حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

"النظرية النحوية" لجيفري بوول
من أين تأتينا اللغة؟

يرسم هذا الكتاب الخطوط الكبرى لدراسة نحو اللغة، ضمن إطار نظري تأسست عليه مدرسة القواعد التوليدية، وهي إحدى أهم المدارس اللسانية المعاصرة.
لقد أراد المؤلف أن يعرض في تبويب واضح ودقيق مسائل النحو، أسسه، مناهجه، وأدواته، وأهدافه البعيدة، بوصفه أحد أساليب التفكير المنطقي والنقدي، وأحد ميادين الإبداع والتطوير اللغويّين. ولعلّ من أبرز ميزات هذا الكتاب هو أنه، إذ يعرض فرضيات النحو ويقلّبها على وجوهها الكثيرة، يؤكد في الوقت نفسه أن ليس هناك فرضيّة نهائية لا تقبل التغيير، وهذا ما يجعله، على تخصّص موضوعه ولغته، كتاباً محفّزاً على التفكير والبحث.
الدراسة العلمية للغة
كانت اللغة وما تزال موضوعاً للاهتمام والتفحّص لآلاف السنين، إذ أن محاورات أفلاطون التي تمثل نقطة البداية في غالبية العلوم والفلسفة الغربيّين قبل نحو 2500 عام، تحتوي تأملات في اللغة، خصوصاً المحاورة المعنونة «كراتيلوس». ومن أكثر ما يثير الاهتمام في اللغة هو أنها، وعلى الرغم مما يمكن أن تكون الكتابات الشعبية قد قالت لنا عنها، فإن القدرات اللغوية التي يمتلكها الإنسان لا تمتلكها الحيوانات الأخرى. وإضافة الى ذلك، يقول المؤلف: «فإن كل إنسان تعرض الى لغة ما في طفولته المبكرة، سيكبر ليكون متحدثاً كفوءاً بلغة من اللغات البشرية». وبكلمات أخرى، فإن اللغة تبدو صفة يختص بها الجنس البشري، شيئاً يمتلكه كل أفراد هذا الجنس لوحدهم. وتؤدي لغتنا حسب رأي المؤلف دوراً مركزياً في الفكر البشري والمجتمع البشري والأفعال البشرية، ولهذا فإن المؤلف، بدراسته اللغة، يستكشف بشكل أساسي ما تعنيه كينونتنا بشراً.
إن النهج الذي ينتهجه المؤلف في كتابه هو ذلك المتأثر بكتابات اللساني الأميركي نعوم تشومسكي، ونجد في الكتاب إحالات دائمة الى أعماله في الخطوط العريضة للنظرية وكذلك تفصيلات التحليلات المحددة.
ويشير المؤلف الى أن على المستوى الأكثر عمومية يقول تشومسكي إن علينا أن نبحث في اللغة مستخدمين أساليب البحث في العلوم الطبيعية، في صياغة الفرضيات، واختبار صحتها بمقابلتها بالمعطيات، وجعل نظريتنا أبسط ما يمكن أن تكون عليه، ما دامت تعطينا التنبؤات الصحيحة.
وحسب رأي تشومسكي فإن من الحقائق العامة عن هذا العلم أن الناس يتحدثون ويفهمون بعضهم بعضاً، وهي حقيقة مثل أي حقيقة أخرى نعرفها عن العالم الطبيعي الذي نعيش فيه.
هذا، ويعتقد المؤلف أن دراسة اللغة أكثر شبهاً بدراسة الأدب. وعلى الدارس أن يبدأ بحثه في اللغة باستخدام أساليب وطرق العلوم الطبيعية.
التمييز بين الكفاية والأداء
يركّز المؤلف على جانب معيّن من النظام اللغوي، ألا وهو النحو، أي أنه يركز على بنية الجملة والقواعد. ويتساءل: ما هو نوع التجارب التي علينا إجراؤها للتحرّي عن قدراتنا القواعدية؟ وكيف نبحث في هذا «الصندوق الأسود» القواعدي. وكما لاحظ تشومسكي في مناسبات عديدة فإن هناك فرقاً كما يبدو، بين ما يعرفه الناس وما يفعلونه. وبكلمات أخرى، إن «ما نقوله فعلاً خلال التحادث مع الآخرين ليس دائماً انعكاساً صادقاً لقدراتنا اللغوية». نحن نرتكب أخطاء كعثرات اللسان مثلاً، وعثرات اللسان يقصد بها حالات الخطأ الناتج عن إبدال صوت بآخر أثناء الكلام كما في «شت قروش» بدلاً من ست قروش. ويشير تشومسكي الى هذا بأنه فرق بين الكفاية والأداء. ولهذا فإن المؤلف لا يركز انتباهه على ما يخرج من فمه بل على النظام الكامن خلف ذلك.
دراسة السلوك
كان من الشائع في أوائل القرن الماضي أن يدرس اللسانيون «السلوك اللغوي». وقد كانوا يسجّلون ما يستطيعون من كلام المتكلمين والحوارات والمحادثات الطبيعية، ثم يبدأون بتحليل هذه التسجيلات ويبنون نظرية مؤسسة على ما يجدونه. وتبدو هذه المقاربة من وجهة نظر المؤلف ملائمة تماماً لما يهدف إليه من دراسة اللغة باستخدام الأساليب التي تتبعها العلوم الطبيعية. وإذا كان يدرس سلسلة السيطرة في مجاميع القردة العليا فسيقضي وقتاً طويلاً في ملاحظتها وتسجيل سلوكها في مختلف المواقف، ومن ثم يبني نظرية تستند الى تلك المعطيات.
إلا أن هناك الكثير، يقول المؤلف: «من الأسباب التي ترينا أن هذه ليست أفضل مقاربة ننتجها للبحث في القدرات النحوية للبشر. وحين ننتج كلامنا في الوقت الذي يستغرقه ذلك الإنتاج، نجد أنواعاً من العوامل تؤثر في ذلك: مدى شعورك بالتعب، أو إن كنت منتبهاً الى ما يقال.. الخ». ونتيجة لذلك فان الكلام الفعلي لميء بالأخطاء، مثل البدايات الخاطئة، وعثرات اللسان، والمرات العديدة التي تبدأ بها جملة ولا تعرف كيف تنهيها. وقد أنتج المؤلف نفسه في مرة من المرات جملاً مثل: This is the film That you said that was good.
ولكل بالرغم من انتاجه هذه الجملة فانه، يعتف انه قد جرى تنبيهه بأن هذه الجملة ليست من لغته. وهو يعرف بسليقته، ان هناك غلطاً ما في هذه الجملة، ويعرف على وجه التحديد ان المشكلة تكمن في عبارة» Said that was good ولكي تكون الجملة صحيحة الصياغة فان كلمة That يجب ان تحذف.
القواعدية والمقبولية
ان اصدار الأحكام على قواعدية الجمل مهمة، وهذه المهة ترتكز على الكفاية اللغوية وليس على الأداء اللغوي، فتبدو وكأنها تقلل من الأخطاء التي تتسبب فيها تداخلات عوامل غريبة على النظام اللغوي. الا ان المؤلف يقول: «من المهم ان ندرك انه حتى حين نستخدم احكام القواعدية فان علينا ان نأخذ بعين الاعتبار ان كانت المعطيات مما يعتمد عليه». وهناك اشياء يمكن ان تؤثر على الأحكام النظرية للمتكلم الأصيل ليست من النظام اللغوي، ولكنها على صلة وثيقة به، بما في ذلك التقعر بالكلام والتنويع الاسلوبي. ولهذا السبب فالى جانب التمايز بين الكفاية والأداء، لدى المؤلف تمايز آخر بين القواعدية والمقبولية. مثلاً: ان الجمل التي لا تحتوي في داخلها جملاً تعمل كفاعل لها قد لا تكون مناسبة اسلوبياً.
اكتساب اللغة والقواعد الكلية
ان جزءاً من قدراتنا اللغوية يتكوّن من قدرتنا على اعطاء أحكام عما اذا كانت الجمل في لغتنا قواعدية أم لا. وقد توصلنا، يقول المؤلف: «الى ان هذا يأتي نتيجة ان أوفعتنا تحتوي على نظام معرفي يحلل او «يولد» «جملاً». ويطرح سؤالاً بسيطاً سيظهر ان له جواباً معقداً، وهو كيف وصل هذا النظام المعرفي الى هناك؟ كيف اكتسبت هذه المقدرة على الحكم بقواعدية الجمل؟
لقد لاحظ العالم اللساني نعوم تشومسكي. في هذا الصدد، ما يدعوه المشكلة المنطقية في اكتساب اللغة. وباختصار، فان ما ينتهي البالغون الى معرفته في لغتهم يذهب أبعد بكثير من اي شيء تعرضوا اليه فعلياً في طفولتهم.
وهنا يواجهنا سؤال: كيف عرفت هذه القضايا؟ لدى تشومسكي جواب منطقي حسب ما يشير المؤلف، ولكنه جواب راديكالي لحل هذه المعضلة. لو كانت لدينا معرفة لا يمكن ان تكون قد أتت من المعطيات التي تعرضنا لها، فلا بد أن تكون هذه المعرفة قد أتت من مكان آخر. ويرى المؤلف انتشومسكي يقترح ان هذا المكان الآخر هو أداة اكتساب لغة ولدنا بها، وهي أداة يختص بها الجنس البشري.
في قراءة هذا الكتاب قد يلقى بعض القراء شيئاً من صعوبة مع المصطلحات التي يواجهها، والسبب في هذا هو عدم إلفتهم اياها، والمصطلح اللساني الحديث ما زال غير راسخ ولا يتردد كثيراً على الألسنة، واللسانيات لم تزل علماً لم يأخذ مكانه المناسب في خريطة البحث العلمي العربي، أو فلنقل الثقافة العربية، وما زال الأعم الأغلب من الدراسات نحوية يجري مجرى القديم وينهج النهج النحوي العربي التقليدي.

 

وفيق غريزي -
http://www.almustaqbal.com


 
© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.