
ويليام
وردزورث
قصائد
مختارة
مؤلف هذا الكتاب،
أو بالأحرى جامعه والمقدم له، هو البروفيسور ستيفن جيل أستاذ
الأدب الإنجليزي في جامعة اكسفورد. وكان قد تخرج في جامعتي
اكسفورد وادنبرة، كما انه كان عضواً في جمعية وردزورث الأدبية
التي تعنى بأعمال الشاعر الراحل. وقد نشر سابقاً كتاباً ضخماً
ومهماً بعنوان «ويليام وردزورث: قصة حياة» (1989). هذا بالاضافة
الى كتاب آخر بعنوان «وردزورث والجمهور في العصر الفيكتوري»
(1998).وفي هذا الكتاب الجديد يقدم لنا المؤلف قصائد مختارة
من شعر ويليام وردزورث، وهو يرفقها بمقدمة طويلة ومهمة تشرح
موقع هذا الشاعر الكبير على خارطة الشعر الانجليزي.
كما ويقدم
لمحة تاريخية عامة عن حياة هذا الشاعر والمراحل التي مر بها
منذ طفولته الأولى وحتى موته. منذ البداية يقول لنا بما معناه:
ولد ويليام وردزورث في واحد من أجمل اقاليم انجلترا على ضفاف
منطقة البحيرات الرائعة. ليس غريباً إذن ان يصبح فيما بعد
أكبر شاعر يتغنى بالطبيعة وجمالها الخارق لاحقاً. وكانت ولادته
عام 1770 وتلقى دروسه الأولى في المدرسة الابتدائية للقرية
وفي أحضان الطبيعة الساحرة، فالطبيعة الخلابة كما قلنا هي
استاذته الأولى.
ثم ماتت أمه
وهو في السابعة من عمره فتفرق شمل العائلة المؤلفة من ثلاثة
اخوة واخت واحدة هي دوروثي، وسوف يكون لها شأن في حياته. ثم
مات أبوه عام 1783 وهو في الثالثة عشرة من عمره، وهكذا أصبح
يتيم الأم والأب منذ نعومة أظفاره، وعندئذ أصبحت الطبيعة هي
أمه الحنون.
ثم يردف المؤلف
قائلاً: وفي السابعة عشرة دخل ويليام وردزورث الى جامعة كامبردج
ولكنه لم يهتم بالدروس الروتينية كثيراً وإنما راح يهتم بالرحلات
الى الخارج للتعرف على البلدان الأجنبية، وهكذا سافر مرتين
إلى فرنسا: الأولى عام 1790، بعد اندلاع الثورة الفرنسية مباشرة،
والثانية عامي 1791 ـ 1792، وقد تحمس كثيراً لهذه الثورة وأحبها،
فقد كان في أول الشباب مفعماً بالحماسة للأفكار الجديدة التي
تقول بالمساواة والاخاء بين جميع أفراد المجتمع.
نقول ذلك وبخاصة
انه وقع في غرام فتاة فرنسية تدعى: انيت فالون، وقد أنجبت
منه طفلة تدعى كارولين عام 1792، ثم فرقت بينهما الأيام بسبب
اندلاع الحرب بين انجلترا وفرنسا عام 1793، وعاد ويليام وردزورث
الى بلاده وانقطع عن رؤية زوجته وطفلته لمدة تسع سنوات.
وقد لامه أصدقاؤه
وأقرباؤه كثيراً على ذلك، إذ كيف يترك طفلة في عمر الورود
ويتخلى عن واجباته كأب بمثل هذه السهولة! ولكنه بعد أن انتهت
الحرب وعاد الى فرنسا لرؤية زوجته والطفلة التي تحمل اسمه،
وكانت الاشياء قد تغيرت والزوجة قد تزوجت أو أوشكت على الزواج
من رجل آخر. وعندئذ تزوج الشاعر صديقة طفولته ماري هاتشينسون
وانجب منها خمسة أطفال.
وعلى الرغم
من انها كانت خالية من الجمال أو الجاذبية إلا انها كانت حنوناً
تجاه زوجها وأطفالها، بل واشتغلت سكرتيرة لدى الشاعر وحصلت
عندئذ منافسات شديدة بين أخته دوروثي وزوجته بسبب الاهتمام
الزائد لكل منهما به. ويبدو أن اخته حلّت محل أمه وأصبحت تغار
من زوجته كما يحصل عادة بين الحماة والكنة.
ثم يضيف المؤلف
قائلاً: وبعد أن سمع وردزورث بانحراف الثورة الفرنسية ومرورها
بمرحلة ارهابية عنيفة بعد عام 1793 على يد روبسبيير وجماعته
حزن حزناً شديداً أو دخل في أزمة نفسية عميقة، فقد كان مثالياً
يعتقد بالطهر الثوري فإذا به يكتشف ان الانسان وحش وان الانسان
ذئب لأخيه الانسان كما يقول الفيلسوف توماس هوبز.
وقد ساعدته
أخته على الخروج من أزمته النفسية عندما ألحت عليه لكي يهتم
بالاشياء البسيطة في الحياة وأن يتخلى عن العقلانية الجافة
للفلاسفة وان يلقي بنفسه في أحضان الطبيعة. وقد قال عن اخته
فيما بعد: لقد أعطتني أذنين لكي أسمع بهما وعينين لكي أرى
بهما، وهكذا شفته الطبيعة من آلامه وأوجاعه الداخلية وراح
ينفجر بالشعر الحلال.
وفي ذلك الوقت
التقى بالشاعر الكبير الآخر كوليردج الذي ساعده على تجاوز
محنته النفسية وتجديد أساليبه الشعرية والفكرية. وحصل تعاون
مثمر بين الرجلين أدى فيما بعد الى كتابة أول مانيفست للشعر
الرومانطيقي في انجلترا تحت عنوان «موشحات غنائية» (1798)،
وكان عمر وردزورث آنذاك ثمانية وعشرين عاماً.
وبعد أن سافر
إلى أحد الاقاليم الانجليزية مع كوليردج حيث أتيح له تعميق
نظرياته الشعرية من خلال الحوار مع شاعر كبير مثله سافر إلى
ألمانيا مع اخته دوروثي عام 1799، ثم عاد بعدئذ لكي يستقر
في وادي طفولته على ضفاف البحيرات. ولم يبرحه حتى مات، ولكنه
قام بعدة رحلات قصيرة اثناء ذلك الى فرنسا حيث التقى بابنته
كارولين بعد غياب طويل وكانت قد تزوجت واصبحت أماً.
واخيراً يرى
المؤلف ان وردزورث لم يكن شاعراً فقط، وانما كان يحمل فلسفة
ايضاً في شعره. وهي فلسفة الطبيعة أو التصوف في احضان الطبيعة،
فنحن كبشر ليس أمامنا إلا ان نتوافق في احاسيسنا ومشاعرنا
مع مناظر العالم الخارجي، نحن جزء من الطبيعة، منها أتينا،
واليها نعود في نهاية المطاف.
وهو بذلك يشبه
فلسفة جان جاك روسو التي كانت تمجد الطبيعة وتدعو للعودة اليها
باعتبار انها تتطابق مع البراءة والحقيقة. ولكن هل كان شعر
وردزورث سيكون كبيراً وعظيماً الى هذا الحد لولا ان الطبيعة
في منطقته كانت من أجمل ما يكون؟ ومن عرف الريف الإنجليزي
باخضراره الساحر هل يمكن له ان ينساه؟
يقول الشاعر
الفرنسي المعاصر جاك ريدا عن كبير الرومانطيقيين الانجليز
ما معناه: من بين كل الشعراء الكبار الذين انجبتهم انجلترا
كان ويليام وردزورث هو دائماً المفضل بالنسبة لي. وربما كنت
قد رأيت في أعماله ذلك النوع من الشعر الذي كنت اطمح الى تحقيقه
ولكن عبثاً. فالبيت الشعري عنده ينسجم مع العواطف الداخلية
بشكل متناسق ومتناغم الى أقصى الحدود.
لا يوجد فرق
لدي بين التعبير اللغوي والشيء الذي يعبر عنه. هذا بالاضافة
الى تطابق الحقيقة لديه مع الطبيعة. ولا ينبغي ان ننسى غنائية
العاطفية التي لا تضاهى. وهي غنائية تصل الى حد ملامسة الأعماق
الميتافيزيقية.
في عام 1800
كتب وردزورث مقدمة مهمة لمجموعته الشعرية التي نشرها مع صديقه
كوليردج والتي كانت بمثابة المانيفست للشعر الانجليزي في انجلترا
كما قلنا. وفيما يقول هذه العبارات التي تلفت الانتباه: العديد
من اصدقائي يتمنون فعلاً نجاح هذه القصائد لانها تؤدي بالضرورة
الى ولادة نوع جديد من الشعر، نوع قادر على التأثير العاطفي
على البشرية وتحسين مبادئها الاخلاقية.
هكذا، نلاحظ
ان وردزورث كأنه يعلق على الشعر امالاً تتجاوز الشعر بالمعنى
الحرفي للكلمة، كان يعتقد ان تجديده يؤدي الى تجدد البشرية
أو انبعاثها بشكل افضل. ولهذا السبب فإنه خلق لغة شعرية جديدة
في انجلترا.
وكان يهدف
ايضاً الى خلق انسان جديد غير الانسان التقليدي السائد.
وهذا يعني
ان للشعر رسالة تتجاوزه. ولذا فلا يمكن القول بأن وردزورث
هو من اتباع مذهب الفن للفن، وانما مذهب الفن للحياة.
هذا لا يعني
بالطبع انه كان من اتباع الشعر الوعظي التعليمي المملّ. لا.
ابداً.
فهو كفنان
كان يعرف ان القصيدة لا يمكن ان تؤثر على الآخرين إلا اذا
كانت ناجحة فنياً. ولكنه كان يعتقد ان القصيدة الناجحة هي
حظ للبشرية وسوف تدفعها خطوة جديدة الى الامام. من هنا ربطه
بين الشعر والفلسفة. فلا يوجد شعر عظيم إلا اذا كان يحمل في
اعماقه وبشكل ضمني، خفي، غير مباشر فلسفة عظيمة، بالطبع هناك
شعراء غنائيون جيدون بدون فلسفة عميقة، ولكن العمق الفلسفي
يخلع على الشعر أهمية أكبر.
يقول كوليردج
في مذكراته عن وردزورث وعلاقته به: اثناء السنة الأولى للقائنا
وعيشنا المشترك بجوار بعضنا البعض في المنطقة نفسها كانت لي
احاديث طويلة مع ويليام وردزورث. وكنا دائماً نعود الى النقطة
نفسها وهي انه ينبغي على الشعر ان يوقظ القاريء ويهزه عن طريق
اخلاصه للحقيقة الطبيعية، للبراءة الاصلية. فالشعر الكاذب
أو المفتعل لا يمكن ان يؤثر في القاريء او يصل اليه.
وهناك نقطة
ثانية كنا نركز عليها وهي: انه ينبغي على الشاعر ان يقدم للقاريء
صورة جديدة عن الشعر، ان يقنعه بضرورة تجديد اللغة الشعرية
عن طريق الألوان الباهرة للخيال.. فتناوب الانوار والظلال
ينبغي ان ينعكس في القصيدة، وكذلك ضوء القمر أو غروب الشمس
عندما ينعكس على المناظر المألوفة والتلال.
اذا ما استطاع
الشاعر ان يعبر عن كل ذلك بشكل ناجح فإنه سيصل الى قلب القاريء
حتماً ويؤثر عليه. والواقع ان كلا الشاعرين كان يريد ان يحقق
المصالحة بين القيمة الوجودية للحدس الشعري وبين القيمة الموضوعية
أو العقلانية للواقع الخارجي. والآن لنقرأ بعض قصائد ويليام
وردزورث:
الى فراشة
لا تطيري!
إبقي هنا، فقط قليلاً، لكي أراك!، أرى فيك الكثير من الجوهر،
يا مؤرخة طفولتي!، طيري حواليّ، إبقي قليلاً!، ايتها المخلوقة
الملائكية: بفضلك تعود الايام المنصرمة، الى قلبي، ايها الكنز
الرصين، تعود لي صورة أبي، سعيدة «هي الايام، سعيدة» هي الازمان،
أزمان الطفولة الشقية التي ضاعت، وذهبت.
حيث كنت أنا
وأختي نقوم بمطاردة الفراشات الجميلة! وكالصياد الحقيقي كنت
انبطح على فريستي من بستان، الى بستان. ولكنها، وليحرسها الله!
كانت تخشى ان تفقد عطر اجنحتها.
كيف نقرأ هذه
القصيدة؟
إنها واضحة
وليست بحاجة الى شرح.
انها نموذج
على الشعر الرومانطيقي العالي المستوى، فالفراشة التي يراها
الشاعر بعد ان كبر هي الفراشة نفسها التي كان يراها في طفولته
عندما كان يطاردها لكي يمسك بها كما نفعل نحن جميعاً. ولكن
هذه المرة تبدو حنونة اكثر. أو قل يبدو الشاعر حنوناً عليها
اكثر لانها تذكره بفترة الطفولة الذهبية التي مضت وانقضت.
لقد اصبحت
الفراشة مؤرخة طفولته: اي الكائن الوحيد الذي يشهد عليها ويعرف
كل ما حصل فيها. انها تذكره بوالده الذي مات وهو في عز الشباب..
في ذلك الزمان كان ويليام الصغير لايزال يلاحق الفراشات. ما
كان يعرف بعد مرارة الحياة. كان لايزال بريئاً كالفراشات.
الى فراشة،
مرة اخرى
أراقبك منذ
ساعة كاملة، بعد ان حطيت على هذه الزهرة الصفراء، أيتها الفراشة
الصغيرة، بدون ان نعرف، فيما اذا كنت قد حطيت لكي تنامي أو
تشربي، يا له من جمود يشبه الدهر! ربما كانت وقفتك اكثر جموداً
من البحيرة في عز الشتاء! يا لها من فرحة، عندما تلتقي بك
الريح، تنتظرك ثم تدفع بك الى الامام!،
كل شيء لنا،
هذه الروضة الوديعة، اشجاري، وازهار اختي، لكي يكون هنا معبدك
ايتها الفراشة الصغيرة، تعالي غالباً عندما تشائين، حطي هنا
دون خوف، على الغصن بالقرب منا! لنتحدث معاً عن الشمس، عن
الشكاوي، عن ايام طفولتنا الحلوة، عن ايام الصيف الخوالي التي
كانت اعظم من ثلاثة اسابيع حالياً.
على هذه النحو
كان يكتب ويليام وردزورث الشعر بكل بساطة وبدون اي تعقيد.
كان يتفاعل مع اشياء الطبيعة وكأنها كائنات انسانية مثلنا
تشعر وتحس وتتألم. أو قل كان يعكس عليها مشاعره الدفينة ولواعجه
الداخلية علها تشفيه وتداويه، اقصد تداوي جراحات الغائرة.
تأليف: ستيفن
جيل
الكتاب: ويليام
وردزورث
قصائد مختارة
الناشر: بنغوين
بوكس ـ لندن 2004
الصفحات: 314
صفحة من القطع المتوسط
william wordsworth
selected poems
stephen gill
penguin books - london 2004