حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الجسد خارج غابة النياشين

الجسد هو الذي يدوّن نص الانتهاك، هو شاهده وشهيده، هو الذي يروي، وهو الذي يرى، يمنح الوجود شرطه الفيزيقي، مثلما يمنح اللغة شرطها في الجنوسة والخصوبة والاحتيال، لاشيء خارج هذا الجسد مكشوف الاّ للرذائل واللذائذ والطلقات. لذا يظل سؤال الجسد هو (الكيف) الذي يحيلنا الى الجسد ذاته، حيث يكون الجسد هو (الانا) والسلطة وهو المفكر فيه، المقموع والقامع، هو الذي يأتي وحده للشهوة او الموت..فهل يمكن لهذا الجسد ان يكون ماسواه؟ وهل يمكن ان يستعير من العرفانيين محوهم ليتجاوز محنة لذائذه المقموعة، تلك التي تنتجه وتهيئه للاخر كما يقول رولان بارت، او تضعه برهانا للتفكير كم يقول ديكارت في الكوجيتو، ان اجسادنا لاوجود لها دون الاخر الذي نقمعه او يقمعنا، نتشهاه او يشتهينا، نفكر به او يفكر فينا.
الجسد العراقي هو جزء من جسد الشرق، المتهم دائما بفكرة الخطيئة، تلك التي ترخّصه، تستعبده، او تجعله في حالة من الاعتراف. لكن هناك من يطرده من(اناه) تلك التي تعنيه، حيث تكون الانا هي الروح المتعالية، التي تجعل الخطيئة جزءا من وجوده الارضي، تسعى دائما لوضع الجسد في جوهر شرطها، رغم ان هذا الجسد هو المرصود دائما، انوثته مرصوده للاستعباد والبغي والرق والتشهي والعلاقات الدونية، فحولته مرصودة للاستعراض والسلطة والحرب والسجن والموت، لذا تبدو اللغة هنا هي المحرض على صناعة الكثير من اجسادنا، هي التي تنطق بذواتنا المرصودة، تزيّفها كعلامات او تستعيدها كآثار، تضعها في نص(زي) او نص(صورة)يكون فيهما الجسد هو(الذات) او يكون فيها هو الاخر نخافه(رمز السلطة او المقدس) او الذي نتماهى معه في فعل متواصل يقوم على شهوة التملك الافتراضي(رمز الانثى او رمز التملك).
لقد صنعت الحروب والسلطات والايديولجيات صورة /ايونة خاصة للجسد العراقي، عرضته الى نوع من اباحة الانتهاك بين الموت المجاني(محو الجسد) في الحرب والثكنة والارهاب والاغتيال، وبين ضياعه(حبس الجسد) القرين بتاريخ السجن السياسي العراقي، وبين استعباده(ادلجة الجسد) في النص، اوفي اشكال الثقافات العمومية، مثلما عرضته انماط الثقافات السرية الى قسرية التلصص خارج ثنائيات(الثوب والجسد)او(الصورة والتماهي) او(رمز الجدار وثقبه) وهذه العلاقات النافذة وضعت الكثير من(الثقافة) الضد في سياق تحريمي، اذ وضع الفقه الاخلاقي والسياسي الشيوعية في الستينات والسبعينات مثلا في خانة التكفير لاتهامهم باباحة الجسد للاحتفال، ووضع الفقه السلطوي الزي في خانة التحريم حينما انتهك رمز النظام السياسي الابوي الجسد في الثمانيات، عبر تلوين عريه الظاهر باللون الاسود كنزوع مضاد ضد بياضه الايهامي. مثلما تنتهكه الفحولات الثقافية عبر تسويقه الدائم في نسق انتحاري، اوشهواني، هو نص/جسد المرأة، المعروض في السياق الصوري، ولعل نموذج مثل(نانسي عجرم، اليسا، روبي، هيفاء وهبي وغيرهن) مثال لانتهاك الجسد ذاته عبر استحضار القوة الرمزية في
الجسد/ الصورة، فضلا عن انتهاك النص المكتوب للجسد، اذ تتحول اللغة الى صانعة استثنائية للجسد الذي ننتهكه رمزيا..
فكيف يمكن للجسد العراقي ان يمارس حضوره الاشباعي خارج هذه اللذائذ المقموعة؟ وكيف له ان يمارس طقسه التعويضي خارج نص الايهام ونص الصورة؟
هذه الاسئلة تضعنا امام تاريخ طويل لفجائعية هذا الجسد المطرود من اناه، الجسد الحاضر قسرا في الايديولوجيا والنص، لكنه الغائب امام القسوة والعنف، اذ تبدو قدسية الجسد في غيابه ومحوه، حضوره خارج سياق النص والايديولوجيا يوصمه باللعنة، ولعل تساؤل مطاع صفدي حول غياب مساحة الجسد عن درسنا وتحليلنا مقابل حضور العالم كله لهذا الدرس، تكشف هول البشاعة التي يواجهها هذا الجسد الشرقي عبرتاريخ طويل من الاكراهات كرستها السلطات الابوية والثيوقراطية والايديولوجيات والعقائد.
ان اعادة انتاج الجسد خارج المقبرة والايديولوجيا تفترض وجود غابة من الحيوات، صناعة مضادة للمدينة/المكان/اللذة/الاشباع، مثلما تفترض تطهيرا رمزيا للغة والايديولوجيا والصورة والسلطة. اذ ان كل هذه المكونات تحمل تاريخا مروعا لطرد الجسد، اخصاءه واقصاءه وحصاره وتكفيره واشهار لعنته عبر لعنة الصورة والمنحوتة، لعنة عريه، اعترافه.. نحن نحتاج الجسد خارج غابة النياشين حقا..

 

علي حسن الفواز / العراق -
ali_fwaaz@yahoo.com


 
© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.