من
الخيال إلى
المتخيل: سراب
مفهوم
تنحدر
كلمة Imaginaire التي
نترجمها بـ(متخيل)،
من الكلمة
اللاتينية
imaginarius التي تعني:
خيالي، مغلوط.
ونستعمل كلمة
متخيل، في
اللغة بثلاث
دلالات على
الأقل:
1 ـ كصفة،
وتعني ما لا
يوجد إلا في
المخيلة،
الذي ليس له
حقيقة واقعية.
2 ـ كاسم
مفعول، للدلالة
على ما تم تخيله.
3 ـ كاسم،
وتعني الشيء
الذي تنتجه
المخيلة،
كما تعني ميدان
الخيال.
وإذا كانت
هذه الكلمة
قد تحددت بصفتها
مفهوما أساسيا
في حقل التاريخ
(تاريخ الذهنيات)
والأنتروبولوجيا،
لإيلاء العامل
الرمزي دورا
لا يقل أهمية
عن العامل
المادي في
النظريات
الماركسية،
فإن المفهوم
نفسه ستتسع
مدلولاته
بتعدد العلوم
الإنسانية
التي وظفته
بخلفيات إبستيمولوجية
مختلفة، وبمكونات
مصطلحية مختلفة.
وفي سياق آخر،
يشير باشلار
إلى أن كلمة
متخيل ليست
سوى مرادف
يعبر بشكل
أفضل عن كلمة
خيال، ويجعل
هذه الأخيرة
مفتوحة ومتمنعة.
ومن
أجل تحديد
وتحليل الوضع
الاعتباري
لمفهوم المتخيل،
وكذا الحديث
عن مختلف تمظهراته
وأبعاده،
وقبل بلورة
تصور نظري
ومنهجي واضح،
آثرت أن أقوم
بذلك من خلال
الارتكاز
على مرجعيتين
متداخلتين،
تجلوان الالتواءات
الدلالية
والإبستمولوجية
الثاوية خلف
هذا المفهوم،
وتتمثل هاتان
المرجعيتان
في: المرجعية
التاريخية،
والمرجعية
المفهومية.
إن ما
يبرر هذه النظرة
الاستعادية،
هو افتراض
أن جزءا من
الالتباس
الذي يحيط
بالمتخيل،
يعود إلى جذره
اللغوي، أي
إلى الصورة
l’image والخيال/المخيلة
Imagination. وهكذا،
فمنذ العصر
اليوناني
إلى اليوم،
مرورا بالفكر
العربي، وبالنهضة
الأوروبية،
تمت مساءلة
ما يسميه هنري
كوربان "L’imaginal".
وبالتالي،
فهناك محطات
تاريخية أساسية
ينبغي التعرف
على تعاملها
مع الجذر اللغوي
(خيل)، ومع اشتقاقاته
وامتداداته
المفهومية.
فللمفاهيم
هوية دلالية
مفترضة يجب
التعرف عليها
وملاحقتها
في مكان انبثاقها
وإشعاعها.
وإذا تكلمنا
بلغة بول ريكور،
فإن هذه المسافة
التاريخية
والثقافية،
ليست هوة تستدعي
التجاوز،
بل هي وسيط
يتطلب العبور.
وهكذا سأقف
عند كل من أفلاطون
وأرسطو واسبينوزا
وكانط باعتبارهم
ساهموا، بشكل،
أو بآخر، في
تطور هذا المفهوم
عبر العصور،
كما سأقف عند
دلالات المادة
المعجمية
(خيل) والاصطلاحية
في الحقل العربي
خلال القرون
الثلاثة الأولى
للهجرة.
1 – أفلاطون:
الخيال باعتباره
محاكاة
لا بد
من الإشارة،
أول، إلى أن
مشكل الصورة،
عموما، لدى
أفلاطون لا
يهم فقط مسألة
العلاقة بين
ما هو ظاهر
متبد وبين
ما هو نموذج،
وكذا وضعية
المدينة ودور
الفنون، بل
يهم كذلك وضعية
الإنسان الذي
تتقاذفه الصور-النسخ،
والصور-السيمولاكرات
والظلال والانعكاسات
والرموز. إن
أفلاطون يعبر
عن اللحظة
التاريخية
التي تجسد
فيها عالم
المظاهر،
بحيث أصبح
هذا العالم
يطرح بصفته
مثيلا مشابها
للواقع الحقيقي،
للنموذج ولعالم
المعاني والصور
الحقيقية،
الذي هو عالم
المثل، عالم
"الإيدوس".
إلا أن هذا
الشبيه قد
يكون نسخة
قريبة من الأصل،
وقد يكون نسخة
بعيدة مشوهة:
في الحالة
الأولى تكون
النسخة أيقونة،
وفي الحالة
الثانية سيمولاكر.
وهكذا، فإن
الصورة، بحكم
ارتباطها
بالمحاكاة،
لا يمكنها
إلا أن تعيد
إنتاج مظهر
متبد موجود
ومعطى سلفا
خارجها. فالمحاكاة،
التي تحدد
الصورة في
كينونتها،
والتي تجعلها
متبديا، هي
التي تحدها
وتحد منها
وتطردها من
حقل الإبداع
والابتكار
والخلق. ذلك
لأن الصورة
تنتمي إلى
الظاهر، إلى
النسخة لا
إلى الحقيقة.
لكن، للتدقيق،
لا بد من التنصيص
على أن لا وجود،
بالنسبة لأفلاطون،
لظاهر بدون
وجود، ليست
هناك صورة
بدون واقع
حقيقي، ولا
وجود لمحاكاة
بدون نموذج.
ومن ثم، فالصورة
تتحدد باعتبارها
"شيئا ثانيا
مشابها"،
أي باعتبارها
مضاعفة للشيء
الأول وتوأمه
حسب تعبير
جان بيير فيرنان.
فالمحاكاة،
التي تحدد
الصورة وتشرطها
في كينونتها،
والتي تجعلها
مظهرا متبديا،
تقترب، في
سيرورتها،
من الصنع،
من بويزيس،
على أن نفهم
الصنع هنا،
بمعنى صنع
الصور لا صنع
الواقع. فصانع
الصور هو المحاكي،
والمحاكاة
هي السمة المشتركة
والمميزة
لكل الفاعليات
التشخيصية:
"ما الهدف
الذي يستهدفه
الرسام بالنسبة
إلى كل شيء؟
أهو محاكاة
شيء حقيقي
كما هو موجود،
أو شيء ظاهر
كما يظهر؟
أهو يقلد المظهر
أم الحقيقي-
إنه يحاكي
شيئا ظاهريا".
ويضيف أفلاطون
في صفحة أخرى
قائلا: "إن
المقلد، أو
صانع الصور،
لا يعلم عن
الوجود الحق
شيئا، وإنما
يعرف المظاهر
وحدها". ومن
ثم تنتقل الصورة،
بوصفها تعبيرا
عن مختلف أشكال
المتبدي الظاهر،
إلى الانحياز،
كلية، إلى
جانب "المظاهر"،
أي إلى جانب
العالم المحسوس
في نسبيته
وتغيراته
وتناقضاته،
أي عالم المرايا
والظلام والأوهام.
"وهكذا يكون
لديك في العالم
المنظور قسم
أول يعبر عن
الصورة: أعني
بالصور الظلال
أولا ثم الأشباح
المنطبعة
في المياه
وعلى أوجه
الأجسام المعتمة
المصقولة
اللامعة،
وكل التمثلات
الأخرى المشابهة
لها(…). أما النصف
الآخر من القسم
الأول، فهو
يشمل الأشياء
الواقعية
التي كان النصف
الأول يمثل
صورها، أي
الكائنات
الحية المحيطة
بنا، وكل ما
صنعته يد الطبيعة
والإنسان".
إن موقف أفلاطون
واضح، يتجلى
في إقامة تقابل
بين النشاط
الصناعي من
ناحية، والنشاط
المحاكاتي
من ناحية ثانية.
فالنجار هو،
بطبيعة الحال،
صانع Démiurge السرير،
من حيث إنه،
رغم جهله بجوهر
السرير، ورغم
أنه لا يملك
سوى فكرة ورأي
عنه، ينتج
سريرا واقعيا.
وبالعكس من
ذلك، فإن الرسام
ليس عاملا
صانعا ولا
منتجا لأي
سرير، بل هو
محاك لما يصنعه
الصانع الذي
يضع نصب عينيه
صورة الأسرة
والمناضد.
هناك،
إذن، ثلاثة
مستويات للمحاكاة،
وثلاث درجات:
تحيل الأولى
على عالم الأشكال
والمعاني،
وتحيل الثانية
على الصانع،
النجار الذي
ينتج سريرا
ملموسا انطلاقا
من الفكرة،
بينما تختص
الثالثة بالرسام
الذي يشخص
السرير بواسطة
الفن. إن الرسام
لا يقلد إلا
المظاهر،
أي لا يعمل
سوى على إنتاج
استيهامات
وأوهام تستبدل
القسمات الحقيقية
المضبوطة
للموضوع بأشكال
توهم الجمهور،
إنه لا يعمل
سوى على إنتاج
صور –سيمولاكرات
تكمن حقيقتها
في مشابهتها
لما ليست هي،
لما هي صنو
له وشبح له.
ولتوضيح هذه
الفكرة أكثر،
نورد نصا هاما
لأفلاطون
من محاورة
السوفسطاني
حول ارتباط
الصورة بالحقيقة:
تيطاووس: ماذا
يمكن أن نقول
فعلا عن الصورة،
أيها الغريب،
سوى أنها شيء
مختلف عن الشيء
الحقيقي،شيء
ثان مشابه
له ومصنوع
على شاكلته؟
الغريب: هذا
الذي تسميه
شيئا ثانيا
مشابها، هل
هو شيء حقيقي؟
أو [بالأحرى]
ماذا نقصد
بلفظة "مشابهة"؟
تيطاووس: أقصد
أن ذلك الشيء
ليس قطعا حقيقيا،
بل يبدو كأنه
حقيقي.
الغريب: وهل
نفهم من الشيء
"الحقيقي"
شيئا موجودا
"بالفعل"؟
تيطاووس: بالتأكيد.
الغريب: ماذا؟
أتقصد باللاحقيقي
المقابل الضدي
للحقيقي؟
تيطاووس: لا
شك.
الغريب: المشابه،
إذن، بالنسبة
إليك، هو لا
وجود غير واقعي،
ما دمت تؤكد
أنه غير حقيقي.
تيطاووس: لكنه،
مع ذلك، يوجد
بمعنى من المعاني!
الغريب: إلا
أنه، على أية
حال، ليس له
وجود حقيقي
بالنسبة إليك.
تيطاووس: بالطبع
لا، غير أن
له وجودا مشابها.
الغريب: هكذا،
إذن، ما نسميه
صورة حقيقية،
ومشابها هو
في الحقيقة
لا وجود غير
حقيقي.
يحدد أفلاطون،
بدقة، في هذا
النص الوضع
الاعتباري
للصورة التي
غدت شبها ومثيلا
معزولا عن
الوجود. أصبحت
الصورة، إذن،
والمحددة
باعتبارها
تشابها، تملك
سمة مميزة
وواضحة، بحيث
صار الظاهر
(المتبدي) مقولة
مخصوصة تقابل
الوجود، وتواجه
بصفتها لا
وجودا ولا
كائنا، أي
بصفتها حاملة
لنوع من اللاوجود.
من هنا لعبة
التشابه واللاتشابه،
الهوية والاختلاف.
لم يعد الظاهر
(المتبدي) مظهرا
من مظاهر الواقع،
أو مستوى من
مستوياته.
وتعني هذه
السمة، من
جهة أخرى،
طرد الصورة
وإبعادها
عن ميدان الواقعي
وإدخالها
في حقل الخيالي
والوهمي. أصبحت
الصورة تعني
المشابهة
الخارجية
المفصولة
عن الوجود
الحقيقي. وقد
ترتب على هذا
الإقصاء للصورة،
تأسيس وضع
جديد يتمثل
في المكانة
الوسطى التي
أصبحت الصورة
تحتلها بين
الوجود واللاوجود،
بين الحضور
والغياب،
بين المرئي
واللامرئي.
غير أن تموقع
الصورة بين
هذين القطبين،
لا يعني أنها
تحولت مع أفلاطون
إلى صورة-طاقة
كما سيحصل
من أرسطو،
أي أنها لم
تصبح بعد محددة
للخيال بوصفه
ملكة وقوة
لبناء وتشييد
الصور الذهنية.
كما أنها لا
تدل على الرؤى
التي سيحددها
كانتيليان.
ومن ثم أهمية
مفهوم فنطاسيا
phantasia، المشتق
من الظهور
phainein، والذي يعني
تلك الوضعية
التي يقوم
فيها الفكر
تلقائيا بتصديق
الظاهر (المتبدي)،
والظاهر الذي
تأخذه الأشياء
وتكتسيه. وللتدليل
على ذلك، يقول
أفلاطون: "كما
أن نفس الشيء
الذي يكون
مستقيما خارج
الماء يبدو
منكسرا داخله،
كذلك فإن الشيء
يبدو محدبا
أو مقعرا،
تبعا للخداع
البصري الذي
تحدثه الألوان.
وهكذا فإن
كل خلط كهذا
إنما يوجد
في نفوسنا.
وهذا الضعف
في طبيعتنا
هو الذي يستغله
الرسم بالضوء
والظل وغيره
من أنواع الخداع
البارعة،
التي يكون
لها في نفسنا
تأثير أشبه
بتأثير السحر".
وهكذا، فإن
الأذهان تنساق،
دون نقد ولا
تمحيص، نحو
تلك العاطفة
التي ترتبط
بها الأوهام
بشكل طبيعي،
ويتعلق الأمر
بأوهام الحواس.
وهذا الخداع
البصري ليس
سوى مظهر من
مظاهر ارتباط
الخيال بالإحساس،
وببادئ الرأي
Doxa، وهي العلاقة
التي سيطورها
أرسطو فيما
بعد. ومع ذلك،
تبدو هذه العلاقة
متداخلة،
وغير واضحة
المعالم لدى
أفلاطون،
إذ يشير، في
مكان آخر،
إلى أن فنطاسيا
مزيج من الإحساس
وبادئ الرأي:
هل المتبدي
معناه الإحساس؟
أجل
وإذن، ففنطاسيا
والإحساس
متطابقان".
نستخلص مما
سبق، أن الخيال
والتخييل
لم تتحدد معالمهما
بشكل واضح
مع أفلاطون.
لم يرق الخيال
عنده، بسبب
تصوره للمحاكاة،
إلى مستوى
الطاقة الإنتاجية
والملكة الخلاقة.
ما كان
غائبا عند
افلاطون،
كذلك، هو مفهوم
الذات الفردية
المبدعة. ويعود
السبب، في
نظر المتخصصين،
إلى مسألة
أساسية، تطبع
المنظور الأفلاطوني
ككل، وهي غياب
مقولة الفاعل
l’agen، وغياب مفهوم
القدرة الإبداعية
للإنسان.
وكان
ينبغي انتظار
نهاية القرن
الرابع للميلاد،
لنجد لدى كاتب
مثل فلافيوس
فيلوسطراط،
رأيا جديدا
وأصيلا، سيعمل
أرسطو على
تعميقه، من
خلال تدقيقه
لمفهوم فنطاسيا.
إن هذا الأخير،
في نظر فيلوسطراط،
هو الذي يتحكم
في الإبداع
والفن. ومن
ثم، فإن الخيال
(فنطاسيا)،
مستقل عن المحاكاة،
لا بل يتعارض
معها ويتجاوزها
بواسطة Sophia،
وذلك لأن "المحاكاة
لا تستحضر،
في الصورة،
إلا ما سبقت
رؤيته، في
حين أن فنطاسيا
[تستحضر] كذلك
ما لم تره من
قبل". إن الخيال،
وهو ينفصل
عن المحاكاة،
يغدو عاملا
أساسيا متوفرا
على السلطة
ذاتها، سلطة
تأمل اللامرئي،
وسلطة مجاوزة
الظاهر المتبدي،
لارتياد العالم
العلوي، عالم
الأشكال والصور،
الذي جعله
أفلاطون وقفا
على الفلسفة.
وفي هذا السياق،
يضيف فيلوسطراط
قائلا: "إن
الفنان، عندما
يعرج إلى السماوات
ليحضر منها
الصور، لا
يحاكي ولا
ينسخ، بل يتخيل".
2 – أرسطو:
الخيال باعتباره
طاقة فعالة.
يعتبر
كتاب أرسطو
في النفس النص
المؤسس لنظرية
الخيال بوصفه
طاقة، محركة
وفعالة، تعتمل
داخل الأشكال
والأنساق.
وهذا الكتاب
سيؤثر كثيرا
في الفكر الغربي،
كما سيؤثر
في الفكر العربي
الذي نقل هذا
المفهوم إلى
العربية بدلالته
السيكولوجية،
بدءا من القرن
الثالث الهجري.
فمع
أرسطو، لم
يعد الخيال
سجين مفهوم
المحاكاة،
وسجين النماذج
والنسخ، بل
أصبح له وضع
اعتباري خاص
ومتميز. تخلص
من وضعية اللاوجود
التي أسندها
إليه أفلاطون،
وصار موجودا
باعتبارها
وسيطا يلعب
دورا أساسيا
بين الفكر/العقل
والإحساس.
كان
أرسطو، في
هذا الكتاب،
يسعى إلى حل
إشكال يتمثل
في السؤالين
التاليين:
أ ـ ما
هي العلائق
الموجودة
بين الخيال
والإحساس
من جهة؟
وب ـ
ما هي العلائق
الموجودة
بين الخيال
والفكر، من
جهة ثانية؟
ويتبين،
من خلال هذين
السؤالين،
أن أرسطو يجعل
من الخيال
محورا مركزيا
بين الاثنين.
فقد أبعده
عن الإحساس،
وجعله مستقلا
عنه رغم ارتباطه
به، وهو الشيء
الذي يفسر
قدرتنا على
إنتاج الصور،
وتنويعها،
والتوليف
بينها، أو
اختبارها
وفحصها وتوظيفها.
ولهذا يؤكد
أن المفاهيم
ليست صورا
رغم أنها ترد
في شكل صور.
فكل عملية
تفكير، مهما
كانت طبيعتها،
تكون مصاحبة
بالصور، وبذلك
يلعب الخيال
وظيفة الربط
والوصل والتركيب.
2-1-الخيال
والإحساس:
لفهم
تصور أرسطو
لهذه الثنائية،
لا بد من الإشارة
إلى أنه يضع
الخيال داخل
نظرية أوسع
تتصل باهتمامه
بعلم الأحياء
والطب وعلم
النفس. وهذا
ما يفسر تخصيصه
للمقالة الأولى
من كتاب في
النفس لدراسة
وتحليل طبيعة
النفس وجوهرها
ووظائفها:
"وطلبنا أن
نفهم ونعلم
طباعها وجوهرها
أولا، وبعد
ذلك أن نعلم
ما الأشياء
العارضة لها،
وأيها أعراض
خاصتها، وأيها
مشاعة بينها
وبين الحيوان".
ومن أجل ذلك،
يتصدى أرسطو
لكل من أفلاطون
وأتباع فيطاغوراس
الذين جعلوا
من النفس حقيقة
منفصلة عن
الجسم. إن النفس
والجسم، بالنسبة
له، ليسا جوهرين
متباينين،
بل هما عنصران
لا ينفصلان
عن بعضهما
البعض، أي
ينتميان إلى
مادة واحدة.
وعليه، فالنفس،
خلافا لسابقيه،
ليست عنصرا
ذاتي الحركة،
ولا كيانا
منسجما. لا
يمكن أن توجد
النفس خارج
الجسم باستثناء
العقل الفعال،
العنصر الأشرف
من النفس،الذي
ينفصل عن الجسم
ويبقى خالدا
وأبديا. ومن
ثم، تغدو النفس
"أول تمام
جرم طبيعي
ذي حياة بالقوة"،
أي أنها قوة
فعالة بالنسبة
للجسم بما
هي مبدأ منظم
وحيوي سواء
من حيث التغذية
أو الإحساس.
وعلى هذا الأساس،
فالنفس هي
التي توحد
الكائنات
الحية وتميزها
في الوقت ذاته.
فالفأس، مثلا،
ليست جسما
طبيعيا لأنها
لا تتوفر على
مبدأ الحركة
والسكون،
وذلك رغم أن
جوهرها يتجلى
في مادتها
القاطعة. فلو
كانت الفأس
جسما طبيعيا،
لكان هذا الجوهر
هو نفسها. وهكذا،
يشترك الإنسان
مع الحيوان
في ملكة الإحساس،
ويتميز عنه
بخاصية التفكير.
وهذا
الاشتراك
في ملكة الإحساس،
هو الذي يجعل
عنصرا الخيال
والرغبة مرتبطين
ارتباطا دائما.
الرغبة تفترض
الخيال، وتعمل
على إثارة
الحركة، لأن
الإحساس قد
يكون بالمتعة
أو بالألم.
والخيال،
بدوره، يتصل
بذاكرة أولية،
تختزن الصور
وتتلاءم ومحيطها
المباشر. إلا
أن الإنسان
يتميز، علاوة
على ذلك، بعملية
التفكير،
وبسيرورة
انتقاء صورة
الذاكرة. ومن
هنا فإنه ينتقل
من مستوى التجربة
إلى مستوى
الإبداع والعلم….
ينبغي
أن نفهم التجربة،
هنا، بالمعنى
الإيجابي،
ذلك أنها تسمح
بتحقيق ديمومة
وتنوع صور
وأشكال تلاؤم
الأجسام وتكيفها.
وعليه، فالإحساس
يعد ضربا من
التبدل الإيجابي،
الذي يحين
قوة معينة.
وفي هذا السياق،
يورد أرسطو
مثالا من ميدان
البصر والمبصرات:
تفترض الرؤية
البصرية ثلاث
لحظات مختلفة
وهي:
1 ـ اللون
الذي يحد الأجسام
ويعمل على
تشكيل المبصرات؛
2 ـ الوسط
الذي يعتبر
وسيطا صقيلا
وشفافا مكونا
من الهواء
والماء؛
3 ـ الضوء
الذي هو فعل
الصقل، لذلك
"لسنا نرى
بغير ضوء(…) وفعل
الصقيل الضوء".
ومعنى ذلك،
أن ملكة الإحساس
تتغير وتتبدل
تبعا، بالطبع،
لخصوصية كل
حاسة على حدة،
لأن "الحس
قابل للصور
المحسوسة".
فالحواس تتلقى
صورة الأشياء
وأشكالها،
دون أن تتلقى
الهيولى والمادة
تماما كما
يتلقى الشمع
علامة الختم
دون أن يتلقى
الحديد ولا
الذهب. "فكذلك
الحس: يألم
مما كان له
لون أو كيموس
أو قرع، ليس
أنه يصير كواحد
منها، لكنه
يصير بصفة
كذا، وكذا
محتمل للحد".
وهكذا، فإن
الإحساس ملكة
واحدة، لكنها
تتكيف حسب
وتبعا لخمسة
أعضاء، ولهذا
فالخطأ لا
يأتي من قبل
الإحساس،
بقدر ما يأتي
عندما تتدخل
المحسوسات
المشتركة
بين جميع الحواس،
ويتعلق الأمر
بالحركة والسكون
والعدد والشكل
ووحدة الزمن
والبعد. ولهذا
يطرح أرسطو،
في المقالة
الثالثة من
كتابه، مسألة
الحس المشترك
ووظائفه.
الحس
المشترك يتضمن
الحواس الخمس،
لكنه ليس مرادفا
لها؛ ولذلك
ينبهنا أرسطو
قائلا: "ليس
[ هناك ] حس غير
الحواس الخمس،
أعني البصر
والسمع والشم
والذوق واللمس".
ويلعب هذا
الحس المشترك
وظيفة إدراك
المحسوسات
وإجراء مقارنات
بين معطيات
الحس، كما
يمنح الذات
الحاسة وعي
الإحساس،
أي أن له دورا
تركيبيا،
ووسيطا بين
المحسوسات:
يرتبط بالإحساس
وينفصل عنه
في آن واحد.
وتلك
هي وضعية الخيال
الذي يعد امتدادا
معينا للإحساس:
"التوهم حركة
من فعل الحس"،
أي أن الخيال
مماثل للإحساس
المحض ومختلف
عنه: "بما أن
الخيال مطابق
للحس، رغم
اختلاف شكل
وجودهما،
وبما أنه حركة
ناتجة عن الحس
بالفعل، وأن
الحلم يبدو
أنه ضرب من
الصور، فمن
الجلي أن الحلم
ينتمي إلى
الحس بصفته
مشتملا على
الخيال".
ولتحديد
الوضع الاعتباري
للخيال، يضيف
أرسطو أن هذا
الأخير يختلف
عن الإحساس
اختلافه عن
الفكر: "وأما
التوهم فإنه
غير الحس وغير
الفكر، ولا
يكون ظن بغير
توهم. ومن الظاهر
البين أن التوهم
ليس هو تفكرا
ولا ظنا، وذلك
أن التوهم
إلينا"، أي
أن معطيات
الحس، هي شرط
الخيال وأصله،
وهي خاصية
يشترك فيها
الإنسان مع
بعض الحيوانات،
لكنه يتميز
عنها بالفكر.
ثم إن الإحساس
يكون أبدا
صادقا، بينما
يمكن أن تكون
الصورة خادعة،
مثلما هي الحال
في الحلم؛
فالصورة تنفصل
عن الإحساس
وتتجاوزه،
أو يقوم الإنسان
بتشكيلها
كما هو الشأن
في الفن: "إن
التوهم حال
يتخيل لنا
فيها شيء ليس
بموجود بالحقيقة".
يبدو
أن أرسطو يعطي
للخيال معنى
إيجابيا وسلبيا
في آن واحد:
فهو إيجابي،
لكونه حركة
ثانوية ناتجة،
كما سبقت الإشارة
إلى ذلك، عن
الإحساس،
ومواصلة له،
ولكونه معينا
للذاكرة. وهو
سلبي، بحكم
أن "أكثر التوهم
كاذب"، كما
يقول أرسطو،
كما أن التعدد
يأتي من قبله
لأنه يقوم
بتركيب صور
الأشياء الغائبة.
ويضيف قائلا
إن هذه القوة
المصورة "تجد
ما لا تجد الحواس
البتة، فإنها
تقدر أن تركب
الصور، فأما
الحس فلا يركب
الصورة(…)، فإن
البصر لا يقدر
على أن يوجد
إنسانا له
قرن، أو ريش،
أو غير ذلك(…).
فأما فكرنا
فليس بممتنع
عليه أن يتوهم
الإنسان طائرا
أو ذا ريش،
وإن لم يكن
ذا ريش، والسبع
ناطقا".
2-2-الخيال
والفكر:
إذا
كانت الصورة،
مع أفلاطون،
ذات وظيفة
استحضارية،
أي أنها، كما
رأينا، لا
تظهر من الشيء
الذي تحاكيه
إلا المظهر
الخارجي،
المتشابه
والمضاعف،
فذلك لكون
فعل التعلم
لديه هو، قبل
كل شيء، إعادة
تذكر لحقيقة
جرى تأملها
من قبل، ثم
تنوسيت. لكن
الأمر مع أرسطو،
مختلف نسبيا.
فمنهجه تجريبي،
إذا صح القول،
لأن المعرفة
تبدأ مع الإحساس،
وتتجه نحو
المعرفة بالتصور
الذي هو تركيب
للمصادقات.
فعلى الرغم
من أن فعل الإدراك
ينصب على الفرد
(الما صدق)،
فإن الهدف
النهائي الأسمى
هو الكلي: الجنس
وليس النوع،
فلا علم إلا
بالكليات.
ومن هنا يقوم
الخيال بتجاوز
الإحساس ليغدو
شرطا ضروريا
للفكر. وفي
هذا السياق
يقول أرسطو:
"فالعقل يدرك
صور الأشياء
بما يصير إليه
من تخيل التوهم،
فيكون الشيء
المدرك إما
مطلوبا، وإما
مهروبا عنه
بغير حس". فالنفس،
إذن، لا يمكنها،
أبدا، أن تفكر
أو أن تفهم،
بدون تواجد
للصور. ومن
ثم تغدو الصورة
تابعة للعقل،
خادمة له،
بحكم وظيفتها
التركيبية،
وبحكم أن سيرورة
التفكير لا
تجري بدون
خيال. فالصور،
إذن، محسوسات،
بمعنى من المعاني،
غير أنها محسوسات
مجردة من المادة/الهيولى،
إن الصور تساعد
الفكر على
التجريد،
"فالأفطس
لا يكون أفطس
بغير هيولى.
وإذا كان إدراك
العقل غورها
وعمقها على
حيالها [en acte]،
كان إدراكه
إدراكا بغير
جزء من اللحم؛
وكذلك الأشياء
المعلومية
[ المتصلة بالرياضيات
] ليست بمفارقة
الهيولى إلا
بالتوهم".
وبهذا المعنى،
فإن الحس والخيال
هما مادة العقل
ومنبعه، علاوة
على أن الخيال،
هو الرابط
الموحد بين
مختلف وظائف
الن&