
الحداثة..
في
زمن السبورة والمحادثة!
ليس ثمة تعذيب نفسي
أقسى من أن يستشعر رجالات الخلق العربي، شعراً ونثراً وفكراً،
أنهم يعيشون في زمنهم مسوخا، بسبب تمزقهم الفصامي أو الشيزوفيريني
عن أوردة الواقع. ولاجريمة تستحق كل هذا العقاب الرمزي، سوى
عناق هؤلاء المثقفين للغم الأيديولوجي للحداثة في حقل الكتابة
والتفكير، إنه - بدون سخرية سوداء طبعا ـ جدل التفجير والتبئير!.
فتنة تجمح عن كل لجم، كامرأة مازال جرح حبها الأول نازفا بالحياة!
كذلك نحن.. بكل انتضاءات أقلامنا المحتكة أو المصطدمة، بهذه
البلغمية الصهباء المسماة »حداثة«، مازال جرح حبنا الأول لها،
نازفا، لكن بالحبر، بسبب خياناتها المتكررة التي تتجسد في
متوننا المنفصلة عن مانعيش! وكم أحزن إذ أسمع أن أفدح ما يعاب
على الحداثيين، أنهم يكتبون كلاما متجاوزا لزمنه، ولسقوف الرؤوس
الواطئة، لا يفهمه إلا من كان متنبئا يقرأ النجوم.
وهم بذلك، كمن يملأون
جماجمهم برمال التقليد، لينسوا أو يتناسوا، أن الإبداع بطبيعته
خلاّق استشرافي، وليس تطابقيا للوجود!
ولنعترف أن الذي يجعل
القلم، يعض بالنواجد على شفة الورقة حسرةً، وهو شعور المثقفين
العرب اليوم، بالفشل الذريع لكل الأفكار والأحلام التنويرية
المتمردة والمعارف الاستشراقية والمتشوِّفة للمستقبل، التي
أحرقوا من أجلها، مهج الأرواح، كي تأخذ لبوس العصر الحديث،
لتضاهي نظيرتها في العالم، لكنهم يكتشفون أنها لم تصل للرؤوس،
بفعل سد الجهل المنيع، وأنه إذا كان ماكتبوه يخاطب، بانسيابية
نهرية متفوقة، ثقافات باقي المجتمعات الحداثية، فهو لايخاطب
السواد الأعظم من الناس في العالم العربي، وإلا بأي البلاغات
نفسِّر هذا الكَلِم البكائي لأحد المثقفين الحداثيين المغاربة،
وهو الشاعر محمد بنيس، حين يقول في كتابه الجديد »الحداثة
المعطوبة «» بلعنة الحداثة أصف ما أصبحت عليه الثقافة
العربية في مجتمعنا وبين عشيرتها. فهي ليست فقط الغربة عن
مجتمع وقيم، بل هي اللعنة، الطرد والإبعاد. لا المجتمع يسمح
لها بالإقامة، ولا القيم تتخلى لها عن مكانتها حتى تتبدل الرؤية
والعلاقات والأحكام. أكثر من قرن مر على الأصوات الأولى التي
أقدمت على الانفتاح على العالم الأوروبي، معتقدة أن المستقبل
هو قبل كل شيء الانخراط في العالم الحديث« (ص 130).
ترى هل ضل المثقف العربي
منذ قرن من الزمن، الطريق المفضي إلى العقول التي مازالت أشبه
بالكرات الصغيرة في أقدام كثير من الأقلام؟
وأين يكمن الخلل...
هل خطابه كان اغترابيا وتغريبيا مغمض العينين يعمه في التعمية
والغموض؟ أم أن المجتمع العربي ليس حداثيا بالمستوى الذي يستدعيه
فهم هذا الخطاب العرفاني الجديد / القديم الآن؟
إن أفظع ما يجسده محيطنا
المعيش، من اندحار ثقافي ومعرفي، هو أننا لم نصل حتى للظفر
من قدم مارد الحداثة، وأن صدمتنا يجب أن تكون هذه المرة مع
الحقيقة حتى نستفيق من غيبوبة النصوص، نحن مازالت الخيمة تلبسنا،
والجمل يركبنا وأنوفنا تنفث الرمال في كل صعداء.. أما الحداثة،
فمازالت عندنا في زمن السبورة والمحادثة، بينما زمنها يتميز
ـ حسب محمد سبيلا في كتابه »الحداثة وما بعد الحداثة«ـ: »بأنه
زمن كثيف ، ضاغط، ومتسارع الأحداث، يعاش كمادة فريدة تتمركز
حول حاضر مشرئب إلى الآتي. وهذا الحاضر، الذي تمثله في نظر
هيجل الأنوار والثورة الفرنسية، يمثل »البزوغ الرائع للشمس«
الذي يقطع مع العالم القديم وينشئ عالما جديدا كليا« (ص 12).
ماذا نقول نحن.. سوى
أن زمننا أبطأ من تهجيات أكثر من ستين في المائة من الأميين
والأميات، ونعيشه ليس كمادة، بل كطلل فريد مغترب عن حاضرنا،
ملتوي العنق إلى الماضي، ولا حداثة لنا إلا في القصيدة.. اسمعوا،
ثمة بيننا، من يستعير من الأوتوبيس جبهته البارزة، ويتحدث
عن ما بعد الحداثة! (العلم)
محمد بشكار / كاتب من المغرب