونظرية الأدب واللسانيات فالأسماء اللامعة كثيرة وبالتالي فإن المجال لا يتسع لإيرادها ونكتفي بذكر: عبد السلام المسدي، ومحمد مفتاح، وعبد الفتاح كيليطو، ومحمد بنيس، وسعيد يقطين.

ولم يبق الأدب المقارن، وهو فرع خاص من علوم الأدب، في منأى عن النهضة الثقافية والعلمية المغاربية هذه، فقد قدمت الساحة المغاربية إبان الثمانينات عدداً جيداً من المقارنين، نذكر منهم على سبيل المثال أيضاً الأساتذة:

محمود طرشونة من تونس، وعبد المجيد حنون من الجزائر، وسعيد علوش من المغرب. وعندما عقدت "الرابطة العربية للأدب المقارن" مؤتمرها الثالث في جامعة الملك محمد الخامس بالرباط وذلك في أواخر عام 1989 فقد جاء ذلك منسجماً مع حقيقة قائمة على أرض الواقع، ألا وهي أن المغاربة قد انتزعوا دفة القيادة والريادة على صعيد الأدب المقارن أيضاً، بعد أن كانت الريادة فيه للمصريين إبان الخمسينات والستينات والسبعينات. ولقد لمع بين المقارنين المغاربة نجم الدكتور سعيد علوش بشكل خاص وذلك منذ أواسط الثمانيات. والدكتور علوش هو أستاذ الأدب المقارن في قسم اللغة العربية بجامعة الرباط، وهو إضافة لكونه مقارناً ناقد وكاتب وطني ديمقراطي تقدمي. وقد برز اسمه كمقارن من خلال عدة كتب أمد بها المكتبة المقارنية العربية، نذكر منها دراسته الضخمة "مكونات الأدب المقارن في الوطن العربي(1)." وهي في الأصل أطروحة تقدم بها المؤلف لنيل درجة الدكتوراه، إلا أنها في واقع الأمر أكثر من ذلك بكثير: إنها بحث علمي رائد، استقصى فيه الدكتور علوش تاريخ الأدب المقارن العربي وواقعه تأليفاً وتدريساً ومؤسسات، واتجاهاته النظرية بعمق وشمول لا مثيل لهما في البحث المقارني العربي. أما الكتاب الثاني فقد خصصه الدكتور علوش للبحث في إشكالية ظاهرتين هامتين في الأدب والنقد العربيين هما: التيارات الأدبية في العالم العربي، والتأثير والتأثر في المقارنات العربية(2). وأخيراً فقد صدر للمؤلف كتاب ثالث عنوانه: "مدارس الأدب المقارن –دراسة منهجية"، وهو كتاب يستحق اهتماماً خاصاً من جانب المقارنين والنقاد والمثقفين العرب على حد سواء(3). يتكون هذا الكتاب من قسمين رئيسين، خصص أولهما للموضوع الوارد في عنوان الكتاب، أي مدارس الأدب المقارن. وقد قدم المؤلف في هذا القسم صورة وافية وعرضاً متكاملاً للمدارس الأساسية الثلاث التي عرفها تاريخ الأدب المقارن وهي: المدرسة الفرنسية، أقدم المدارس المقارنة إطلاقاً، وهي مدرسة اشتهرت بحصر ميدان الأدب المقارن في ظواهر التأثير والتأثر بين الآداب القومية، والمدرسة الأمريكية المعروفة بأنها قد أخرجت الأدب المقارن من قمقم التأثير والتأثر وجعلته في خدمة النقد الأدبي والاقتراب من "أدبية الأدب"، والمدرسة السلافية أو الماركسية التي تنطلق من النظرة المادية الجدلية للمجتمع والثقافة والأدب وتربط الأدب بالقاعدة المادية وبمجالات الوعي الاجتماعي الأخرى. والدكتور علوش يقدم في كل فصل من فصول كتابه عرضاً وافياً لتاريخ كل مدرسة من تلك المدارس وأبرز أعلامها ومواقعها النظرية، ويختم بنصوص تقدم كل مدرسة مقارنية من خلالها نفسها للقارئ بشكل مباشر.

فالفصل المخصص للمدرسة الفرنسية ينتهي بعدة نصوص لأبرز المقارنين الفرنسيين: فإن تيجم وجان ماري كاريه، وفرانسوا غويار أما الفصل الخاص بالمدرسة الأمريكية فقد ألحقت به نصوص للمقارنين الشهيرين رينيه ويليك وهنري ريماك. وهذه الطريقة في التأليف، أي الجمع بين العرض النظري التاريخي وإيراد نصوص لممثلي كل مدرسة من مدارس الأدب المقارن تجعل هذا الكتاب قادراً على تلبية حاجات نوعين من القراء هما: طلاب الجامعات الذين يدرسون الأدب المقارن كمقرر من مقررات دراستهم في أقسام اللغة العربية واللغة الإنكليزية واللغة الفرنسية. أما النوع الثاني فهم المثقفون العاديون الذي لا يهتمون بالأدب المقارن لأسباب دراسية أو أكاديمية بل لأن أحدهم يود أن يكون لنفسه فكرة ثقافية عن الأدب المقارن من باب إكمال ثقافته العامة. وقد نجح الدكتور علوش في تحقيق هذه الصيغة التأليفية ووفق في وضع كتابه بطريقة تخاطب هذين النوعين المختلفين من القراء. ومع أن المكتبة العربية زاخرة بالمداخل والمقدمات في الأدب المقارن فإن كتاب علوش يمتاز عن تلك المداخل والمقدمات في أنه يحوي أوسع وأفضل تعريف بالأدب المقارن ومسائله النظرية وتياراته أو مدارسه الرئيسية.

أما القسم الثاني من كتابه فقد خصصه الدكتور علوش للأدب المقارن في الوطن العربي، حيث قدم عرضاً تحليلياً موثقاً لنشوء الأدب المقارن وتطوره وأعلامه في الجامعات العربية منذ أواخر الأربعينات حتى أواسط الثمانينات. وقد قسم المؤلف تاريخ الأدب المقارن الأكاديمي العربي إلى ثلاث مراحل: مرحلة التأسيس (1948-1960) وهي مرحلة يعتبر الدكتور محمد غنيمي هلال قطبها. الأهم، ثم "مرحلة الترويج".

وتمتد من عام 1960 إلى عام 1970، وهي مرحلة حقق فيها الأدب المقارن انتشاراً أفقياً ورسخ أقدامه كمقرر دراسي وقدم نفسه للرأي العام، وأخيراً "عقد الرشد" وهي مرحلة بدأت في مطلع السبعينات ولم تزل مستمرة إلى يومنا هذا. ومن الملاحظ أن الدكتور علوش قد حقب تاريخ الأدب المقارن العربي بطريقة تختلف عن طريقة التحقيق التي اتبعها زميلاه الدكتور حسام الخطيب والدكتور عز الدين المناصره(4) ومما يسترعي الانتباه أيضاً أن المؤلف قد أورد في نهاية هذا الفصل الغني بالمعلومات التاريخية عدداً كبيراً من الملاحق التي تمثل سجلاً وثائقياً لمختلف مراحل تطور الأدب المقارن العربي. وقد نهل الدكتور علوش من المادة الفنية التي توافرت له خلال إعداد رسالته لنيل درجة الدكتوراه، مما جعل هذا القسم من الكتاب صورة مصغرة ومبسطة لتلك الرسالة.

وفي الحقيقة فإن كتاب سعيد علوش "مدارس الأدب المقارن" يمتاز على معظم المؤلفات العربية التي تعالج الموضوع نفسه من عدة نواح أبرزها تخصيص حيز واف لعرض الأدب المقارن ومدارسه في الغرب. فالأدب المقارن علم غربي (أوربي) المنشأ، ظهر في أوربا، وفي فرنسا على وجه التحديد، وشهد هناك ظهور أهم مدارسه وتياراته المعروفة. وهذه مسألة يجب مراعاتها في التأليف المقارني العربي. أما الناحية الثانية فتتمثل في أن الدكتور علوش لم يكتف بعرض نشوء الأدب المقارن وتطوره في الغرب، بل اتبع ذلك بعرض واف تاريخياً وتحليلياً لنشوء هذا العلم وتطوره في الوطن العربي، مما جعل من هذا الكتاب منهلاً للمعلومات المتعلقة بالأدب المقارن في الغرب وفي العالم العربي على حد سواء. وهذه ناحية يشترك فيها الدكتور علوش مع زميله الفلسطيني الدكتور عز الدين المناصرة الذي ضمن كتابه "مقدمة في نظرية المقارنة" عرضاً مستفيضاً للأدب المقارن في الوطن العربي، وإن يكن المناصرة قد ركز عرضه على بدايات ظهور النظرة المقارنية في النقد العربي الحديث، وأبرز دور الناقد الفلسطيني روحي الخالدي على هذا الصعيد(5) بينما اكتفى الدكتور علوش بتقديم صورة بانورامية للأدب المقارن العربي في شكله الجامعي أو الأكاديمي، بحيث يمكن القول أن العرضين يكملان بعضهما بعضاً إلى حد بعيد.

وبعد: فلئن كان الأدب المقارن العربي قد دخل منذ مطلع السبعينات مرحلة الرشد، على حد تعبير الدكتور سعيد علوش، فإن كتاب "مدارس الأدب المقارن" يشكل بحد ذاته مؤشراً على هذا النضج ودليلاً جديداً عليه. إنه كتاب لا ننصح به دارسي الأدب العربي والآداب الأخرى في جامعاتنا فحسب، بل ننصح به كل قارئ عربي يود أن يقبل لنفسه صورة عن الأدب المقارن في الوطن العربي والعالم، وأن يكون لنفسه فكرة عن هذا العلم الذي تسرد في كثير من الأذهان صور غير واضحة حول ماهيته ودوره(6).

إحالات

(1) سعيد علوش: مكونات الأدب المقارن في الوطن العربي، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1985.

(2) المؤلف نفسه: إشكالية التيارات والتأثيرات الأدبية في الوطن العربي، المركز الثقافي العربي- الدار البيضاء – 1986.

(3) المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1987.

(4) حسام الخطيب: الأدب المقارن، ج1، جامعة دمشق، 1982.

(5) عز الدين المناصرة: مقدمة في نظرية المقارنة، دار الكرمل، عمان، 1988.

(6) لمزيد من المعلومات حول الأدب المقارن ودوره النقدي والثقافي يمكن الرجوع إلى كتابنا:الأدب المقارن، مدخل نظري ودراسات تطبيقية، منشورات جامعة البعث، ص 1991-1992.

 

د. عبده عبود


 
© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.