حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

عزرا باوند

مؤلف هذا الكتاب هو الناقد جون تايتل المختص بالدراسات الأدبية ونقد الشعر، وهو هنا يتحدث عن واحد من أكبر الشعراء في القرن العشرين: عزرا باوند. ومعلوم انه كان مترجما وناقدا أدبيا ومنظرا لحركة الشعر الحديث وشاعرا ضخما في الوقت ذاته. فمن هو هذا الشاعر يا ترى؟ ولد عزرا باوند في قرية تدعى هايلي في منطقة ايداهو بالولايات المتحدة الأميركية. وقد تأثر بحياة الريف وظل يحمل في أعماقه بعض السذاجة التي يتميز بها أبناء الأقاليم البعيدة عن المدن والعواصم. ثم يرد المؤلف قائلا: وفي عام 1907 تخرج عزرا باوند من جامعة بنسلفانيا ثم عين استاذا في ولاية انديانا. وفي إحدى المرات كان يمشي في الشارع فالتقى صدفة بممثلة صغيرة ولكن جائعة لا تملك فلسا واحدة. وقد استضافها في بيته وقدم لها غرفة نوم، وذهب هو إلى الغرفة المجاورة لكي ينام على الأرض.

وفي اليوم التالي وشى الجيران به الى السلطات وقالوا بأنه استغل ضعف هذه الفتاة لكي يعتدي على شرفها! وانتشرت الإشاعة في كل مكان ولم يعد يستطيع أن يبقى هناك، وأن يواصل ممارسة عمله. بل وقدموه إلى المحاكمة وأهانوه على الرغم من انه لم يفعل إلا الخير.فقرر مغادرة أميركا نهائيا والسفر إلى أوروبا للعيش فيها. وقد ذهب إلى فينيسيا بايطاليا حيث استقر لفترة من الزمن. وهناك نشر ديوانه الشعري الأول تحت عنوان «الضوء الخافت»، أو «الضوء انطفأ» عام 1908.

ثم غادر فينيسيا بعدئذ لكي يستقر في لندن عام 1921. وبعد فترة من الزمن خاب أمله بالحياة الثقافية الإنجليزية فقرر مغادرة لندن والذهاب إلى باريس، عاصمة المثقفين والفنانين والرواد في كل المجالات.وفي باريس كشف عزرا باوند عن مدى كرمه وأريحيته. فقد ساعد أصدقاءه المعوزين من أمثال جيمس جويس وت. س. ايليوت. وكانوا في بداية حياتهم الأدبية ولم يشتهروا بعد. ولكن إقامته لم تطل في باريس، فقد غادرها بعد بضع سنوات إلى إيطاليا لكي يستقر هناك نهائياً. وكان ذلك عام 1925. وهكذا أصبحت ايطاليا وطنه الثاني.

وقد عاش في مدينة «رابالو» حتى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. ربما انه اشتغل في الراديو الايطالي أثناء حكم موسوليني وأذاع برامج عديدة فإنهم اتهموه بعد الحرب بالفاشية ومهاجمة وطنه الأم أميركا لصالح الأعداء. وفي شهر نوفمبر من عام 1945 قبضت عليه السلطات الأميركية في ايطاليا وأعادوه الى أميركا غصباً عنه، ثم قدموه للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى. وطالت محاكمته كثيراً إلى حد أنها أرهقته نفسياً وأثرت على أعصابه.

وفي عام 1946 تم فحصه من قبل أربعة أطباء نفسانيين لمعرفة حالته الصحية. وقد قدموا تقريراً قالوا فيه بأنه مجنون ولكنه ليس خطراً على الآخرين، وهكذا أدخلوه الى المصح العقلي في واشنطن. وهناك بقي اثنتا عشرة سنة. وعندما خرج من المصح العقلي غادر أميركا فوراً إلى إيطاليا عام 1958 وأقام في فينيسيا حتى مات.

ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد اختلفت الآراء وتشعبت حول عزرا باوند. فهل حقاً انه كان من أتباع موسوليني والفاشية؟ وكم عدد البرامج الإذاعية التي ألقاها على راديو روما؟ ثلاثة برامج أم أكثر؟ وهل كان مجنوناً حقاً أما صاحي العقل؟ البعض يقول: نعم، والبعض يقول: لا. مهما يكن من أمر فلا أحد يختلف على أهميته الشعرية، فهي ضخمة ولا تضاهى. وتروى بهذا الصدد النادرة التالية: عندما سألوا اندريه جيد: من هو أكبر شاعر فرنسي. أجابهم: فيكتور هيغو للأسف الشديد!

وعندما سألوا أحد النقاد الأميركيين الكبار: من هو أكبر شاعر أميركي في القرن العشرين؟ أجابهم: عزرا باوند للأسف الشديد. فقد كنا نتمنى لو أن أفكاره كانت تقدمية لا رجعية. ولكننا مجبرون على الاعتراف بأنه أكبر شاعر أنجبته اللغة الانجليزية في تاريخها كله. وهذا دليل على أن الشعر ليس تقدمياً ولا رجعياً، ليس يمينياً ولا يسارياً، وإنما هو شعر وكفى.

يقول عزرا باوند في إحدى قصائده التي كتبت في مرحلته الأولى: القمر على جبهتي/ والنسمات العليلة تحت قبلتي. القمر لؤلؤة كبيرة على مياه اللازورد/ وعلى أصابعي المياه الجارية طرية. لقد اعتبر الكثيرون أن عزرا باوند خان بلاده مرتين: الأولى عندما قبل بإذاعة برنامج أسبوعي من راديو روما، حيث قام بالدعاية لموسوليني والفاشية وهاجم أميركا. والثانية عندما أدار ظهره كلياً لأميركا وفضّل أن يعيش في أوروبا حتى موته، بل وأن يدفن فيها.

ولكن على الرغم من كل هذه النواقص والأخطاء فلا أحد يستطيع أن ينكر الحقيقة التالية: وهي أن عزرا باوند كان مدشن ثورة شعرية في التاريخ الأميركي المعاصر. وبالتالي فهو من جهة سقط الى أعمق هاوية: هاوية الفاشية واليمين المتطرف سواء أكان واعياً أم غير واع. والبعض يقول بأنه لم يكن واعياً تماماً بما يفعله.

وهو من جهة ثانية ارتفع باللغة الانجليزية والثقافة الأميركية إلى أعلى مستوى. فكيف نقيّمه إذن أو نحكم عليه؟ هل نقول: من كان منكم بلا خطيئة فليرمه بحجر؟ ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد كسر عزرا باوند البيت الشعري الانجليزي وفتحه على ايقاع اللغة الشفهية اليومية أو اللهجات المحلية. كما وفتحه ايضاً على اللغة الوثائقية، وخطاب النقد الأدبي، وعلم التاريخ والفسلفة. وأسس ما يدعى بالشعر الحر أو شعر التفعيلة في اللغة الإنجليزية.

وقد مارس تأثيراً ضخماً على عصره ومعاصريه. وكان رائد الحداثة الشعرية في اللغة الانجليزية قبل ت.س ايليوت. وهذا الأخير يعترف بعظمته ولا ينكر تأثيره عليه. يضاف إلى ذلك انه أثر على الكبار الآخرين من أمثال ييتس، ويليامز، غنسبيرغ، أولسون، الخ.

في عام 1915 كتب عزرا باوند هذه العبارة: الشيء الأساسي لدى الشاعر، أي شاعر، هو أن يبني عالماً أو كوناً لنا. بهذا المعنى فالشاعر الكبير هو ذلك الذي يستطيع أن يقنعنا بالعالم الذي شكّله من خلال قصائده، فالخالق هو وحده الذي يصنع الكون، ولكن الشاعر يستطيع هو الآخر أيضاً أن يبني كوناً داخل الكون.

في إحدى قصائده الرائعة يقول عزرا باوند: «على إباء كان النيلوفر أصفر كالحزن العميق/ اليوم الألم، وغداً ماذا؟ لم تعد هناك من أزهار، خضراء هي الورقة/ من سيعرف حدود حزني من الأفضل له ألا يولد. النعجات الهزيلة ذات الرؤوس المنتفخة/الشبكات لا تصطاد إلا النجوم». يتفق النقاد على القول بأن الحداثة الشعرية الأميركية ولدت عام 1912.

ففي ذلك العام أسست مجلة «شعر» في شيكاغو. وهي التي صنعت كبار الشعراء من عزرا باوند إلى وليام ستيفنز الى آخرين. وأما قبل ذلك فإن الشعر الأميركي كان يعيش على فتات الشعر الإنجليزي: أي كان يقلده باستمرار، أما بعد ذلك فسوف يشق طريقه الخاص لوحده ويستقل عن الوطن الأم انجلترا.

في احدى كتاباته يعرّف عزرا باوند الشاعر على النحو التالي:

هو رجل فقير، ولكنه غني بالوعود! الشاعر غني فقط بالأشياء غير البادية، بالأحلام والهواجس، بالخيال والشطحات اللانهائية.

ثم يردف المؤلف قائلاً بما معناه: في عام 1912 أي في بدايات حياته الشعرية كان عزرا باوند من اتباع الفن للفن. وكان مثله الأعلى في الكتابة الشاعر الفرنسي تيوفيل غوتييه والمدرسة البرناسية، وكان يقول بأن الهدف الأساسي للفنان هو التوصل إلى الصيغة الأدبية المكتملة أو الشكل الفني الخارجي الذي يكفي نفسه بنفسه.

فيما بعد قال عنه ت.س. ايليوت ما يلي: أعتقد ان أكبر خصيصة لعزرا باوند هي انه ألحّ كثيراً على الفكرة التي تقول بأن الشعر هو صفقة، أو فن انه فن يتطلب من الكاتب بذل الكثير من الجهد والتعب قبل أن يخلق القصيدة. كما يتطلب المثابرة والصبر، فالشعر صعب والقصيدة لا تعطي نفسها بسهولة وإلا كان كل الناس شعراء. وينبغي على الشاعر أن يأخذ علماً بذلك، أن يستشعره.

وقد عرف عزرا باوند ان الشاعر الذي يجهل الشعر في اللغات الأخرى لا يمكنه أن يكون كبيراً، تماماً مثل الرسام أو الموسيقار اللذين يجهلان فن الرسم والموسيقى لدى الأمم الأخرى، فلكي تصبح شاعراً كبيراً ينبغي أن تتطلع على الشعر في اللغات الأخرى غير لغتك الأم. وذلك من أجل المقارنة ومعرفة سرّ اللعبة الشعرية أو الولادة الشعرية. انتهى كلام ت.س. ايليوت.

بل وراح عزرا باوند يتعلم اللغة الصينية لكي يطلع على الشعر الصيني القديم! ودرس فلسفة كونفوشيوس وكذلك فلسفة بوذا وبقية حكماء الشرق الأقصى. ولذلك فإن شعره مليء بالاشارات الثقافية إلى عدة لغات وثقافات وتراثات شعرية. من هنا غناه وعمقه وجاذبيته.

مهما يكن من أمر فإن عزرا باوند شق طريقه إلى القمة بصعوبة ولكن بثبات ورباطة جأش. فقد كان يعرف انه يمتلك في أعماقه موهبة ما ولكنه ما كان يعرف انها ستتفتح أو ستكتمل، يقول بما معناه: عندما كان عمري خمسة عشر عاماً كنت أحلم بالمشروع التالي: استكشاف كل شيء وكل الدروب، بالطبع فإن القدرة السماوية وحدها كانت تعرف فيما إذا كنت شاعراً أم لا، ولكن كان عليّ أن أكتشف ما تبقّى..

وبالطبع فقد كان حلم كل شاعر أميركي آنذاك أن يصبح مثل والت وايتمان: قمة الشعر الأميركي، كلهم كانوا يطمحون إلى اللحاق به دون أن يعتقدوا بإمكانية ذلك. ولذلك كتب عزرا باوند في بداية شبابه يقول: في نهاية المطاف أنا والت وايتمان ولكن بلباس حديث.. وربما كان يسعدني أن أخفي علاقتي بهذا الأب الروحي لي ولكل الشعر الأميركي لكي أنتسب إلى أبوّة شعرية بعيدة تتمثل في شكسبير مثلاً. ولكن العلاقة الأبوية تصبح عندئذ بعيدة ومن الصعب التأكد منها.

مهما يكن من أمر ولنقلها بصراحة فإن والت وايتمان بالنسبة لأميركا هو بأهمية دانتي بالنسبة لإيطاليا.

وبعدئذ أهداه باوند هذه القصيدة:

عقدتُ عهداً معكْ، والت وايتمان

لقد احتقرتكْ زمناً طويلاً

والآن أعود إليكْ كطفل نما أو كبر

مع أب مزعج يقف فوق رأسه

ولكني الآن أصبحت كبيراً إلى حد أنني أستطيع أن أفهمك

الآن فهمتك لأول مرة، والت وايتمان

أنت الذي شقّ الطريق الجديد

وقد آن الأوان للنحت

لنا نفس النسخ، والت وايتمان، ونفس الجذور

كيف نفهم هذه القصيدة؟ ربما لم تكن بحاجة إلى شرح، فوايتمان كان عقدة كل شعراء أميركا بسبب ضخامته وعظمته. وعندما كان عزرا باوند شاباً كان يريد أن يؤكد نفسه في عالم الشعر كان يريد أن «يقتله»، أن يتخلص من تأثيره، على طريقة قتل الأب في التحليل النفسي.

 

تأليف: جون تايتل
الكاتب: عزرا باوند
الناشر: ايفان ردي انك / نيويورك - (البيان)


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri