تمظهرات
المدينة فـي الشعر العراقي الحديث

عباس الغالبي
يرى افلاطون (ان الدولة تنشأ لعدم
استقلال الفرد بسد حاجاته بنفسه، وافتقاره إلى معونة
الآخرين، ولما كان كل انسان محتاجاً إلى معونة غيره في
سد حاجاته، وكان لكل منا احتياجات كثيرة لزم ان يتآلب
عدد عديد منا، من صحب ومساعدين في مستقر واحد، فنطلق
على ذلك المجتمع اسم مدينة او دولة).*و الشاعر كائن
اجتماعي يحيا في منظومة إنتاج معينة،
ويعكس وعيه بها صورة
عن العالم.وتتخذ المدينة في الشعر العراقي الحديث اشكالاً
ذاتية وحضارية، وأخرى على وفق صور كالمدينة الحلم
والمدينة الفاضلة، ففي الرؤية الذاتية يتساءل الشاعر سعدي
يوسف عن المدينة، هل فقدت في العالم الأسفل، أي
عالم الأموات، أم أنها طارت نحو السماء، حيث ينبع
سؤاله من ذاته الشاعرة بأن المدينة، قد سلبته العالم
الروحي للحياة، ولهذا يراها في خراب عام وشامل، لاشيء
سوى الرياح تصفر في ساحاتها، ما يدل على شدة الخواء والعدمية
وذلك منتهى السلب المعنوي للإنسان في عالم المدينة، إذ
يقول:
عام ألفين، وفي منتصف الليل
وفي باب حديقه
سائر مر، خطاه المثقلات
برصاص العمر الضائع، تروي كيف ماتوا
أين ماتوا …
في سباخ الكرخ، أم في حفر الروح
العميقة؟
ترى أين المدينة؟
رحلت أم هبطت في العالم الأسفل،
أم طارت إلى حيث تطير القبرات؟
أترى الأحياء ماتوا
أم ترى الموتى عليها نشروا، فأنتشروا؟
إن المدينة
مثل شعف النخل اليابس، انقاض سفينة
تصفر الريح على ساحاتها الغبر، وتصفر حزينة
حيث لا دجلة يحمر، ولا يصفو فرات
فكأن الشاعر هنا يقدم
نبوءته الذاتية، عندما حكم على المدينة بالموات والخواء، وتلك
ليست الحقيقه على أرض الواقع، وإنما احساس تعمق في دخيلته، أوحى
له بعدمية الحياة، كونه مسلوب الارادة. ولذلك يتخفى خلفها
في سؤالاته فالمدينة، ما هي إلا الشاعر ممثلاً بجمع الناس، الذين
لا يحسون بأي معنى لحياتهم. اما السياب، فإن مدينته الحلم
تمثلت لديه بجيكور فهي مدينة الحلم، التي لم يستطع الزمن
ان يبعدها عنه، بل انه اسهم في صيرورتها ذهنياً وفكرياً، لارتباطها
بارهاصات النقاء والصفاء ، وهو بخياله المتدفق وشاعريته
الفذة جعل منها جنة احلامه، التي ترتبط بحكايا الاساطير
:
جيكور.. ستولد جيكور
النور سيورق والنور،
جيكور ستولد من جرحي،
من غصة موتي، من ناري،
سيفيض البيدر بالقمح،
والجرن سيضحك للصبح،
والقرية دار عن دار
تتماوج انغاماً حلوه
وبهذا فإن الذات عند السياب - كما عند غيره – في سعي
دؤوب للخلاص من المكان القاهر - المدينة – وترى بحتمية
الانفصال عنه، ولهذا بقيت جيكور بوصفها مكاناً ريفياً، قائمة
في وعيه متعمقة في إحساسه ونفسه، ففيها ينشد حريته، التي
افتقدها في المدينة اذ في المدينة تمثلت عوامل التيه والضياع.
في حين ان جيكور مثلت ماضيه وحاضره ومستقبله، مشدوداً
عن طريق الحلم في العودة إليها ثانية.وتأخذ أشكال التعبير
عن المدينة بعداً اجتماعياً حيث يصور حسب الشيخ جعفر أزقة
المدينة وما تثيره من فزع عند الإنسان، لأنها أماكن ضيقة
ومظلمة وهي تفرعات صغيرة، تصل بين أعماق المدينة وفضاءاتها
المفتوحة، فتكون ثنائية متضادة عبر المغلق والمفتوح، وتبعا
لحركة الإنسان من والى بيته، تكون ممرات اتصال من المغلق
إلى المفتوح، وبالعكس، ولذلك تكون الأزقة رمزاً
لحالة مخاض صعبة وقاسية، يمر بها المجتمع، وهو يعبر
من مرحلة إلى أخرى، حيث يقول:
والمدينة في العمق تصغي الى خطوتي
الصخر احمر صلبا يواجهني، في الزقاق
المؤدي الى الجسر، توقفني امرأة
من دخان المطاعم
يلوي ابتسامتها السكر.
وغالباً ما ترتبط الصورة
الزقاقية، عند ياسين طه حافظ، برفضه الواقع ألمديني، من
خلال البحث عن الأثر الحضاري المفقود، في بابل، التي
غابت في التأريخ، وهو ينشدها مرة أخرى، إذ يقول:
سوف أعود مرة أخرى
إلى الزقاق البابلي الملتوي في بطن بغداد
كما الأحشاء.
لقد اراد الشاعر، أن
يماثل بين إحساسه النفسي، وانعطافات الأزقة وامتداداتها
في مدينة بغداد، ولكن الصورة التشبيهية، تبدو غير
موفقة، او أنها موفقة إذا سايرنا الشاعر في تأزمه النفسي، كونها
تماثل العالم المخفي للمدينة، كما الأحشاء التي لا تظهر
إلا في الحالات الاستثنائية، مرتبطة بالحوادث التي يتعرض
لها الناس، وعندها تفصح عن مظهر مقزز للإنسان. وفيما
يخص موضوعة القصيدة وتقنيتها فان الأحداث الجسام، التي
مرت على العراق والوطن العربي بأجمعه خلال خمسينيات وستينيات
القرن الماضي ألقت بظلالها على الشاعر العراقي، فراح
يبحث عن سبيل لتمثيل هذه الأحداث في رؤيته الشعرية. فكان ان
احدث ذلك ثورة شعرية كبيرة في نظام القصيدة العربية. نحو نظام
جديد يكون أكثر اتساعا في شكله ومضمونه، لكي ترتقي القصيدة
إلى مستوى المتغير الحداثوي في مجالات الحياة المتباينة. وقد
بدأ ذلك على يدي جيل الرواد في شكل القصيدة الحرة، وربما
كانت تداعيات السياسة، هي الأكثر وقعاً على الشعراء فاخذ
كل واحد منهم نصيبه منها. وبذلك أخذت القصيدة تبتعد شيئاً
ما عن مضامينها الذاتية، التي لا تستطيع ان تستوعب
القضايا المهمة والعامة عند الإنسان العربي في حاضره الراهن، وهو
يخسر كل شيء تقريباً.وتجسد ذلك في تقنيات السرد تحديداً، فالحوار
كما هو معروف يعد وسيلة تعبيرية مهمة من وسائل البناء الدرامي التي
يستعين بها الشاعر للكشف عن مجريات الإحداث، ونقل صورها.
ونجد في مطولة الشاعر بلند الحيدري ((حوار عبر الإبعاد الثلاثة))
مصداقاً واقعياً للنزعة الدرامية في القصيدة العراقية الحديثة، ومنها
القصيدة المعبرة عن موضوع مديني متكامل، فالقصيدة تدور
ضمن ثلاثة اصوات، يمثل الصوت الاول علاقة الانسان
بذاته، والصوت الثاني علاقة الإنسان بالموضوع والصوت
الثالث علاقة الإنسان بالمطلق، وكل هذه الأصوات تتداخل
ضمن الفرد الواحد، أي ان العمل الشعري في هذه القصيدة
مسرحة الانسان الواحد عبر نزوعه الداخلي وعبر تمزقه مع الخارج
وعبر تكوينه لخلفيته الذهنية مبدئية كانت ام دينية أم فلسفية..
*ويرى الشاعر بلند الحيدري الواقع العربي، غامضاً تكتنفه
المتضادات وتعصف به التيارات والإحداث المتصارعة، وتتجاذبه
تقاليد الماضي وكشوفات العصر، وهذا ما تفصح عنه هذه القصيدة، فالإبعاد
الثلاثة هي الحدث والزمان والمكان، وانه لابد من تخطي
هذه الإبعاد الثلاثة نحو الصراع ((الحوار)) بين الإنسان
الثائر داخل ذاته والوجوه السبعة التي تقيد حرية هذا الثائر نحو
تغيير الواقع برموزه السبعة، إذ يقول:
يا كلكم
يا غيبة الحاضرين
يا انتم المارون كل لحظة ببيتي المنكفئ
الأضواء
والحاملون ليلي الثقيل في صمتكم المرائي
أنا. . هنا. . أموت من سنين
أزحف من سنين
خيطاً من الدماء بين الجرح والسكين
تبدأ القصيدة بصوت البطل
((الشاعر)) في حواره الداخلي، واصفاً الواقع ((المكان))
إذ يعيش غريباً عن الناس، فيبدو وحيداً بينهم، بيته
مظلم وليله ثقيل، وهو يحس أنه قدمات من سنين طويلة، لكنه
يزحف نحو النور.ويبدو المكان هنا سجنا ((القاعة)) يحاصر البطل، سواء
أكان البيت ام المدينة أم ما هو أوسع من ذلك أي الكون:
القاعة ذات القاعة
بكراسيها
وبصوت مناديها
بعيون كلاب الصيد المفروزة في لحم أضاحيها
نفس الياقات البيضاء
ونفس الأحذية اللماعة
والزمن المتخثر في الساعة
مازال كما…
صه.. لا تحك
واللوحة مازالت ذات اللوحة منذ العهد
التركي
ان البطل يقع تحت وطأة الجمود وحالة اللا تغيير، ما يوجب البحث
عن منفرج يخلصه من حالة الموت هذه، فكان عليه أن يتحرك
بهذا الاتجاه.
طرقت الابواب… بابا…
بابا
ورشوت البوابا
استجديت امرأة… طفلاً… شيخاً
وشباباً
ما ردوا
لا باب ينفك ولا شباك ينسد
ان جاء مساء
امسيت رصيفاً في هذا الشارع
…………
اصبحت قمامة زبل لا تعد
……….
ابحث عن نفسي في عنوان ضائع
……..لا احد
فقمامة زبل لا تعد
ورصيف الشارع لا احد
وهكذا نرى ان تمظهرات
المدينة في الشعر العراقي الحديث قد أخذت اشكالاً عدة من خلال
ثنائية حلم الشاعر وواقعه المأزوم، فأقترب الشاعر تارة
وابتعد تارة اخرى محاولة منه لتصوير المدينة في تناقضاتها
ورمزيتها وصورها الحالمة وتصويراتها الجميلة التي علقت في
ذهنه وجعلت منه تواقاً لتضمينها في شعره حيث انشغل في ذلك
الشعراء الرواد وماتبعهم من الشعراء الستينيين الذين لم يختلفوا
في رؤاهم عما سبقوهم في تواشج شعري أفضى الى تمظهرات جسدت
المدينه في قصائدهم.
* جمهورية افلاطون
* المدينة في الشعر العراقي الحديث
عبد الله التميمي