
فيليب
لاركن.. ابرز الشعراء الإنكليز في القرن العشرين
يقول د. محمد مصطفى
بدوي ان ت.س. اليوت يعتبر الشاعر الانكليزي الاشهر لدى العرب
وفي العالم ويعود ذلك لاسباب عدة منها ما هو فني خاص وما هو
حضاري ثقافي عام.
وقد توفي جيل اليوت
وتلاه جيلان من الشعراء البارزين، ينتمي و.هـ. اودن، الى الجيل
الثاني منهم، وبرز من الجيل الثالث فيليب لاركن (1925-1985)،
الذي يتناول هذا الكتاب نبذة عن حياته ومختارات من قصائده.
ولد فيليب لاركن في مدينة كوفنتري ونشا في بيت يزخر بالكتب
لاسيما في الادب الانكليزي الحديث، اذ كان والده مولعاً بقراءة
الكتب واقتنائها.
وباقباله على القراءة،
عقد لاركن عزمه ومنذ صباه الباكر على هدف معين وهو ان يصبح
كاتباً مرموقا. وعلى الرغم من تشجيع والده فانه كان يشعر بان
الجو العائلي الذي نشأ فيه يعوزه الدفء والحنان - الشيء الذي
نفره من فكرة الزواج كلياً. ويذكر لاركن، انه كان يشعر بالعزلة
في طفولته وعزا بعض الدارسين ذلك الى ضعف بصره والى آفة التلعثم
التي لازمته حتى حوالي سن الخامسة والثلاثين، مثلما عزا البعض
احساسه بالعزلة في اواخر ايامه الى صممه المتزايد.
بعد تخرجه في جامعة
اكسفورد، بدأ لاركن النشر في مقتبل شبابه، ومن اعماله الشعرية:
"سفينة الشمال - 1945، روايتان في العامين التاليين وهما:
"جيل" و"فتاة في العشرين"، وهذه الاصدارات لم تلفت انتباه
النقاد اليها إلا بعد مضي سنوات وذلك عندما واتته الشهرة لاحقا
مع صدور ديوانه "الاقل انخداعاً - 1955" و"افراح عيد العنصرة
- 1964" و"نوافذ عالية - 1974".
يعتبر فيليب لاركن
شاعراً مقلاً، ويرى معظم النقاد ان شعره من اجود ما انتجه
القرن العشرون، وقد نشر لاركن اضافة الى اعماله تلك، كتاباً
عن موسيقى الجاز - 1970، وآخر في النقد الادبي - 1983، وهو
يعترف بانه كان في بداية حياته شديد التأثر بوليم بتلرييتس
وبالذات بنتاجه الرمزي الرومانتيكي.
وظل طوال مراحل تطوره
يهتم بموسيقى الشعر عامة، وان كانت الموسيقى الحالمة التي
تميز نتاجه المبكر بل كان يشوبها من النشار المقصود. اما في
ديوانه، "الاقل انخداعاً -1955"، فنجد اختفاء الاسى والحزن
ليحل محلهما عالم واقعى بالغ التحديد واقرب في دقائقه الى
الحياة اليومية في انكلترا وباسلوب تعبير شديد التركيز ومحاولة
لمجابهة الحياة بما فيها من قسوة والم ونزاهة وصدق وبدون اللجوء
الى الاوهام والخداع، والسبب في ذلك تأثره الكبير بالشاعر
توماس هاردي.
لم يكن لاركن يحس بالفشل
نتيجة احساسه المبكر بعدم تقدير الجمهور لانتاجه الادبي المبكر
فحسب، وانما كان يشعر بالفشل في علاقته بالنساء، والاحباط،
في شعره، هو سمة العمر كله: حاضره، مستقبله وماضيه، وهو يلمح
بذلك الى وعيه بمشاكله السيكولوجية نتيجة لقراءاته لفرويد
وغيره.
والخوف من اقامة علاقة
عاطفية تؤدي الى زواج، ناجم عن احساسه في الطفولة بافتقاره
الى الحنان، وهذا الخوف من مجابهة الحياة او السعادة رافقه
اقبال على الحياة والمجتمع. فهو ينشد الوحدة او العزلة ويخشاهما
ايضاً.
ان مأساة لاركن هي مأساة
الانسان الحديث الذي فقد الايمان وخلع عن نفسه جميع الاوهام،
فلم يجد في حريته ما يعطى معنى لحياته ولا للحياة عامة، لا
في تحرره من الدين ولا في حريته في علاقاته مع النساء، ويظل
يبحث عن اليقين وهو يعلم ان لا يقين، وتكمن عبقرية لاركن،
في التمكن من التعبير عن كل هذا في شعر محكم يستمد جزئياته
من واقع الحياة اليومية بين العاطفة الجياشة والانضباط الفني
بين البساطة والصدق بعيداً عن الزيف والتعقيد المتعمد.
مختارات من شعره
البدر مكتمل
هذه الليلة
البدر مكتمل هذه الليلة
يؤذي منظره العيون
اذ هو شديد السطوع بالغ التحديد
اتظنه سحب كل ما هنالك من طمأنينة وهدوء ويقين ذي بال ليملأ
بها كأسه
وليسك بها قمراً آخر وفردوساً؟
لانها جميعاً قد اختفت من الارض
****
فحم في المدفأة
انكش
الفحم في المدفاة ودع اللهب ينطلق
ليطرد ظلمه الظلال
اطل من الحديث بهذه الذريعة او تلك
حتى يسكن الليل
ويدق جرس ناقوس من كل الساعة الثانية
ولكن بعد ان يخطو الضيف خارجاً
الى الشارع حيث تعصف الرياح ويذهب
من ذا الذي يقوى على ان يجابه
عذاب الوحدة الذي يحل فوراً
او ان يشاهد النمو الخزين عبر الذهن
لذلك النبات الخصيب
الفراغ الاخرس
****
لا طريق
منذ ان اتفقنا على
ان نهجر الطريق الذي يصل بيننا
وسددنا بابي حديقتينا بالقرميد
وزرعنا اشجاراً لتحجب احدنا عن الآخر
واطلقنا من عقالها جميع عوامل تعرية الزمن
الصمت والفضاء والغرباء
لم يكن لاهمالنا الطريق اثر يذكر
حقاً ربما كانت اوراق الشجر الجافة قد تراكمت
جين لم تكنسها
والنجيل قد طال دون ان نقصه
ولكن لا شيء غير ذلك قد تغير
فالطريق لا يزال ماثلا واضحا لم تكتسحه الحشائش
ولن يبدو غريباً ان مشيت فيه هذه الليلة
فلا يزال ذلك مسموحاً به
****
القصر الشتوي
معظم الناس يزدادون
علما كلما تقدموا في السن
اما انا فارفض هذا الهراء
****
لقد قضيت الربع الثاني
من قرني
محاولا ان انسى ما تعلمته في الجامعة
وما حدث بعد ذلك رفضت ان افهمه
بحيث اصبحت الان لا اعرف ايا في الاسماء
التي ترد في المنشورات العامة
وبدأت اجرح شعور الناس بنسياني وجوههم
وبقسمي باني لم ازر ابدا اماكن بالذات
واذا امكنني ان امحو من ذاكرتي
ذلك الشيء الذي يسبب الاذى
كان ذلك مكسباً لي
عندئذ لا اعوذ اعلم شيئاً
وينغلق ذهني على نفسه مثل الحقول، مثل الثلج.
ابتسام عبد الله