حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

ليست نصا لقيطا ولم تولد من رحم النكسة:

إحراق قصيدة النثر!

عاشت قصيدة النثر زمنا تحت حراب الأعداء، يرمونها بالسهام فتزداد صمودا، وبعد أعوام قليلة صارت القصيدة المبتغاة عند كتاب الشعر، ونقلت أفق القصيدة العربية إلى هواء جديد، كان عليها أن تتنفسه لتعيش، بينما تجاهلتها المؤسسة الثقافية، حتى أن قصيدة النثر لا تعتبر شعرا في عرف وزارة الثقافة، بينما تعتبر أي كاتب أغنيات متواضع شاعرا عظيما، فهو في الأقل لم يخلع خاتم 'إيقاع الخليل' من يده اليمني.

ومن غريب إصدارات المؤسسة الثقافية حول هذه القصيدة كتاب صدر قبل أسابيع عن المجلس الأعلى للثقافة، هو بمثابة 'نيران صديقة' ضد قصيدة النثر، كتبه الناقد عبدالعزيز موافي وحمل هذا العنوان المضل 'قصيدة النثر من المرجعية الي التأسيس' فإذا هو مجرد مقالات مجمعة تفتقر الي الحدود الدنيا من البحث العلمي الأمين، وإذا هو يضيف الي عتمة النقد الحديث ظلاما اضافيا في بقعة سوداء كما تريدها المؤسسة الثقافية هي قصيدة النثر.

وأجمل في نقاط ثلاث ما سوف أفصله لاحقا:

أولا: استبعاد قصيدة نثر العامية عن التناول النقدي، واستبعاد مجرد الاشارة اليها دون ابداء أسباب.

ثانيا: ترديد المقولات المجانية الهشة حول هذه القصيدة بصورة تدعو الي الأسي، فالكتاب اعتمد علي مقولات رافضي النص الجديد وبني عليها أغلب تصوراته ومنها 'قصيدة النثر' تخلو من الأيديولوجيا، شعراؤها لا يكتبون إلا عن أجسادهم، والجسد هو محور هذه الكتابات.

ثالثا: سقوط الكتاب في أخطاء 'مدرسية' مثل 'فبركة' أغلب أو بعض هوامش الفصول، ما يذكرنا بحيل أبحاث مؤتمرات أدباء الأقاليم التي تفتقر الي الحدود الدنيا من الوعي النقدي، كأن يكتب ناقد 'متعالم' عن 'الاصاتة والمحارفة عند شعراء الصعيد رؤية فينومينولوجية لقصيدة.. الأرض أرض والسماء سماء'..

نظرية الهوامش 'المفبركة'

واذا كان موافي ظن أن أحدا لن يجلس ليقرأ كتابه الذي أنفق عليه المجلس الأعلي من أموال دافعي الضرائب فهو علي خطأ، ولأنه كذلك نطلع القاريء علي عينة عشوائية من فوضي الهوامش في كتابه:

الهامش رقم (19) الفصل الثالث من الباب الثاني يشير الي صفحة (52) من كتاب 'الموت والوجود' من ترجمة بدر الديب، يقول موافي 'فعلي الشعر دائما طبقا لرؤية الناقد الانجليزي (ت.أ.هيوم) أن يسعي الي ايقاف الشاعر، وأن يجعله يري باستمرار شيئا ماديا مجسدا ومنعه من الانزلاق الي سياق تجريدي' بينما لا وجود لهذا الكلام في هذه الصفحة مطلقا.

الهامش رقم (5) الفصل الأول من الباب الثالث يشير الي صفحة (81) من كتاب الشعر والتجربة ل'أرشيبالد ماكليش' وكذلك هامشا (8، 13). والأخير يشير الي صفحة '35' من الكتاب ذاته ويورد عبارة مطولة نسبها الي 'كوليريدج' لا وجود لها من الأساس، والأمر ذاته ينطبق علي الهامشين '17'، '18' من هوامش الفصل ذاته.

الهامش رقم (4) الفصل الثاني من الباب الثاني يشير الي صفحة (61) من عدد مجلة فصول سبتمبر 1985 مقالة 'الأدب والأيديولوجيا' ل كمال أبوديب، ثم ينسب رأيا لأرنست فليشر علما بأن أبوديب لم يتحدث في هذه الصفحة عن 'فيشر'.

الناقد ينقد قصائده

وعلي الرغم من كل هذا السوء أقول لكم إن أسوأ ما في هذا الكتاب يقع في متنه لا في هوامشه، وغاية الكاتب من كتابه كانت تكمن في أن يفرغ هذه القصيدة من مضمونها ليعيد رسم معالمها بحيث يحقق مصلحة فردية خرقاء ينسب فيها قصيدة النثر الي جيل السبعينيات، ويضم شعره هو حيث كتب موافي ما يسميه قصيدة نثر الي فصيل شعراء النثر الذين يدرسهم في كتابه ذاك، وهو حاول لي عنق التاريخ والجغرافيا والشعر معا، حين اعتبر هزيمة 1967 هي المسئولة عن شيوع المفاهيم التي أنتجت قصيدة النثر، مشيرا الي المناخ الذي أفرزه شعراء السبعينيات في قصائدهم ما أدي الي بلورة جيل جديد استند الي التجربة السابقة وأكمل عليها.

والكاتب لم يحرم نفسه من الدرس النقدي، فقد ضمن مقطعين من أشعاره ودرسهما ضمن تحليله لظاهرة 'المجاز البصري' في الباب الثالث الصفحة رقم (210)، علي الرغم من أن اسم موافي لمع في المتابعات النقدية فقط، بعد اصداره ثلاثة دواوين.

واصل الكاتب إذن فهمه المغلوط لطبيعة تطور الفنون في مجتمع من المجتمعات فنسب تطور قصيدة الشعر العربي الي مفاهيم ثقافية، وكأن واقع الحراك الاجتماعي لا يفعل شيئا في تغيير البنية الفوقية في المجتمع، ففي الفصل المعنون ب'الواقع التاريخي لقصيدة النثر' تنقل بين الشعر الفرنسي في القرن التاسع عشر والشعر العربي المكتوب نثرا في بداية القرن العشرين 'نقولا فياض، جبران خليل جبران، خليل مطران، حسين عفيف' ثم جماعة شعر اللبنانية من دون أن يجتهد في فهم السبب العميق وراء انتشار النثر الآن وعدم انتشاره سابقا، وذلك لأن الكاتب لا يري سببا منطقيا يجعل الصراع الاجتماعي دافعا وراء تطور الأدب، وهو من فئة تظن أن 'اللقاء مع الغرب' هو السبب الأول وربما الوحيد لتطور الآداب، ومن جانبنا لا نغفل أهمية هذا اللقاء، لكنه لا يصلح مبررا وحيدا في هذا الاتجاه، ولأن الكاتب لا يقرأ بلغة أخري '؟؟' فهو يستند الي ترجمات ضعيفة أو ناقصة لبعض أصول الموضوع في اللغات الأخري، مثل استناده الي ترجمة زهير مجيد مغامس لكتاب 'سوزان برنار' 'قصيدة النثر من بودلير الي أيامنا' مع أن أصغر شاعر في مصر اليوم يعرف أن هذه الترجمة مشوهة، فما بالك بمن يدرس 'قصيدة النثر من التأسيس الي المرجعية' وهو لا يعرف أن كتاب سوزان برنار صدرت له في العربية ترجمة مكتملة انجزتها راوية صادق وراجعها بدقة رفعت سلام الشاعر السبعيني المعروف، قبل ثلاثة أعوام، وإن كان لا يعرف فتلك مصيبة وإن كان يعرف فالمصيبة أعظم.

ولأن كاتبنا لا يقرأ بلغة أخري، نحيله الي كتاب 'مقدمة في نظرية الأدب' للناقد د.عبد المنعم تليمة، ربما تعلم منه 'موافي' هذه السطور في صفحة (87) حيث يقول تليمة: 'إن للفن كما لكل الأشكال الثقافية الأخري طابعه الطبقي، لكنه في ذات الوقت يتضمن العناصر الذاتية الخلاقة وله استقلال نسبي ونوعية خاصة بين أشكال الثقافة' والكتاب صدر في سبتمبر 1997 عن سلسلة كتابات نقدية وثمنه ثلاثة جنيهات مصرية.

متي ولدت؟

الحق أن قصيدة النثر لم تولد مع نكسة 1967 إلا لو كان موافي حضر عملية الميلاد في مستشفي النكسة بل أنجزتها حركة تطور بنية المجتمع العربي ومن ثم حركة 'الوعي' العربي أواخر الثمانينات من القرن العشرين، علي خلفية أحداث سياسية واجتماعية ضخمة، في هذا العقد البائس من الزمن العربي، ففي بداية الثمانينيات اقتحمت 'بيروت' عقب حرب أهلية طاحنة، وفي نهايته وقعت الحرب الكئيبة بعد دخول العراق الأراضي الكويتية وبينهما أعلنت انتفاضة الحجارة 1987، أما علي الجانب الاجتماعي فقد تراكمت تبعية الحكومات العربية للسيد الرأسمالي الأمريكي، الأمر الذي خلف تناقضا طبقيا حادا علي الأرض، وضاعف كما يري الجميع ويسمع فقراء يزدادون فقرا وأغنياء ينهبون المليارات بخفة راقص باليه، كل هذا زلزل المجتمع العربي وأدخل الي الفن رعشة جديدة لعلها رعشة الانحياز المتزايد الي قضايا الناس، وكان طبيعيا أن يكتب 'وديع سعادة' نصه المدهش 'بسبب غيمة علي الأرجح' متناولا حيوات انسانية بائسة، وعلاقات الحرب الأهلية في لبنان بصورة لم تشهدها القصيدة العربية السابقة عليه، وأستطيع أن أحصي أسماء عدة كتبت قصيدة النثر علي هذه الخلفية حتي وان بدت قصائدها­ للوهلة الأولي­ علي العكس من ذلك.

الحساسية من الأيديولوجيا

'الشاعر الجديد تخلي عن قضايا الإنسان الكبرى' هكذا اعتقد الكثيرون ­ومنهم موافي­ الا ان الواقع حول هذه المقولة التي تمت في سياق الحرب الباردة الثقافية الي دخان تلاشي بسرعة كاشفا عن الأصل، انظر كيف تصور موافي الأمر حين كتب تحت عنوان 'أقول الأيديولوجيا'.

'الأمر مختلف بالنسبة للشاعر الهامشي الذي أصيب بحالة من الحساسية المفرطة­ بالمعني المرضي­ ضد اليقين من ناحية وضد المطلقات من ناحية اخري' ثم يتوغل ليقدم لنا بديلة الدجيد ل'الأيديولوجيا' ويسميه 'وجهة النظر' فالشعراء­ حسب موافي­ رموا الأيديولوجيا للكلاب الجائعة وصاروا يبحثون عن 'وجهة النظر'.. تري ماهي حقا تلك الفرية، يقول موافي شارحا:

'تتكون من: نظرة شخصية، جزئية، تقوم علي الرصد، تتميز بالحياد العاطفي' وكأن حامل الوعي الأيديولوجي حين يكتب قصيده النثر لاينطلق من نظرة شخصية، ولا يكتب رؤيته الخاصة ولا يعتمد علي الرصد، أما فيما يخص الحياد العاطفي، فإن 'الجراح البريطاني يملكه لكنه للأسف لا يكتب قصيدة النثر'.

دلل الكاتب علي مفهوم وجهة النظر في قصيدة النثر، فأساء الي الاثنتين حين اختار مقاطع للشعراء 'أحمد يماني، إيمان مرسال، عبدالرازق الربيعي، مؤمن سمير' حتي أنك لن تعرف ماذا يريد 'موافي' أن يفعل في عقل القاريء العزيز.

ادعاء الحياد

قرأ موافي قصيدة النثر لدرجة إنها بدت بين يديه كأنها نص لقيط فقد أراح نفسه ووصفها هكذا 'كتابة بالغرائز، كتابة بالأعضاء، كتابة بالحواس' وعرفها 'القصيدة هي الجسد الاعتباري الذي يضاجعه الشاعر، في محاولة للوصول الي نوع من التوازن النفسي الذي تتغياه حركة الليبيدو' صفحة 162 من الكتاب وإن كنا لا نخالفه الرأي حول ضرورة كسر الحواجز التي تفتعلها الثقافات التقليدية عادة ونسميها التابوهات، إلا أننا نختلف معه في تطبيق مقولة الكتابة بالأعضاء علي نص جميل للشاعرة فاطمة قنديل، نري فيه وعيا أعمق من هذه النظرة السطحية تقول:

'أتوجَّس عند ارتطام الحافلة أن

يحس الواقفون الفراغ بين ثديٌي

الصغيريْن والسوتيان،

أو أن يمتلئ الفراغ بيني وبين جاري فجأة

كان طوال الطريق يثبت براءته..'

واختتم الكاتب فصول كتابه بقراءة مطولة بحث فيها عن موسيقي قصيدة النثر معتمدا علي دراسات الدكتور محمد عبدالمطلب، ثم عاد الي تجربة واحد من جيل الرواد في قصيدة النثر 'أدونيس' ليبحث في مقطع صغير له عن الموسيقي، ولو كان 'موافي' اجتهد مع شاعر حديث لكان أجدي، خصوصا أن كثيرا من نقاد أدونيس بحثوا عن موسيقاه حتي صمت آذانهم، وما كان أحوج كاتبنا الي مناقشة التجليات 'الجديدة' للظاهرة بدلا من اهدار الوقت والجهد مع تجارب تمت دراستها من قبل.

الحق أن هذا الكتاب فتح جروحا عدة، فهو يشير الي الموقف المتردي الذي تتخذه المؤسسة الثقافية من النص الجديد، كما يعلن أنه لا موقف وسطا بين رافضي هذه القصيدة ومحبيها، وإذا كنت مازلت تقليديا وتدعي غير ذلك فإن كتابا برمته سيسهم في فضح موقفك مهما اجتهدت في اخفائه.

الكتاب: قصيدة النثر من التأسيس إلى المرجعية

المؤلف: عبد العزيز موافي

الناشر: المجلس الأعلي للثقافة

 

محمود خير الله


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri