حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

“شجرة تشبه حطاباً” لعباس بيضون

الجـــســـد غــــــيـر الـمــســــطَّــر

منذ العنوان يُقرّ عباس بيضون في كتابه الجديد شجرة تشبه حطّاباً ، الصادر حديثاً عن دار الآداب ، بجواز تشبّه المادة بصانعها، إذا كان للحطّاب صفة الصانع شعرياً، وربما بإمكان تبادل الأدوار بينهما. لا يعني كلامنا هذا إعفاء الشعر من قاعدة كهذه، في معنى أنْ للشعر الحقّ في أن يكون شجرة، وللشاعر الحقّ في أن يكون حطّاباً.

لا أحد في بيت السيكلوب. حين علمت بانتحار زاد خطر لي أن أمثاله يتحوّلون إلى سيكلوبات، إذ العين الوحيدة وسط الرأس هي مثلّث المنتحرين. قرن الكركدن الوحيد شعار موته ، بجملة كهذه مبتداها النفي، وقوامها الواحد ، تتشكّل لازمة القصيدة التي يبدو تكرارها، أي تكرار اللازمة، من باب الصدى، أكثر منه باب العودة. يحاول عباس بيضون طوال الوقت، في هذه القصيدة، وهي قصيدة الكتاب الكبرى لا أحد في بيت السيكلوب ، إعادة ترتيب الحكاية، أو البحث عن بداية لائقة لانتحار زاد، لكنها ليست البداية التي تفتتح، وإنما البداية الناجزة أو النهائية، البداية المكتفية بذاتها، والطامحة إلى مصادرة الذي يليها. فلنقل إن عباس بيضون صنع أكثر من بداية لأكثر من حادثة: لن تكون متاهة البدايات هي الطريق الوحيدة لA لوصول، ولكن الشاعر أيضاً يفترض أن قيام الصلة بين التابوت والجوارير المقلوبة ممكن من خلال تشبيهها بالقارب، إنه القارب العائد من الأبدية محمّلاً بالدمى المرفوضة. مثلما يكون قطع الصلة بين الموت كوباء والحياة كورشة بتحوّل البقع إلى أَثَر نظاميّ. لا أظن أن وجود الموت وحده كفيل جعل القصيدة مرثاة. موت زاد شابه حياته التي تزول بقعاً ، في معنى أن الحياة تصلح أن تكون مادّة للمداواة، وفي معنى إمكان نقلها كـ زجاجات في صندوق ، على مثال ما يكون حفظ الجنون كالملح، والغضب والغيرة بالتجفيف.

من أجل ذلك، ربما، لا يجد الشاعر حرجاً في استنفار أسئلة، في الغالب عنيفة، حول الماهيّة الفيزيوشِعريّة، إذا جاز التعبير، للجسد: هل هو حبّة اليورانيوم، الشوكة المشعّة وما حولها ليس سوى القيء والشيخوخة، الكتلة الليفية التي تخنقها دائماً قنوات غليظة تحمل كلّ تلك الأقذار إلى الداخل. هل هو دملة ضخمة أم إسفنجة ملوّثة. كلّ ذلك الطحين الذي يملأ العظام، الهلام الذي يملأ الرأس، كلّ ذلك الهواء. الصحيح أن قصيدة بيضون لا تقيم خارج الجسد، بالأحرى لا تستقيم من دونه. ولا يخفى ازدحام أعضاء الجسد في معظم أشعاره، هذا الازدحام العضويّ هو الذي يجعل من الجسد، في قصيدته، جسداً غير مسطّر، على مثال ما وصف به الشاعرُ الجلدَ في إحدى قصائد الكتاب.

مُكلفٌ الافتراض أن الشاعر لا يقيم اعتباراً للغة خارج جسدها، مثلما تكون عليه الحال عندما نتصوّر الجسد لغة. فالجليد جملة ثلجية هائلة ، مثلما الجبال جملة صخرية كبيرة : إنها اللغة عندما تكون ابنة جسدها، وعندما تبدو خارجة من رحمه.

يروق لي الظنّ أن الشاعر لا يقول المعنى إلا في مقدار لغويّ: ليس التلازم هو الضروري هنا، ولكنه الألم، هذا الذي (لمَنْ قرأوا مجمل أعمال الشاعر) كاد أن يكون أهمّ إنجازات الجسد، ووظائفه.

لا يأتي الألم في قصيدة بيضون موجزاً أو مُختزَلاً، ولكن مديداً على مثال ما يكون الحبّ في قصيدة الغزل، درجة تربّعه عنوان أبرز دواوين بيضون، أي ديوان نقد الألم ، ولن يكون نافلاً الوقوف عند معنى الربط بين ضخامة الجسد من جهة، وعَوَز اللغة من جهة أخرى: الضخام لا يتكلّمون لأنّ الكلام صغير على أصواتهم ولا يتوصّلون إليه إلا بألم بالغ.

أحسب أننا في كلام كهذا لا نبتغي أكثر من اختراع عُذر شعريّ، ولكننا، في حضرة تلك الأعذار، لا نتردد في إبداء الدهشة لدى عقد المقاربة بين الجسد وسواه، بل وبين الجسد ونقيضه، ولكنها، إذا ما صحّ زعمنا، مقاربة لا تتوخّى تكريم الجسد قدر حَشْره: قال الزوايا لا تزهر لنجمع الجسد مع الحائط مع قوس السقف في زاوية/ لنُفْرغ الحائط والجسد من الأعشاش والعيون النادمة. هكذا ستكون أعشاش الحائط مقابلاً شِعريّاً لعيون الجسد النادمة. ولأن اللغة ابنة جسدها لا يتوانى الشاعر عن التنكيل بها: تجرح لسانك إذ تجده متورّماً ولا تعرف ما هي الشوكة وما هي الكلمة، مع أنك عذّبت اللغة في حمّام ولم تصرخ، دغدغت اللغة على ركبتيك حتى غشيتْ ولم تضحك ، ليس الصراخ والضحك صنيعَيْ اللغة، وإن كانا من طباعها، ولذلك لن يكون تعذيب اللغة في منتهاه صراخاً، مثلما لن تكون دغدغتها ضحكاً: هذا التمايز في جسد اللغة لا يحول دون إمكان مطاردتها، وإمكان تعبها وخوارها: إنها تتنكّر عن غير قصد وإذا أمكن لخطأ نحويّ أن يقتل فإن ذلك بالتأكيد من فرط السخرية وبلا جريمة. لذلك يمكن الكلام أن يكون مصاباً، ويمكن للمرض أن يكون أجراساً تتردّد كالعدوى ، ويمكن الكلمة أن تمرض وتبيض، لكن الجسد في النهاية يبتلع ندوبه غير المؤرّخة.

لا مفرّ من الحديث عن قسوة ما قاربت أن تكون إحدى السمات الأصلية في شعر بيضون. فثمّة حضور محقون ، وشبه مستمرّ، للأدوات الحادّة، ولأفعالها التي تبعث على الألم: ماذا نفعل إذاً. هل نصل بشفرة إلى الجسد الحيّ. هل علينا أن نشقّ كلّ هذا الليف حول قلوبنا، كلّ هذا الهلام الذي يغلّفنا، كلّ هذا التهريج الجسدي. هذا التهريج بالضبط، والذي يدمغ به بيضون الجسدَ، يخترع حركاته في مشهد النقر على فقرات الظهر والقفص الصدري، أو استعمال حبّة العين في نَصْب الجرح عوض استعمالها في صنع المقلاع، أو خروج القلوب ملساء من فرط الحبّ، والأجساد من فرط اللذّة. حتّى في الابتعاد عن الجسد تستطيع الذكريات أن تكون مناشف، ويجوز قصّ العاصفة أو خنقها.

أشبه ما يكون باللحظة المُكَبَّرة التي تنفجر، ولكن تُصيب، يبدو الشعر في هذا العمل. استنطاقاً للغة بيضون نفسه، الشعر لديه أقرب إلى أن يكون تهيّوءاً، تماماً كالمطر الذي في وسعه حيازة مثل تلك التهيّوءات، والتي هي في الواقع حقيقيّة قدر ما هي متخيَّلة: هذه تهيّوءات المطر بالطبع/ زهرة مقصوفة في إناء ولم يبق أثر/ لذلك الاسم الذي بدا واضحاً كطُعْم أو/ دَقّة قلب.

في هذا الكتاب، الذي يصف فيه بيضون الجوارير بالمطرودة، ورصاصة الانتحار بدودة في الرأس، والمأساة بالعمياء، ويتحدّث عن وجود صفر حقيقيّ، ويفطن إلى أن ابتسامة الفأس هي ابتسامة نصفية، وإلى أنّ القلق مطّاطيّ، وأنّ الجبال تُغزى براية صغيرة، أقول في هذا الكتاب نجد الابتكار حالة شعرية، ومذهباً في الكتابة، ولغة غير مؤمَّن عليها.

هو كتاب لا نجازف إذا قلنا إنه ليس جديداً في تجربة عباس بيضون فحسب، بل وفي تجربة القصيدة العربية الحديثة، في المعنى الذي يحميه من أن يصُبّ في آخَر، وفي المعنى الذي يجعل منه سابقاً لما سيتمّ إنجازه في ما بعد. لا تتحسّس جبينكَ، الخطر في أصابعك ، يقول عباس بيضون في الصفحة27، ليكمل هذه الجملة، بعد سبعين صفحة، بالقول: الكلمة التي تَفْتح حقيقة ستتكرر كفقرات ظهرك ولن تعرف كيف تخرج منها.

 

ماهر شرف الدين - ملحق النهار


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri