حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الشاعر العربي بين مزدوجين

رؤية نقدية في بيان قصيدة النثر

بين حين وآخر يجري الإعلان عن بيان شعري جديد حتى أصبح إحدى هموم الكتابة ولم يعد مجرد تأملات كما كانت. في البيانات محاولة لاجتذاب تلك الشذرات المتناثرة في تاريخ الأدب، وقراءتها قراءة خاصة تأسيسا للحظة وعي التنظير والعمل الإبداعي على ضوء مخطط مصرح به. تحيلنا قراءة المراحل الأدبية إلى مصادر تأخذ طابع التنظير بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ وهو الفرق الذي يطرح أحيانا بين الطقوس الدينية القديمة الممسرحة وبين بواكير المسرح اليوناني: انه وعي (الحالة) التنظير.

تزداد قيمة الكتابة حين يتأمل الكاتب نتاجه، حيث يتكامل النص بتكامل الوعي. ومعظم ما قدمته البشرية من إبداع فني وأدبي استند في الغالب إلى أذهان تنظم حدوسها في كلمات وإشارات. قدرة الوعي تؤثر في التلقي قطعا، فاللوحة نفسها التي تنسب لفنان مجهول أو معروف بمستوى وعي بسيط تقرأ بطريقة مختلفة حينما ينسبها أحدهم إلى بيكاسو مثلا. هو اثر سلبي؛ لكنه فعال (بوعي أو من غير وعي) في مساحة التلقي العام. يروى، عربيا، عن ناقد قديم انه أعجب بأبيات لشاعر لا يعرفه فاستزاد مرة وثانية، و عندما سأل عن قائل الأبيات، أجاب محدثه: إنها للمتنبي الذي لا تحب، فما كان من الناقد الشهير إلا أن قلل من قيمة الأبيات نفسها التي أعجب بها واصماً إياها بالحداثة التي كانت تعني الغرارة وعدم اكتمال العود. بمعنى معرفة المتلقي تؤثر في قراءته للنتاج مثلما يؤثر الانجذاب إلى أو النفور من عالم الكاتب (أيدلوجيا، اجتماعيا، نفسيا...الخ). تلك نقطة تشير إلى نظرية الاستقبال الايزرية التي تنهل من علم النفس.

هي خطوة متقدمة ومسئولية كبيرة أن يلجأ كاتب أو مجموعة من الكتاب إلى التنظير أو إعلان البيانات المقنونة للنتاج والمعطية صورة الوعي لما ينتج بصورة سليقية. لكن البيان ليس نهاية العالم، بل هو خطوة إرشادية لسواه، أو قراءة داخلية واعية لمرتسمات مشروع الكاتب أو الكتاب، هو دليل سفن أحيانا يدلها على الطريق أو بقعة ضوء تركز الحزمة على نقطة معينة دون غيرها. والبيانات والتنظيرات لا تقرئ لذاتها بل اعتمادا على المرتكز: النتاج، وعلى ضوئه يقاس البيان أو التنظير في درجة اقترابه أو ابتعاده عما يدعو له. يذكر تاريخ الأدب صدور البيانات واضمحلالها كما يذكر بقاء النصوص أو موتها. وها نحن نقف الآن على ارض القرن الحادي والعشرين ليطل علينا (بيان قصيدة الشعر) الذي أصدره مجموعة من الشعراء راسمين رؤاهم عما يمكن أن يكونه (الشاعر، النص، المتلقي)... هذه محاولة لمحاورة البيان وإطلاق بعض الأسئلة الخاصة به.

- البيان ماهيةً..

يعيدنا مفهوم البيان إلى الوضوح والإبانة والإشارة إلى ما قد يعسر فهماً. قد يأخذ البيان طابع إعلان ولادة نمط أو تصور جديد غير مسبوق أو ربما تصور خاص عن شيء بعينه. قد يكون التصور السابق مغايرا تماما لما بعده، وقد يكون إعادة إلى أصول تم تناسيها والطفر عليها والتغاضي عنها. لذلك يكتسب أي بيان ضرورة إعلان خطأ تصور سابق واستبداله بتصور بديل.ثمة ( جديد ) فيما سوف يطرح، وهي إحدى خصائص معظم البيانات حسب اعتقاد كاتبيها على الأقل. وهنا قد تجد من الدعوات المناوئة لأي بيان طرح فكرة أن ذلك ليس جديدا وله سوابق وأصول وخلفيات تاريخية ما، ثم يسلب البيان أحد أهم ركائزه..

سمة أخرى، مفترضة، في أي بيان: النثرية. لانتمائه إلى لغة النثر المنطقية من جهة، ولأنه سلسلة أفكار مترابطة تهيكل فناً آخر مختلف ( أي كلمات التنظير قد تنتمي إلى النثر بينما التنظير يقوم على فن المسرح أو على الشعر وكلاهما لا ينتميان بنيويا إلى البيان). لكن العودة إلى معظم البيانات تعطي صورة متداخلة بين الأنماط. فلغة البيان، أحيانا، أكثر شعرية ومجازا من النتاج الأصلي. يرتكز بعضها أساسها على المجاز الكامل (أي تلك العلاقة التي لا تفرز تصورا أو تعدده إلى درجة التلاشي)، حيث تختلط الكلمة ذات المعنى المعجمي بذات المعنى الشعري، وتتداخل المصطلحات وتنتقل من مجال إلى آخر بحرية تامة. هذه السمة تعيدنا إلى دراسة حدود النوع الأدبي ودرجة تماسه مع ومحايثته للأنواع الأخرى. يكون الانتباه حينها منصرفا بشكل شبه كامل إلى اللغة في ذاتها، إلى التمتع في خلق الكلمات، إلى الرزوح تحت نير الرغبة فتولد العبارة عبارة أخرى، وهاجة، كلها خيال، لكنها غير نفعية كما ينبغي.

السمة الثالثة، افتراضا، هي الوضوح. غياب الوضوح قد يوحي بغياب الفكرة في ذهن الكاتب وعدم قدرته على صياغة أفكاره أو عدم شجاعته أو قد يفهم على انه الاحتماء بأحضان المجاز من عيون المساءلة والتفحص. هذا الجدل يراود قراء بيانات الدكتور صلاح القصب في مسرح الصورة التي تتهم بالتهرب من الموضوع وعدم قول شيء تماما مثلما تبخل العروض المسرحية عن الإفصاح. فثمة تعقيد في الصياغة والتركيب مما يعلق الدلالات في منطقة الطفو الحر. يثار سؤال علاقة المقال بالمقام هنا.

سمة أخرى، مفترضة أيضا، في البيان: ملاءمة الزمن. يتساءل النقاد حال صدور أي بيان: هل يطلق في بداية المسيرة الإبداعية، في منتصفها، أو حينما تصل ذروة تألقها؟ بالتوازي، ما هي مكانة وقوة إبداع القائمين على البيان؟ هناك من يعتقد أن البيان يتبع التجريب الإبداعي ولا يسبقه، بمعنى أن إعلان بريخت عن المسرح الملحمي سبقه عهد طويل من التجريب والتعديل والإنتاج والتأمل، والقراءة للنتاج الإنساني الخاص بحقل الإبداع. وبعد أن أصبح بريخت اسما مسموعا، وبعد أن ترسخت تجربته وثبتت فيها بعض المرتكزات (لا في ذهنه بل على الخشبة) أعلن اكتشافه الكبير.السؤال المطروح: لماذا الآن؟ والسؤال الآخر يتعلق بالإضافة التي يحققها هذا البيان أو ذاك وما مدى مستقبليته؟ وقبل كل ذلك : الفلسفة التي يتأصل عليها البيان، والهدف؟

السمات هذه وغيرها تنطلق من منطلق (قراءة التاريخ الأدبي والنماذج الموازية، تحديد الزمن، محاورة اللغة، ومطاردة الجدوى)..على ضوئها سنكتشف موقع (بيان قصيدة الشعر).

- بيان قصيدة الشعر بنيةً ودلالة:

بدء، ثمة غموض يستجليه جومسكي في تساؤله عن البنية السطحية والبنية العميقة للجملة أو العبارة أو التركيب. ينسحب ذلك على الكناية الحاصلة من الإضافة الشهيرة المثيرة للجدل من امتزاج القصيدة بالنثر في (قصيدة النثر)، مثلما يحصل مع الامتزاج بين قصيدة والشعر في (قصيدة الشعر). تفرق القصيدة قديما عن النثر عبر النظم (أي الوزن والقافية) ثم توسعت بفعل ثورة السياب وأقرانه لتشمل (التفعيلة والإيقاع الخارجي) كأوضح ما يؤخذ من تجربة (الشعر الحر). وحينما يقال قصيدة لا يفترض فيها الإبداع إلا أن كلمة (شعر) توحي به. فهل يمكن القياس على ذلك بالقول إن (قصيدة الشعر) تعبير مجازي يعني القصيدة المبدعة كتقييم وليس نظرة في الشكل؟ بحيث يمكن أن تحتوي كل الأشكال دون اقتصارها على شكل بعينه؟ البيان لا يعطي اهتماما كبيرا إلى هذا الإشكال، أي لماذا قصيدة و شعر كمصطلح و كعنوان للبيان، وما هو الإطار الفكري لمفهوم القصيدة والإطار الفني لمفهوم الشعر؟

- رؤيا:

ُيفتتح البيان بكلمة أثيرة لدى متعاطي الشعر كتاباً ونقاداً. لكن المقطع الخاص بها يذهب بالشعرية بعيدا ويراكم المجازات ويتجه إلى الإنشاء مغيباً القصد في حين ينتظر القارئ صورة لرؤية البيان للرؤيا، مغايرةً أو متفقةً مع غيرها من الرؤى. بصرف النظر عن طراوة الكلمات و النفس القصصي والتتابع الذي قد يؤثر شعريا؛ إلا أن الوظيفية غائبة عن المقطع، ويمكنه أن يكون مفتتحا لقصيدة أكثر من كونه استهلالا لبيان. وتلك واحدة من السمات آنفة الذكر: انتماء اللغة إلى لغة الإبداع المراد التنظير لها وليس إلى منطقه الخاص بحيث تسيح لغة الشاعر شعرا على بيانه. اخطر ما في (رؤيا) ورود فكرة المفاضلة بين (قصيدة الشعر) وأنماط أخرى وحصول المباركة لها باعتبارها الإنسان المبارك، النص المختار. السؤال هنا: ما هي أسس المفاضلة، من قام بها، وعلى من تعمم؟

- ضرورة الوجود:

يفترض البيان حصول تصاعد حضاري وينظر بعين الحتمية لظهور الحركات الجديدة، والحتمية الموازية ستمثل إضافة إلى الأدب إبداعيا. لا يقترب البيان من الرؤيا التشاؤمية التي تفترض انهيار العالم (الغرب بلغة شبلنغر)، ولا تشاؤمية علماء الفلك أو البيئة أو العلماء النفسيين؛ بل يذهب إلى حصول تصاعد حضاري. ورغم أن الإيحاء يقترب من مقولة إسلامية حول ضرورة وجود من يجدد دماء الأمة كل مئة عام؛ إلا أن الحتمية الإبداعية لا تؤكدها الظواهر. ففي منتصف تألقين إبداعيين مرتبطين بتصاعدين حضاريين قد توجد مراحل من الهبوط المريع، وبالعكس قد يعقب الهبوط تصاعد وانبعاث. التاريخ لا يركض بخط مستقيم من البدائية إلى التحضر والشواهد غير العلمية كثيرة على ذلك. يعلن التاريخ عن أكثر الناس شرا ممتدين من اليونان حتى ألمانيا القرن العشرين وحتى انتهاكات البوسنة والهرسك. ثم هل يدخل الشعر في باب التطور، الذي يصدق على النظريات العلمية؟ البيان يؤكد على قضية فيها الكثير من الجدال وهي أن الحتمية التاريخية الطبيعية أنجبت (حركة قصيدة الشعر)؛ لكن ما البرهان على هذا التصور؟في بعض الأحيان ينتج التصور الحتمي عن رغبة مجموعة من الكتاب في المغايرة أو ثقة فائضة أو اندفاع غير محسوب؟ من أين جاءت الحتمية وما أهمية الاختيار أو الدافع الداخلي إذا كان من المحتم على الأنبياء مثلا أن لا يخطئوا؟

ينفي البيان الحافزيةَ عن نتاج الحركة ويتبنى الدافعية، واضعا مرتكز الانطلاقة لعدة أجيال على فرضية (خالف تعرف والانتشار). ومثلما يحصل عادة تحاول الحركة التخلص من الإتباع واختطاط خط جديد مغاير، يمكن للأجيال القادمة التأسيس عليه والإضافة. يذهب البيان إلى المطالبة بولادة قصيدة الشعر موطئا بمحاسبة السائد الشعري من خلال الشاعر.

- الشاعر:

تبدأ الفقرة بتعميم خطير على اعتبار أن مساعي الشعراء (؟) أصبحت تتجه نحو الوسائل السهلة لكتابة الشعر. هل يصدق على الشعراء جميعا منذ منتصف القرن الماضي؟ وما هي الوسائل السهلة، وهل تكون منبوذة أو منقودة فقط لأنها سهلة؟ يستطرد البيان موضحا: إن (الشعر) باستغنائه عن مرتكزات الشعرية العربية وقع في فخ (السهولة).. يحيلنا هذا الطرح إلى توضيح مرتكزات الشعرية العربية وهل هي ثابتة مطلقة غير قابلة للتغيير والتعديل والإضافة، وهل أن التصور القبلي للشعر لا يتعرض لتحولات الزمن، وان كان كذلك، تحت أي تبرير؟

يبتسر البيان كل الجدل الحاصل حول (قصيدة النثر) وكل الإبداعات التي أفرزتها والدوافع التي حدت بكتابها إلى انتهاجها بالقول (إن الكتاب الصقوا صفة الشعر على ما يكتبون). هذا التصور يعيد إلى الأذهان علاقة أي نتاج بالفشل. أكد الكثير من النقاد غير ذات مرة على أن فشل النتاج لا يعني مطلقا فشل المشروع. فأن تجد قصائد عمودية سطحية وغير مبهجة ولا مدهشة فذلك لا يعني أن مشروع العمود الشعري فاشل. وكون كتابة قصيدة النثر قد هبطت إلى دركات لا قرار لها لا يمس ذلك المشروع في شيء، فلرب موهبة كبيرة تعيد الحياة إليها وتنتج الأكثر بهجة وجمالا. تذكر أطروحة البيان هذه بمناخ الجدل حول السمات الشكلية في الشعر العربي وموقعها، معطية الوزنَ صفةَ العامل المهم والمسبب لغرق الشعرية العربية بطوفان الدواوين غير الشعرية (التي لا تنتمي قطعا لقصيدة الشعر). ينسب البيان الوزن إلى إمكانات اللغة ويرفض ربط الأوزان الشعرية بحركة الإبل (أي التفسير البيئي للوزن) مستندا إلى أن (اختلاف الانتظاميات الإيقاعية للوزن بين لغة وأخرى يؤكد بأنه متولد مباشرة من الإمكانيات الصوتية لكل لغة). والمهم هنا ليس تأويل البيان لأصل الأوزان العروضية؛ إنما اعتبار الوزن مكون جوهري في الشعر متطابقا مع النظرة الكلاسيكية للتمييز عن النثر باعتباره (كلام موزون ومقفى)... ينظر البيان إلى التأثر والتبادل المعرفي مع الغرب – شعريا – على انه ( تقليد المستورد) مع أن مبدعين كبار تأثروا في هيكلية ومتاهات ألف ليلة وليلة ونهلوا منها في جل أعمالهم الإبداعية من دون أن تطرح فكرة الاستيراد، مع الإشارة إلى أنهم عجنوا التأثر بالنفس الخاص. يضرب البيان المثل في استلهام الأساطير من قبل الشعراء العرب بنظرة تقيمية سلبية تجاه الاستخدام العربي وبكونها فاتحة الاستيرادات الأخرى التي طغت على الجسد الشعري. وفي ذلك يظهر بجلاء فهم البيان للتأثر والأخذ والعطاء وتفسير الظواهر وفق منطق (حكم القيمة السلبي أو الإيجابي) الذي تحاذر منه القراءات الحديثة انبناءً على نسبية المعرفة وتحمل المواضيع لزوايا نظر متغايرة وقدرة المادة على الاشتمال على الطبقات. يؤسس البيان على مبدأ الصدق في رفضه لاستلاف التجارب الأخرى أو الاستخدامات الخاصة بالشاعر الغربي ويعيب ذلك من منطلق تباين الفضاء والخصوصية؛ لكن ذلك غير ذي علاقة بموضوعة الوزن الذي تم التخلي عنه. فأن تستلف أساطير غربية يمكن أن يتوازى مع كتابة قصيدة عمودية أو تفعيلة أو (قصيدة نثر). هذه القضية فكرية وتلك فنية. وانسياقا مع التعميم يبين البيان إن الشاعر العربي بين مزدوجين من الانبهار بالخارج (الغرب) و الهلع من الداخل، مما اضعف النص الشعري. وهي جملة تعميمات لا تراعي خصوصية الشعراء الذين يتفاوتون بمدرج ولا يمكن إطلاق حكم واحد عليهم جميعا.

- النص:

يعزو البيان ظهور النصوص (الغامضة) إلى توافر الكاتب على معومات يريد استعراضها دون مراعاة الشريك الآخر في عملية التواصل (أي المتلقي) والناتج نصوص نخبوية محصورة في فئات محددة وكأنها جماعة سرية تتداول أسرارها بعيدا عن العالم الضاج حولها، مما يقلل من تأثير الكتابة.نحتاج هنا إلى التركيز على فكرة (الإبهام والغموض)، على اعتبار أن الإبهام مرض في اللغة بتعبير قاموس اكسفورد، وخلل في المعنى، وغياب التصور؛ أما الغموض فتعدد طبقات المعنى. وبالتالي قد يصبح النص غامضا اعتمادا على الغموض المعتمل في العالم والنفس واللغة بتعبير صلاح ستيتييه. مما يعيدنا أيضا إلى تقدير حالة التعقيد والغور عميقا في دهاليز الذات لاكتشاف ما لا يمكن التعبير عنه، تلك المقولة الأثيرة على الكتاب الذين نعدهم غامضين (لوتريامون، رامبو، مالارميه، بول فاليري...). فالرغبة في الاستعراض ليست عامة إلى درجة إلصاقها بكل نص متعدد. يبدو أن البيان يتحدث وفي ذهنه النماذج الرديئة من الكتابة معتبرا إياها هي الكتابة. وقد يبدو البيان من هذه الزاوية رد فعل نبيل على التدني الفظيع في الشعرية العربية وعلى طغيان الضجيج على الهمس الشعري الخلاق.

- المتلقي:

دون الدخول في باب التصور المعقد لماهية مفهوم المتلقي، يسرد البيان جملة مؤثرات سلبية نتيجة إشاعة (الدعاة من الشعراء) أن (الجديد يهدم ليبني). ثانية نحن أمام مجادلة دعاة الشعرية أولئك الذين ينظر إليهم البيان كطرف مضاد. تتجوهر النظرة إلى عملية التلقي حول الإيصال، حيث أن الطلسمية تؤدي إلى انقطاع الصلة بين الشعر وبين التلقي، أما الشعر الباقي بنظر البيان فهو الذي (يمتلك عناصر تؤهله للاستمرار عبر الزمن). الشعر عند البيان محاولة لملامسة المخفي، مشابهة بذلك محاولة التعبير عن المطلق أو الإيغال في المجهول لرواد الحداثة الغربية.

تبقى الإشارة ضرورية إلى أن فن (كتابة البيانات) عربيا تتمتع ببعض السمات العامة التالية:

- تقاطع رؤيوي مع السائد ومحاولة تأسيس قراءة خاصة مبنية على خطأ منهج معين (في الكتابة) وترسيم الخطوط المؤدية إلى بديل.

- النهل من منهل الشعر وتبني لغة المجاز (تجاوزها هذا البيان إلى حد كبير).

- الانقطاع عن البيانات الأخرى و غياب الحوار أو التفاعل معها سلبا أو إيجابا.

- توقف نهر البيان عند حدود المرة الأولى أو الثانية في الأغلب الأعم.

- التعميم على التجارب الأخرى.

- الوقوف فيما يخص زاوية النظر point of view عند نقطة محددة ترسم معالم الأشياء المنظور إليها والتي سيتبين، مع مرور الزمن، قدرتها على البقاء أو العكس.

 

عباس منعثر / كاتب من العراق


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri