
إمبريالية
الشعر
كثيراً ما
بدا النقد خطأ من الأخطاء الأدبية الشائعة حينما يتصدى للشعر.
هذا ما نلاحظه في مجمل الأعمال النقدية التي تصدّت للأعمال
الشعرية الكبرى. ليست الندّية، في معنى انتقاصها، هي ما
نعنيه في ذلك. فلا يسعنا إلا الوقوف مبهورين أمام أعمال
رولان بارت، مثلما تكون الدهشة في قراءتنا ت.س. إليوت، كذلك
في أعمال الجرجاني مثلما أشعار المتنبّي.
لكن في تعريف
بارت للنقد بأنه الكتابة الثانية، وتعريف الجرجاني له بأنه
الكتابة على الكتابة، ما يُفضي إلى ما قصدنا قوله: ليس للنقد،
مهما علت قامته أن يكون أولَ على نصّه، الشعر بخاصّة.
يفترض كلام
كهذا وجود خاصية شعرية في عينها، غيرها تلك الخصائص التي
نعرف: إمبريالية الشعر مثلاً؟
يبدو أن
صفة غريبة كهذه، أي صفة الإمبريالي، تحتاج مجازفة كبيرة
في سبيل التسليم بها. لكن في الشعر لا يبقى للشيء نَسَبه
الذي يعود إليه، مثلما لا يبقى لفضيلة أو رذيلة محميّتها.
في حضور الشعر ليس لسلطة أن تقوم خارجه علوماً وفنوناً ونقداً.
في الشعر لا تتحول الأشياء قدر ما يُعاد خلقها. سلطة الشعر
وسطوته لا توفران وقتاً لقول لاحق: ألا يمكننا أن ننعت تجربة
الأسر التي عاشها أبو فراس الحمداني لدى الروم بالنعيم الشعري،
فنقول: نعمة الأسر. في المقابل أليس في وسعنا هجاء حرية
المتنبي بالقول: لعنة الحرية؟ ألم يُظلَم المتنبي عندما
حُرم هذه النعمة الشعرية، أي الأسر؟
إذاً، للشعر
نعيمه المُكلف، وجحيمه المضادة، وقبل ذلك أشياؤه الخاصة
التي ابتنى عليها امبراطوريته وملكه. كان جودت فخر الدين
كتب عن أشياء الشعر، وكيف أنها فيه غيرُها خارجَه. الشعر
أصلاً هو مروق المعنى. نوع من فوضى آسرة لا طاقة للحياد
أمامها.
ربما يكون
مرد ذلك أن الشعر يكتسب ذاته من الكتابة نفسها، أي من الكلام
في وصفه كلاماً، على ما ذهب ألبرتو مورافيا، بينما الرواية
مثلاً تكتسب ذاتها من بنيتها أوضاعاً وشخصيات... لكن، وليس
بعيداً عن ذلك، هل خارج الشعر اكتشافُ العلماء أن السبب
في ظاهرتي المد والجزر هو جاذبية القمر؟
يسعدني الظن
أن أسئلة كبيرة من هذا النوع، استعراضية مثلما هي جوهرية،
تحمل كنه أجوبتها في إشارة الاستفهام التي نُنهي بها الجملة،
لأن الهدف هو الشعر. ولم يكن الشعر هدفاً ذات يوم، بل ليس
له أن يكون كذلك.
ربما يكفي
أحد المغنين، لكي يصبح لقبه فارس الأغنية العربية، أن يصور
فيديو كليباً يمتطي فيه الحصان. لكن قصيدة عظيمة كمعلقة
امرئ القيس، والتي يصف فيها حصانه على أتم ما يكون الوصف،
لا تكفي لإسباغ لقب فارس الشعر العربي على شاعر عظيم مثله!
الشاعر الذي
يرث الوحشة مع السعال، على ما كتب محمد علي شمس الدين في
منازل النرد ، لا يستحق إرثه ذاك إلا عندما يحمله ويداه
في جيوبه، تخفّفاً أو مكابرة، وربما خيلاء: ووحشتي التي
ورثتها مع السعال عن أبي حملتها وسرتُ واضعاً يديّ في جيوبي
.
إنه الإرث
الذي يزداد في كل يوم، ويُثقل على وارثه. هنا شخص المورِّث
لا ينطوي على أهمية تذكر، أباً كان أو وطناً أو تجربة، لأنه
الإرث المُكلف الذي لا يصح إلا مع الشعراء، ولا يحتمله،
أو لا يكتشفه سواهم. هو الإرث الذي قوامه الشعر، بما هو
من الوحشة تجلياً، والوحشة، بما هي من الشعر أصلاً.
عرش الركبة
في أحد لقاءاته
التلفزيونية، قال محمد الماغوط إنه لا يكتب الشعر إلا على
ركبته: ليس التسكع والسفر الدائم، وما ينطوي عليه من معاني
العجلة وسباق الزمن، هما وحدهما من يجعل شعر الماغوط غير
مرتاح إلى طاولة الكتابة أو إلى ما يشبهها من وسائل الاستقرار
والطمأنينة، لكنها أخلاق الخبز. حينما تكون الركبة عرش الرغيف
وورقة الكتابة.
لم يأكل
الماغوط، وأبناء جيله من الفقراء، الخبز على الطاولات، حيث
أن أخلاق رغيف الخبز كانت تقتضي جلوسه على الركبة: هكذا
يكون تناول الشعر والخبز من ذات القمة، هذه القمة الواطئة،
أي الركبة، التي غالباً ما تستخدم ككناية عن معاني الركوع
والهرب والفرار، تتصيّر، كمسقط رأس الشعر، قمةً ليس لعلم
أو راية أن تغزوها.
الركبة عرش
الشعر، ومصدر إمبرياليته، من حيث أنه ليس لنص أن يطاوله،
وليس لأحد ادعاء القدرة على الأخذ بخناقه.
الشعر إمبريالي،
نعم، هو كذلك، وما علينا سوى القبول بقوانينه ورغباته، وقبل
ذلك هجاء صمودنا وتجاسرنا.
ماهر شرف الدين
- ملحق النهار