صورة
المؤلف القديم
فـي الثقافة العربية الكلاسيكية


http://imagepro.photography.com/samardiab
يخصص د.عبدالفتاح كيليطو
مقدمة كتابه"الكتابة والتناسخ" للحديث عن أهمية اسم المؤلف
وارتباطه بالكتاب، وأيضا ما عرف في الشعرية العربية الكلاسيكية
بالسرقات والانتحال، متناولا في بعض فصول الكتاب تناسخ المقطوعات
الشعرية، لا سيما في الشعر الجاهلي،
وفي فصل آخر يصف الباحثُ
الشاعرَ، الذي ينظم قصيدة واحدة يمدح بها كل الأمراء بالخيّاط
المتنقل، وتلك القصيدة بـ"القصيدة متعددة الأزواج"، حيث يزوج
الشاعر ابنته/قصيدته لأكثر من أمير، وهو يجوب أنحاء المعمورة،
وبعد أن يأخذ مهرها يلوذ بالهرب بصحبتها، وهو ما يتعذر على
الشاعر المقيم في البلاط ، الذي يتحتم عليه أن ينظم قصيدة
جديدة في كل مناسبة، وفي فصل "الشعر والصيرفة" يشكك الدكتور
كيليطو في أن تكون المعلقات قد نظمت في العصر الجاهلي، فضلا
عن أهمية معرفة المؤلف عند تأويل القصيدة، لأنها تدرك انطلاقاً
من المعرفة المسبقة عنه، وحين لا تكون تبقى مفترضة، وبالتالي
يكون النص المنغلق بلا آفاق.
من الفصول اللافتة التي
خصصها الباحث للنثر العربي الكلاسيكي فصل "النوادر"، الذي
يستهله بإشارة الجاحظ في كتابة "الحيوان" إلى أن الخنزير لم
يخلق في اليوم السادس من الخلق شأن باقي الحيوان، بل لم يكن
له أثر، ولم ير النور إلا بعد أن أذنب بعض الناس، فمسخهم الله
خنازيراً عقابا لهم، ولو أن القبح "تجسد لما زاد على قبح الخنزير"،
لكن كيليطو يرى أن الخنزير لم يكن بهذا القبح، ولم يعاقب بما
يكفي، فهناك كائن يفوقه بشاعة؛ هذا الإنسان هو الجاحظ، الذي
بلغ أعلى درجة للقبح، كما وصفه أحد النظّامين! نعلم أنه- ولأسباب
دينية- لم يكن لوجوه المؤلفين العرب القدماء صورة، لهذا يصعب
تمثل الصورة التي كان عليها الناس قديماً، ويحاول البعض اليوم
رسم تلك الصورة انطلاقا من الأخبار القليلة التي تنقلها عنهم
الكتب، لكنها تظل صورة تقريبية. إن قبح الجاحظ هو قبح الشيطان،
وتصوير الشيطان هو في ذات الوقت تصوير للجاحظ. ووفق إحدى النوادر
فإن امرأة أرادت نحت صورة الشيطان على حليها، وحين تعذر على
الصائغ أن يجد نموذجاً يقلد، فخرجت المرأة إلى الطريق، ولما
وقعت عيناها على الجاحظ أتت به إلى الصائغ قائلة:"مثل هذا"،
ولم تكن تعرف حتى اسمه، وحين ستظهر حليها لرفيقاتها لن تنطق
باسمه وإنما ستكتفي بأن تظهر صورة الشيطان، المنقولة عن كائن
بشري يشبهه، ستذكر اسم الشيطان مبتسمة. وتحت عنوان " أسماء
النسيب" وفي نفس الفصل، يذكر كيليطو أن الشاعر جميل خصص معظم
شعره للتغني بامرأة واحدة هي بثينة، حتى دعي جميل بثينة، ويقال
أنه لم يمتلك بثينة وإنما تملك اسمها.. اسم المرأة وليس المرأة.
لقد كان اسمها موقوفاً
عليه فإذا استعمله شاعر آخر فمن قبيل التطاول، ومن أراد أن
ينسب أبياتاً إلى جميل لا بد وأن يذكر اسم بثينة، ولا يمكن
للمتلقي أن يفطن إلى أنه بصدد انتحال. إن أسماء التأنيث لا
تقترن بهذا الشاعر أو ذاك، فهي في المتناول، وهي المعين الذي
ينهل منه الشاعر الاسم الذي يلائمه حسب مقتضيات الوزن أو القافية،
متجنباً الأسماء ثقيلة اللفظ، وهكذا لا يسمح الشعر إلا بأسماء
معدودة، أشهرها: ليلى، فاطمة، هند؛ أسماء "تحلو في الأفواه"
بتعبير ابن رشيق، والشاعر لكي يحدث وقعاً في نفس المتلقي يحوّر
اسم المرأة التي يتغنى بها، إذا لم يكن اسمها شاعرياً، ويصير
الاسم الشخصي مجرد اسم عام، مجرد رمز لا يدل على امرأة بعينها
وإنما على النسيب، وربما أتى بأسماء كثيرة من النساء في قصيدته
تأكيدًا على تعلقه بالتراث الشعري، وهو ما قد يثير عجب من
يعتقدون أن قصيدة الغزل تخاطب امرأة ولا تخاطب إلا امرأة بعينها،
وسيتساءلون عما إذا كانت مختلف الأسماء الواردة في القصيدة
ألقاباً لنفس المرأة، وما إذا لم يكن الشاعر وفياً في حبه،
وهو ما ينم عن اعتقاد ساذج بأن قصيدة النسيب تعبر عن عواطف
الشاعر؛ إن خلف المخاطبة الصريحة للقصيدة مخاطب آخر/ ضمني
هو هاوي الشعر الذي غالباً ما يكون ناقدًا في نفس الوقت. ولأن
الشاعر المتغزل يكون هو المتماوت، كما جرت العادة عند العرب
بخلاف العجم، الذين يجعلونها الطالبة والراغبة، فالشاعر/الرجل
يبادر بالطلب ويتكفل بأن ينسب إليها الكلام الذي يلائم وضعيتها
كامرأة، ويكرر المساعي إغراءً لها، وتروي في النهاية قصيدة
النسيب رغبة غير متبادلة، لكن عمر بن أبي ربيعة سيخل بهذه
القاعدة، ويغير مواقع الأدوار، والنسيب لن يكون سوى ميدان
تضليل مقنن، وتلك نتيجة لا محيد عنها للوفاء للتراث الشعري،
ومجمل القول أن الشاعر عاشق لكل النساء اللواتي تغنى بهن من
تقدموا عليه. يستهل عبد الفتاح كيليطو فصل " الجاحظ ومسألة
التزييف" بالانطلاق من مسلّمة أن كثيرين وضعوا كتباً منحولة
(نسبوها إلى مؤلفين سابقين)، وكان من الصعب كشفهم أو افتضاح
أمرهم، ويعترف الجاحظ في إحدى رسائله بأنه وضع نصوصاً منحولة،
حيث كان الكتاب يُتداول عبر راوية، وكان هذا الشخص ينسخه بإملاء
من المؤلف الذي يجيز روايته، ولن يصبح المرء راوية ما لم يرتأ
المؤلف أنه أهل لذلك، وكان عدد الرواة يتضاعف وهو شرف كان
يتسابق عليه، وكان على كل راوية جديد أن يذكر إلى جانب اسم
المؤلف(الأب) اسم الأوصياء الذين قرأ عليهم الكتاب، ولم يكن
نشر الكتاب يتم دون أن يجرّ على صاحبه بعض المضايقات من الحساد،
فنشر الكتاب يعرض للطعن في مرحلة أولى ثم للسرقة في مرحلة
ثانية، ولتفادي هذا الجور فأنجع وسيلة هي نسبته إلى مؤلف قديم،
ويمكن التماس العذر لهفواته، بالإضافة إلى إمكانية استنساخه
وقراءته على راوية مزور، والسعي وراء الإجازة في تعليمه والتنازع
حول معناه، وبفضل شهرة المتقدمين ينجو الكتاب من الطعن والسرقة..
لكن الجاحظ لن يرضى
عن هذا كامل الرضى، لأن الراوية لا يتمتع بنفس منزلة المؤلف،
إذ لا ينال - كراوية لكتاب من تأليفه هو- إلا جزءً ضئيلا من
المجد، ويستمر ذلك المؤلف الميت في البقاء بفضل ما يمتص من
دم الأحياء، وبنجاته من نقمة الحساد يتعرض لشره الأموات، والأمر
لا يطاق في كلتا الحالتين. وارتأى الجاحظ أن أهون الشرور،
وهي عدم نسبة الكتاب لمؤلف معين، ويلقى الاستحسان، إضافة إلى
إمكانية تبنيه بسهولة فيما بعد، بكل سهولة، فالكتاب مجهول
الاسم مؤلَّف يتيم، ويقرر ادعاء الكتاب لنفسه ويسعى لمحو اسم
المؤلف الذي كان موضع تزوير رغماً عنه، واعترافات الجاحظ كانت
عبرة لكثير من المؤلفين الناشئين، الذين يستهلون مسيرتهم بانتحال
الزور، فنسبت إليه كتباً عديدة مازالت مثار جدال الباحثين،
ويخلص كيليطو إلى أن كتاب البخلاء للجاحظ يتضمن نصوصاً كثيرة
ينفرد الجاحظ بروايتها في كتابه، وبما أنه ليس أهلا للثقة،
فيمكن اعتبار تلك النصوص التي لا سند لها من اختراعه، وهذا
تشريف له بمعنى ما؛" فإن كان التزييف ينتقص من قيمته كراوية،
فإنه يعلي من شأنه ككاتب".
في "رسالة من وراء
القبر" يروي حادث عثور غسّال على بيتين شعريين كتبهما (ابن
ناقيا) قبل موته، و قد تضاربت الروايات حول إن كان البيتان
كتبا على كف يده أو على ورقة، ومن ثم افتضاح تلك الرسالة التي
كانت موجهة إلى الله عز وجل وحده، - فيها يعلن إعراضه عن الفلسفة
اليونانية وتوبته إلى العقائد التي تخلى عنها طوال حياته-
ومن المؤرخين من يذكر أن الغسال وجد يده اليسرى مضمومة، فاجتهد
حتى فتحها فوجد فيها كتابة، مما يطرح إشكالية شمال- يمين،
باعتبار أن أصحاب الشمال من الكفار، واليد اليسرى غير شريفة
ولا طاهرة، لكن كيليطو يبرر ذلك بعدم إمكانية الكتابة باليد
اليسرى، وهناك من ذهب إلى أن البيتين كتبا على كفنه، مما سيجعلنا
نتساءل هل كبتا بحروف بارزة أم صغيرة، وينفي الباحث احتمال
أن يكونا كتبا على ورقة، وبعد تمليه طويلا في الكفن والكف
استنتج أن بين هاتين الكلمتين تجانس في الكتابة، ويظن أن ابن
كثير كان ضحية خطأ ناسخ أو خطأ مطبعي، مبينا استعداده - كيليطو-
للتأكيد على أن ابن قانيا كتب بالفعل البيتين على كف يده.
بحس إبداعي- كما هو شأن سائر كتيباته- يطرح الدكتور عبد الفتاح
كيليطو في كتابه الماتع عدة قضايا تتعلق بالتأليف ومفهوم المؤلف.
فمع كل كتاب يقدم قراءة/قراءات جديدة للثقافة العربية الكلاسيكية،
مواصلا إبحاره بين نفائسها، نافضاً الغبار عن تراثنا المنسي
والمهمل، وبلغة سهلة ممتنعة، لغة تليغرافية، ولا بد من الإقرار
بأن هذه الورقة لا تغني عن قراءة الكتاب، علماً أنها ثاني
مراجعة للكتاب، وأيضاً هي ثاني مرة أكتب فيها عن كتاب مرتين،
وكانت الأولى مع "جوع" الصديق العزيز، الأستاذ محمد البساطي.
هشام بن الشاوي