
عبقري
الرومانسية الإنكليزي
عنيف
ومجنون
عن
مشروع مكتبة الأسرة صدرت الملحمة الساخرة دون جوان للشاعر
الإنكليزي لورد بايرون بترجمة كاملة لأستاذ الأدب الإنكليزي
والمترجم المرموق الدكتور محمد عناني. وتعتبر ترجمة دون جوان
هي أول ترجمة عربية يقدمها واحد من المتخصصين عن اللغة الأصلية.
ويشير
الدكتور عناني الي أن ثمة أحجاما من المترجمين عن هذا النوع
من الترجمة الأدبية اعتقاداً بتركيبته وعدم أهميته، في الوقت
نفسه لا يعرف العرب لورد بايرون إلا كشاعر رومانسي عبر بعض
الأهازيج الغنائية، في الغزل والحب، ويخشي الدكتور عناني من
الترجمة التي يقدمها معتقداً أنه يقدم لوناً غريباً من الشعر
علي الذائقة العربية وان كان ما يشجعه ـ حسب قوله ـ تقديم
صلاح عبد الصبور لهذا اللون من الشعر في الستينيات ونطمئن
الدكتور عناني بأن ما تلا صلاح عبد الصبور جعل لورد بايرون
نفسه قديما أشد القدم وأظن الأمر كذلك بالفعل سواء علي مستوي
الشعرية العربية أو الإنكليزية التي جاء بايرون من صلبها.
تشير
المقدمة الي أن هذه الملحمة تعد لوناً بالغ الاختلاف في الشعر
لا سيما علي المستوي النغمي، وقد لاقت صعاباً كثيرة في نشرها
في عصر بايرون بسبب تهجماته علي بعض الساسة وبسبب الحس المحافظ
الذي كان يسود المجتمع الانكليزي آنذاك، ولم تلق القصيدة دون
جوان تقديراً يليق بها الا في منتصف القرن العشرين بعد زوال
المحاذير السياسية.
يشير
محمد عناني في مقدمته الي اختلاف المذهب الشعري لبايرون مع
الشعرية العربية لاسيما في فترة ازدهار الترجمة في النصف الأول
من القرن العشرين جعل المترجمين ينصرفون عن ترجمته واكتفت
الشعرية العربية آنذاك بالتعامل مع شلي باعتباره ممثل الرومانسية
الوحيد في الشعر الانكليزي الي جانب الرومانسيين الفرنسيين
ويضيف عناني سبباً آخر لعدم ترجمة بايرون هو اختلاط شعره بما
يسمي أسطورة بايرون أي اسطورة ابن الطبقة الأرستقراطية الذي
يكتب الشعر من باب التسرية عن النفس ويري نفسه ضحية لمجتمع
منافق يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول وتتجاذبه امزجة أو
حالات نفسية وعواطف متناقضة لا تثبت علي حال ويري عناني أن
نزعة بايرون الاجتماعية تختلف عن نزعة شلي الكونية وعن نزعة
كيتس الجمالية التأملية الخالصة، وكان يحتقر ساوذي الذي مدح
ملك انكلترا ومالأه وهو ما كان يراه بايرون ارتداداً عن المذهب
التحرري الذي يعتبره جوهراً أصيلا في الشعر كله لا الشعر الرومانسي
فحسب، ويضيف عناني ان بايرون كان لهذه الأسباب الأكثر صدقاً
والأكثر تفرداً وهو ما ساهم في تأكيد أسطورته الشخصية، لذلك
كان يراه النقاد متقمصاً حقيقياً لأشخاصه المسرحية والقصصية.
وربما من هنا يأتي تأثيره المركب في الشعرية العربية كما يشير
محمد عناني في مقدمته لكتابه الصادر بالانكليزية في القاهرة
عام 1986 تحت عنوان مختارات من الشعر العربي الجديد في مصر.
يري
محمد عناني أن التركيبة والخلط الحادث بين العامية والفصحي
الانكليزيتين كانا سبباً اضافيا لصعوبة ترجمة بايرون ويضرب
مثالاً علي هذه الصعوبة بتأملاته في ملحمة دون جوان التي يحكيها
المؤلف علي لسان رجل اسباني، لكن سرعان ما يتداخل صوت الراوي
وصوت الشاعر فلا نستطيع تمييز الراوي عن الشاعر، ثم يختلط
الصوتان باصوات رواة آخرين وهو امر لم تكن تعتاده الشعرية
العربية ولا القراء العرب، هذا اضافة الي تعقد الصياغة وارتباك
الأسلوب نتيجة الخلط بين العامية الساخرة والفصحي الجادة.
وفي اطار التعريف الضروري بالشاعر يقول عناني: ولد جوردون
نوويل بايرون وهذا هو اسمه الحقيقي في لندن عام 1788 وكان
أبوه يطلق عليه المجنون بسبب ما شاع عنه من انحلال وكان ضابطاً
في الحرس الملكي وكانت امه امراة ذات مزاج متقلب تميل الي
الشجار وكثيراً ما تشاجر معها ابنها وعاني من تقلب مزاجها
كما عاني في صغره من العلاج الذي فرضته عليه لتقويم احدي قدميه
فكان علاجاً أقرب الي التعذيب ويضيف عناني أن هذه القدم غير
السوية كانت سببا في احساسه بالنقص طول حياته لأنها كانت تظهره
بمظهرمن يعاني من عرج خفيف.
وقد
قضي بايرون سنواته الأولي في مدينة أبردين باسكتلندا والتحق
فيها بمدرسة راقية من المدارس التي كانت تسمي مدارس الكتابة
أي الكتابة اليونانية القديمة واللاتينية ويضيف عناني أن بايرون
ورث كلمة لورد عن والد عمه الذي مات بينما كان بايرون في العاشرة
وكانت منزلة اللورد التي ورثها ادني مراتب اللوردات في انكلترا
وكانت تسمي البارونية وبعد ذلك انتقل الشاعر الي قصر عمه الذي
كان يسمي نيوستدابي بالقرب من مدينة نوتنكهان. ويري محمد عناني
أن نشأة بايرون المتزمتة في اسكتلندا وحساسيته لما يعانيه
من قدم غير سوية قد اجتمعت فتسببت في قلق ما في شخصيته ويضيف
أنه رغم صحة ودقة ذلك الا أن دارسي تاريخ الأدب بالغوا كثيراً
في أثر هذه القلق علي شخصية بايرون. وواصل الفتي تعليمه حتي
التحق بكلية ترينيتي في جامعة كمبريدج عام 1805 وذاع عنه التمرد.
وقد نشر بايرون اول دواوينه ساعات الفراغ عام 1807 وهو ديوان
لم يلق ترحيبا بل هوجم في بعض المجلات هجوماً شديداً.
بعد
تخرجه من الجامعة سافر بايرون بصحبة صديقه جون كان هوبهاوس
فزار أسبانيا والبرتغال واليونان وتركيا ثم عاد ليشغل مقعده
في مجلس اللوردات وفي عام 1812 نشر النشيدن الأولين من أسفار
تشايلد هارولد ولاقي النشيدان نجاحاً كبيراً وينقل عناني عن
بايرون قوله صحوت لأجد نفسي مشهوراً بعد ذلك كتب عدداً من
القصائد التي صور فيها الأبطال البايرونيين وهي شخصيات أكدت
ذيوع شهرته وصيته حتي اصبحت قصائده القصصية أكثر ألوان الشعر
مبيعاً.
تزوج
بايرون عام 1815 من ايزابيلا ميلبانك واستمر الزواج لمدة عام
واحد وأثمر طفلة سماها أوغستا وكانت زوجته قد طلبت الانفصال
قضائياً عن بايرون بسبب قســـوته وجنونه فضلا عما كان يشاع
عن عــــلاقة محرمة لبايرون باخته غير الشقيقة أوغســــــتا
لي وكان ذلك سببا في نبذ المجتمع الإنكليزي له، وربما لذلك
غادر انكلترا عام 1816 الي الأبد. بعد ذلك تنقل بايرون بين
بلجيكا وألمانيا وسويسرا الي أن التقي شلي مع ماري جودين التي
تزوجها شلي بعد وفاة زوجته الأولي ونشأت صداقة عميقة بين الشاعرين
اللذين التقيا كثيرا باستمرار ثم انتقلا معا الي ايطاليا.
بين
عامي 1816، 1818 كتب بايرون النشيدين الثالث والرابع من أسفار
تشايلد هارولد الذين اعتبرهما النقاد أكثر نضجاً وهي الفترة
ذاتها التي كتب فيها بايرون خمس مسرحيات كلها تعتمد هذه النغمة
الهازلة، والنغمة هنا كما يشرحها عناني لا علاقة لها بالموسيقي
الشعرية بل هي المعني الدقيق لموقف الكاتب من مادته فاذا كان
غير جاد بأن جنح الي تضخيم ما لا ينبغي تضخيمه أو بالنصح علي
فعل شيء واضح الخطأ كان ذلك يتضمن دعوة القارئ الي عدم اخذ
كلامه مأخذ الجد واستشفاف نبرة الهزل التي تدعو الي التهكم
بل والضحك. ويري عناني أن اللغة العربية والشعر العربي لا
يعتمدان النغمة بالمعني الاصطلاحي في تحديد نبرة الجد أو نبرة
الهزل لأننا مازلنا نعتبر الشعر تعبيراً عما في نفس قائله
من مشاعر أو أفكار أو رؤي، فشعرنا العربي غنائي في معظمه بالمعني
الاصطلاحي الغربي، وهو ينتمي وفقاً لتعريف اليوت الي الصوت
الأول للشعر.
و
قبل أن يلج عناني الي الخلفية الأدبية لملحمة دون جوان يشير
الي أن بايرون كان دائماً من اقوي دعاة الحرية وأنصارها سواء
كانت الحرية الشخصية أو الحرية القومية، وقد انضم في عام 1823
الي اللجنة الثورية اليونانية التي كانت تقاوم الاحتلال التركي
وظل علي ذلك الحال حتي توفي عام 1824 مصاباً بالحمي حيث كان
لا يزال عضواً فاعلا بقيادة الحركة الثورية.
يقول
محمد عناني أن الخلفية التاريخية للملحمة تبدو غامضة وان كان
بعضها يضرب في أعماق الأداب الشعبية الأوروبية.. وكلمة دون
في الأسبانية تقترب من معني سير في الإنكليزية وهي رتبة الفارس
وجوان تقابل خوان في الأسبانية الحديثة وتقابل الاسم الشائع
جون في الانكليزية و حنا بالعربية الحديثة. ويضيف محمد عناني
أن أصل الاسم في اللغات السامية هو الفعل القديم يوحنان القريب
من الفعل العربي حنَّ، حنَنَ بمعني أسبغ الله الحنان.
وشخصية
الملحمة ـ حسب عناني ـ هي لكاتب مسرحي أسباني عاش في مطلع
القرن السابع عشر واشتهر باسم تيرسو دي مولينا (1571 ـ 1641)
وهو الاسم المستعار الذي اتخذه لنفسه أما اسمه الأصلي فهو
غابرييل تيليز وفي عام 1616 كتب هذا الكاتب مسرحية بعنوان
مضحك اشبيلية والضيف الحجري وظهرت منسوبة اليه لأول مرة في
مجموعة مسرحيات كتبها لوبي دي فيجا ومؤلفون آخرون ونشرت عام
1620. ويقول عناني ان البعض يري ان بايرون كان يعرف هذه المسرحية،
وينكر البعض الاخر أنه شاهدها علي المسرح، ولكن ما يؤكده عناني
ان بايرون اطلع علي بعض الأعمال الدرامية المبني عليها لذلــك
فهو يؤكد أن نص دون جوان ينبني علي اسطورة هذه المسرحية فبطل
المسرحية هو دون جوان تيــــنوريو ابن احد نبلاء اشبيلية وذات
يوم أثناء زيارته لقصــــر حاكم مدينة البندقية يشاهد الدوقة
ايزابيلا ويقع في غرامها، ويقرر في نفسه أن يحظي بها، وهو
يعلم انها مخطوبة الي الدوق أوكتافيو ومن ثم يتنكر في صورة
ذلك الدوق ويتسلل ليلاً الي مخدعها لكنها تكتشف أثناء رحيلها
عنه تلك الخدعة وتعمد الي الصراخ والعويل ولكن دون جوان يتمكن
من الفرار بمساعدة عمه الذي كان يعمل سفيراً في القصر الملكي،
ولا تجد الدوقة مخرجاً من الفضيحة وستراً لعارها الا أن تعلن
ان خطيبها الدوق أوكتافيو هو الذي زارها في المخدع فيأمر الملك
بالقبض علي الاثنين ولكن الدوق ينجح في الهرب أما دون جوان
فان سفينته تتحطم اثناء عودته الي اشبيلية وتلقي به حتي يصل
الي البر حيث ترعاه فتاة جميلة تعمل بصيد السمك تدعي تسيبا
وتقع في غرامه ويعدها دون جوان بالزواج ويقضي معها ليلة واحدة
ثم يعود الي اشبيلية وفي قصر الملك ألفونصو ملك قشتالة يقابل
دون جوان خطيب الدوقة اوكتافيو الذي كان قد لجأ الي القصر
دون أن يعرف ان دون جوان هو الذي خدع ايزابيلا لكن الملك الفونصو
يعرف بالأمر ويقرر أن تأخذ العدالة مجراها فيصدر حكماً بتزويج
جوان من ايزابيلا حالما يحضرها الجنود من نابولي وأن ينفي
دون جوان الي ليبريخال حتي يتم الزواج وعوض أوكتافيو عن ايزابيلا
بالزواج من إحدى بنات الأشراف وهي دونا ايما وفي عشية رحيله
الي منفاه يتنكر جوان في زي المركيز دي موتا حبيبها لكنها
تكتشف الخدعة وتفضحه وتصيح طلباً للنجدة ويمر دون جوان وهو
في طريقه الي منفاه بحفل زفاف ريفي فيندس وسط المدعوين حتي
يصل الي العروس ويخدعها بالكلام المعسول ويفعل نفس الأمر ثم
يفر عائداً الي اشبيلية وعندما يصل الي بلده يتم افتضاح أمره
عبر العديد من تداعيات الأحداث.
هذا
هو ملخص الحكاية التي عرضها محمد عناني في مقدمته وهي حبكة
يراها أساسا لعدد كبير من المعالجات الأدبية لدون جوان بلغات
كثيرة، وهي معالجات يرصدها عناني ويقول انها تقترب من الـ500
معالجة في معظم البلدان الأمريكية والأوروبية وقد كتب عدد
كبير منها للمسرح.
وقد
أنجز بايرون ملحمته في ستة عشر نشيداً ترجم عناني منها أربعة
أناشيد تتضمن قصتين مستقلتين من قصص مغامرات دون جوان وحاول
عناني بالإضافة إلى ذلك رصد أهم الأحداث في ما تبقي من الستة
عشر نشيداً.
تقع
الملحمـــة في 450 صفحة من القطع الكبير.
محمود
قرني - القدس العربي - 2004