حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

لا شيء يقتل الحب كالحرب الكيميائية

إن الفظائع الانفعالية التي ستكون في مركز فلم " عند بابك تماماً Right at Your Door للمخرج كريس غوراك، وهي انحدار محسوب عبر مراحل متنوعة من اليأس، تخفف منها مقدمة منطقية صارمة جداً. فوسط زحمة وضجيج التنقل الصباحي في لوس أنجلس، تنفجر سلسلة من القنابل القذرة، مطلقةً سحابةً سامة من الرماد تمطر على المشهد الطبيعي، مهددةً بقتل 10 ملايين شخص.
في الماضي ــ لنقل ما قبل عام 2001 ــ كان الاغراء القاتم لصوت انفجار قنبلة نووية سيدور حول المشهد المروّع لسحابة الفطر، المجزرة الواقعة عند المركز السطحي، وهستيريا أولئك الذين يعتقدون بأنهم قد فقدوا عزيزاً عليهم في الهجوم.

وعلى العكس من ذلك، فإن ما هو مفيد جداً فيما يتعلق بفلم السيد غوراك هو الطريقة التي جُدّدت بها معلومات رؤيته بالنسبة لوجهة النظر العالمية المتعلقة بما بعد أحداث 11 أيلول. فهذا الفلم، الذي يبدو اهتمامه بالفظائع القريبة أقل من اهتمامه بالاحساس الحاصل بعيداً بالفزع الذي يشوّش الضواحي، منشغل بأمور مثل إتلاف شبكة الهاتف الخليوي، والاحساس المترسخ بأن الحكومة ستكون عقيمة التفكير تماماً كالرأي العام عندما حلّ اليوم الأسود.
وفي المقدمة هنا شخصيتان مطوقتان بإحكامٍ بثقافة معرفة كلية مستغرقة في تكنولوجيا اليوم: ليكسي (وتمثل دورها ماري ماكورناك) وبراد (روري كوجرين)، اللذان نقابلهما وهما يقومان بروتينهما الصباحي المضجر. وتصبح ليكسي مستعدةً للذهاب إلى العمل بينما براد، الذي يُرى هنا قبالة نسق من الغيتارات والمكبرات الكهربائية، يستمع إلى أخبار الصباح ويعطيها معلومات في السياقة تساعدها في تجنب الطرق المعرقَلة. وهكذا تندفع إلى العمل، وهو يتهيّأ للاستحمام وتنظيف أسنانه، حين يحدث توقف مع صرخة ذعر في الراديو وفق ما يقتضيه نظام بث الطوارئ.
وحيث تندمج تقارير الإذاعة الغامضة عن انفجارات مع روايات مرتعبة من مراسلين يتحدثون بالهاتف الخليوي، يصبح حجم ومجال الهجوم في البؤرة: قنابل كبيرة - أُطلقت على طول الطريق العام، وسط مركز المدينة، وفي لاكس ــ قد انبعثت منها موجات من التوكسينات (السمّية) الاشعاعية في الفضاء. فينتزع براد، وهو مفزوع، هاتفه النقّال، ثم خط هاتفه الأرضي، ويحاول الاتصال بزوجته. غير أن الخطوط تكون بطبيعة الحال مشغولة، وهكذا يقفز إلى داخل سيارته ويحاول التسلل عبر حواجز الشرطة المتنوعة على الطرق.
وفقط عندما يخرج براد بسيارته عن الطريق وينفجر إطار من عجلاتها، يبدأ بإدراك كم هو رهيب قد أصبح الموقف الآن. وبينما هو يبحث عن رقعة إطار في محل خردوات، يشاهد مندهشاً امرأة تختطف كل لفة شريط تجدها هناك. وعندما يتضح له أن الهجوم قد بدأ فقط للتو،
يختطف تجهيزاته، ويهرع عائداً إلى البيت، ويشرع في ختم كل نافذةٍ وباب هناك.
وبموجب كثرة ما يكرر مراسلو الآذاعة من مقاطع مقدسة، يكون من السهل إدراك من أين يوجَّه هذا الخبر: " لا تقدموا أية مساعدة طبية لأولئك المصابين في الانفجار "، يكرر الراديو، " يجب وضعهم في الحجر الصحي. "ويحصل ذلك، بالطبع، في الوقت الذي تعود فيه ليكسي إلى البيت، وهي مدمّاة وتسعل، فتواجه براد الورطة الأخلاقية التي لا تخطر في البال.
وحيث أن الفلم مصور بحياديةٍ من قبل مخرج المرة الأولى، الذي يستخدم طريقةً وثائقية غيرحكيمة تضع الكاميرا على مقعد مجاور لبراد حين يجتاز الطريق العام وإلى جوار ليكسي
وهي تخطو خارج الباب الأمامي، فإن من الجدير بالملاحظة أن الممثلة ماكورماك والممثل كوجرين على مقدرة واضحة لبناء شخصيتين متماسكتين تحت مثل هذه الظروف التمثيلية المستحيلة. فبالنسبة للصف الأول من الفلم، يكون براد وحيداً على نحوٍ مؤثر، أم خلال النصف الثاني، فهو ينغمر في بعض أكثر المحادثات عاطفيةً مع زوجته وهي متخيًًًًًًًًًَّلة - فجميعها تحصل
من خلال طبقات من الزجاج والبلاستيك. فليكسي، أيضاً، مقطوعة لا عن براد فقط بل وكذلك عن أفراد أسرتها، الذين يتصلون تكراراً بهاتفها الخليوي، بينما هناك قطعة من البلاستيك مثبتة إلى أذنها.
ومن الواضح أن براد مشغول الفكر بالقرارالذي يواجهه، بشأن ما إذا كان الحب الحقيقي يعني الموت مع حبيبته أم يعني البقاء آمناً لضمان أن تحصل هي على المساعدة التي تحتاجها.
لكن بفصلهما على النحو الذي يفعله السيد غوراك، فإن المعاناة غير مسبوقة، وغير قابلة للتصديق آنذاك. وكتمرين فكري، فإن فلم " تماماً عند بابك " يتّسم ببعض الضربات ــ كتأمل في ما سيتطلبه الأمر للبقاء على قيد الحياة حين يكون محبوبك أكبر تهديد لبقائك أنت، وكاختبار للكيفية التي سيسبب بها النثار الاشعاعي قدراً كبيراً من الدمار بقدر مجال الانفجار الأولي.
ولكن ليس هناك حيّز كبير لتفاعل إنساني ملموس ضمن هذا الإطار. فهناك، أساساً، قراران عاطفيان ينبغي اتخاذهما: هل سيظل براد يسوق ليجد ليكسي؟ وحين تعود، هل سيدعها براد داخل البيت بالرغم من الخطر؟ حالما يتم عبور هذين الجسرين، نكون في طريق مسدود قصصي، وتتحول القصة إلى عقدة من الخوف والغضب.
ويذكّرنا هذا بـ " على الشاطيء On the Beach " لنيفل شوت، وهي قصة حول زمرة من الاستراليين، هم آخر من بقي على كوكب الأرض، ينتظرون وصول سحابة مشعة تطوف حول الكوكب بعد حرب نووية أنهت الحضارة عليه. ويداً بيد، يواجهون المعركة الفاصلة (هرمجدون)، وربما كان فلم "تماماً عند بابك" هو التحول الساحر الحديث إلى ذلك التصور.

 

ترجمة: المدى عن The Sun


 
© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.