لقصيدة
(العمودية)
إشكالية نمطية
أم إشكالية
فكرية
مجموعة
(مدّي الهديل
إلى اليمام)
أنموذجاً
إنّ
من يتابع مسيرة
القصيدة العمودية
– تماشياً مع
المصطلح الشائع-
السائدة الآن
سيلاحظ أنها
تمشي إلى الانقراض،
لاسيما أن
ما يقدّم وفق
هذا النمط
فيه من الهدر
اللغوي، والتقليد
الأعمى المشوه
للنص التراثي،ما
يجعل مما ينتج
وفق هذا النمط،
خارج التاريخ،
والسؤال الذي
يطرح ، هنا،
هل الإشكالية
تكمن في النمط
العمودي،
أم في الشعراء
أنفسهم، وآلية
تلقيهم الجمالي؟
والنمطية
الفكرية التي
تشكّل المرجعية
للنصوص المنتجة؟وفي
محاولة الإجابة
عن هذا التساؤل،
سأستند إلى
ما قرأت وإلى
ما يقّدم من
أنماط شعرية
في مسابقة
شاعر العرب
في قناة المستقلة،
لأقول إن إشكالية
هذا القصيدة
في نماذجها
السيئة التي
تسم غالبية
ما ينتج وفق
هذا النمط،
إذ تسيطر على
أصحابها الذهنية
التقليدية
التي تحاكي
نماذج التراث
الشعري بطريقة
ساذجة لا تحمل
أية رؤية فنية،
سواء من حيث
البناء الهرمي
للقصائد القائم
على اعتماد
الافتتاحيات
الغزلية،
أو المقدمات
تمهيداً للدخول
في الغرض الأساسي،
أو في اعتماد
الإيقاع التراثي
الذي اعتادت
آذاننا استماعه
في القصائد
التراثية،
فيعيد الشاعر
إنتاجه بطريقة
استنساخية
مشوهة، كذلك
يكمن موات
هذه القصيدة
في طريقة
بناء الصور،
إذ يحكمها
آلية التشكيل
التراثي القائم
على الاستعارات
والتشابيه
المعروفة
التي مللنا
سماعها، دون
أن تنفتح على
التقنيات
الحديثة القائمة
على الانزياح،
وكسر العلاقات
المألوفة
بين المفردات،
والجرأة اللغوية
في ارتياد
المفردات
المعاصرة
الحية، بعيداً
عن لسان العرب
الذي نجلّه
ونحترمه،
ثم أخيراً،
تكمن إشكالية
تلك القصيدة
في أنها ليست
قصيدة رؤيا،
بمعنى أنها
قصيدة المباشر
والآني والمناسباتي
الذي يخاطب
الأذن والأكف،
وينتظر التصفيق،
أكثر من كونها
قصيدة التأمل
والهمس، وربما
من هنا لاغرابة
أن نسمع من
أحد كتابها
قوله- بطريقة
إلغائية حاسمة-
في أحد البرامج
التلفزيونية(
نحن لا نعتبر
قصيدة التفعيلة
والنثر شعراً)،
وربما في الإجابة
ما يظهر النزعة
الإقصائية،
والذهنية
المتحجرة
التي تسيطر
على كتّاب
هذا النمط،
غالبا.
ما أريد قوله
بعد هذه المقدمة
المطولة،
إن أزمة هذه
القصيدة،
هي أزمة فكرية،
أكثر منها
أزمة شكل فني،
وربما في توقفنا
عند تجربة
الشاعر عبد
الرحمن الإبراهيم،
أحد نماذج
القصيدة العمودية
الجيدة، ما
يثبت أن الشعرية
العالية يمكن
أن تحضر في
أي شكل فني
إذا امتلك
صاحبه أدواته
الفنية، وأمتلك
الرؤيا الفنية
التي تضمن
لصاحبها مكانته
في عالم الشعر
الرحب، إذ
تراوحت تجربة
الشاعر بين
التقليد والإبداع
مع ميل كبير
وواضح إلى
النزعة التجديدية،
التي يمكن
أن تبشّر بنمط
عمودي قادر
على البقاء،
إذا أخلص الشاعر
له.
يقدم الشاعر
عبد الرحمن
الإبراهيم
في مجموعته
(مدّي الهديل
إلى اليمام)
أنموذجا مختلفا
عن السائد
في القصيدة
العمودية،
يظهر ذلك في
محاولته كسر
روتين القصيدة
التقليدية
المتمثل بمحاكاة
القديم من
ناحية المفردات
والصور والبناء،
وقد نجح في
ذلك إلى حدّ
بعيد، دون
أن يعني ذلك
التخلي عن
كل الرواسب
التقليدية
لتلك القصيدة،
إذ إن ما ينقص
قصيدته العمودية
هو القسوة
أكثر على القصيدة
اختزالا وحذفاً،
والتخلص من
البناء الاستطرادي
الذي يخرج
عن سياق النص،
والتخلص من
ظاهرة إعادة
إنتاج الصور
القديمة التقليدية،
وتكرار عدد
من الصور ذاتها
في قصائد متعددة،
وهذا ما جعل
تجربته تتأرجح
بين الاتباع،
أي نص يحمل
إرثاً ثقافياً
شعرياً تراثياً،
وبين الإبداع
المتمثل بالقدرة
على إنتاج
الصور المبتكرة
التي تسجّل
له، من هنا
أزعم أن انحياز
الشاعر إلى
الجانب الإبداعي،
والتخلي نهائياً
عن التمسك
بالبناء الواحد
للنص سينتج
نصاً إبداعياً
يضعه في مقدمة
الشعراء الذين
كتبوا النمط
العمودي الإبداعي.
و يمكن أن نسجّل
بعض السمات
الفنية المميزة
للمجموعة،
على صعيد الإدهاش
الشعري، فالإدهاش
هو المشكّل
الأول لفعالية
النص، وربّما
يكون الرائ
ز الأكثر دقة
في الحكم على
النص الشعري،
وقد استندت
الإدهاشات
الفنية عند
الشعر إلى
تقنيات كثيرة،
أهمّها:
= التشخيص: وهذه
التقنية أساسية
في تجربة الشاعر
الإبراهيم،
يعتمدها في
بناء شعرية
النص، وفيه
ينقل المعنوي
إلى الحسي
المشاهد،
كما نلحظ في
قوله:
رأيتك في الفؤاد
ولا أراك؟
وقلبي نجمةُ،
وسعت سماكِ
وروحي غيمة،
بالغيث حبلى
يعذّبها الحنين
إلى ثراك
أو كما في قوله:
لأنّ ليلي..
بلا عينيك
خارطةُ قبائل
البدو فيها
تسحق الحضرا
أو كما في قوله
رابطا بين
التشخيص والتضاد:
نسيم الليل،
توقظه خطانا
ويصحو حين
يسكرنا هوانا
فطرافة التشخيص،
وجماليته
هنا، في جعل
القلب نجمة
تتسع لسماء
المحبوبة،
في صورة طريفة،
تخالف المألوف،
وهذا ما نلحظه
أيضا في جعله
الروح غيمة
حبلى بالغيث،
وإضفاء الشوق
والحنين الذي
يكتنف الغيمة
شوقاً إلى
ثرى المحبوبة
حصراً، وفي
هذا تكنيك
حداثي عال
في بناء الصورة
المركبة،
وهذا ما يبرز
في التمثيل
الجميل في
البيت الأخير،
الذي يظهر
الصراع في
الذات الشاعرة،
من خلال تصوير
الصراع القائم
على السحق
بين طرفين
متصارعين(
البدو، الحضر)
في صورة تحافظ
على رنين البدائية
الجميل بصخبه
في تشكيل جمال
الصورة.
= الانزياح:
وفيه ينسج
الشاعر علاقات
لغوية طريفة،
عبر إسناد
مفردات إلى
أخرى لا ترد
معها في العرف
اللغوي، فبتنا
نرى خوخاً
للنكهة، ونهراً
للهديل، يقول:
ويا وجهاً
تشكّل من يمامٍ
بنهر هديله
اغتسلت قرانا
فقد تخلى الشاعر
عن الصورة
التقليدية
التي تتوقف
عند الوجه
الصبوح، لتدجّجه
بالنعوت المختلفة،
و اعتمد على
تصوير الوجه
من خلال إظهاره
في صورة انزياحية
توحي بجمال
فائق دون التوقف
عند صفة واحدة
محددة، وهذا
ما يكسب الصورة
بعداً تأويلياً
محرضاً على
الكشف الجمالي
للصورة ولا
تترك التلقي
بليداً كسولاً
عبر تقديم
الصورة لنفسها
ببساطة ووضوح
مباشر، وإنما
تعتمد المراوغة
والمخاتلة
التي تستفز
وتحرّض على
الاستكناه
، فالوجه متشكّل
من اليمام
بكل ما توحيه
هذه اللفظة
من وداعة وجمال،
والنهر تحوّل
إلى هديل يغسل
القرى، ويضفي
عليها جمالية
أخرى.
= مزج السخرية
بالحكمة الطريفة:
وهنا تأتي
جمالية التعبير،
من قدرته على
اختزال كم
كبير من الغضب
على الواقع
ورفضه، عبر
لفّ اللغة
الشعرية برداء
السخرية،
كما نجد في
قوله:
يسألوني: هل
أصبح الشعر
بوماً ومتى
في الخراب
.. غنّى اليمامُ؟
أيّ حلمٍ.. سأشتري
لبلادي حين
يُملي على
النبي العوامُ؟؟
= طرافة الصورة:
ينوّع الشاعر
في مصادر الصورة،
لكن أهم مصدر
هو الواقع
المعيش الذي
يلتقط منه
المادة الخام
ليعيد تشكيلها،
وهذا بالذات
ما يبعد التقليدية
عن صوره ويضعها
في خانة الإبداع،
كما نلحظ في
قوله:
على شفتيك
عصفورُ ينادي
فينقدُ حنطةَ
القلبِ النداء
وكما في قوله:
على خدّيك
أنشر جوع روحي
إذا التفاح
أنضجه الحياءُ
= إعادة إنتاج
الصور التقليدية:
هنا لا يجدد
الشاعر، وإنما
يعيد إنتاج
الصور المألوفة
في الشعر التراثي
بأساليب جديدة،
لكنّ تعوّد
الأذن على
سماع تلك الصور
خفف من وهجها
وبريقها،
وأدخلها في
سياق النظم،
كما نلحظ في
صور كُررت
كثيراً، وقامت
على بنى دلالية
متشابهة،
مثل( الأهداب=
الليل، الجمال=
السيف، اللمى=
خمر،...)، وقد
تفاوتت إعادة
الإنتاج بين
التقليد والتجديد
الخجول، فمثلاً
أحياناً يُضيف
الشاعر طرافة
فنية على صورة(الجمال/السيف)
بالتمهيد
له ببيت شعري
يقوي الدلالة،
كما نلحظ في
قوله:
لكِ الأهداب
تجعلني أسيراً
وليل الكحل
يرغب في هلاكي
حباك الحسنُ
أسيافاً لقتلي
فكم جار الجمال
بما حباك؟
وأحياناً
يعيد إنتاج
الدلالة القديمة
بطريقة تقليدية،
كما نجد في
افتتاح قصيدة
نسائم الشام،
الذي يقول
فيه:
أكاد اليوم
من شوقي أطيرُ
إلى عينيك
يحملني الأثير
وهذا يذكّرنا
ببيت ابن زيدون
المعروف:
لا بارك الله
قلباً عنّ
ذكركم فلم
يطر بجناح
الشوق خفّاقا
بقي أن نشير
إلى ناحية
هامة هي العنوان
الذي عدّه
جيرار جينت
نصّاً موازياً،
إذ نلحظ أن
عنوان المجموعة(
مدّي الهديل
إلى الحمام)هو
من العناوين
المحرّضة
جمالياً،
والتي تجذب
إلى قراءة
المجموعة،
في حين إننا
لم نلحظ هذه
العناية في
بقية عناوين
القصائد،
ولا سيما منها
العمودية،
إذ إنّ أغلبها
جاء منجزاً
دلالياً لا
يحرّض على
البحث والكشف
بكل ما يخلفه
ذلك من لذة
واستمتاع.
هايل
محمد الطالب
/ سوريا -
hael73@yahoo.com