
قراءة
في نصوص فلاسفتها عبر العصور
أين
يمكن أن نعثر على الحكمة؟
تأليف:
هارولد بلوم
مؤلف
هذا الكتاب هو الناقد الأميركي الشهير هارولد بلوم، وهو أستاذ
الآداب اليونانية ـ الرومانية في جامعة »ييل« في الولايات
المتحدة الأميركية، وكان سابقاً أستاذاً في جامعة هارفارد،
وهو مختص بدراسة الآداب الحديثة أيضاً وليس فقط القديمة. وقد
اشتهر البروفيسور هارولد بلوم بعدة كتب مهمة كان قد نشرها
سابقاً، نذكر من بينها: هاملت، العبقرية، كيف نقرأ ولماذا؟،
القانون الغربي، اختراع النزعة الإنسانية.. الخ. ونال البروفيسور
بلوم عدة جوائز كبرى على مؤلفاته، نذكر من بينها: جائزة الميدالية
الذهبية الأكاديمية للآداب الجميلة والنقد. هذا بالإضافة إلى
الجائزة الدولية لكاتالونا وجائزة الفونسو ـ رايز في مكسيكو.
وفي
هذا الكتاب الجديد يتحدث البروفيسور هارولد بلوم عن موضوع
طالما شغل العلماء والفلاسفة، لا وهو موضوع الحكمة.
ونلاحظ
أن المؤلف يبحث عن الحكمة في كتب القدماء والمحدثين على حد
سواء، فالحكمة ليست حكراً على طرف دون طرف آخر، وعلى عصر دون
عصر آخر.
ولذلك
فهو يبتدئ دراسة الحكمة في العهد القديم والعهد الجديد على
حد سواء. ثم ينتقل إلى البحث عنها في كتب فلاسفة اليونان وأدبائهم.
وهنا نلاحظ انه يتيم مقارنة بين هوميروس وأفلاطون.
ثم
ينتقل المؤلف إلى العصور الحديثة لكي يدرس كيف فهم الأدباء
والفلاسفة الكبار الحكمة. نذكر من بينهم سيرفانتيس وشكسبير
والمقارنة الممتعة التي أقامها المؤلف بينهما، ومعلوم أن سيرفانتيس
هو مؤلف رواية «دونكيشوت» الخالدة.
وبعدئذ
يقارن المؤلف بين الفيلسوف الفرنسي مونتيني والفيلسوف الانجليزي
فرانسيس بيكون وكيف رأى كل منهما الحكمة وبلورها. ولقد عاش
كلاهما في القرن السادس عشر وحتى بدايات السابع عشر.
ثم
يدرس أيضاً تطور كل من صموئيل جونسون وغوته للحكمة. ويقيم
المقارنة بعدئذ بين تصور الأديب الأميركي اميرسون والفيلسوف
الألماني الشهير نيتشه لمفهوم الحكمة وذلك من خلال دراسة نصوص
كل منهما. ثم يقارن بعدئذ بين تصور فرويد للحياة الحكيمة العاقلة
وتصور الروائي الفرنسي الشهير مارسيل بروست صاحب رواية »بحثاً
عن الزمن الضائع«. ويختتم المؤلف كتابه بإقامة مقارنة بين
انجيل توما والأفكار القديس أوغسطينوس أحد آباء الكنيسة الكبار.
على
هذا النحو يدرس المؤلف مفهوم الحكمة عبر العصور من خلال استعراض
نصوص هؤلاء المفكرين والكتّاب الكبار.
فيما
يخص العهد القديم نلاحظ أن المؤلف يتوقف عند سفر أيوب الذي
كتب قبل سبعة قرون من ميلاد المسيح وسفر الجامعة الذي كُتب
قبل قرنين منه.
ومعلوم
أن النبي أيوب عليه السلام أبتلي بالمصائب والمحن في حياته
أكثر من أي شخص آخر، ثم صبر عليها صبراً جميلاً، بل وشكر الله
عزّ وجلّ على النوائب التي حلَّت به. وهذا هو أعلى مواقف الحكمة.
والبعض قال بأن الغاية من سفر أيوب هو شرح لغز الألم غير العادل
الذي يصيب الإنسان أو حل مشكلة الشر. ولكن البعض الآخر قال
بأنه يعبّر عن محاولة الإنسان المحتار لتحديد موقفه من الله
العلي القدير.
وفي
كل الأحوال فقد ضرب بأيوب المثل عندما قالوا: أكبر من صبر
أيوب! بمعنى انه لا يوجد شخص قادر على الصبر مثل النبي أيوب
عليه السلام.
فالله
يمتحننا أحياناً عن طريق ابتلائنا بالمصائب، وعندئذ لا ينبغي
أن نكفر به، وإنما ينبغي أن يزداد إيماننا، ينبغي أن نشكر
الله على مصائبه مثلما نشكره على نعمه.
يضاف
إلى ذلك أن الإنسان عندما ينتصر على محنة ما ويخرج منها سالماً
فإنه يصبح أقوى مما كان عليه سابقاً، ولذلك قال أحدهم: المصيبة
التي لا تقتلني تقوّيني. وبالتالي فموقف الحكمة من الحياة
لا يتشكّل لدى الإنسان إلا إذا تغلّب على الكثير من المحن
والصعاب وخاض غمرات المشاكل والهموم.
وفي
فصل بعنوان « مديح الحكمة » يقول النبي أيوب: « وأما الحكمة
فأين توجد؟ والفطنة أين مقرها؟ لا يعرف الإنسان قيمتها، ولا
وجود لها في أرض الأحياء. القمر قال ليست فيّ، والبحر قال:
ليست عندي. لا يعطي الابريز بدلاً منها، ولا توزن الفضة ثمناً
لها. ولا يساويها الذهب الوفير، ولا الجزع الكريم ولا السفير،
ولا يقاس بها الذهب ولا الزجاج، ولا تبدّل بأواني الذهب الخالص،
لا يذكر معها المرجان ولا البلور. واستخراج الحكمة يفوق استخراج
اللآلئ. لا يقاس بها ياقوت لوش الأصفر ولا يساويها الذهب الخالص.
لكن
من أين تأتي الحكمة، والفطنة أين مقرها؟ انها محجوبة عن عيني
كل حي، ومتوارية عن طير السماء، الهاوية والموت قالا: قد بلغ
مسامعنا خبرها، الله يبصر سبلها وهو عالم بمكانها».
هكذا
نلاحظ أن الحكمة هي أغلى شيء يمكن أن يمنحه الله للإنسان بعد
الإيمان والتحلّي بمكارم الأخلاق، فالإنسان الحكيم هو الذي
يتصرف بحذر وأناة وبعد أن يدرس الموضوع جيداً، انه على عكس
الانسان المتهور الذي يتصرف بنزق وعصبية ولا ير عواقب أعماله.
والحكمة
كما يقول المؤلف لا تجنى إلا بعد المرور بالعديد من المحن
والتجارب القاسية والمريرة فالمحن تصنع الرجال كما يقال اما
الناس المنعمون المرفهون فنادراً ان يتوصلوا إلى الحكمة لأنهم
لم يعرفوا من الحياة إلا جانبها السهل والمريح.
ثم
يردف المؤلف قائلاً بما معناه: نلاحظ ان الحكمة بالنسبة للتراث
الفلسفي الممتد منذ اليونان وحتى ديكارت كانت تعني المعرفة
الكاملة: أي تلك المعرفة الناتجة عن الفلسفة والعلم ويعتبرها
افلاطون بمثابة احدى الفضائل الأربع بالإضافة إلى الشجاعة
والاعتدال والعدالة. وبالتالي فالحكمة شيء مهم جداً بالنسبة
لأفلاطون وهنيئاً لمن يتوصل إليها أو يتمتع بها.
وأما
بالنسبة الى هيغل فالحكمة هي أعلى المراتب التي يمكن أن يتوصل
إليها الإنسان فبعد ان تكتمل المعرفة ويصل التاريخ إلى قمته
تحصل الحكمة وبالتالي فالحكيم أعلى شأناً من الفيلسوف والحكمة
هي المرحلة التالية والأخيرة بعد الفلسفة إنها ذروة الذرى
وغاية الغايات وهنيئاً لمن يتوصل إلى الحكمة والرزانة.
ثم
ينتقل المؤلف إلى القرن السادس عشر أي إلى عصر شكسبير ومونتيني
ويقول عن هذا الأخير الذي يمثل واحداً من كبار حكماء فرنسا
ما معناه: لقد اشتهر مونتيني بكتاب واحد يدعى المقالات وهو
يتحدث فيه عن شتى أحداث التاريخ الماضية والحاضرة.
ويتخذ
المؤلف فيه موقفاً من المسائل الدينية والسياسية التي كانت
مطروحة في عصره والواقع ان الموضوع الأساسي لكتاب مونتيني
الشهير هو عدم رضا المؤلف عن زمنه. هذا بالإضافة إلى بلورة
تأملات عميقة عن الحياة والموت ولكن عبر كل هذه المقالات والآراء
المتفرقة فإن المؤلف يتحدث في الواقع عن شخص واحد: هو نفسه
انه هو بالذات موضوع كتابه ولا شيء آخر.
وكما
قال فلوبير: مدام بوفاري هي أنا، فإن مونتيني يستطيع أن يقول:
كتاب المقالات هو أنا، فهو يصف نفسه حتى من الناحية الجسدية.
ولكنه
يتوقف بالطبع أكثر عند سماته الفكرية والأخلاقية فهو يقول
عن نفسه مثلاً بأنه أديب ذو ذكاء بطيء ولكن نافذ وعميق، وذو
فضول معرفي أو نهم معرفي لا يشبع وهو يعتقد بأن التوصل إلى
السعادة يفترض منا أن نحمي أنفسنا من الآخرين كما ينبغي أن
نحمي أنفسنا من العواطف الهائجة والأهواء الملتهبة كالغضب
الشديد مثلاً أو كالحب الأعمى وكالتطرف في أي شيء.
ويرى
مونتيني أن الحكمة تجاه الموت تتمثل في عدم محاولة التغلب
عليها فهذا مستحيل، انما في محاولة التغلب على الخوف منه فهذا
ممكن فيما ان الموت سيجيء في كل الأحوال فلماذا نخاف منه إذن؟
وما جدوى ذلك. ينبغي أن نتقبله بكل رضى وطيبة خاطر لأنه أمر
محتوم ويرى مونتيني ان الروائيين كانوا على حق عندما قالوا:
الفلسفة تحديداً هي التدرب على الموت، هي تحضير النفس لتقبل
الموت وليست شيئاً آخر فإذا لم تساعدنا الفلسفة على هذا الموقف
الحكيم المتمثل بقبول الموت بكل شجاعة وجرأة فلا معنى لها.
وأما
السعادة الحقيقية بالنسبة لمونتيني فهي تتمثل في تحقيق التناغم
والانسجام بيننا وبين الطبيعة فالطبيعة هي أمنا الحنون، عنها
صدرنا وإليها نعود.
وفي
الختام فقد كان مونتيني حكيماً يتبع الخط الوسط المعتدل ويكره
التطرف في كل شيء، أليست هذه هي الحكمة بعينها؟ أليست خير
الأمور أوساطها؟
واما
فيما يخص الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون الذي كان معاصراً
لمونتيني فقد ولد عام 1651 ومات عام 1626 عن عمر طويل بالنسبة
لذلك الوقت وهو يعتبر أول فلاسفة الحداثة وسابقاً على ديكارت
بل واستاذه ايضاً إن لم يكن استاذ الجميع فهو أول من انتقد
منهجية أرسطو ومنطقه الشكلاني.
وبعدئذ
دعا إلى اتباع منطق آخر تجريبي، أي مستمد من التجربة العيانية
المباشرة لا من التنظيرات الصورية او الشكلانية ثم اشتهر فرانسيس
بيكون بتصنيفه الجديد للعلوم وهو يختلف عن تصنيف أرسطو ايضاً
ويعتبر بداية الحداثة العلمية والفلسفية.
ولكن
بيكون لم يكن فقط فيلسوفاً متخصصاً بدراسة العلوم الطبيعية
وإنما كان ايضاً عضواً في البرلمان الانجليزي وموظفاً كبيراً
في الدولة وهذه مرتبة نادراً ان يصل إليها الفلاسفة وبالتالي
فالحكمة التي توصل إليها ناتجة عن خبرته العملية والنظرية
في آن معاً فلم يكن فيلسوفاً متقوقعاً على نفسه في برجه العاجي
وغارقاً في تأملاته وانما كان رجلاً منخرطاً في هموم عصره
وقضاياه.
لقد
عاش فرانسيس بيكون في عصر مزقته الحروب الدينية بين أتباع
المذهب الكاثوليكي وأتباع المذهب البروتستانتي ولذلك فإنه
دعا إلى التسامح في الشئون العقائدية وعدم التطرف او التعصب
لأنه يؤدي إلى الكوارث والمجازر.
فالإنسان
الحكيم في نظره هو ذلك الذي يمارس الطقوس والشعائر باعتدال
ولا يحتد على الآخرين لأنهم يختلفون عنه في الدين او المذهب،
فجوهر الدين بالنسبة له هو طاعة الله ومحبة البشر أياً يكونون
ثم الابتعاد عن الشر والاذى بقدر الامكان، بمعنى آخر فإن فرانسيس
بيكون بلور لنا مفهوم التدين العقلاني القائم على مكارم الاخلاق
وحسن المعاملة بالدرجة الأولى وبالتالي فالمتعصبون المسيحيون
الذين كانوا يهيجون الناس على بعضهم البعض في عصره هم أبعد
الناس عن التدين الصحيح المرضي عند الله.
وهذا
يعني ان حكمة فرانسيس بيكون تمثلت في التوفيق بين الايمان
والعقل او الدين والفلسفة تماماً كما فعل لايبنتز او ديكارت
او مالبرانش فيما بعد وبهذا المعنى فهو استاذ الجميع كما قلنا.
كما انه كان استاذاً للمفكر البروتستانتي الكبير بيير بايل
الذي هاجم التعصب الديني أشد الهجوم لأنه كان سبب الحروب الأهلية
الطاحنة بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين ليس فقط في فرنسا
وانما ايضاً في جميع أنحاء أوروبا.
وأخيراً
يرى المؤلف أن جميع الثقافات العالمية من آسيوية وافريقية
وشرق أوسطية، وأوروبية كانت قد بحثت عن الحكمة وكتبت عنها.
وقد أمضى المؤلف نصف قرن من عمره في دراسة الحكمة التي تنطوي
عليها الكتابات المقدسة ثم الكتابات العلمانية التي تلتها
في أوروبا.
فالحكمة
موجودة في جميع الأديان السماوية ويكفي ان نعرف كيف نقرأ نصوصها
لكي نتوصل إليها والحكمة موجودة ايضاً في كتابات الفلاسفة
العلمانيين والعقلانيين من أمثال ديكارت وسبينوزا وجان جاك
روسو وكانط وهيغل ونيتشه وكيركيفارد.. الخ، ولكن الكثيرين
لا يعرفون كيف يقرأون النصوص بشكل جيد لاستخراجها منها.
وبالتالي
فهناك نصان يساعداننا على التوصل الى الحكمة: النص الديني
والنص الفلسفي وهذا لا يتعارض مع ذاك اذا ما عرفنا كيف نقرأ
النصوص ونفسرها ومعظم الفلاسفة الكبار توصلوا إلى التوفيق
بين النقل والعقل والدين والفلسفة او الايمان والعلم بل وحتى
الفلاسفة القدماء من امثال ارسطو وافلاطون وسقراط أعطونا دروساً
رائعة في التعقل والحكمة.
الكتاب:
أين يمكن أن نعثر على الحكمة؟
الناشر:
رايفرهيد بوكس ـ نيويورك 2004
الصفحات:
284 صفحة من القطع الكبير
Where
Shall Wisdom Be Found?
Harold
Bloom
Riverhead
Books - New york 2004