حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

ثقافة النص المصمت

وقتما يصاب الحراك التطوري للمجتمع بالخمول، ويصبح مجتمعاً ساكناً وصامتاً غير متمكن من إنتاج معرفة وعلم قادرين على إضاءة مساراته المستقبلية، والوقوف أمام الظواهر والمشكلات التي تصاحب حراكه في كافة دوائره الثقافية والسياسية والاجتماعية، فإن هذا المجتمع في مأزقه هذا يلوذ بالنص باعتباره موقداً يستطيع من خلاله أن يشحن ذاته بالطاقة، وباعتباره جدراناً واقية من تأثيرات الثقافات الأخرى المتقدمة التي يستشعر قوتها وقوة فعلها وتأثيراتها. وهذا الاختباء وراء النص الأصم هو تعبير للانسحاب من المستقبل والاستقالة من مضمار التقدم والنكوص بهدف تحقيق وهم المحافظة على الذات من الواقع المدمر لها!

إقفال النص والدوران:

لعبت النصوص وبفاعلية أدواراً في تاريخنا الثقافي والسياسي والاجتماعي حتى قبل عصر التدوين من خلال اعتبار عدد من النصوص بمثابة المرجعية ومصادر المعرفة والقيم. وقد اعتبر الشعر قبل الإسلام النص الأهم الذي من خلاله تم تدوين طبيعة الحياة ومظاهرها التي كان يعيشها الإنسان العربي، واتخذ الكثير من النصوص الشعرية بمثابة مراجع قيمية وحكم وأمثال مازالت تعيش حتى الآن في المجتمع، وهناك الكثير ممن لايزالون يستشهدون بأبيات شعرية للتدليل على صحة آرائهم العلمية والمعرفية! وبعد مجيئ الإسلام صار القرآن الكريم هو النص الذي يجب الالتجاء له والغرف منه، ومنذ تلك اللحظة التاريخية أخذ المجتمع العربي المسلم يكتسب حيويته الجديدة، من خلال قراءته للواقع والتعامل معه من عبر قوانينه الخاصة، وهنا صار النص يضيئ ويكشف الواقع وخصوصياته وآفاقه، وتم التعامل مع النص القراءني بروح النص المنفتح الذي يحتمل القراءات المتعددة ويقبل التأويل بأوجه متعددة أيضاً، خاصة في نصوصه غير المحكمات. وربما هذه الحرية في التأويل والقراءات للنص القرآني التي منحت المجتمع سقفاً عالياً من الحرية والحراك وجعلت الخلفاء الراشدين يتعاملون مع واقعهم الجديد في الجغرافيا الجديدة خارج مكة، ومع وقائعهم المستجدة برؤى منفتحة قد تبدو للعقل النصي خروجاً وتهميشاً للنص ولكنها في حقيقة لحظتها التاريخية هي قراءة وتأويل منفتح للنص. وهذه الحرية والانفتاح هو ما استغله الخلفاء والولاة لتبرير طغيانهم وفسادهم واستئثارهم بالخلافة وتوريثها، وهم بذلك أسسوا لمنهج تضييق النص القرآني وشرعوا في مبدأ التحالف بين الخلفاء المستحكمين، الذي يبحثون في النص القرآني وفي نصوص الأحاديث النبوية عن مشروعية وضعهم ومسلكياتهم، وبين رجال الدين الضعفاء الباحثين عن حظوة لدي الخلفاء وعن غنيمة من موائدهم، وذلك بخطف ومصادرة النص المنفتح وإغلاقه بمسلمات وأحكام ستبقى مقدسة، تتحكم في تاريخنا وتشدّه بافتتان إلى لحظتها الماضوية! وهذا ما تم انجازه من خلال النص الثالث، نص الفقهاء الذين قننوا وأغلقوا النص القرآني بإحكام، بقراءتهم المستنسخة من بعضهم البعض، وبتوظيف غير مسبوق للنص الثاني هو الحديث النبوي و حشره في كل موقف دون مراعاة لمدى صحتها عقلياً وواقعياً. وللأسف منذ أن أصبح النص الثالث، نص الفقهاء هو النص المقدس، وهو المرجعية الأولى للإسلام، وأصبح الفقهاء وأشباههم مقدسين، منذ تلك اللحظة التاريخية تم تصنيم النص وجعله نصاً مصمتاً مهمته إقفال العقول وإبقائها رهينة لمقولات فقهية، وقراءات وتفسيرات قاتلة، تلقي بثقلها على واقعنا الراهن بكل مستجداته ومتغيراته.

النصوص زنازن:

إذا كاننت النصوص التشريعية والقانونية والمدونات الاجتماعية والأعراف مهمة في بناء الدولة المدنية، فإن الدولة المستبدة وضمن حاجتها إلى مثل هذه النصوص، قد عملت على توظيف هذا النصوص ليس باتجاه تنظيم وزيادة فاعلية الدولة والحراك الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي، وإنما بغرض تضييق مساحة هذا الحراك من خلال تكوين شبكة واسعة من النصوص المحكمة الصماء التي لا تقبل أي انزياح تأويلي في غير صالح ما وضعت له، وربما نلاحظ أن الدول المستبدة تسارع دائماً في صياغة نصوص قانونية وإجرائية مقيدة، وتحتفي وتتحالف مع النصوص المصمتة التي تقيد الحريات وبالأخص النصوص التي تكتسب قداسة وتهيمن على غالبية الناس! وهذا ما يبرر التحالف التاريخي بين دولة الاستبداد ووعاظ السلاطين الذين لا هم لهم سوى استخراج النصوص المقيدة للواقع وللحراك، أو العمل على إغلاق النصوص المتفتحة، واستخدامها في تكريس النكوص ومطاردة الحرية والديمقراطية، فالعقل الذي يعتمد في قراءته للواقع وتحليله على حافظة النصوص وصنميتها، إنما هو عقل مستقيل وبعيد جداً عن المعاصرة، ودائماً يعيش الماضي بوهم الحاضر. ويريد أن يضع الواقع في زنازن نصوصية مقفلة!

الإعاقة والتشويه:

عندما يقف الإنسان أمام الواقع عاجزاً عن كشفه والتعاطي معه، ويصبح خائفاً من مسار التغير والتطور وتاثيراته، خاصة على أفكاره وقيمه التي يعتقد أنها لابد أن تبقى ثابتة، فإنه يفضل الهروب إلى مخابئه التراثية والثقافية ونصوصها ومسلكياتها، محاولاً استنهاضها أو البحث من خلالها عما يقف صداً في وجه سيل المتغيرات. ولعل ما ينكشف الآن في الدعوات التي تحاول أن تتعامل مع مستجدات الواقع بعقل وآليات قديمة، وتحاول أن تضع حلولاً لمشاكها من خلال مقاييس الماضي، لهو دليل على أن هذه الدعوات تفتقر إلى القدرة على قراءة المرحلة بأدوات الحاضر ومعالجات الحاضر وإمكاناته المتوافرة، مما يجعلها تتسارع إلى استحضار حلولها من خلال قراءاتها الخاصة والمستلبة للنصوص.

فعندما تفرض المرحلة الديمقراطية قيم الشفافية ومحاربة الفساد، فأنها تفترض أن يتم كشف الفساد وآلياته وأساليبه، وطرق محاربته عن طريق أدوات وآليات معاصرة قادرة على التعامل مع مستجداته، دون أن تنزلق إلى مصادرة الحرية وحقوق الأنسان وتعطيل التنمية، من خلال فرض نصوص عقابية تشوّه المجتمع وتعمل ضد مبدأ الوقاية وضد صحة الإنسان والمجتمع!

علينا أن ننظر إلى السرقة باعتبارها إحدى تغصنات الفساد كالرشوة والحصول على النسبة، والواسطة.. إلخ، ومن هنا يجب تعريف السرقة ضمن معجم الحاضر، حيث أن هناك سرقة فكرية وسرقة للحرية، وسرقة للمال العام، وسرقة أراض عامة، وسرقة خدمات، وسرقة وقت، وسرقة أدبية، وهناك سلسلة متتالية من أشكال وأنماط السرقات واللصوصية التي يجب محاربتها، وليست فقط السرقات الصغيرة كسرقة علكة أو حمامة!

من جانب آخر ومن مبدأ الحرية، ومبدا السلامة والصحة البدنية، ومن مبدأ الذهاب إلى ما تمتلكه اللغة من قدرة على الانفتاح في القراءات والتآويل بتحاشي إحكامها وإغلاقها، مثلما بينه لنا التراث من خلال أمثلته التاريخية، فكان السلاطين والأمراء يقطعون ألسنة الشعراء عن الهجاء بمنحهم المال، وكانوا يقطعون أرجل أعدائهم أو الذين يغضبون عليهم بمنعهم من دخول مجالسهم أو منادمتهم ؛ وبالتالي يكون القطع هنا مجازياً، أي بقطع مسبباته أو مبرراته، وكثير من النصوص ومنها النصوص القرآنية لا تشير إلى اليد باعتبارها عضواً جسدياً فقط، وإنما هي شكل من أشكال القدرة (يد الله فوق أيديهم) (سأضرب بيد من حديد)، للامتداد (أينما تكون تطالك يدنا)، للتواصل والتعاون (ضع يدك في يدنا) وعليه لماذا لا نقرأ النصوص قراءة معاصرة ونقطع مسببات السرقة والفساد من خلال آليات معاصرة ومن خلال توسيع أفق الحرية لا مصادرتها ومن خلال تغليب حقوق الأنسان لا تشويه خلقته وشكله، من خلال بناء الطاقات وتنميتها لا من خلال إعاقتها وتعطيلها، فالدين يسر ومحبة وليس منبعاً للموت والتعذيب!

 

أحمد العجمي


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri