حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

سؤالُ الشعر في السينما

رولان بارت: (الفيلمُ شريطٌ ثرثار، التوكيد استحالة التشظيّ، إستحالة الهايكو)

لنحاول الوقوف إلى حدّ ما بجانب شاعر السينما الراحل (أندريه تاركوفسكي) في طريقة تفكيره عن الشعر الذي يمكن أن نسميه في فنّ الصور المرئية المُتحركة المُدهش هذا، لنرى إذا ما أُمكن تحريك السؤال من جديد.

يرى (تاركوفسكي)، على النقيض من سطر بارت(مع أنّ الأول يتحدث هنا عن السينما الشعرية) الذي إستشهدنا به، أن شعر السينما الذي يودّ أن يقترب منه: ليس هو تلك السينما التي تلدّ صوراً، ومجازات، ورموزاً مُشفرة، وهو يستند في ذلك إلى فهمه للشعر، حين يُعرّفه على أنه (الوعيّ بالعالم)، ومن ثمّ للتأكيد على أنّ الشعر في السينما، هو أقرب إلى آليات اشتغال فنّ قصيدة الهايكو، ذلك الأسلوب الشعري الياباني القديم، والمُميز، حيث يقارب (تاركوفسكي) بين قدرة قصيدة الهايكو على الرصد المباشر، وبلغة صافية، ودقيقة للظواهر الحياتية(التي تمرّ عبر الزمن)، وبين إمكانات السينما الهائلة في الرصد غير المُتكلف، وبلغة جمالية صافية، هي الأخرى في مواجهة الحياة، من هنا، أراد البرهنة على أن السينما هي ذلك الفنّ الذي يمتلك شرعية المنافسة، بقوة، تجاه إمكانات النصّ الأدبيّ، بل إنه أراد القول، بأننا في السينما يمكننا توسيع حدود إمكانات شكل شعريّ، كان الهايكو مسماره في نصّه الجميل(الجوهر الشعريّ في السينما).

وعلى الرغم من أنّ (بارت) كان يشير إلى السينما بشكلّ عامّ، من دون تحديد نوع سينمائيّ بذاته، لهذا، قد نتفق معه، حين نراقب الكثير من الأفلام الثرثارة، التي لم تنجز سوى الضجيج، وتشويه ذائقة الجمهور، إلا أننا نرى، أنه أمرٌ مثيرٌ الاستشهاد بأكثر من مناسبة بقصيدة الهايكو في الحديث عن السينما، في الوقت الذي يعرف فيه المشتغلون في السينما، كيف تمكن (إيزنشتا) في بدايات السينما الأولى من العثور على الطريقة الخلاقة في تركيب الصور، الذي مهدّ فيما بعد لما نُسميه اليوم بفنّ (المونتاج)، وذلك عن طريق دراسته لهذا الشكل الشعريّ اليابانيّ، الامر الذي يتكوّن من ثلاثة مقاطع شعرية، أوحت إليه حينها بتركيب ثلاث صور منفصلة عن بعضها في السياق، لكتابة جملة سينمائية ذات مغزى، في الوقت الذي كانت السينما فيه مجرد وسيلة تقنية للهو، والدهشة المُفرّغة.

نحن لا نتحدث هنا عن السينما بوصفها الفنّ (الشاعريّ) الأكثر قدرةً، وكمالاً، كما كان يحدث في السجالات الطويلة التي خاض فيها نقاد، وصانعو الأفلام في القرن المُنصرم، للوقوف إلى جانب السينما لإثبات هويتها المُميزة بمواجهة الفنون، والأداب الأخرى، فكما نعرف أن (الفيلم هو لغة، أيّ أداة موضوعية، ولو أنها تكون ذاتية أحيانا، فحالها، حال اللغة التي تكون موضوعية في العلم، وذاتية في الشعر، وترجع المسألة هنا إلى حقل الاستخدام)، لهذا، نحن نبحث الآن عن الشاعر في السينما، ونحاول أن نسمي قصيدته، يمكن لنا ـ على سبيل المثال ـ أن نسمي فيلماً، أو القول أن الفيلم أشتغل على وفق الأدوات الجمالية لـ (الواقعية السحرية)، وهذا الأسلوب ـ كما نعرف ـ رسّخ عبر الرواية الحديثة، عندها يكون من الممكن الحديث عن أفلام الواقعية السحرية، مثلاً، إلاّ انّ الأمر سوف يبدو أكثر تعقيداً إذا ما استعرنا قمصان الشعر لتثبيت لون الفيلم، وذلك لأنّ الفيلم ببساطة، على علاقة حميميّة بالرواية، سواء على صعيد استعارة السينما أعمالاً روائية عديدة، أوعلى صعيد انصهار الشكل الروائي داخل الفيلم، حتى اننا نستخدم صيغة(الفيلم الروائي الطويل، والفيلم الروائي القصير)، لكننا مازلنا نتردد أمام صيغة (الفيلم/ القصيدة)، أو من أين نستمد الشرعية، فيما لو تجرأنا على المحاولة في قصيدة النثر السينمائية!!

حينها، سوف يبدو بأننا نتعثر في مأزق شحّ المصادر الفيلمية، والنقدية التي تجرأت بقوة على الخوض في الجانب الشعريّ لفنّ الصور المرئية المُتحركة، في حين أننا سوف نجد بالمقابل حديثاً طويلاً عن شاعرية السينما في مناسبة، أو أخرى، وكنا قد شهدنا كيف أنّ(الفيلم القصير) أخذ على عاتقه مهمة الخوض في مغامرة الشكل الشعريّ بجرأة، ووضوح، إلاّ أنه كان كثيراً ما يختبئ خلف قناع الرمز، والمجاز، كما كان (تاركوفسكي) يعيب على ما يُسمّى بالسينما الشعرية، نعتقد أن هذا الشحّ، والتخبط، يعودان إلى عدم وجود تقليد سينمائيّ شعريّ، إذّ أننا أيضاً لم نشهد شاعراً سينمائياً كتب، وأصرّ بلغة الصور المرئية المتحركة على القصيدة، بل بقينا نتحدث عن شاعرية هذا الفنان، وذاك، كما نتحدث عن شاعرية هذا الروائي، وذاك القاصّ، بينما، في حقيقة الأمر، إننا نملك لغةً يمكن لها أن تكون قصيدة، أو رواية فيلميّة، وبلغة السينما الصافية، وذات الإمكانات غير المحدودة. إذا ما كانت أداة الشاعر في الأدب الكلمة، فإنّ أداة الشاعر السينمائي هي الصورة المرئية المتحركة، إننا إزاء حرية تعبير خلاقة، من الممكن لها أن تكون أداة توصيل جمالية بجدارة، فالشاعر السينمائي يمتلك بين يديه حروفاً من لحم، ودم، وأحاسيس (الممثل)، ويمتلك الضوء، وهل أكثر من الضوء مانشتهي في القصيدةّ!

إنّ لحروف الشاعر السينمائي كلّ ما تتخيله حروف شاعر الأدب لكتابة جملة، سؤال، أو سطر من النور، والأحاسيس، وهكذا، بمجرد مراجعة بسيطة لتاريخ السجال النظري، والمعرفي منذ (إيزنشتاين)، الذي كان يرى في الفيلم (تحريراً حقيقياً، وكاملاً للغنائية المسجونة في الأشعار)، مروراً بـ (فيرتوف)، الذي لم يتوقف في حماسه تجاه (السينما/العين)، إذّ كان يرى (أن الكاميرا أكثر كمالاً من العين عند فحص فوضى الظواهر المرئية التي تملأ المكان)، حتى قراءات (بارت) الشعرية للسينما، وتعلقه المُميز بهذا الفنّ المُتجدد، والمثير، نقول: إن نظرةً فاحصةً، ومتأملة للغة الفيلم، يمكنها أن تمدّنا بثقة كبيرة، والمطالبة بالشعر الخالص، وبلغة الفيلم، وإنّ فضاء توظيف الشعر، وقراءته في السينما، هو أوسع بالتأكيد من قدرات (الهايكو) التي تحدث عنها (تاركوفسكي).

خذّ على سبيل المثال حالة: (يسقط المطر)، المطر الذي نعرفه، الذي يبللنا برائحته، ومرآه، المطر الذي نقرأه في القصيدة، والرواية، الذي هو الآخر يبللنا، ويخيفنا، أو يطمئننا، هطول المطر هو مشهدٌ سينمائيّ / حياتيّ بحت، نتخيله، ونعيشه، وكل منا يشتغل عليه بأدواته، وأغراضه التي يشتهي أن ينالها منه.

قرأتُ مرةً (المطر) في رواية (لحن ماثوركا على ميتين)، كان الروائي (كاميلو ثيلا) يستخدمه طوال الرواية في تكرار حلزونيّ، وكأنّ المطر هو (اللازمة) التي تشير بلا رحمة إلى تكرار الزمن بقسوته، والذي يخيم (أو يهطل) على البشر، والمصائر في محاولة لتطهيرها، أو توريطها عمداً في المستنقع الذي كانت تعيش فيه، وكان قد بدأ روايته هكذا:

(تمطر زهواً، ومن دون إنقطاع، تمطر من دون رغبة، لكنها تمطر بأناة ما بعدها أناة، كما الحياة كلها، تمطر على الأرض التي صارت بلون السماء نفسه،)، لقد بقيتُ طوال وجودي في الرواية، وكلما هطل مطر (ثيلا)، أستحضرُ مشاهد المطر سينمائياً، لأن (ثيلا) نفسه كان يستخدم الشعر حين (يمطر)، بينما وظف أساليب عدة لحكايته حين كان يذهب إلى الشخصيات، والأحداث، أول الأمر، حول تجربتي (الشخصية) هذه، تأكدتُ أنها أيضا تلك القصيدة التي كان يمطر فيها الشاعر(رويّ باتورسون) حين كان يقول:

(تمطر على الملحن، والإيقاعات تغرق في ورقة النوطة، تمطر على المكتبة العامة، فهناك شرخ بين النظرية، والتطبيق، تمطر على الشاطئ الأقصى، هناك حيث يولد النداء، ويموت، تمطر عليكَ، وعليّ، وعلى محاولتنا في أن نحيّا، تمطر على، تمطر... الخ)

في تكرار، هو الآخر ظهر لي أنه سينمائي بوضوح، إنها المشاهد العديدة السينمائية التي كنتُ أستحضرها، وتحتلني، لكنني كثيراً ما كنتُ (أنقطع!)، لأنها لم تكن موظفة بالقصد الشعري (في السينما) الذي أشرتُ إليه، وإنما كإ كسسوار مشهديّ في الأفلام العديدة التي شاهدتها، أردتُ أن أشير من خلال إنطباعاتي الشخصية هذه، إلى أنّ السينما أهملت طويلاً، وكثيراً فكر التصدي للحياة عن طريق الشعر، لا لعجز لغتها، وإنما بسبب الخوف من مأزق الغموض الذي يبدده تاركوفسكي حين يتحدث عن الرصد من خلال (الهايكو)، أو لشبه الإتفاق الجمعيّ حول طبيعة (السينمائي، وأفلامه)، وهي أعمال أغلبها يحاكي الواقع بإستسهال، وكسل، وإثارة تتكئ على قدرة الصورة المرئية المتحركة على الاستحواذ على مخيلة المُتلقي، لكنها إثارة بلا مغزى، ولا سؤال، وعن مثال (المطر)، يمكننا الإشارة إلى تجربة السينمائي الهولنديّ (يوريس إيفانز) في فيلمه التسجيلي الشعري، الذي عنونه بـ (المطر)، لما كتب قصيدته المرئية عن اللحظات الأولى لهطول المطر على أنحاء المدينة.

لكننا لم نشهد إصرار السينمائي على هكذا شعر، فمثلما ينزل المطر في قصيدة (السياب)، ينزل برداء آخر في قصيدة (باترسون)، وبقسوة ثالثة في قصيدة (كاميلو ثيلا).

لكن، كيف هو مطر السينما!!

في مثال آخر...

مازلتُ أتذكر برعب، وجمال، المشهد الثاني في فيلم سيبلبرغ (إنقاذ الجندي رايان)، ولستُ بصدد الفيلم الذي حاز حينها عدة جوائز أوسكار، ونال إعجاب جمهور واسع في أنحاء مختلفة من العالم، حين يحاول الجنود الاستيلاء على الساحل، لقد كان هذا المشهد بمثابة الفيلم برمته، إن لم يكن أروع قصيدة حرب كتبتها السينما منذ ولادتها، ما حدث، أنّ سيبلبرغ كتب (هايكو) فزع، سواءً بأنه أراد من المشهد/ القصيدة !! أو أنه كان يفكر بطريقة أخرى، في هذا المشهد الخاطف الذي بدت فيه عين الكاميرا، والجنود، والمؤثرات الصوتية، والألوان في أقصى درجات التناغم، لقد كانت كلّ لقطة مدروسة بعناية، كلّ لقطة لها نصيبها من التوازن السمعيّ ـ البصريّ، وكأنّ اللقطات كلماتٌ تتجاور لتصرخ بأعلى ما تتمكن بوجه بشاعة القتل، فالجندي الذي يدور حول نفسه باحثاً عن ذراعه التي بُترت في القصف، والتي هي هناك/ ممزقة بين الجثث (أداء الممثل)، وأصوات الرصاص التي اشتدت قوتها الشعرية من خلال التركيز على الأماكن التي يرتطم فيها، فصوت الرصاص المُرتطم بسرعة فوق الحواجز الحديدية على الشاطئ، ليس هو صوت الرصاص المُرتطم بالخوذ، الذي بدوره لا يشبه صوت الرصاص العميق في البطون/ وصوت الرصاص، وهو يخترق الماء/ وصوت الرصاص في الصراخ (المؤثرات الصوتية)، والألوان الباهتة، والرصاصية للمشهد، حيث أنّ الأحمر / الدمّ هو اللون القاتم.

وخيوط الدمّ في الماء، تلك التي بدت كأعشاب وجع مُبللة (المؤثرات الصورية، والإضاءة)، كلّ هذا كان مرئياً بهلع، وشعر، وكأنه (إيزنشتاين) مرةً أخرى، حين يصف السينما بأنها (سيمفونيا الألوان التي تكملها سيمفونيا الأصوات)، لم أقرأ في ما مضى عن (هايكو) من الأحمر، والأسود في الأدب، لكن يبدو، أنّ السينما لها من الإمكانات في الشعر، ما يتيح لها أن تكتب قصائدها بالدم، والضوء.

إن الكاميرا في (رأس شاعر)، هي ليست بالمهمة الغامضة، أو المستحيلة، لكنها تتطلب فهماً جمالياً، ومعرفياً للغة الفيلم قبل كلّ شيئ، أيّ: لننبذ مهمة صانع الأفلام على كونه "حكواتياً سينمائياًّ"، يصل إلى موقع التصوير، وفي رأسه بضع لقطات، يخبرنا في إحدى مشاهده أن (هذا الإنسان قُتل ببشاعة)، بل ليكتب لهذا الأرق الإنسانيّ المُزمن، لقطته الأولى، والثانية، والعاشرة، على كونها عشرة قرون من القتل المُتواصل، عشر لقطات، هي كما عشر كلمات في قصيدة متينة، عُلقت في رقبة الإنسان مثل عقاب صارم، ولو تفاءلنا قليلاً، لقبلنا أن نتجرأ على القول، بأنّ شعراء هذه الألفية، هم بلا شك، سيكونون سينمائيين بإستحقاق، فقط، لنضع اللغة بموازاة الكارثة، ولنصرّ على أن الصورة هي الرئة، والنظرة في الوقت ذاته، والألم، وأننا ميّالون بطبيعتنا بشراً الى المغامرة، وإجترار الوهم، وهذا الأخير ورطة، ولعنةً لا بأس منها أيضاً!!

سؤال الشعر في السينما: عن كتاب (حول السينما الشعرية) اعداد وتقديم صلاح سرميني الصادر عن المجمع الثقافي/ ابو ظبي 2005.

 

حسن بلاسم


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.