حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

ضوء الشعر الذهبي

عندما مات جون كيتس في شباط 1821، و عمره 25 عاماً فقط، اعتقد أصحابه بأن العروض النقدية هي التي قتلته. و في الحقيقة، فإن النقاد لم يكن باستطاعتهم أن يكونوا أقل عطفاً إلا بالكاد، خاصةً حول كتاب كيتس الثاني، «Endymion“. و قد كتب ناقد في مجلة بلاكوود قائلاً: « إننا نخاطر بتكوين نبوءتنا الصغيرة بأن بائع كتبه لن يخاطر مرةً ثانية بـ 50 باوند على أي شيءٍ يستطيع أن يكتبه. و إن من الأفضل و الأكثر حكمةً أن يكون الواحد صيدلانياً هالكاً من الجوع من أن يكون شاعراً هالكاً من الجوع. إذاً، عدْ إلى الحانوت، يا سيد جون . «

**

لقد كانت هناك أجندة سيلسية ــ كان كيتس ليبرالياً، و بلاكوود من المحافظين على نحوٍ متعجرف ــ إضافةً للتنازل الطبقي تجاه شاعر كان ابناً لسائس في اسطبل، و هو  تحيّز شاركه فيه بعد سنوات ماثيو أرنولد، الذي وجد في كتابة كيتس «شيئاً ما حسن التنشئة و حقير، كما هو الأمر مع شاب أسيئت تربيته. «

إن العروض النقدية كانت تلدغ، لكن الذي قتل كيتس حقاً، بطبيعة الحال كان مرض السل. و كان قد توعَّك لأشهرٍ حين راح في شتاء 1820 يسعل دماً. و كان كيتس قد تدرَّب سابقاً كمساعد جراح و توفيت أمه و أخوه توم بالسل، فشخَّصَ ذلك الدم بأنه شرياني و عرف على الفور أنه قد حُكِم عليه بأن يموت قبل أوانه. و قد قال لفاني برون، خطيبته، « لو كان قد توفر لي وقت، فإني كنت سأجعل من نفسي شيئاً مذكوراً «، و بعدها بعام، و على فراش موته في روما، أملى نقشَ رثاءٍ ذاتي كما يبدو: «هنا يرقد واحدٌ كان اسمه مكتوباً بالماء «. و كان مقياس العظمة الشعرية آنذاك الشعر الملحمي، و وفقاً لذلك المعيار كان كيتس قد فشل؛ و ربما كان يأمل، لكن لم يكن بوسعه أن يعتقد، بأنه كان قد أعاد اختراع الشعر الغنائي مع شيءٍ ما يشبه الروعة الملحمية.

مع هذا، كما يوضح ستانلي بلَملي في (كيتس المولود بعد موته Posthumous Keats) (2)، كتابه المؤثر و المتَّسم بنفاذ البصيرة عنه، فإن هناك شيئاً ما محيراً، غامضاً و مثيراً للانتباه بشأن النقش، الذي تم حفره بعد كل شيء على حجرٍ بالمقبرة البروتستانتية في روما؛ و قد بدا الأمر و كأن كيتس يمسرح سمعته من وراء القبر. و اعتقد ناشر كيتس، جون تايلر، بأن النقش يمكن أن يكون أساساً لحملة دعاية عظيمة إلى أن باع، بعد 25 سنة، حقوق نشر كيتس مقابل لاشيء، و كان فعلياً نافد الطبع.

إن كتاب بلَملي هذا دراسة في تقلبات السمعة الشعرية. فقد كان أصدقاء كيتس و معاصروه، يبيّن السيد بلَملي، يعتزون بفكرتهم عنه بأنه برعم هش، حساس جداً تجاه هذا العالم، و قد توسعت هذه الصورة على أيدي الفكتوريين (3)، الذين أعادوا اكتشاف كيتس، و أحبوا رومانسياته و قصائده الروائية، « عشيّة سانت أغنِس « بوجهٍ خاص ــ كيتس الترِف، الحلو كالسكّر treacly. و كانوا يرون إليه كنوعٍ من شخصية تيم بَرتونش التراجيدية، شاحب و ضعيف، يتبدد في حلم يقظة شديد الانفعال. و كان هذا هو الكيتس الذي تحوَّل ضده أرنولد، و ييتس في ما بعد، مع مقارنة ييتس القاسية له بتلميذ مدرسة سارحٍ في تأملاته خارج شبّاك دكانٍ للحلوى. فكيتس الذي نبجّله، كيتس القصائد الغنائية العظيمة، بعض أروع ما كُتِب تقريباً من قصائد على الإطلاق، لم يبرز تماماً حتى القرن العشرين.

و لقد ألّف كيتس تلك القصائد في تدفّقٍ مذهل واحد من نيسان إلى أيلول 1819، ثم لزم الصمت تقريباً، إلاّ إذا اعتبرنا الرسائل المعذِّبة، الغيور و أحياناً البذيئة التي كتبها إلى فاني برون تدفقَ

عاطفة. فكونه لم يكن يستطيع أن يعيش معها ــ حرفياً، لأنه كان يحتضر ــ قد جعله مجنوناً.

و قد اختار السيد بلَملي بعناية، و هو نفسه شاعر، ألاّ يحكي قصة كيتس بالطول أو بنظامٍ تأريخي؛ فكتابه سلسلة مقالات متشابكة تدور (أحياناً بشكلٍ تكراري) حول موضوعات معينة. و يبقى يعود إلى حياة كيتس ما بعد الموت الأخرى، الحياة التي كانت لديه و هو ما زال حياً، و حول ما كتب في تشرين الثاني 1820، «لديَّ شعور معتاد بحياتي الحقيقية التي مضت، و بأني أحيا وجودَ ما بعد الموت «.

و  قد  استغرق الأمر من كيتس سنةً ليموت، و مع أنه كانت هناك لحظات من الإرجاء الظاهري للموت، من الأمل الزائف، فإنه كان على الأغلب سقوطاً مُضائلاً طويلاً في ظلمة. و في النهاية، راح يعيش، بناءً على أوامر الطبيب و هو لا يكاد يستطيع أن يرفع نفسه من الفراش، على أنشوقة (4) واحدة. و يكتب السيد بلَملي على نحوٍ جميل و مؤثر جداً عن هذه الأشهر الأخيرة: الرحلة البحرية إلى نابولي، الرحلة إلى روما (التي يحشو خلالها مرافقه، جوزيف سيفيرن، العربة بأزهار البرية، كما لو كان كيتس راكباً في نعشه هو)، الأيام الأخيرة في الطابق الثاني من 26 Piazza di Spagna، و الغرفة المليئة بصوت الباعة، و الضوء الذهبي للمساء المتأخر. إن الفن و الحياة نادراً ما يحاكي أحدهما الآخر، لكنهما في حالة كيتس يبدوان في الواقع مرتبطين على نحوٍ لا فكاك له، و في تلك الأيام الأخيرة كان الأمر، كما يرى السيد بلَملي، و كأن كيتس كان يعيش الحركة الأخيرة من إحدى قصائده الغنائية، « إلى الخريف « على وجه الخصوص، بإحساسها بلحظةٍ متريثة، مطوَّلة، قبل الترشّح إلى ضباب. و تَعِد تلك القصائد بخلود الفن، دوام الحقيقة و الجمال، لكن ما تصفه هو الكدر القابض للنفس، الحلاوة المرة، و سرعة الفناء.

المقالة هي الفصل الأول من كتاب (Posthumous Keats) لستانلي بلَملي.
شاعر انكليزي يُعتبر أحد زعماء المدرسة الرومانسية.
أي كيتس لدى الناس بعد أن مات.
أي الذين عاشوا في زمن الملكة فكتوريا (1819 ــ 1901).
الأنشوقة  سمكة صغيرة تشبه الرِّنكة.:

الكتاب: الحقيقة و الجمال..
في سيرة حياة جون كيتس (1)
تأليف: تشارلس مكغارث

 

ترجمة: عادل العامل
عن / The Times


 
© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.