حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

سنية صالح تؤنب العالم

صدرت في سلسلة "كتاب في جريدة" مختارات شعرية للشاعرة السورية الراحلة سنية صالح. الشاعر ممدوح عدوان، اختار القصائد وقدم للشاعرة بكلمات مؤثرة، ومغرقة في العاطفية. يجنح التقديم في الغالب الى المدح ووصف شخصية الممدوح، لكن الشاعر المختلف، استطاع عبر مقدمته المؤثرة، أن يقبض على مفاصل أساسية في النتاج الشعري لسنية صالح من خلال كلماته الدقيقة والصائبة التي اختزلت تجربتها وسلطت الضوء على صوت الشاعرة الخاص. فسنية صالح، على ما يقول، "تؤنب العالم"، وهي شاعرة "متماهية مع الطبيعة".

صدور هذه المختارات بعد نحو عشرين عاماً على وفاة سنية صالح، يسمح للقصيدة (قصيدة النثر هنا) أن تتحرر في اتجاهين: من النظرية الصارمة التي سابقت قصيدة النثر أكثر مما رافقتها أولا، ومن المرجعيات القسرية التي طالما فرضها النقد والتنظير على قصيدة النثر ثانياً.

كيف تكون القراءة اذاً، بعيداً من مصطلحات التنظير الغائمة العائمة كالإيقاع الداخلي والكثافة وما شابه، وبعيداً ايضاً من مرجعيات توحي للوهلة الأولى أنها متعددة، بيد أنها لا تلبث أن تنتظم في نسق وحيد يكبل القصيدة وفضاءها؟ بمعنى أن القراءة النقدية دأبت على النظر الى القصيدة التي كتبها الرعيل الثاني من شعراء قصيدة النثر (وهو الرعيل الذي تنتمي اليه سنية صالح بخجل) كسليلة للشعر الغربي، او كسليلة لنتاج الرواد الأوائل المكرسين كونهم رواداً فقط، من دون أن ننسى أن هؤلاء الرواد اعتبروا في أحايين كثيرة، خصوصاً في البداية، طارئين على المشهد الشعري، وأن نتاجهم ليس الا سليل الشعر الغربي وترجماته.

منعت هذه القراءة النظر الى قصيدة النثر، التي تخص تحديداً كل الشعراء الذين كتبوا بعد الرواد، وظلمتهم مرتين: مرة عبر إصرارها على أنهم الرعيل الثاني المتأثر حكماً بما سبقه، وهو لا يصل الى مرتبة الأول قطعاً. ومرة ثانية حين أتت اغلبية تلك النتاجات الشعرية وبدقة، وفقاً لما فرضته النظرية الصارمة التي طالبت بالهدم والتفكك والبدء من أرض محروقة.

في إمكاننا ايضاً أن نضيف بأن الظلم طاول شعراء لم يذكروا أصلا ولم يتم تتبع نتاجهم كما في حال سنية صالح غير الموجودة في موسوعات الشعراء المكرسة مثل موسوعة الشعراء العرب المعاصرين التي أصدرتها مؤسسة البابطين، او "أعلام الأدب العربي المعاصر: سير وسير ذاتية" التي أعدها الأب اليسوعي روبرت كامبل، وصدرت في بيروت.

سنية صالح موجودة في ثلاثة كتب هي: "معجم المؤلفين السوريين في القرن العشرين" لعبد القادر عياش (دمشق، دار الفكر 1985) و"مصادر الأدب النسائي في العالم العربي الحديث" لجوزف زيدان (جدة، النادي الثقافي الأدبي، 1986) و"أديبات عربيات: سير ودراسات"، الجزء الثاني، لعيسى فتوح (دمشق، دار طلاس 2002). ونصيبها في هذه الكتب مجتمعة لا يتعدى الخمس صفحات. وهي موجودة في مقالات نادرة تناولت نتاجها، أشهرها ما كتبته خالدة سعيد عن مجموعتها الثانية "حبر الإعدام" (1970).

لتنظير قصيدة النثر فضيلة واحدة: الأجواء التي أشاعها التنظير. وهي أجواء لا فضاء يحدها، اذ نادت بالتحرر من كل شيء تحرراً غير مشروط تُرجم عملياً بتحرر لا ضابط له ويقارب الفوضى والانفلات. وكانت مقولة "الشعر فعل تحرر" رائجة كتبرير لا مجال لدحضه لكل تلك العوالم الداخلية لدى فئة واسعة من الشعراء الذين نفّسوا عما في دواخلهم شعراً. ودونما قصد ربما، نظر النقد الى نتاجات هؤلاء الشعراء من هذه الزاوية بالضبط: العوالم الداخلية. لذا راج النقد الانطباعي لقصيدة النثر، ولم يرضِ أحداً لا الناقد ولا الشاعر ولا القارئ. والسؤال: هل يمكن النظر الى عوالم سنية صالح الداخلية من دون الوقوع في براثن النظرة الانطباعية؟

من المفيد هنا التذكير بما راج في قصيدة النثر وما ابتعدت عنه سنية صالح، كي نستطيع النظر الى نتاجها بعيداً من النظرة الانطباعية إياها.

ابتعدت سنية صالح قدر الإمكان عن التكرار (كلمة او أداة نداء أو فعل في بداية الجملة، او تكرار في الموضوع) كما ابتعدت عن السرد والصور الشعرية، الغرائبية منها وغير الغرائبية. ولم تعتمد اعتماداً كلياً على تعمد خرق القواعد النحوية، او تفكيك الجملة المنطقية التقليدية، والجنوح نحو مبدأ الفوضى في التركيب. وهذه "الأدوات"، إن جاز التعبير، تسم غالبية نتاج شعراء قصيدة النثر، وقد استُثمرت خصوصاً في قصائد "العوالم الداخلية". ويعود الأمر بصورة لا لبس فيها الى التنظير الصارم لقصيدة النثر الذي طاول كل عنصر من عناصر الشعر. من الصحيح أن هذا التنظير غيّر في النظرة الى الشعر والى مفهومه، لكنه عبر تحديده مجموعة "العناصر" التي يجب الابتعاد عنها، لم يترك للشعراء متنفساً: كان المطلوب مثلاً التخلص من الأوزان الشعرية بضربة واحدة، مما أدى الى اختفاء الإيقاع. وهي نظرة خاطئة اذ تربط الوزن بالإيقاع مباشرة. وكان المطلوب الاقتراب من لغة الحياة اليومية البسيطة، مما أدى الى التطيّر من اللغة الرنانة الكلاسيكية، وهي نظرة خاطئة كذلك اذ توحي أن اللغة لغتان: رنانة وبسيطة، وأن إبدال واحدة بأخرى يرتبط فقط برغبة الشاعر وبمزاجه. أما الغموض فقد طُلب لذاته، ونُظر اليه بمعزل عن علاقته بالصور الشعرية، التي تضطلع دوماً بدورين: أولهما جمالي، على علاقة مباشرة بكل ما هو حسي. وثانيهما دلالي، يرتبط مباشرة بالمعنى. العناصر الثلاثة الآنفة أدت الى ظهور قصيدة النثر بصورتها التي نعرفها. لذا يمثل نتاج سنية صالح حالة ممتازة للنظر في نتيجة إقصاء أدوات وعناصر، او الاستعانة بها في كتابة القصيدة.

أقصت سنية الصور الشعرية والإيقاع من قصائدها، كما اعتمدت لغة بسيطة لكن متمردة وجارحة (يمكن لمن يرغب أن يرى تأثير زوجها محمد الماغوط في بعض قصائدها مثل "سرير النهر"، "أغنية زنجية"، "حرب الذاكرة"، "جرذان التاريخ"... الخ)، كما اعتمدت الغموض. وهذا الأخير يظهر بصورة جلية في "المخاطَب" الذي توجه قصائدها اليه. فمخاطَب سنية صالح غير واضح الملامح، وهو يمكن أن يكون الطبيعة مثلما يمكن أن يكون شخصاً غير محدد، على نحو يصبح تداخل الملامح بين الطبيعة والشخص باباً مشرعاً على فخ تلاشي الشعر، اذ أن الملامح الغائمة للمخاطَب تظهره ذهنياً مجرداً. هنا لا نجد أثراً لما هو حسي، رغم جنوح سنية صالح الى رصف النعوت (وهو أمر تنبهت اليه خالدة سعيد في مراجعتها النقدية لديوان "حبر الإعدام" انظر ص 193-200 "حركية الإبداع، دراسات في الأدب العربي الحديث"، دار العودة، بيروت). المخاطَب الذهني المجرد هو النتاج الأول لتضافر العناصر الثلاثة إياها، أما النتاج الثاني فيكمن في التركيز على "الأجواء" و"المناخات" الخاصة بسنية صالح. بمعنى آخر تتراجع اللغة والصور الشعرية والايقاع الى خلفية المشهد، بينما تحتل الأجواء الغامضة والتي يزيد من حدة غموضها المخاطَب المجرد المشهد برمته. أما النتيجة الملموسة للتركيز على "الاجواء" و"المخاطَب" والتي نلمسها في قصيدة سنية صالح، فتكمن في تركيز الشاعرة على صوتها، الذي هو عملياً الحل الاخير المتبقي لها كي تطبع قصائدها بشيء شخصي. هذا الصوت الشخصي الذي ظهر في البداية مغرقاً في ذاتيته، بسبب استناده الى "عوالم داخلية" تعاني من قسرية الذهني والمجرد، أصبح لاحقاً حيلتها لضخ الحسية في القصائد. وفي كلام آخر تبين تجربة سنية صالح ان الشاعر لا يستطيع وإن رغب وقصد الانطلاق من الذهني الى الحسي، بل عليه أن يعتمد الحسي والتجربة الشخصية ويتعلم الإصغاء إليهما، قبل الذهاب نحو ما هو ذهني ومجرد. وبالتركيز على هذه النقطة، يمكننا أن نتعرف أكثر الى "صوت" الشاعر كأداة او عنصر من عناصر الشعر، مثلما يمكننا ان نلمس كيفية استخدامه، وتقلبات أحواله بين "الحسي" و"المجرد"، خصوصاً لجهة تأثيره المباشر على آخره، اي "المخاطَب".

أدخل التركيز على "الصوت الشخصي" سنية صالح عالماً داخلياً، يخصها ولا يخصها وحدها في آن واحد. لذلك لم تكن جرعة الأنوثة متساوية الانتشار في متن قصائدها، مما أضفى نوعاً من التنوع على "الصوت الشخصي". فبعض القصائد تحجب الأنوثة، وتنطق بصوت ما بين منزلتين: الذكورة والأنوثة، كما في "أيها الخداع... يا جسدي":

"ألف قرن من بناء العنابر/ ودور العرض والسكن/ ولا شيء يكسر وحدتي".

او كما في "الزمن الآتي من قلبك":

"عندما يثقل الهم قلبي/ وأسير في طرقات الوطن/ أشعر كأنني أعبره من المجاري/ اتجهت صوب الريح التي تشبه المنجل/ وتضرعت إليها ألا تقطع أوصالي/ ريثما أنقض على الحياة من شاهق/ وأظل أغوص فيها حتى أعود الى رحمها".

وبعضها الآخر تتقدم فيه الأنوثة بشفافية لا ابتذال يدانيها، اذ لا يحضر جسد الأنثى وحيداً مغوياً بل يرافقه جسد الحبيب، وخلفية المشهد عالم عربي نعرفه من ضيقه ومن قمعه، كما في قصيدة "فصل الحب":

"إطوني كما تطوي أوراق الشِعر/ كما تطوي الفراشات ذكرياتها/ من أجل سفر طويل/ وارحل الى قمم البحار/ حيث يكون الحب والبكاء مقدسين/ ... الليل نشيد شجي/ وليلة المحبين غابة مسحورة/ لنشهد لليل الصمت./ وليكن ذلك عربون الجنون./ لتكن أبواب الانفلات واسعة./ فالزمان ضيق، وأضيق منه جسد المحبين".

لكن صوت سنية صالح الأكثر سطوعاً، الذي يدخلنا فعلاً إلى عالمها، هو الصوت "الحسي" إن جاز التعبير. ويظهر عملياً في قصائدها الاخيرة، حيث ترثي نفسها والموت يدانيها. نشرت هذه القصائد في ديوانها الأخير، "ذكر الورد"، الذي أثر على ما يبدو في عملية الانتقاء التي قام بها الشاعر ممدوح عدوان، فكتب في المقدمة: "لقد كانت مؤثرة حتى جعلتني أشعر أنني أمّ، وأتمنى أن أكون أماً".

هذا الصوت المؤثر، يمكننا من أن نلمس الأثر المباشر لوضوح "المخاطَب" في القصائد: فقد اتضحت ملامحه: هو تارة الموت (وهو من الموضوعات الكبرى التي شغلت الشعراء)، وطوراً ابنتها. مما أدى عملياً الى طغيان جرعة "الحسيّ" في القصائد من طريق مشاعر إنسانية خالصة، تُظهر صوت الشاعرة واضحاً مقاوماً للموت، ومتحدياً له، كما في "الموت القاطع":

"يا موت/ يا من تنتظرني على الأبواب/ حاملاً سيفه القاطع:/ اتبعني/ اتبعني/ أنا الضحية التي تقتفي أثرك".

بيد أن هذا الصوت لا يتحدى من اجل جمالية التحدي وعنفوانه، بل يستمد العزم على التحدي مما هو "حسيّ": من التشبث بالحياة. لذا تخرج سنية صالح من ذاتها أماً تتشابك بابنتها وتمتزج بها، لا تحتمي من الموت قدر ما تحمي ابنتها من آثاره، فالعلاقة بين الأم والابنة هي الأساس في مرثية النفس وهي الأساس في مواجهة الموت، تكتب في "الذاكرة الأخيرة":

"وينادي منادٍ على الموت فأتقدم/ ولكنني أخرج من ثقوبه العليا كما دخلت/ ممتلكة قصدي وغايتي/ من أجلك يا ابنتي/ لكن أوقيانوس الحرمان بيننا/ فجأة أجد قارة من غبار/ أجلس فوقها وأغني لك الحنين/ وأنا أدفع الموت/ أيتها الطفلة التي تفد الى ذراعي/ تحت مظلة من الربيع والدموع/ لكن نعاس الموت وحراسه دون هذا الاقتراب". وتتضح جرعة "الحسي" حين تلغي الأم المسافة بينها وبين ابنتها كي تحتضنها وتواسيها: "من أين تجيء المسافات/ وأنت في قلبي/ يمينك يميني ويسارك يساري".

وتزداد الجرعة تباعاً، فتمتزج الأم بابنتها، تعطيها كل ما تملك من الحب، ثم تحرر الأم ابنتها منها بالحب بما هو "حسيّ": "أيتها الذات التوأم/ يا أجنحة المحيط وزفيره المنعش/ ستحملك جزره الى المتصوفة والهائمين/ وستنقلك الى أحلام الشوق والربيع/ بينما تغافلني ريح المنعطف/ وتخطف غباري".

الأم التي أصغت الى صوتها فتحت لنا عالماً داخلياً من المشاعر الاكثر حساسية، تمزج الأصوات قبل أن تطلع بصوتها المتعدد المتفرد: أم لها والدة ولها ابنة، تكتب في "مليون امرأة هي أمك":

"عندما يقفل الزمن بابه على الجميع/ أدخل قاطرة الموتى برضى/ أمسك خيط الغياب وأجذبه/ فتأتي ذاتي الخيالية/ ذاتي التي ولدت من رحم المرايا/ بكلامها الغامض السريع/ لكن الأجساد الخائقة تفرز ما ينجبها/ وها هو باب السلام يفتح/ بين الجنة والارض/ الحياة وحدها تأخذنا/ وتعيدنا/ لقد/ بطل الموت".

بطل الموت بالنسبة الى الشاعرة "المتماهية مع الطبيعة"، من طريق لعبة الحواس، اذ تهبط الفصول الى الارض، ويصعد السكان الى السماء، في تبادل للأدوار لا ينتهي. في "الخريف" تكتب متماهية مع المطر:

"تكاثر في راحتي أيها المطر/ لألهو بك/ وأستحم/ قبل أن أفقد مرحي وظمأي/ قبل أن يبتعد ليلك عن قمري/ كلانا شريدان/ أنت منفي في سمائك/ وأنا منفية في ارضي".

"منفية في ارضها" كما كتبت، و"مشوشة بالخسارة" كما وصفت نفسها لابنتها في "تخرجين من أسوار الجسد"، سنية صالح هي الشاعرة التي ظلمها النقد وتجاهلها، متابعاً مسيرته التي تعتمد وتعترف بمن تجد لنتاجه مرجعيات وأصولاً مكرسة، سواء أكانت مخترعة أم متخيلة، مستوردة أم مصابة باستلاب ذاتي. لم ير هذا النقد نتاج سنية صالح، ولم يفطن الى ما يظهره نتاجها بوضوح من أثر التنظير الصارم في تضييق خيارات الشاعر. ببساطة لم ينظر النقد في صورته/ مرآته التي صنعها بنفسه.


سنية صالح (1935 1985)

الزمان الضيق، بيروت، المكتبة العصرية 1964.

حبر الإعدام، بيروت، دار أجيال، 1970.

قصائد، بيروت، دار العودة، 1980.

ذكر الورد، بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، 1988.

الغبار، بيروت، مؤسسة فكر للابحاث والنشر، 1982 (قصص).

فازت بجائزة جريدة "النهار" لأحسن قصيدة حديثة عام 1961.

فازت بجائزة مجلة "حواء" للقصة القصيرة عام 1964.

فازت بجائزة مجلة "الحسناء" للشعر عام 1967.

 

ديمة الشكر - ملحق النهار - 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri