حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

سونيتات شكسبير

تأليف: بول ايدمونه سون وستانلي ويلس

يقدم الناقدان الإنجليزيان بول ايدموندسون وستانلي ويلس دراسة مهمة عن قصائد وليام شكسبير المدعوة بالسونيتات. ويرى المؤلفان ان حياة شكسبير تنعكس في هذه القصائد الغنائية الرائعة، وكذلك قصص الحب التي عرفها وأشياء أخرى عديدة. فشكسبير لم يكن فقط مسرحياً كبيراً، أو بالأحرى أكبر كاتب مسرحي في تاريخ البشرية، وإنما كان شاعراً أيضاً، ويا له من شاعر! من المعلوم ان سونيتات شكسبير كانت قد ظهرت لأول مرة عام 1609، أي قبل سبع سنوات من موته، وبالتالي فهي من أواخر ما كتبه.

وبينما يحلق شكسبير عالياً ويتحدث عن الحب والغيرة والخيانة والموت وأسرار الوجود، يرى البعض أن هذه السونيتات المؤثرة مستمدة من تجربة حياتية عاشها شكسبير فعلاً، منذ خانته حبيبته مع أعز أصدقائه وأقربهم إليه.

وبالتالي فنحن ندخل هنا في جو معتم وواضح، جو يصور لنا الحب الممنوع أو المحرم. ولكن أهمية السونيتات تعود إلى شيء آخر.

انها تعود إلى الجمال اللغوي الذي توصل إليه وليام شكسبير والذي يتفوق به على كل شعراء اللغة الإنجليزية في عصره على الأقل، وبهذا المعنى فإن شكسبير هو مؤسس اللغة الشعرية الإنجليزية بقدر ما هو مؤسس المسرح والتراجيديا والكوميديا الإنجليزية، انه مفخرة الإنجليز على مرّ العصور.

ثم يردف المؤلفان قائلين بما معناه: في السونيتات الست والعشرين الأولى نلاحظ ان شكسبير يتوجه بالخطاب إلى شاب معين ويحثه على الزواج لكي ينجب ويخلّد نفسه في أطفاله وذريته. ولكن بعد ذلك بقليل نلاحظ أن هذا الشاب يكتشف طريقاً آخر للخلود: هو طريق الشعر، فالقصائد تخلّده ايضاً بعد موته مثل أطفاله وربما أكثر.

ولكن بدءاً من السونيتة الثالثة والثلاثين نلاحظ أن الأفق يصبح مظلماً اكثر فاكثر بل ونلاحظ ان الشاعر في السونيتة رقم اربعين يدين خيانة هذا الشاب ولكنه في الوقت ذاته لا يخفي اعجابه به وبالتالي فمشاعر شكسبير غامضة من هذه الناحية والشيء الذي نلاحظه ان شكسبير يظل مرتبطا بالوجود المحسوس ولا يحيلنا الى عالم يقف وراء هذا العالم كما يفعل «سبنسر» او «دون» مثلا فالحبيبة هي كائن من لحم ودم وكل ما عداها وهم او خيال وظل.

هناك مئة واربع وخمسون سونيتة في كتاب شكسبير هذا وموضوعها الاساسي المركزي ان لم يكن الوحيد هو: الحب ولكن من خلال هذا الموضوع نلاحظ ان كل أخلاقية العصر الشكسبيري تتجلى بشكل تدريجي فالحب في عصر شكسبير،

اي في القرن السادس عشر غير الحب في عصرنا الراهن وينبغي ان نتموضع في ذلك العصر وعاداته وتقاليده وأجوائه لكي نفهم بشكل كامل وناضج سونيتات شكسبير هذه فالشعر لو كان عظيما ورائعاً لا يمكن ان ينفصل تماما عن العصر والظروف لا ريب في انه يخترق العصور ويظل يدهشنا على مدار التاريخ ولكن له علاقة بالعصر الذي شهد ولادته

ولكي يبقى صحيحا القول بان سونيتات شكسبير هذه تظل محاطة بالأسرار والمجاهيل ولهذا السبب فان الدراسات النقدية التي اثارها هذا الكتاب الصغير المؤلف في مئة واربع وخمسين قطعة او قصيدة لا تعدو ولا تحصى وربما لم تحظ اي رائعة ادبية بكل هذا الاهتمام على مدار التاريخ باستثناء هاملت هل نعلم مثلا انه كتبت عن هذه المجموعة الشعرية الصغيرة آلاف المقالات النقدية والكتب؟

بماذا نقول بان سونيتات شكسبير هذه او أناشيده محاطة بالأسرار والمجاهيل؟ لانها نشرت بشكل متأخر ودون رغبة المؤلف ولان الإهداء الذي كتب على الصفحة الأولى يظل غامضا ويصعب تحديد الشخص الذي وجه اليه بدقة او بشكل قطعي ثم هناك أسرار ومجاهيل تحيط بالشخصيات الثلاث التي تهيمن على الديوان أي شخصية الشاعر والصديق المنافس، والحبيبة فيما بينهما فالعلاقات بينهم تظل غامضة ومعقدة

وهناك اسرار تحيط بالأحداث التي تميل اليها هذه السونيتات بشكل غير مباشر وعلى سبيل التلميح البعيد لا التصريح ويمكن القول ايضا بان الأسرار والمجاهيل تحيط بالكلمات والصور التي تبدو لنا واضحة وغامضة في ذات الوقت وفي كل مرة نحاول ان نقبض على معناها نجد انها تهرب من بين أصابعنا، فالشاعر يلعب بنا لعبا ولا يدعنا نتوصل الى نتيجة مؤكدة او يقينية.

ثم يرى المؤلفان ان الموضوع الأهم للسونيتات الاولى هو بالتأكيد موضوع الجمال السائر نحو الشحوب بسبب الزمن الذي يدمر كل شيء على هذه الارض، فالصبية الحسناء سوف تشيخ يوما ما ولن يدوم جمالها الذي يسحرنا الآن وكل الأمر ذاته عن الزهرة او الشجرة او كل شيء ولكن في ذات الوقت نلاحظ ان شكسبير يلح على موضوع الخلود:

اي خلود الجمال والفضيلة وبالتالي فهناك تناقض في سونيتات شكسبير ظاهريا على الأقل هناك تأكيد على ان كل شيء سائر نحو الزوال والفناء وفي ذات الوقت هناك تأكيد على إمكانية الخلود ومقاومة الغناء وهناك موضوعات أخرى تتكرر في السونيتات وتذكرنا بموضوعات الشعر الرومانطيقي الذي ازدهر لاحقا في أوروبا وبخاصة في القرن التاسع عشر

ونقصد بها موضوع الوحدة الإرادية للعاشق المهجور من قبل الحبيبة ثم موضوع المرور على الأطلال والبكاء على الذكريات المنصرمة، وكذلك الحنين الى أيام الوصال السعيدة التي مضت وانقضت ثم هناك موضوع الأشياء التي فقدت معناها بعد ذهاب الحبيبة او غيابها، فحضورها هو الذي كان يخلع المعنى على الأشياء وما ان غابت حتى فقدت كل الأشياء معناها وخلفت الحبيبة وراءها طعم المرارة والخيبة طعم الحسرة والزمن الذي لن يعود.

ولا ينبغي ان ننسى موضوع الصداقة والإخلاص والوفاء والخيانة والغدر وضربات الزمان كل هذه الأشياء تتكرر في سونيتات شكسبير من البداية وحتى النهاية تقريبا وبالطبع فبالإضافة الى موضوع الحب لا ينبغي ان ننسى جمال الطبيعة الذي يرافق كل ذلك او يغلفه بغلاف ساحر فتان، حقا لقد بلغ شكسبير الذروة في قصائده هذه.

الكتاب: سونيتات شكسبير

الناشر: مطبوعات جامعة اكسفورد 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri