جنازة
الديناصور
النقدي
الإبحار
في علمي الفلسفة
والجمال
ما النقد؟
ذلك هو السؤال
الذي طالما
وددت أن أجيب
عنه. فمن خلال
معايشتي للنقد
والنقاد مناقِشا
ومناقّشا،
مستمعا ومشاهِدا،
تكونت لدي
صورة واضحة
عن جانب مهم
من جوانب أزمة
النقد في عالمنا
العربي وفي
مصر خاصة،
إن لم يكن أهم
الجوانب جميعا.
فليست أزمة
النقد (وأنا
أتحدث هنا
عن النقد الأدبي
تحديدا) تكمن
في قلة المتابعات
النقدية،
وبالتالي
قصورها عن
مسايرة الإبداعات
الأدبية،
بل تكمن في
سوء فهم مهمة
النقد عند
كثير ممن يمارسونه
أو يتلقونه
ويطالعونه.
يتصور الكثيرون
أن النقد مسألة
انطباعية،
وبذلك يصبح
موقف الناقد
من العمل مسألة
مزاجية تتوقف
علي انطباعاته
الذاتية وإحساسه
الخاص بقيمة
العمل ومدي
أهميته، رغم
أن النقد الانطباعي
قد عفا عليه
الزمن باعتباره
مرحلة أولية
متخلفة من
الممارسة
النقدية. لأن
الحساسية
وحدها لا تجنطِق
أو لا تخلق
الناقد. فما
بالك أن كثيرا
ممن يمارسون
النقد في مصرنا
هم حتي دون
هذه المرحلة
المتخلفة
من الممارسة
النقدية: فبعض
هؤلاء يتصورون
أن النقد هو
الانتقاد،
ويبحثون في
النص عن شيء
يتيح لهم محاكمة
الكاتب أو
التفتيش في
ضميره (وهذا
النوع المنحط
من النقد الذي
لا اسم له في
أي كتاب علمي
هو ما يسميه
الصديق الشاعر
عبد المنعم
رمضان نقد
النميمة ). والبعض
الآخر من هؤلاء
يأتون إلي
النص الأدبي
وفي أذهانهم
متفرقات من
القوالب الفكرية
الجاهزة التي
سمعوا عنها
من هنا ومن
هناك، فتراهم
يفتشون في
النص لعلهم
واجدون شيئا
يمكن أن يضعوه
في تلك القوالب
الجاهزة،
أو يمكن أن
يحاكموه علي
أساس من هذه
القوالب إن
تأبي علي الدخول
فيها ولم يكن
علي قدها وقياسها.
هؤلاء وأولئك
من التعساء
لا يعرفون
معني النقد
حقا: فهم يفتشون
عن جزئيات
في النص دون
أن يعرفوا
دلالتها ومكانتها
من الرؤية
الكلية التي
تهيمن علي
العمل (ولذلك
تراهم ينتزعونها
من سياق العمل،
لأن دلالتها
تكمن في رءوسهم
فحسب): فهم لا
يعرفون علي
سبيل المثال
أنه لا يمكن
التقاط كلمة
أو جملة من
العمل اللهم
إلا إذا كانت
لها دلالة
خاصة في مجمل
سياق الرؤية
الكلية للعمل:
فالكلمة لا
معني لها بمنأي
عن الجملة،
والجملة لا
معني لها بمنأي
عن الفقرة،
والفقرة لا
معني لها إلا
داخل السياق
الكلي للعمل:
ولذلك فإن
القارئ والناقد
(باعتباره
قارئا أساسيا
للعمل) يكون
ملقي علي عاتق
كل منهما قراءة
الجزئي في
إطار الكلي،
وفهم أسلوب
تجميع اللقطات
الجزئية المعبرة
عن السياق
الكلي للعمل
علي نحو يشبه
دور المتلقي
في فهم أسلوب
عمل المونتاج
باعتباره
جوهر العمل
السينمائي.
ولا
شك أن ممارس
النقد الأدبي
قد ينتمي إلي
دراسة الأدب
العربي أو
غيره من الآداب،
ولكنه قبل
هذا وذاك لا
بد أن يكون
علي صلة عميقة
بالفلسفة.
فلكي يكون
الناقد ناقدا
بحق يلزمه
في المقام
الأول أن يكون
علي دراية
بالفلسفة،
محبا لها في
عمومها: طالما
أن كل أدب عظيم
لا بد أن ينطوي
علي رؤية فلسفية،
كما علمنا
وصرح بذلك
كبار الفلاسفة
والأدباء
أنفسهم ممن
لا يحصي عددهم،
ولا يتسع المجال
هنا حتي لذكر
شيء من مواقفهم
وأرائهم في
هذا الصدد.
فبأي حقي إذن
يجقدِم ذلك
الذي يفتقر
إلي أية ثقافة
فلسفية علي
نقد عمل أدبي
من خصائصه
أن يكون منطويا
بصورة ما أو
بأخري علي
رؤية فلسفية
ما، أي علي
رؤية للعالم
وللوجود الإنساني.
ومن أسف أننا
نجد نماذج
من هؤلاء يروجون
لأنفسهم باعتبارهم
نقادا مرموقين
لمجرد أنهم
مشتغلون بتدريس
الأدب العربي
في جامعة أجنبية
شهيرة. لقد
استمعت مؤخرا
لواحد من هؤلاء
في ندوة عن
العلاقة بين
الفلسفة والأدب،
وهالني ما
سمعت: فقد أراد
الأستاذ أن
يستعين برأي
كبار الفلاسفة
في هذه العلاقة،
فلم يذكر سوي
رأي أرسطو،
ويا ليته ما
ذكره: فقد ذكر
بالضبط عكس
ما يقوله أرسطو،
إذ نسب إليه
القول بأن
الشعر أفضل
من الفلسفة
والتاريخ
، في حين أن
قول أرسطو
هو أن الشعر
فيه فلسفة
أكثر مما يكون
في التاريخ
! ومن الواضح
أن مقصود أرسطو
هو علي العكس
تماما مما
كان يقوله
هذا المتأستذ:
فمقصود أرسطو
كما هو معلوم
وكما ندرس
ذلك للتلاميذ
في أول دروسهم
في الفن والأدب
أن التاريخ
يعبر عن الجزئي،
في حين أن الشعر
يعبر عن الكلي
في تناوله
للجزئي والخاص
والعابر: ومن
ثم فإنه يكون
أقرب إلي الفلسفة
التي تعني
بالكلي بإطلاق!
بل إن هذا الناقد
المتأستذ
لا فض فوه زاد
علي ذلك فقال
إنه لا يوجد
في مصر إبداع
أدبي بعد نجيب
محفوظ، وأن
كل ما هو موجود
هو مجرد كم
لا غناء فيه:
وبذلك فإنه
يبرهن علي
أن من يفتقر
إلي الثقافة
الفلسفية
لا بد أن يكون
مفتقرا إلي
الذائقة الأدبية
أيضا، ومن
ثم لا يمكن
الاطمئنان
إلي أحكامه
ومقولاته
النقدية.
وليس بخافي
علي كل ذي فطنة
أنني لا أريد
أن أنتقص من
شأن المشتغلين
بالأدب العربي
في جامعتنا:
فلا شك أن منهم
نقادا أفذاذا
تعلمنا ونتعلم
منهم. فما أريد
أن أؤكد عليه
هو أن هؤلاء
جميعا لم يصبحوا
نقادا بحق
إلا عندما
تجاوزا حدود
تخصصاتهم
الضيقة، واطلعوا
علي الرؤي
الفلسفية،
والثقافة
الرحبة. وهذا
هو السبب في
أننا يمكن
أن نجد نقدا
أدبيا حقيقيا
خارج إطار
المشتغلين
بتدريس الأدب،
سواء عند المبدعين
أنفسهم أو
المثقفين
ثقافة رفيعة
(وعمادها الثقافة
الفلسفية).
ثم إن
الناقد الحق
يلزمه بعد
ذلك أن يكون
متبحرا في
فلسفة أو علم
الجمال علي
وجه الخصوص.
وليس هذا من
قبيل الترف
الفكري والاستزادة
المعرفية،
بل إنه من لزوم
ما يلزم: لأنه
يدخل في تشكيل
مفهوم النقد
ذاته: ذلك أن
علم الجمال
في أحد تعريفاته
هو نقد النقد
، أي نقد أو
مراجعة الأسس
والمبادئ
التي يستند
إليها الناقد
التطبيقي
(أو ممارس النقد)
في نقده للعمل
الفني عموما.
فالناقد لا
يمارس النقد
من فراغ، وإنما
هو يمارس النقد
(أو ينبغي له
أن يمارسه)
بعد أن تقلب
بين مدارسه،
ولا بد أنه
واجد بعد هذا
مدرسة أو اتجاها
معينا يستند
إليه بوصفه
مرجعية له
أو عدسة ينظر
من خلالها
للعمل المبدّع،
ومن المفترض
أنه لم يقنع
بذلك التوجه
أو الاتجاه
إلا بناء علي
تفضيله للأسس
والمبادئ
التي يقوم
عليها هذا
الاتجاه علي
غيرها مما
تستند إليه
الاتجاهات
الأخري. وهذا
هو مناط صراع
التأويلات
أو النظريات
النقدية،
فهو صراع يحدث
داخل نظرية
النقد، أي
داخل علم الجمال.
حقا إن الناقد
التطبيقي
أو ممارس النقد
لا يخوض غمار
هذا الصراع،
ولا يكون طرفا
فيه اللهم
إلا إذا كان
منظٌِرا للنقد
(أي فيلسوفا
للفن والجمال)
وليس مجرد
ممارس للنقد،
ولكنه لا يمكن
أن يكون بأية
حال بمنأي
عن الاطلاع
علي هذا الصراع
حول أصول النقد،
وعن اتخاذ
موقف يميل
إليه علي حساب
مواقف أخري.
ولا شك أن هذه
المواقف تتفاوت
قيمتها بحسب
حظها من الانفتاح
أو الانغلاق،
وبحسب حظها
من القدرة
علي سبر أغوار
النص أو الاكتفاء
بالوقوف عند
سطحه الظاهر.
أما الموقف
الذي اتخذته
وارتضيته
لنفسي فهو
الموقف الذي
رأيت أنه أكثر
المواقف النقدية
رحابة، بعد
طول تأمل ونقد
لكثير من المواقف
التي رأيت
أنها لا تخلو
من دوجماطيقية
أو ضيق أفق:
إنه موقف أو
اتجاه التأويل
الفلسفي الظاهراتي
الذي يعد هيدجر
رائدا له،
ويعد جادمر
صلبه وعماده.
والحقيقة
أن هذا التأويل
(الذي يتسع
لسائر النصوص
الأدبية وغيرها)
ليس بمذهب
ولا بمنهج:
فهو ليس بمذهب
لأنه لا يمثل
بناءا أو إطارا
محددا سلفا
ينبغي فهم
النص علي أساسه،
فهو ليس بموقف
محدد مسبقا
من النص، وإنما
هو مجموعة
أو إطار من
الشروط المعرفية
والأخلاقية
التي ينبغي
أن تضبط أو
تحكم لا النص
ذاته، وإنما
توجهنا نحو
النص، كي لا
نغرق في نزعات
ذاتية أو انطباعية
أو نفسانية
(وهذه الأخيرة
هي تلك التي
تنظر إلي النص
من جهة الأثر
الذي يحدثه
في النفس). كما
أن هذا الموقف
ليس بمنهج
بقدر ما هو
نهج أو اتجاه:
فهو لا يقوم
علي خطوات
تراتبية أو
مجموعة من
القواعد التي
يتم من خلالها
تأطير النص
en-framing the text، وإنما
هو طريق يسير
فيه الفكر
متوجها نحو
النص بهدف
حسن فهمه (أليست
مهمة النقد
في عمومه وفي
المقام الأول
هي تحسين العلاقة
بين العمل
الفني والجمهور
من خلال حسن
فهمه أو تفهمه).
والتفهم أو
حسن الفهم
لا يبدأ إلا
من خلال ما
يسميه هيدجر
بالفهم التعاطفي
. غير أن هذا
المفهوم الأخير
قد يسيء البعض
فهمه ويتصورونه
علي أنه حالة
شعورية خالصة،
وهذا أبعد
ما يكون عن
الصواب: لأن
التعاطف المقصود
هنا هو ذلك
الشعور الذي
ينبثق من المعرفة
التي تجعلنا
علي ألفة بالموضوع
الذي نحاول
فهمه، وفي
ذلك يقول هيدجر
في عبارة بالغة
العمق علي
نحو يجعلها
ممتنعة علي
كثير من الأذهان:
إن التفسير
الذي يّهِبج
الفهّم ينبغي
أن يكون قد
فهم من قبل
ما يجراد تفسيره
. ولكم وددت
أن تجكتّب
هذه العبارة
بحروف من نور
كي تستوقف
أولئك الذين
يتجرأون علي
التأويل ويدعون
أنهم يمارسونه
دون أن يملكوا
عدته أو يكونوا
علي بينة من
شروطه الأولية:
فمقصود هيدجر
في عبارته
البليغة: أن
التفسير الحق
هو ذلك الذي
يسعي إلي فهم
موضوعه، وهو
لا يمكنه أن
يبلغ غاية
مسعاه هذا
اللهم إلا
إذا كان علي
دراية من قبل
بذلك الموضوع
بأن يكون قد
وقع في خبرته
من قبل أو تساءل
عنه بحيث أصبح
مهموما به
باعتباره
واقعا في نطاق
همه واهتمامه:
فهذا التساؤل
المسبق عن
الموضوع هو
الذي يجعل
فهمه أمرا
ممكنا باعتباره
موضوعا قد
عايشته الذات
من قبل أو عرفت
شيئا منه. ذلك
هو الشرط الأوٌّلي
للفهم: ومن
ثم الشرط اللازم
للتصدي لعملية
التأويل. تأويل
النص إذن ليس
مجرد رأي شخصي
أو ذاتي، وإنما
هو عملية من
الفهم لها
ماض وحاضر
ومستقبل يسعي
التأويل إليه.
إضافة
إلي ذلك، ينبغي
أن نعي أن التفسير
الذي يسعي
إلي الفهم
لا يمكن أن
يتحقق إلا
من خلال الحوار
مع النص: ولا
شك أن تحقق
الحوار هنا
يفترض أن المفسر
لا ينبغي أن
يجقبل علي
النص وفي ذهنه
أية فروض أو
مقولات مسبقة
غير مستمدة
من الخبرة
والتجربة
المعيشة،
فهو لا ينبغي
أن يفرض علي
النص مقولاته
الذاتية: لأن
التفسير في
هذه الحالة
لن يصبح حوارا
Dialogue وإنما سيصبح
نوعا من المونولوج
Monologue الذي تحاور
فيه الذات
نفسها: فالذات
في هذه الحالة
تنسي النص
باعتباره
الآخر الذي
ينبغي أن تتحاور
معه، وتريد
أن تجدخِل
هذا النص عنوة
في مقولاتها:
وبذلك فإنها
تتحاور مع
ذاتها لا مع
النص، وذاك
هو المونولوج.
إن معني
الحوار يكاد
أن يختفي في
عالمنا الاغترابي
(أعني المغترب
عنا.. عن الذات)
بفعل مناهج
البحث العلموية
التي تدعي
الموضوعية
في مجالات
هي بطبيعتها
إنسانية،
أعني تلك المجالات
التي لا يمكن
أن ينفصل موضوعها
عن الذات الإنسانية،
ومنها مجال
النقد الفني
والأدبي. ففي
هذا المجال
الأخير نجد
أن النزوع
المنهجي الحديث
هو نزوع نحو
تأطير النص
والسيطرة
عليه ومحاولة
إخضاعه لنوع
من التفكير
الموضوعي
الذي يستند
إلي القواعد
والإحصاءات
والتحليلات
السيمانطيقية
والبنيوية
التي تختزل
النصوص إلي
وحدات ذرية
وكتلوية،
غافلة بذلك
_ كما يقول بول
ريكور عن الدلالة
الحقيقية
للرمزية باعتبارها
كشفا وإظهارا
للوجود كما
يتجلي في الأشياء
والتجربة
الحية المعيشة.
والحوار الحق
هو ذلك الذي
لا تسعي فيه
الذات إلي
فرض سيطرتها
علي الموضوع
أو النص بأن
تكممه غير
منصتة إليه،
ولا تكون في
الوقت ذاته
سلبية تماما
إزاء النص
بحيث لا تساؤله
أو تحاول استنطاقه
بأن تقول ما
لم يقله النص.
إن إيجابية
الذات هنا
لا تعني مساءلة
النص من خلال
مقولات جاهزة
تكمن خارجه،
وإنما تعني
التفاعل مع
النص من خلال
إقامة حوار
معه كما لو
كان شخصا حقيقيا،
وعلي نحو نشعر
معه بالألفة
التي تشبه
تلك التي تحدث
في الحوار
بين الأصدقاء:
فلا وجود هنا
لذلك النوع
من التفكير
الأداتي الاستراتيجي
الذي يسعي
لبلوغ هدف
ما، ذلك التفكير
الذي يستخدم
في التفاوض
لا الحوار
كما يقول جادمر.
وهكذا فإن
التفكير الحواري
هو ذلك التفكير
الذي يسعي
إلي فهم ذلك
الذي يكون
عنه الحوار..
ذلك الذي يجقال
لنا من خلال
الحوار. وهذا
يعني أن حوارنا
مع النص باعتباره
حوارا بين
أنا وآخر لا
ينبغي أن يتجاوز
ما يقوله النص
إلي شيء ما
وراءه.
هناك إذن شروط
يقوم عليها
فهم النص: ومن
ثم إمكان نقده،
ولكن هذا الشروط
ليست بمثابة
قواعد منهجية
ولا أطر مسبقة
محددة سلفا،
وإنما هي بمثابة
ضوابط تحكم
أصول وأخلاقيات
التأويل الذي
يتيح لنا فهم
النص والانفتاح
علي عالمه
الخاص.
د. سعيد
توفيق
لعبة
الفساد النقدي
لا أخفي
علي السادة
القراء أن
الحركة النقدية
الآن أصبحت
أضعف الجوانب
في ثقافتنا
المعاصرة
لأننا لا نجد
الآن نقادا
يكادون يصلون
الي مستوي
نقادنا القدامي
من أمثال العقاد
وطه حسين ومحمد
مندور، لأن
النقد الآن
يغلب عليه
طابع الشللية
والصالات
الشخصية.. بعكس
ما كان يحدث
قديما، وهذا
قد أدي الي
التهويل من
أعمال أدبية
رغم قيمتها
الضعيفة والمتواضعة
بحيث إننا
اذا صدرنا
اليوم اسم
الناقد واسم
مؤلف الكتاب
نستطيع مقدما
أن نتوقع ما
سيقال.
وبوجه عام
يجب أن نفعل
مثل ما تفعله
أوروبا لاننا
لو رجعنا الي
الكتب التي
نجد فيها تعريفا
للنقد وأسسه
وما ينبغي
أن يكون عليه.
لو قمنا بذلك
لوجب علينا
أن نعتقد بضرورة
التمييز بين
العمل الفني
أو الادبي
وبين النقد
الادبي والفني،
النقد لابد
أن يتسم بالموضوعية
لأنه علم له
أسسه، أما
الأدب أو الفن
فإنه يكشف
عن البعد الذاتي،
فكوني أقوم
بتأليف رواية
أو قصة أو ارسم
لوحة، أو أؤلف
قطعة موسيقية
فهذا يعد بعدا
ذاتيا يصدر
عن طبيعة الاديب
أو الفنان،
اما أن أتصدي
لنقد عمل أدبي
أو فني فهذا
علم له أسسه
وخصائصه ومعاييره..
فزكي نجيب
محمود نقد
الشعر ولم
يكن شاعرا،
لأن النقد
علم ولا يعبر
عن بعد وجداني
أو ذاتي، واذا
أردنا أن نسير
نحو مستقبل
مشرق في النقد
الادبي أو
الفني فلابد
بطبيعة الحال
من التمييز
بين النقد
الفني والأدبي،
لأن طبيعة
الفنان ليست
بالضرورة
هي طبيعة الاأيب..
لأن لكل منهما
ميدانه الذي
لا يصح أن يختلط
بالآخر واذا
قمنا بارساء
قواعد للنقد
مستقبلا فلابد
أن نضع في اعتبارنا
هذين الاساسين
وهما التمييز
أولا بين عمل
الفنان وعمل
الاديب، والتمييز
ثانيا بين
عمل الفنان
أو الاديب
من جهة وعمل
الناقد من
جهة أخري،
بدون هذا سيستمر
الحال علي
ما هو عليه،
بمعني سوف
لا نجد لدينا
نظرية نقدية
عربية في الحاضر
وفي المستقبل.
د. عاطف
العراقي
ضرورات
الناقد
حين
نستخدم كلمة
'الناقد' نعني
بها في المقام
الاول ناقد
الأدب أو الفن
غير أن هذا
المعني يتضمن
بالضرورة
معني آخر يتضح
حين نعرف أن
هذا الناقد
الأدبي أو
الفني لابد
ان يكون مثقفا
عارفا بأدوات
عمله ومطلعا
علي اكبر كمية
من الاعمال
التي هي موضوع
نقده، هذا
غير تاريخ
هذه الاعمال
الأدبية والفنية
ولكن الاهم
من ذلك ان يكون
ممتلكا للقدرة
النقدية،
اي القدرة
علي التمييز
بين الحسن
والرديء وعلي
ادراك مبررات
هذا الحسن
او هذه الرداءة،
والجمال او
القبح وان
يكون قادرا
علي المقارنة
والمقابلة
بين الاعمال
وبعضها البعض،
وأن يكون قادرا
علي التحليل
والتركيب
حتي يدرك عناصر
الجمال في
العمل وعناصر
القبح أيضا،
ومعني هذه
القدرات كلها
ان الناقد
لابد ان يمتلك،
العقل النقدي،
العقل الفعال
والنشط غير
المستسلم،
العقل الذي
يفكر، يقبل
ويرفض، ويستطيع
أن يبرهن علي
قبوله او رفضه
ومثل هذا العقل
يعني بالضرورة
موقفا من الحياة
بصفة عامة،
وليس فقط من
الادب أو الفن
هو موقف مثقف
بالمعني الواسع
لايتضمن فقط
المعارف دائما
ايضا وربما
اساسا الوعي.
حسب هذا المعني
الذي أراه
للناقد، أتصور
مجموعة من
المهام علي
الناقد وهذه
هي اولي المهام
التي يجب عليه
القيام بها،
اي مواصلة
الاطلاع للتعرف
علي الجديد
في ميدان عمله
من دراسات
وأبحاث من
أجل تطوير
أدواته ومفاهيمه
ووعيه بالعالم
وهنا لابد
من الاشارة
إلي التصور
الخاطيء الذي
يمارس به بعض
نقادنا هذه
المهمة، فهؤلاء
النقاد يتعاملون
مع الدراسات
الجديدة وخاصة
التي تنتج
في أوربا باعتبارهم
تلاميذ، عليهم
ان يحفظوا
هذه الدراسات
وفي وضعها
المعرفي في
المعارك النقدية
وابداعية
البلاد التي
أنتجتها،
ودون ان يكونوا
قادرين ايضا
علي معرفة
العناصر التي
يمكن الاستفادة
بها من هذه
الدراسات،
لان هذه المعرفة
تحتاج إلي
تكوين مختلف
نعتقد انه
غير متحقق
لدي الكثير
من نقادنا،
وتلك هي المهمة
الثانية الملقاة
علي عاتق الناقد،
سواء في مرحلة
التكوين او
في مجمل حياته
بعد ذلك وان
كانت اهميتها
في مرحلة التكوين
اعلي مما بعد
ذلك وتلك هي
مهمة تكوين
منهج نقدي.
ان بعض النقاد
والدارسين
يتصورون ان
المنهج النقدي
ليس الا الطريقة
التي يتم بها
التعامل مع
النص أو العمل
الفني فهو
لديهم أداة
كأداة الحرفي
في الورشة
وهذا طبعا
مفهوم دقيق
فالأدوات
الاجرائية
ليست الا عنصرا
من عناصر المنهج،
لابد ان تستند
إلي مجموعة
متكاملة ومنسجمة
من الأسس والمفاهيم
النظرية المتعلقة
بطبيعة الموضوع
المدروس ووظيفته
ولابد ان تتوافق
الادوات المنهجية
مع الأسس النظرية
ولاتتنافر
معها ولامع
الموضوع المدروس.
ومثل هذا التكوين
المنهجي ينبغي
ان ينطلق من
الاحتياجات
الفعلية للمجتمع
الذي يعيش
فيه الناقد
'او المبدع
بالطبع' في
ظروفه الخاصة
بالمرحلة
التاريخية
التي يعيشها
اي ان الناقد
يفترض فيه
القدرة وهذه
هي المهمة
الثالثة علي
ان يعرف الاحتياجات
الجمالية
التي يتطلبها
المجتمع في
الأدب والفن،
وهذه تحتاج
لكي تعرف الي
قراءات واطلاعات
واسعة ليست
فقط في الميدان
اللصيق بالادب
والفن، وانما
بمجمل تاريخ
المجتمع،
تشكيلاته
الاجتماعية
وقضاياه ومشكلاته
الاقتصادية
والنفسية
والفلسفية
والدينية
الخ وربما
لاتصلح القراءات
وحدها، ولاتكفي
لتحقيق هذه
المعرفة،
ومن هنا لابد
للناقد ان
يكون انسانا
حيا متصلا
بجماعته البشرية
ومتابعا لتطورها
في مختلف مناحي
الحياة.
تأتي بعد ذلك
المهمة الخامسة
امام الناقد،
الا وهي مهمة
تحتاج إلي
عقلية منطقية
مع قدر من الابداع
الفني فالناقد
يعمل في حقل
معرفي هو أقرب
الي العلم
وان كان موضوعه
الفن ومن هنا
فإن الكتابة
الانطباعية
أو التهويمات
هي أبعد ماتكون
عن النقد بالمعني
الدقيق الذي
ينبغي أن يكون
كما قلنا منهجيا
وموضوعيا
بقدر الامكان،
والا يكتفي
بشرح العمل
أو تفسيره
الا بعد ان
يكون قد نجح
في الامساك
بتلابيبه
وعناصره المكونة
له في تناسقها
والتحامها.
وهذه المهمة
تحتاج بالاضافة
الي هذه العقلية
مقدرة اسلوبية
ولغوية متميزة
وهذه تحتاج
بدورها الي
اطلاع واسع
ودائم علي
اساليب الكتابة
قديمها وحديثها
حتي تأتي الكتابة
واضحة مرتبة
مفهومة وعميقة،
هذه المهام
جميعا ضرورية
لتحقيق الوظيفة
الاساسية
للناقد في
المجتمع اي
مهمة متابعة
الانتاج الابداعي
في هذا المجتمع
ودراسته وكشف
جمالياته
ومشكلاته
في ذات الوقت،
وفي هذا السياق،
فإن مهمة الناقد،
ليست كما هو
شائع في صحافتنا
مدح العمل
أو الهجوم
عليه، وانما
هي كشف مزاياه
وعيوبه وتقويمه
في نهاية المطاف
وفي تقديري
أن مهمة تقويم
العمل المبدع
لاينبغي أن
تقف عند حدود
متابعة انتاج
الآخر. حتي
لو كان هذا
النتاج لم
يجد طريقة
للنشر ايا
كانت الاسباب
والاهم من
ذلك ان الناقد
مطالب بان
يبحث عن الاعمال
التي لم تنجح
او بمعني ادق
التي ينبغي
ان تنتج، فالناقد
الذي هو مطالب
بالتعرف علي
الاحتياجات
الجمالية
لمجتمعه كما
سبق القول،
هو ايضا مطالب
باقتراح هذه
الاحتياجات
علي المبدعين
وتنبيههم
الي والتوجه
اليها.
هذه المهام
التي أتصور
انها حتمية
بالنسبة للناقد
هي في الحقيقة
في مجتمعنا
هموم وليست
فقط مهام،و
ان تحقيقها
هو امر نادر
وصعب جدا في
ظل الوضع السياسي
والاجتماعي
وظروف القيود
المفروضة
علي النشر
والابداع
التفكير التي
يعاني منها
كل ناقد ومفكر
أصيل والأمثلة
أكثر من أن
تحصي..
د. سيد
البحراوي
عن: أخبار
الأدب