حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

((القبلة))

حب لا شفاء منه

ليست الترجمة الجيدة فحسب، ما يبذله لنا الروائي والقاص الياس فركوح في إصداره الجديد <<القبلة>> عن <<دار ازمنة>> بل هي الاختيارات القصصية الرائعة، والانتقاءات التي يمكّنها للقارئ بالعربية، لكبار المبدعين الأجانب، منها قصص خمس قصيرة لأحد اهم شعراء جيله، القاص الاميركي ديلان توماس (19531914) الذي قضى باكراً، ولم يكن تجاوز التاسعة والثلاثين من عمره. في اختيارات الترجمة لفركوح أيضا، هناك قصتان للشاعر والقاص الاميركي ريموند كارفر، (19881938) وقصة واحدة للجنوب افريقية نادين غورديمير الحائزة جائزة نوبل، بالاضافة الى قصة لأنجيلا كارتر (19921940) واخرى لأناييس نن المعتبرة جزئيا من اصل اسباني وتنحدر من سلالة كوبية وفرنسية ودنماركية (19771903) واخيراً قصتان واحدة للايرلندي برنارد ماك لافرتي، ويعتبر من الجيل الجديدة، وثانية للألماني هانز بيندر.

لعل قصة <<القبلة>> لأنجيلا كارتر، وهي في الوقت نفسه عنوان المجموعة القصصية المترجمة بين ايدينا، ليست الأهم بين القصص للقاصين الباقين. غير انها تبقى الاكثر دلالة في ابرازها الجانب الإنساني في معاناة البشر الذين يحلمون بالبناء، والذين يجعلون من <<اليوتوبيا>> جزءاً من عيشهم وسعيهم. تحكي القصة سيرة امرأة تعيش في سمرقند، حيث وعدت الثورة أهل المدينة الاوزبكيين البسطاء، بالرخاء والسعادة والوفرة، فيما تكشفت هذه الوعود على عادتها، عن خياليتها، ليخيّم الحزن على المدينة، والفقر ومن ثم التجهم على الوجوه، الامر الذي تتناوله القاصة انجيلا كارتر بالوصف المسهب فتعرض إلى فقرهم والى شكل مدينتهم وألوانها، كذلك الى ثيابهم المهلهلة والتقطيبة البادية في ملامحهم، ايضاً جوعهم ورائحة اسواقهم العفنة.

نساء الأوزبك
ثمة في القصة ايضا، زوجة تيمورلنك التي شرعت ببناء جامع يكون مفاجأة لزوجها حين يعود من خوض الحروب، فنرى الى تلك الحيلة الذكية التي اعتمدتها هذه الزوجة للتملص من إغواء مهندس الجامع، في رغبة البقاء على طهارتها ووفائها لزوجها، شأن الاوزبكيات بنات جلدتها، اللواتي تظهرهن القاصة صامدات في وجه الفقر، عفيفات وباقيات على مهنة بيع الزنابق، دون اية مهنة اخرى ملتبسة، وإن كانت تدرّ مالاً.

في اغلب القصص لمجموعة <<القبلة>> نلمح السرد الشاعري الطاغي على بعضها من كون كاتبيها شعراء في المقام الاول. في القصة الوحيدة لريمون كارفر <<مهارات شائعة>> نقع على اكثرها قصراً وحداثة في آن، حين يروي لنا كارفر قصة خلاف <<عصري>> بين رجل وزوجته غادر الحب مشاعرهما ليحل مكانه الحقد والكره. يقع طفلهما صريع خلافاتهما حين يتجاذبانه كل الى امتلاكه لنفسه، ليصل الامر الى درجة تمزيقه جسدياً جراء التجاذب، ونتيجة لطغيان غضبهما وحلول الكره في علاقتهما.
يبقى ان عالم القصص، او السمة المشتركة بينها، ليس عالم اليأس الذي لا مخرج له. فلكل قصة رجاؤها والامل الذي يلمع فيها. امل هشّ غير انه واعد كما عند ديلان توماس، وهو عند نادين غورديمير امل فقط، امل إنسان، ولا رابطة بين هذا الامل وفضيلة الرجاء اللاهوتية.

في قصة غورديمير <<إجلال>> هناك السرد على النحو ذاته الذي كتبت فيه القاصة طويلاً، ويتمظهر في محاولتها الكشف وإلقاء الضوء على الانعكاس النفسي على الناس لحالة الفصل العنصري في المجتمعات الجنوب أفريقية. فيها ايضا ذلك الغوص العميق في بسيكولوجية الجنون والاضطهاد الجنسي والروحي الخاصين بمستعمري تلك البلاد، والليبرالية الضحلة والسطحية لمواطنيها البيض اصحاب الامتيازات.

الالماني هانز بيندر في قصته <<القربان المقدس>> وهي مأخوذة من مجموعته القصصية <<مدير البريد>> يحاول رسم حالة ألمانية نموذجية إبان الفترة التي تلت الحرب العالمية مباشرة، والتي اتسمت بزوال الوهم لدى الالمان مع سقوط رموزهم المخادعة، وفقدان الامل عند المشردين والمهاجرين حتى ليبدو المستقبل في هذه القصة، نائيا، ويحمل قسطا ضئيلا من الرجاء للفرد الالماني.

الرجاء
كما هو الأمر لدى هؤلاء الكتّاب الحقيقيين الذين ترجم إبداعاتهم بحساسيته الفائقة والمعروفة القاص والكاتب الياس فركوح، تنعقد اعمالهم الفنية الإبداعية اذن، عند نقاط من الألم اللذيذ، والرجاء، والخيبة الذاهلة، حيث تنضوي قصصهم بشكل عام في حساسية وعي متميز، فيستحيل عليك بالتالي، ان تقرأ نتاجهم وتستوعبه، من دون ان ينشط حسّك النقدي الاجتماعي، وملكة التحليل النفسي في آن. اذ ربما ندرك لدى القراءة ايضا سبب عجز هؤلاء الكتّاب عن التفلت احيانا من الوحدة الخانقة والمدمرة التي تسم حياة كل منهم، هم الكليّي الاقتناع بأن بعض القيم المعالجة في قصصهم لن تتحقق وتعاش، إلا بعد معركة طويلة ومضنية تستدعي تضافر حواسهم المبدعة وجهودهم المتميزة.

بهذه المشاعر بالوحدة القاسية، التي تنتاب ابطالهم كافة على اختلاف القصص والازمنة والنبرات ومناهج الكتابة، يحوم هاجس شبح الموت الذي يترصد الناس الشرفاء والحقيقيين ويتهددهم، وغالبا يبتلعهم. وسواء القصص ذات الطابع الكلاسيكي بثقافتها العميقة وذكائها المكتنه ثقافة العالم وادراكها المعرفي، او تلك التي يغلب عليها الطابع الحداثي والحساسية الفجة وموت المشاعر العميقة والجوهرية، فالقصص بأغلبها يهيمن عليها حزن لا شفاء منه، هو في أساس تكوينها، وفي قلب المفهوم الذي يرى في انتصار الشرّ على الخير.

 

ترجمة إلياس فركوح لمجموعة من القصص

الكتاب: <<القبلة>>.
الكاتب: مجموعة من الأدباء.
الناشر: <<دار أزمنة>> للنشر والتوزيع.
المترجم: إلباس فركوح.

عناية جابر - السفير


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri