حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

النخبة والأيديولوجيا والحداثة

لم يخفت صدى الكلام على ثلاثية (النخبة والأيديولوجيا والحداثة) منذ التأسيسات التاريخية الأولى للحداثة الغربية. غير أن تناول هذا المثلث المفاهيمي من جانب المفكر العربي، كثيراً ما أدّى إلى لَبس فوق لَبس. وذلك بسبب من تغييب المساحات الطفيفة والدقيقة بين المنشأ الخاص للمفهوم وتعميمه على فضاءات هي في الغالب غريبة عنه. سوى أننا مع الباحث العراقي الدكتور سعيد شبار سنمضي في رحلة شاقة من التفسير والتأويل والاجتهاد حول تلك الثلاثية آنفة الذكر. وهو باحث مهتم بالقضايا ذات البعد الفلسفي الديني وله في ذلك العلمانية العربية، ومفهوم النخبة ودور الوسيط، والحداثة في التداول الثقافي العربي الإسلامي. لا يخفى أن الخطاب العربي الآن حافل بالمفاهيم والمصطلحات السيارة.

مصطلحات ومفاهيم تنتمي إلى حقول مختلفة، وتستمد من مرجعيات مختلفة، منها الذاتي «الأصيل» ومنها الأجنبي «الدخيل»، ومنها ما هو أصيل طرأ عليه الدخل وما هو دخيل شابه بعض التأصيل. إلى هذا فالناظر إلى استعمالات المفاهيم والمصطلحات وتداولها في الفكر العربي المعاصر، لا يلبث يقف على فوضى في هذا الاستعمال والتداول. لا سيما إذا تعلق الأمر بانتماءات مرجعية ومذهبية مختلفة ومتناقضة،

حيث تتسع دلالات تلك المصطلحات والمفاهيم من حد النصرة والتأييد إلى حد المعارضة والرفض. أي أنها تنتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار من غير ضابط مرجعي أو منهجي، وتوظف توظيفات نفعية أكثر منها علمية. يظهر ذلك من خلال المعاينات المتعلقة بالسجالات المديدة التي شهدها النقاش في بلادنا على مدى نصف القرن المنصرم.

وهذا واضح أيضاً وخصوصاً منذ الحقبة الاستعمارية الغربية المتأخرة لبلدان العالم الإسلامي ومد قنوات التواصل الثقافي والسياسي والحضاري والإعلامي... حيث تعلق الأمر بمصطلحات ومفاهيم تنتمي إلى السيرورة التاريخية الغربية أو الإسلامية.

لذا، يبدو أنه لا مناص للمشتغل في هذا الحقل ـ اشتغالاً علمياً ـ من خوض غمار القضية على جبهتين من جبهات العمل، وخصوصاً إذا تعلق الأمر بنقد أو إعادة بناء وتأسيس بعض المفاهيم، أو برصد أشكال وأنماط من التداول والاستعمال، ودرجات من التأثير والتأثر، والسلبية والإيجابية في الفكر والواقع.

الجبهة الأولى التي يفصح عنها المؤلف، وهي زمن الاستقواء المعرفي والتقني الغربي. ذلك أن الغرب الذي لا يكف عن قذفنا في كل طور من أطوار «نموه» وفي كل مغامرة من مغامراته «التجريبية» بوابل من «الدمغات والأختام الجاهزة» المشبعة بكامل حمولة المركزية الغربية، في سياستها التوسعية الاستعمارية، وفي نماذجها الحضارية والمعرفية، وفي سلعها وصورها النمطية الاستهلاكية... وفي كل شيء يحافظ على «الأنا» الغربية في موقع الصدارة والزعامة وعلى «الآخر» في المحيط والهامش.

ويمضي المؤلف ليلاحظ أن هذا الزحف الاصطلاحي المفاهيمي القادم من الغرب لا يجد أمامه للأسف «جمارك معرفية» تخضعه للسؤال، وتحدد درجة النفع والضرر فيه، وكيفيات استيعابه ودمجه وتكييفه وجعله مساهماً في البناء لا في الإلحاق. المؤسسات والمجموعات والمعارف اللغوية الصغيرة المتناثرة هنا وهناك في العالم العربي الإسلامي، والتي تحاول أن تضطلع بمهام الترجمة والتعريب، أن تفلح في ذلك أمام القوة الجارفة للطوفان الغربي المدعوم بقوة السلاح والمال والإعلام.

ويكفي أن نذكر من مخاطر السياحة الحرة التي تقوم بها بعض المفاهيم والمصطلحات الغربية في مجالنا الثقافي، أمام ضعف البناء الذاتي وكونه لا يزال يعيش حالة الانهيار والانبهار، وعلى الرغم من هامش الصحو المحدود، أما هذه المخاطر فيوجزها المؤلف على النحو التالي:

ـ إنها تفتح على مداخل ومقومات قوية للاستتباع والإلحاق، لكونها مؤثرة لا متأثرة وفاعلة لا منفعلة. وهي عوامل تدغدغ المشاعر والعقول من خلال نماذجها الساحرة المختلفة.

ـ إنها تمارس التشكيك في كل إمكان للإقلاع الذاتي وذلك بهجومها القوي على الماضي، وإفراغها للعلوم والمعارف من محتواها العملي وإمكانات الانبثاق الحضاري فيها، وجعلها تاريخية صورية نمطية سكونية تتعاقب عليها أجيال الأمة استهلاكاً وتكراراً لا استئنافاً وتجديداً مواكباً.

ـ إنها تؤسس من خلال إسقاط معاركها التاريخية، لأشكال من التناقض والتقابل بين كثير من المفاهيم ـ «الثنائيات» ـ وبالتالي تدويم الصراع بين المكونات الفكرية المحلية المتحيزة لهذا المفهوم أو ذاك، ما يجعل أمر البناء والتأسيس من خلال جبهة موحدة من الأمور المؤجلة دائماً إن لم تكن مستحيلة.

ـ إنها تضرب الخصوصية الثقافية والحضارية تحت وهم الكونية والعولمة التي لا تعكس في الحقيقة إلا الهيمنة والتفرد والاستبداد الذي تمارسه الخصوصية الغربية على غيرها لتقوية مركزها ونفوذها.

أما الجبهة الثانية التي يرى إليها المؤلف على أنها تشكل منطلق النخب لخوض تعقيداتها، فهي جبهة الذات في تاريخها الماضي. حيث تخلفت أجنة المفاهيم وحيث طرأ عليها التقييد والتضييق واللبس، وفي واقعها الراهن حيث تجد نفسها عاجزة عن الفعل والعطاء والدفع والتدافع، لما تحمل من أثقال الماضي ومن تحريفات الحاضر.

هذا علماً بأن أصل الإخراج لكيان الأمة وبناء مجدها وحضارتها لا يزال كامناً فيها من دون نبض يذكر: رسالة الختم بأصولها المنفتحة المستوعبة التي تلتقط الزمان والمكان لخاصية الخلود فيها، والتي تخاطب الإنسان، كل إنسان، لخاصية العالمية والكونية فيها. ثم يشير المؤلف إلى قضية هي من أعقد القضايا المطروحة في دائرة السجال الفكري، وهي تلك المتعلقة بالإشكال الحضاري يقول: «إن حضارة خرجت من رحم الوحي ابتداء، وضع أسسها ومعالمها، وحدد الوجهة والقبلة فيها،

فأثمرت في تاريخ البشرية عالمية تجسدت فيها قيم العدل والشورى والحرية والتكافل والاندماج بين مختلف الخصوصيات الحضارية للشعوب في المنظومة التوحيدية، بإمكانها أن تخرج من رحم الوحي ذاته إذا ما استطاعت أن تتحرر من قيود التاريخ التي حجرت على العقل المسلم وحاولت دون أن يستأنف السير الحضاري، فأصابته بداء الجمود والتقليد قيدت كثيراً من المعاني والدلالات وضيقتها بالشكل الذي حول الرسالة، أو كاد، من كونها إنسانية عالمية، إلى عربية محلية. لقد أصبحت مجموعة من المفاهيم والمصطلحات التي صاغت وتصوغ ثقافتنا معرفة بالتاريخ لا بالوحي، وحدودها مدرسية مذهبية تعليمية أكثر منها تشريعية كلية، حيث انحصرت الدلالات الشرعية وانتشرت الدلالات التاريخية.

ولا شك أن إعادة الوصل والبناء المعرفي في شموليته وتكامليته لمداخل الثقافة والفكر والعلم والفقه والحضارة... في الأمة بأصلها المؤسس مع الحضور في التاريخ الراهن لا الاغتراب في الزمن الماضي، أي مع التحقق بشرط المعاصرة والراهنية، إنما هو الكفيل بوضع الأمة في مسارها الصحيح لتدشين مسلسل التغيير والإصلاح العميق والمؤثر في غيره، وبالتالي الانخراط الإيجابي من موقعها كذات في التدافع الحضاري ترشيداً وتصويباً وتسديداً بحسب مقتضيات الهداية العامة الكامنة فيها كرسالة ختم كونية.

إن كلتا الجبهتين تقتضيان خوض معارك تحريرية للمفاهيم الدائرة في فلكيهما. وهو تحرير من الإرتهان للتاريخ المتغير، وتحرير من الارتهان لواقع الآخر. يواكب ذلك بناء ينطلق من أصول الذات وينفتح على كل الخبرات والتجارب البشرية. يشار هنا إلى أن المؤلف كان سبق له أن وضع تمهيداً عاماً لإشكالية المصطلح في الماضي وفي الحاضر، ونشر في سلسلة كتاب الأمة (رقم 78) تحت عنوان «المصطلح خيار لغوي وسمة حضارية».

واشتغل أيضاً في عمل علمي هو في طريقه إلى النشر حول «الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، دراسة في الأسس المرجعية والمنهجية». لقد تناول في هذه المحاولة مفاهيم أخرى خصوصاً مفهومي «التقليد» و«الاتباع» باعتبارهما من المفاهيم المؤسسة والموجهة في هذا الفكر. أما هذه الدراسة فهي تأتي لترصد مفاهيم تنتمي في تداولها ـ الغالب ـ إلى حقل الفكر العربي بمكوناته القومية والعلمانية واليسارية والليبرالية وبعض الاتجاهات الإسلامية...

وإن كان هذا التصنيف في اعتقاد المؤلف غير ذي موضوع، وإنما يفرضه واقع التجزئة والانقسام في الأمة، والمطلوب تجاوزه ـ قدر الممكن ـ لا تكريسه، فإن من الواجب تجاوز عقلية الاحتراب والصراع حول المفاهيم وتحيزاتها، إذ بالإمكان فعلاً توحيد جبهة العمل إذا كان الغرض النهوض بالذات أولاً.

إن اختيار هذه المصطلحات الثلاثة، وإن كان قد سبق نشر بعضها مستقلاً، إنما يعود، من جهة إلى اعتبار تداخلها وتكاملها. ومن جهة أخرى، إلى تأثيرها في الواقع الفكري للأمة وتوجيهها لكثير من بيئاته. كما أن منهج النظر في هذه المفاهيم بقدر ما هو تحليلي تاريخي يكشف عن سيرورتها وشروطها الموضوعية، هو كذلك نقدي لأوجه السلبية والقصور فيها، والتوظيفات النفعية المتحيزة، والآثار المدمرة في الفكر والواقع، مع الحرص على الانتفاع بكل ما هو إيجابي فيها.

إن على «النخبة» ـ في نظر المؤلف أن تضطلع بمهام التجديد والإصلاح والتغيير ونشر الوعي والمعرفة المساعدة على ذلك. وأن تحارب في ذاتها الانتفاع الشخصي، ولنقل «النخبوي» أي ألا تتمركز حول ذاتها. فبقدر ما هي ضرورية للعمل بمنطق (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)، هي ضارة إذا قصرت نتائج وغايات ومردودية العمل على ذاتها ولم تحوله إلى قناعات جماهيرية تسندها. (لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).

غير أن مفهوم «الحداثة» وهي فكر النخبة بحكم الرواج الكبير والتداول الواسع له فإنه للأسف لا يبدو مقروناً بالوعي اللازم، والذي يعمم الخطأ والسطحية والابتذال في الاستعمال الذي يطمس بدوره إمكانات الانتفاع الحقيقة والتفاعل الإيجابية، ويعبد طرقاً صورية وهمية إلى سراب. فكان الحديث عنها في سياقها الغربي وفي الإمكانات الذاتية لتوظيفها وفي أشكال تداولها واستعمالها.

أما «الأيديولوجيا» وهي مجال حركة النخبة بالحداثة ـ أو في معناها ـ حيث يسود منطق التبرير لا التحليل، والغموض والتمويه لا الدقة والتركيز، وحيث تصبح الأزمات حلولاً والحلولأزمات... وفي جملة تسمى الأشياء بغير أسمائها فتغدو الحقائق والثوابت والأصول (هشيماً تذروه الرياح) في عصر سيولة حضارية شاملة.

هذه مقاربة للعلاقة الجدلية بين هذه المفاهيم التي شكلت إلى جانب غيرها، جدار الخطاب العربي المعاصر كما شكلت لبنات أساسية فيه، وهي تحتاج إلى نقد وتصويب الفاعلين المستمر حتى يضع هذا الخطاب نفسه على مسار النهضة والتحديث والإصلاح والتغيير الحقيقي.

 

محمود حيدر

الكتاب: النخبة والأيديولوجيا والحداثة

الناشر: مركز دراسات فلسفة الدين

بغداد، بيروت 2005


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri