حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

مدخل كامبردج إلى وردزورث

أشرف على هذا الكتاب الجماعي البروفيسور ستيفن جيل أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة أكسفورد. وكان قد نشر سابقاً كتاباً كبيراً عن حياة وردزورث وأعماله تحت عنوان: «ويليام وردزورث: قصة حياة» عام 1989 وهو من أهم المراجع عن حياة الشاعر الانجليزي الكبير وأعماله. وشارك في تأليف الكتاب الباحث «دونكان واو» الذي كتب فصلاً كاملاً تحت عنوان: شعر وردزورث حتى عام 1798. والباحث المذكور هو أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة أكسفورد. وكان قد نشر سابقاَ كتاباً بعنوان: وردزورث: الحياة الداخلية 2002، وفيه يركز على الحياة الفكرية والروحية الحميمة شاعر الرومنطيقية الإنجليزية.

واما الباحث بول هاميلتون فقد كتب فصلاً بعنوان «وردزورث والرومانطيقية» ومعلوم ان الشاعر الكبير كان أحد روادها في الشعر الإنجليزي بالإضافة الى كوليردج، وبايرون، وشيلي وكيتس، الخ. والباحث المذكور هو أستاذ اللغة الانجليزية في جامعة لندن. وكان قد نشر عدة كتب عن كوليردج، صديق وردزورث، وعن شيلي أيضاَ. وهو الآن يحضر كتاباً ضخماً عن الفلسفة والنظرية السياسية في الرومانطيقية الأوروبية.

اما الباحث رالف بايت فقد ساهم ببحث تحت عنوان «وردزورث والعالم الطبيعي، وهو موضوع مهم نظراً للمكانة الكبرى التي تحتلها الطبيعة في أدب وردزورث. والباحث المذكور هو أستاذ في جامعة ليفربول بانجلترا وكان قد نشر بحوثاً نقدية عديدة نضرب عليها مثلاً دراسته عن أهمية دانتي بالنسبة للشعر الرومانطيقي، وعن العلاقة بين شعر وردزورث وحزب البيئة أو الخضر الذي يدافع عن الطبيعة بعد ان زحفت عليها الصناعة والتكنولوجيا في الدول الصناعية الحديثة، فالطبيعة أصبحت في خطر في بلاد الغرب المتقدمة التي توسعت فيها الرأسمالية الى أقصى حد ممكن على حساب البيئة والطبيعة.

وأما الباحث نقولا راو فقد ساهم في هذا الكتاب ببحث تحت عنوان: «السياسة، والتاريخ، وقصائد وردزورث». والباحث المذكور هو استاذ اللغة والآداب الانجليزية في جامعة سانت اندرو بانجلترا، ومن بين كتبه السابقة نذكر الكتاب التالي: وردزورث وكوليردج: السنوات الراديكالية 1988، جون كيتس وثقافة الانشقاق أو التمرد 1997، الخ. اما الباحثة فرانسيز فيرغيسون فقد كتبت بحثا تحت عنوان «وردزورث ومعنى الذوق» والباحثة المذكورة هي استاذة الآداب الانجليزية في جامعة جون هوبكنز.

وكانت قد نشرت سابقاً عدة بحوث عن القرن الثاني عشر، وعن الحركة الرومانطيقية، وعن النظرية الأدبية والنقد الحديث، الخ. هذا بالإضافة إلى أبحاث أخرى عديدة يحتويها الكتاب. يرى بعضهم ان مسافة قرنين تفصلنا الآن عن ويليام وردزورث 1770 ـ 1850.

وبالتالي فقد آن الأوان لتقييمه ومعرفة مدى اهميته بالنسبة لتاريخ الشعر الانكليزي ككل. وهذا ما يؤكد عليه الباحث ستيفين جيل المشرف العام على الكتاب، فبالإضافة إلى المقدمة العامة وبحوث أخرى فإنه كتب بحثاً مهماً بعنوان: الشاعر الفيلسوف.

والواقع ان وردزورث لم يكن شاعراً غنائياً فقط، ومن أعلى طراز، فلم يحصل ان تغنى بالطبيعة أحد بشكل أفضل منه، لقد كان يعبد الطبيعة ويعشقها وراح يبدي كل من قرأه بحب الطبيعة، وإنما كان أيضاً فيلسوفاً وجودياً اذا جاز التعبير. نعم ان شعره ينضح بفلسفة معينة في الحياة. والبعض يدعوها بفلسفة التصرف والبعض الآخر بفلسفة الطبيعة، الخ.

مهما يكن من أمر فإن النقاد يضعونه الآن في مرتبة شكسبير وميلتون بالنسبة للأدب الانجليزي. وهي أعلى المراتب بالطبع، وقلّ ان يصل إليها أحد. صحيح انه لم يمت شاباً على عكس الرومانطيقيين الأخر من أمثال شيلي، وكيتس وبايرون. وقد استغل خصومه هذه النقطة ضده، وقالوا: لو كان نقياً أو أصيلاً بما فيه الكفاية لمات في عز الشباب كأي شاعر رومانطيقي حقيقي.

ولكنه عوضاً عن ذلك راح يعيش حتى الثمانين عاماً! والأنكى من ذلك هو انه ظل ينظم الشعر حتى وقت متأخر. وهذا خطأ، فشعره المتأخر أصبح عالة عليه: أي على شعره الأولي العظيم كما يحصل لكبار الشعراء الذين يعمرون طويلاً ولا يكفون عن النظم في اللحظة المناسبة.

وبالتالي فقد خسر تلك الهالة الجذابة والمشعة التي تحيط بشاعر رومانطيقي كشيلي أوكيتس الذي مات في العشرينات من عمره: أي في عمر الزهور. وكانا وفيين للمثال الرومانطيقي حتى درجة الاستشهاد. وهذا مالم يحصل لوردزورث الذي استمتع بالعيش في فترة متأخرة جداً.

ولكن يمكن القول إن هذا العمر الذي أتاح له أن ينضج شعره في آخر درجة على عكس أولئك الذين ماتوا شباباً. لقد أتيح له الوقت الكافي لكي يكتب كل ما في داخله من شعره، لكي ينجز كل أعماله الخالدة الواحدة بعد الأخرى.

ينبغي العلم بأن الشاعر الانجليزي الكبير دون في إحدى أجمل مناطق انجلترا على ضفاف البحيرات الخلابة. ليس غريباً إذن أن يكون شاعر الطبيعة، ان يصبح أكبر شاعر يتغنى بجمال الطبيعة بصيفها وشتائها، خريفها وربيعها فلا أحد يستطيع أن يتخيل مدى جمال الأشجار والأزهار وصداح الطيور في تلك المنطقة الرائعة في الريف الانجليزي الذي لا يضاهى. ان جمالها يفوق الوصف.

ثم يرون الناقد ستيفن جيل قائلاً: والواقع ان حياة وردزورث تنقسم إلى أربع مراحل كبرى:

الأولى: هي مرحلة الطفولة والتعليم الابتدائي والثانوي منذ الولادة وفي سن السادسة عشرة وكان ذلك في إقليم البحيرات كما قلنا.

والثانية: هي مرحلة الدراسات الجامعية والرحلات. فقد درس في جامعة كامبردج لفترة من الزمن ثم سافر إلى فرنسا وإيطاليا. وبعد ان تخرج من كمبردج سافر مرة ثانية إلى فرنسا بين عامي 1791 ـ 1792.

وقد زار باريس ومدينة «أورليان»، ومدينة «بلوا» أيضاً في هذه الزيارة. وهناك تعرف على فتاة فرنسية تدعى آنيت فالون فأحبها وتزوجها، وقد أنجبت له طفلة اسمها كارولين. وعاش وردزورث عندئذ تلك اللحظات الحاسمة في تاريخ فرنسا: أي فترة الثورة الفرنسية وما تلاها من أحداث جسام.

الثالثة: عودته إلى انجلترا وهو في الثالثة والعشرين من العمر وقد عاش الشاعر عندئذ فترة مضطربة استمرت لست وسبع سنوات. وكان يغير مسكنه غالباً أثناءها دون ان يستقر على حال. ولولا تأثير أخته الايجابي عليه في تلك الفترة لربما فقد عقله.

فقد عاش أزمة نفسية عصيبة لم يخرج منها بسهولة. ولحسن حظه فقد تعرف في تلك الفترة على الشاعر الكبير لوكيردج.

وتشكلت صداقة حميمة بينهما. وهذه الصداقة الأدبية والشعرية والإنسانية ساعدته على الخروج من محنته. وفي تلك الفترة تعاون مع لوكيردج على نشر ديوانه الأول: أناشيد غنائية عام (1798).وهو ديوان مشترك في الواقع. وقد كتب له مقدمة نظرية طويلة اعتبرت بعدئذ بمثابة المانيفيست للحركة الرومانطيقية الانجليزية.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وقد وصفه الناقد ويليام هازليت الذي زاره في تلك الفترة قائلاً: عندما رأيته كان عمره ثمانية وعشرين عاماً. ورأيت في عينيه الشر يقدح! كانت عيناه تلمعان ببريق عجيب. يحصل ذلك كما لو انه يرى في الأشياء شيئاً لا نراه نحن الناس العاديين شيئاً أعمق من المظاهر السطحية.

وهذه الفترة الثالثة في حياته تنتهي عام 1799 بعد رحلته إلى المانيا التي استمرت عدة أشهر.

الرابعة: وفيها استقر في أقليم البحيرات الرائعة مسقط رأسه،ولم يبارحها حتى مات عام1850. وفي عام 1802 تزوج صديقة طفولته: ماري هاتشنسون التي لم تكن جميلة، ولكنها كانت وفية له. وقد خدمته واشتغلت كسكرتيرة عنده وساعدته على طباعة مختلف أعماله الأدبية.

وفيما يخص حياته الإبداعية فيمكن القول بأن أزمته النفسية ابتدأت تهدأ بعد عام 1795 وذلك بفضل التأثير الإيجابي الذي مارسته عليه أخته دوروثي وصديقه لوكيردج. وكان ذلك بعد عودته من فرنسا مباشرة. ففي تلك الفترة أخذت تتبلور نظريته الشعرية وفلسفته في الحياة. وبدءاً من تلك اللحظة أخذ يكتب أجمل قصائده.

وقد استمرت حياته الإبداعية الخصبة بدون انقطاع حتى عام 1815: أي حتى سن الخامسة والأربعين. وفي تلك الفترة كتب معظم أناشيده الغنائية والعديد من القصائد الأخرى. ثم بلور نظريته الشعرية في المقدمة الشهيرة التي كتبها عام 1800 لديوان: أناشيد غنائية. وهي الطبعة الثانية للديوان.

وعندئذ راح ينظّر للشعر الجديد ويقول بما معناه: لقد مللنا من الشعر التعليمي والوعظ السابق. نحن نريد شعراً جديداً يعبر عن مشاعرنا الحميمة الأكثر صدقاً وحدة وكثافة. نريد الشعر الصادق الذي يتطابق مع ما نحسّ به ونشعر، لا الشعر المفروض علينا من قبل التراث والأقدمين. نحن لا نريد بعد اليوم تقليد الماضي، نحن نريد التعبير عن تجربتنا الحية، تجربتنا العلمية الممارسة كل يوم. ولا نريد التعبير عن تجارب اصطناعية لا نحس بها.

بمعنى آخر: نريد شعراً يتطابق مع الحياة، لا شعراً جافاً متخشباً منقطع الصلة بالحياة.

ثم يتحدث الناقد ستيفن جيل عن قصيدته الشهيرة: الفاتحة، أو المقدمة ويقول: إنها إحدى أعظم القصائد في العالم كله. وفي مجال الشعر الفلسفي نادراً أن تجد لها منافساً، ونظيراً. وهي قصيدة طويلة جداً. وقد عبّر فيها الشاعر عن كل همومه ومشاغله، عن كل فلسفته في الحياة. وكانت فكرتها الأساسية تكمن فيما يلي: تصدير حياة شخص عَبَر الحياة وعاش تجاربها ثم انعزل عن الناس لكي يكتب مذكراته، لكي يبلور فلسفته في الحياة.

ولذلك فإن عنوان القصيدة يمكن أن يكون: المتوحد: آراء عن الإنسان والطبيعة والحياة. لقد أراد وردزورث في هذه القصيدة العصماء أن يعبر عن مكنون نفسه، أن يناجي ذاته الداخلية، أن يتحاور همساً أو بصوت عال مع صديقه الحميم: لوكيردج. وبالتالي فهذه القصيدة يمكن اعتبارها بمثابة سيرة ذاتية للشاعر. ففي أجزائها الأولى يتحدث عن طفولته وسنوات المدرسة الابتدائية. ويصف المكان الذي ولد فيه ويحن إلى الأيام الأولى، أيام الطفولة والتفتح على الحياة لأول مرة.

ثم يستمر في عرض مراحل حياته التالية الواحدة بعد الأخرى حتى يصل إلى اللحظة الحاضرة. والشيء الذي نلاحظه لدى وردزورث الذي يشكل فلسفته العميقة في الحياة هو أنه كان يؤمن بوحدة الوجود. بمعنى آخر: فإن الطبيعة كانت كل شيء بالنسبة له، وكان يذوب فيها ذوباناً كالإنسان الصوفي الذي يذوب في الوجد الإلهي.

وبالتالي فقد كان الشاعر صوفياً على طريقته الخاصة: أي متصوفاً يهيم في الطبيعة وعناصرها من بحيرات وأنهار، وجبال ووديان، وفراشات وأزهار، ونسيم عليل يجيء من وراء الأشجار. ويكفي أن نذكر عناوين قصائده لكي نتعرف على موضوعاته الأساسية وجوّه الداخلي وكيفية انصهاره في الطبيعة. فهناك قصيدة بعنوان: وادي ايما، وأخرى بعنوان: أحلام الفقيرة سوزان، ثم أولى أيام الربيع، إلى فراشة، إلى قوس قزح، شهر مارس أو قصيدة مكتوبة في شهر مارس، الحصّادة الوحيدة، إلخ.

معظم موضوعاته لها علاقة بالطبيعة وعناصرها المختلفة. ولكن علاقته بالطبيعة ليست خارجية وسطحية. وإنما هي عميقة وحميمية. فهو يخلع على الطبيعة همومه الداخلية وكل مشاعره وأحاسيسه حتى لتكاد تنصهر فيه أو ينصهر فيها. والفراشة ليست شيئاً خارجياً عليه، وإنما هي تشاركه لواعجه، همومه وأحزانه، أفراحه وأتراحه. وهو يحاورها ويناقشها وكأنها كائن يحس ويسمع ويتجاوب معه.

 

الكتاب: مدخل كامبردج إلى وردزورث

إشراف: ستيفن جيل

الناشر: مطبوعات جامعة كامبردج 2003

الصفحات: 295 من القطع الكبير

The Cambridge Companion to Wrodsworth

Stephen Gell

Cambridge University Press 2003


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri