
التجربة
الشعرية السورية
((التسعينيات))
"إشكاليات
وقضايا ونماذج"
تثير
التجربة الشعرية التي أنتجها الشعراء في فترة التسعينيات (جيل
التسعينيات الشائع) قضايا نقدية كثيرة نتوقف عند أبرزها:
1- قضية التجييل الشعري:
نتفق بداية على أنّ
أيّة مرحلة شعرية تصحّ عليها تسمية (مرحلة أو جيل) يجب أنْ
تكون منحازة عن غيرها بسمات خاصة تميزها حتى تصّح تلك التسمية،
إضافة إلى ميزة أخرى لا تقل عن تلك السِّمة، بل هي نابعة منها،
وهي سمة التجريب والتوليد، أي طرح شعراء المرحلة الجديدة بنَىً
لًغوية وموضوعية وارتياد أماكن قصيّة ومختلفة عمّا ارتداه
منْ هم قبلهم... وبناءً على هذه الرؤية يحقُّ لنا القول جيل
الحداثة على الشعر الذي ثار على الاتجاهات السابقة له في فترة
النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم، إذ إنّ تلك القصيدة
طرحت مع روادها ثورة على أُطر وأشكال القصيدة الكلاسيكية السابقة
سواء على صعيد الشكل، أو على صعيد اللغة، وإذا اتفقنا على
أنَّ الشعر الحديث هو ردُّ فعل على أسلوب مستنفد، فإنّ تساؤلات
مشروعة ستطرح نفسها بإلحاح ولعلّ من أهمِّها:
- ما مدى انطباق
تسمية الجيل بخصائصها المميزة السابقة على ما أنتج في فترة
التسعينيات (جيل التسعينيات شيوعاً)، وهذا ينطبق على مرحلة
الثمانيات (أو جيل الثمانينيات) تماشياً مع الشائع.
- هل الاعتبار الزمني
العَقْدي (جيلٌ كل عشر سنوات) هو مقياس الشعريّة، أم إنّ ما
تطرحه هذه التجربة من خصائصَ فنيّة هو الرائز لتقييمها، وهل
تكفي السنوات العشر لإنتاج تجربة شعريّة مغايرة، وماذا عن
الشعر الذي أنتجه جيلُ الثمانينيات أو السبعينيات في فترة
التسعينيات، هل سيسحب البساط من تحته لمجرّد أنه بدأ الكتابة
قبل جيل التسعينيات فيُخرج من الفردوس؟ وهذا يطرح فكرة معاكسة
أيضاً مفادها: حتى الرواد الذين عاشوا في الفترة الزمنية ذاتها
شكلّ كلٌّ منهم مرحلة أو اتجاهاً قائماً بذاته فأدونيس يشكل
مرحلة في حركة الشعر وكذلك الأمر نزار... والأمر ينطبق على
المتنبي في عصره في حين إنه لا ينطبق على مَنْ ساروا على نهج
نزار وأدونيس في عصرنا، كما لا ينطبق على بشار بن برد أو البحتري
وغيرهم قديماً...
هذا من جهة الرائز الزمني،
أما من ناحية البنية اللُّغوية والموضوعيّة... فيبرز تساؤل
مهم هو: ما الإضافات التي ولّدها الشعر بنيوياً ولُغويّاً
وموضوعيّاً، والتي تسمح لنا بالقول عنه إنه يشكّل انحرافاً
عن مرحلة سابقة، فيستحق أن نطلق عليه تسمية الجيل الشعري التسعيني،
إذا انطلقنا من أن الزمن وحده لا يكفي لاطلاق تسمية المرحلة
الجديدة على قائليه، والمثال الأقرب على ذلك محمود سامي البارودي
وشوقي... فبرأيي أن نص هؤلاء هو نص عباسي أو جاهلي بامتياز،
وليس نصّاً منتمياً إلى القرن العشرين، على الرغم من أنَّ
هذين الشاعرين قد عاشا في القرن العشرين، انطلاقاً من أنّهما
استعارا أدواتهما اللغويّة والشكليّة من تلك العصور، وأهملا
لغة عصرهما...
وبناء على ذلك أرى أنّ
تسمية جيل التسعينيات هي تسمية مرفوضة على الأقل من الناحية
الفنيّة، ويمكن أن تحل محلّها تسمية شعر سوري منتج في عقد
التسعينيات.
2- قضيّة الشكل الفني:
بداية أؤكد على الانحياز
للشعر في أي شكل فني وجد سواء في قصيدة النثر أو في قصيدة
التفعيلة أو في القصيدة العمودية، انطلاقاً من أنّ الإبداع
غير مرتبط بشكل معين، ولكنّ هذا التأكيد الذي لا ينحاز إلى
شكلٍ فني فينسب الشعر إليه دون غيره يبقى مثالياً إذا ما نظرنا
في واقع الشعر الذي أنتج في هذه المرحلة، إذ يُلحظ سيطرة نمطي
التفعيلة والنثر على حساب النمط العمودي؛ ومع ذلك فقد طرح
كلُّ نمط شعريّ إشكاليات عديدة ربّما سيبقى النقاش محتدماً
حولها لفترةٍ ليست بالقصيرة، فإذا استثنينا الشاذ النادر الذي
لا يُقاس عليه في القصيدة العمودية، فإننا نرى أنّ حالة البؤس
والتروي التي وصلت إليه هذه القصيدة يجعلنا نخرجها من دائرة
الشعر دون ندم أو أسى، إذ ظلَّ شعراؤها يلتقطون ألفاظهم وصور
قصائدهم وتراكيبها من التراث، أي إنّهم يعتمدون اللغة والإيقاع
الجاهزين من خلال استدعائهما من التراث الشعري، هذا إضافة
إلى أنّ هذه القصيدة لم تستطع أنْ تشكلّ معجمها الخاص، ولم
تتميّز على مستوى بناء الجملة نحويّاً، أو على مستوى الصياغات
الجماليّة الاستعاريّة، أي إنها لم تتميّز بخصوصيّة أسلوبية
مميزة ومعبرة عن أداء خاص، بل انضوت تحت أساليب التشكيل المرتبطة
بالقصائد المحفلية المنبريّة و بالمناسبات والصراخ أكثر من
ارتباطها بالشعر، ومن هنا لا غرابة إنْ قامت هذه القصيدة على
الثنائيات المقارنة من خلال النظر إلى الماضي على أنه تمثال
مقدس من القيم الجمالية والأخلاقيّة، وازدراء الحاضر لأنه
عصر اللا أخلاق واللا قيم، ولذلك يكثر استحضار الشخصيات الذاتية
(صلاح الدين، ابن الوليد، الموي، هارون الرشيد...) للتعبير
عن الحنين الجارف إلى عصرهم السحيق الذي لن يتكرر. وأعتقد
أن أزمة هذه القصيدة، هي أزمة فكرية أكثر منها أزمة شكل فنّي،
لا سيما أن انتقال بعض هؤلاء إلى كتابة التفعيلة لم يتشفع
بتغير تلك القيم الجمالية، والمقاسات الفنية الجاهزة التي
امتازت بها قصيدتهم، لذا نرى المباشرة في هذه القصيدة حاضرة
بكل صفاقة، والمشكلة النقدية التي تخلقها تلك القصيدة إن نظرة
أصحابها في الدفاع عن نمطهم السائد هي نظرة خارجة عن الإطار
الفنّي، أي دفاع ينطلق من خارج النص المنتج إلى اعتماد مقولات
التخوين للطرف الآخر، أو الإخراج من دائرة الأمة، وهذا الدفاع
لا يخرج عن إطار منح شهادات حُسنِ السلوك أو حجبها، وهنا لا
بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا الكلام ينسحب على القصيدة العمودية
المنتجة في فترة التسعينيات سواء أنتجها من يسمون بـ جيل التسعينيات
أو غيرهم.
أما قصيدة النثر التي
أنتجها الشعراء في هذه الفترة، فإنها تعني من إشكالات كثيرة
أهمّها الوعي الفنّي لهذا النمط لم يختره عن وعي فني واستجابة
لرغبة داخلية في التعبير، وعن سبق إصرارٍ وترصُّد، وإنما وجد
نفسه لا يجيد التعامل مع الوزن، فانتمى إلى هذا النمط راضياً
مرضياً، وهذا الاستسهال والاجتراء على هذا النمط ممّن هبّ
ودبّ قدّم ركاماً كثيراً غطّى على التجارب الفنية المميزة
في هذا النمط، أو كاد. مما يتطلّب جهداً نقديّاً وإبداعياً
كبيراً للوصول إلى النماذج الخلاّقة التي تسعى لتقديم رؤية
خاصة، بعيداً عن الخليط الهائل المرتبك من النصوص الذي يقدم
تفعيلة ممزوجة بنثر نتيجة اعتماد شعر التفعيلة كمرجع أساسي
لكثير من هذه النصوص. ويلاحظ أن أغلب كتاب قصيدة النثر بتأثير
من الماغوط وغيره قد مالوا إلى الجزئي واليومي وما هو مألوف
أو يُعرَف بالموضوعات البسيطة، أي ما يدعوها جاك بريفير بـ
(بذور الواقع) ويدعوها آخرون بـ (الواقعية الشعرية)، أي أن
يكون الشعر في متناول الجميع، عفويّاً وليس مصنوعاً بتعمّد.
والتجارب الموفقة في
شعر التسعينيات التي استطاعت المواءمة بين الجزئي وبين تحقيق
الشعريّة العالية المختلفة، قليلة جداً، فأحياناً تطالعك تجارب
تذهب وهج الصورة الفنية الجميلة بهدر لُغوي هائل يُضعف من
قيمة النص، وهذا الأمر لم تنج منه قصيدة النثر عند سوزان إبراهيم،
ميلاد ديب مثلاً إذ نلحظ أنّ تجاربهم قد وقعت في مطب السذاجة
والتسرع في إطلاق قصائد كثيرة طرحت برؤيا سطحية لم تدخل في
العمق وينطبق هذا الكلام على بعض قصائد مجموعة الشاعر نضال
بشارة (صباحات متأخرة)، كذلك نجد مجموعات شعرية تتعكز على
مقولات صوفية كما نجد عند فواز حجو الذي استمد عنوناً لمجموعتيه
الشعريتين من أسماء المتصوفين (الصعود إلى دم الحلاج) و(ابن
عربي يترجم أشواق) والحق أن العنوان كان بوادي وقصائد المجموعة
بوادي آخر بعيد كل البعد عن التجربة الصوفية وتجلياتها.
وقد ينطبق كثير مما
ورد أنفاً مع قصيدة التفعيلة ولكن لا شك أن قصيدة التفعيلة
أقررت أصواتاً كثيرة مميزة وحققت إنجازات فنية تجاوزت في كثير
منها المطبات السابقة.
3- أزمة نقد، أزمة ثقافة:
الشعر والنقد والثقافة
عموماً هي نتاج الواقع بأبعاده المختلفة اجتماعيّة واقتصاديّة
وسياسيّة، من هنا لا نستطيع أن نتهم الثقافة بأنها متخلفة
ونستثني منها النتاج النقدي أو الإبداعي الشعري؛ لأن الحالة
الإبداعيّة مرتبطة دائماً بمناخات الانفتاح والحريّة والرقيِّ
الفكريّ، فلا غرابة، والحال غير ذلك، من أن تتردّى حال النقد
والشعر والثقافة، من هنا الشعر المبدع يجب أن يترافق مع نقد
مبدع وخلاّق، ولكنّ النقد في أبسط أشكاله لم يكن بمستوى الحركة
الشعرية التي نشطت في هذه الفترة، مع الإشارة إلى أن نشاطها،
وحتى نشاط النقد، لا يعني ذلك أن الحالة الإبداعيّة قد تحرّرت
من ضغوط التخلف الفكري الذي يحيط بحياتنا من كل الجهات. من
هنا، فالظلم الواقع على شعر هذه الفترة هو ظلمٌ مضاعف، بل
يكاد يكون مقصوداً يهدف إلى إبراز تجارب والاحتفاء بها، وإخفاء
وتعتيم تجارب كثيرة تقاتل لإثبات نفسها، وربّما يضيق المقام
عن تفصيل الأسباب الكامنة وراء ذلك، وإن كانت جميعها تصب في
خانة التخلّف الفكري المستشري في حياتنا لدرجة أن أبواب الأمل
بالخلاص منها تكاد تكون مغلقة تماماً، مما يجعل القابض على
شعره كالقابض على جمرة من نار..!!
4- نماذج من شعر فترة
التسعينيات: (شعراء الجزيرة نموذجاً)
سأتوقف عند تجارب خمسة
شعراء، يستحق كلٌّ منهم وقفة مستقلة هم: أديب حسن محمد، عيسى
الشيخ حسن، منير خلف، محمد المطرود، وعارف حمزة، زاعماً أن
هذه التجارب تمتاز بما يجعلنا نأمل أنه سيكون لها بصمتها الخاصة
على مستقبل شعر هذه الفترة لما تمتاز به من نزوع تجريبي، سواء
على صعيد اللغة والبناء الفني، أو على سبيل البحث عن وسائل
وأدوات إبداعية جديدة، وسأتناول جانبين هما: البناء الدرامي،
وجماليات الصورة:
نلاحظ لو استعرضنا عناوين
المجموعات الشعرية لهؤلاء الشعراء سيطرة مقولتين دلاليتين
عليها، هما مقولة الموت ومقولة الحزن تردفهما مقولات فرعية
عدة كمقولة الأرض/ الوطن/ والأنوثة الحبيبة، إذ إننا نقرأ
عند الشاعر أديب حسن محمد: (موتى من فرط الحياة) و(وثامنهم
حزنهم)، ونجد لدى عيسى الشيخ حسن (أناشيد مبلّلة بالحزن) ولدى
عارف حمزة (حياة مكشوفة للقنص) ولدى منير محمد خلف (جنازة
الإرث) و(سقوط آخر الأنهاد) وسنجد أكثر من ذلك إذا دخلنا في
عناوين القصائد، ومحاور الحزن كلها تدور حول موقف الذات الشاعرة
من الكون ومن المجتمع ومن نفسها، فالكون هو المصدر الرئيسي
لشعر الشاعر، والموت هو النتيجة غير المنطقية للحياة، انطلاقاً
من أن العمل والكتابة من أجل الحياة لا يمكن أن يستتبعا الموت،
وهذه هي المفارقة الحقيقة التي يقوم عليها الوجود، ولكنّ ذلك
كله لا يمنعنا من تسجيل موقف على بعض شعراء التسعينيات الذين
يتبنون بشكل مطلق مقولة الحزن والموت وينحازون إليها ويغلقون
أبوابهم ونوافذهم في وجه الحياة، إذ إنّ النظر إلى الكون من
جانبه المعتم فقط هو نظر فيه قدرٌ ليس بالقليل من القصور.
وتظهر النزعة الدرامية
لدى شعرائنا الخمسة عبر ثلاثة أشكال:
شكل يحاول لفّ المجموعة
كاملة بخيط درامي كما نجد عند أديب محمد وعيسى الشيخ حسن،
وشكل يربط المجموعة بدلالة نواة تتفرع عنها الدلالات المختلفة
كما نجد عند محمد المطرود، عندما جعل دلالة (البئر) نواة درامية
تتفّرع عنها الدلالات المجموعة، وشكل يلتفت إلى درامية القصيدة
المفردة، كما نجد عند منير خلف وعارف حمزة.
وقد اعتمد الشكل الأول
عيسى الشيخ حسن في مجموعتيه (أناشيد مبللة بالحزن) و(يا جبال
أوّبي معه)، وأديب حسن محمد في مجموعته (وثامنهم حزنهم) يقول
عيسى في بداية مجموعته الأولى تحت عنوان (بيان):
قرّائي خمسهْ/ أمي حين
تلامس حزني/ وتفتش في روحي عن نكسه/ وصديقي /يقرؤني/ كي يتذكر
نفسه/ ورفيقة دربي /حين تفاجئني خلسه/ ورقيب يتصيّد أخطائي
المندسَّه/ وأنا../ آهٍ من ولدٍ أهمل درسه. ص7.
فالنزعة الدرامية تبدأ
بإعلان الشاعر قرّاءه الخمسة وعلاقتهم بشعره وهم (الأم، الصديق،
رفيقة الدرب، الرقيب)، وستكون علاقة قرّاء الشاعر: إما لتعاطف
مع التجربة، أو لملامسة الحزن والتخفيف منه، وإما خلسهْ بدافع
الفضول، وإما بحثاً عن خطأ يوصل كاتبه إلى الجحيم... إلاّ
إنّ هذه الحالة ستتصعد أكثر عندما ينفي الشاعر مجموعته، ويوضح
الحالة التي وصل إليها المتعاملون مع شعره، إذ إنه فَقَدَ
ثلاثة منهم، وهذه النقلة البسيطة من القرّاء الخمسة إلى قارئين،
هي التي تصعّد من البناء الدرامي، ومن شدّة تأثيره في النص
والقارئ؛ فالزمن الفنّي الفاصل بين القصيدة الأولى (بيان)،
والقصيدة الأخيرة (بيان متأخّر) قد أنقص من قرّاء الشاعر،
وكأنّ الفَقد هنا هو نعوة لجمال أو لحميميات يلح الشاعر على
التمسك بها، ولكنّ الحياة تأبى ذلك، يقول في القصيدة الأخيرة
(بيان متأخّر):
والآن/ لم يتبقّ من
قرّائي/ إلاّ اثنان/ (أمي تركتني/ كي تنسج حبات الدّمعِ/ قميصاً../
لمكاتيبِ أخي/ المغترب النائي/ حتّى الإدمان
- وصديقي تطحنهُ
الدنيا/ حتّى ما عاد يفك الخطَّ/ فآهٍ من هذا النسيان/- ورفيقة
دربي يشغلها عنّي المرضُ الداهمُ/ والأقراصُ/
.. فلم يتبقّ منها إلا
الذكرى /والعينان) / ـ ما زال على العهد رقيبي/ يتلذّذ حين
يذاكرني/ كي يلقي القبض/ على أخطائي/ من دونِ توان/
- وأنا / أقرؤني/
أتلوني/ علّي أمسح عن وجه العالمِ/ بعضَ الأحزان.//ص54 ـ 55.
وهنا يمكن أنْ نسجّلَ
الملاحظات الآتية:
1- الشاعر هو قارئ
نفسه، وهنا مبرر الكتابة، فالكتابة خلاصٌ بشكل ما، ومسوّغ
الكتابة هو مسح بعض الأحزان عن وجه العالم؛ فالحزن المسيطر
علينا من كل الجهات، بحاجةٍ إلى مسحة حانية، ولو كانت جماليّة
كي تخفّف من وطأة العالم والحياة.
2- افتقاد الشاعر
لثلاثة قرّاء، هو افتقاد دراميّ؛ لأنّ هؤلاء القرّاء هم الأم
الحانية التي تخفّف الحزن، والصديق الذي أفقدته الحياة ذاكرته
الجميلة، ورفيقة الدرب التي أشغلها المرض، وهؤلاء القراء يمثلون
الجانب الجميل، فافتقاد تعاطف قارئ ما، في مكانٍ ما، قد لا
يكونُ له الوقعُ والتأثيرُ اللذان يحدثهما افتقاد الحميميات
التي يبعثها القرّاء المفقودون، من هنا فالشاعر بات بشكل ما
وحيداً في مواجهة قدره الشعري، فالأم عندما تطحنها غربة أحد
الأبناء، يصبح الغائب هو في مركز العاطفة، كذلك الصديق الذي
تأخذه الحياة وتبعده عن الشعر، ثم يأتي فقدُ تعاطف رفيقة الدرب
ليحقق هذا الثالوث تجريداً لأسلحة الشاعر العاطفيّة، مما يتركه
فرداً في مواجهة قدره الفني وربّما الحياتي إذا أردنا الابتعاد
أكثر.
3- قد لا تكون نعوة
القارئ هي الهدف المباشر، ولكنّ هذه النعوة تنطوي على رثاء
شفاف للحميميات التي باتت مُفتقدة. والتصعيد الدرامي يتمثل
بالبدء بزخم القرَّاء الخمسة، لنصل في النهاية إلى قارئين
فقط. ويلاحظ أن الشاعر عيسى ميّال لهذا النمط الدرامي إذ إنّه
كررّه في مجموعته (يا جبال أوبّي معه) عبر قصيدة البدء (شهادة
تعريف) وقصيدتي النهاية (شهادة واستدراك).
هذا الشكل الدرامي نفسه
يتبناه الشاعر أديب حسن محمد بطريقة أخرى في مجموعته (وثامنهم
حزنهم)، يقول في القصيدة الأولى التي حملت عنوان المجموعة
نفسه (وثامنهم حزنهم):
أوّلهم/ اقتعد الظلّ
الخالي/ ثانيهم... /أغمض بيداء الروح/ ونامَ على جسد بالِ/
ثالثهم.../ طلّقَ من في القلب ثلاثاً/ دوم توانِ/ رابعهم.../
أفرَدَ بضعة أموات/ وبكى العُمْرَ الفاني/ خامسهم.../ مدَّ
أصابعه المبتورة/ صوب كلاب الوالي/ سادسهم.../ أحرق أوراق
الباقين/ أو يُشْعِرَ ريحاً بالحالِ/ سابعهم.../ ما زال يُفاوضُ
رُسُلَ الموتِ على الأنفالِ.../ ثامنهم.../ حزنٌ فوق الغيمِ/
يراقب لعبتهم/ ويمدُّ ببابِ جناحيه/ ليسُدَّ الكهفَ/ على الأهوالِ.
ص7 ـ 8 ـ 9.
فهذا النص يشكل عنوان
المجموعة، وبالتالي يشكل الخلفية الدرامية لمقولاتها كاملة،
وقد استطاع الشاعر بحرفيّة عالية توظيف النص القرآني من خلال
التناص مع القرآن الكريم وتحديداً مع سورة الكهف من خلال قصة
أهل الكهف، في قوله تعالى: "سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون
خمسة سادسُهم كلبُهم رجماً بالغيب، ويقولون سبعةٌ وثامنهم
كلبُهم قل ربّي أعلم بعدَّتهم ما يعلمهُم إلا قليل فلا نمار
فيهم إلاّ مراءً ظاهراً ولا تستفتِ فيهم منهم أحداً" الآية
22.
لكنّ الشاعر استعار
التقنية ليقدّم لنا شخوصه، وأحداثه، وكهفه الخاص الذي سيبني
عليه مجموعته الشعرية، والحقّ أنّ هذه القصيدة لا تقرأ إلاّ
مع القصيدة التي اختتم الشاعر بها مجموعته وهي "وازدادوا تسعاً"،
لتتضح الرؤيا الدرامية التي يبني عليها الشاعر مجموعته، فهو
يحاول بهذا البدء والختام أن يلفَّ المجموعة كاملةً بلعبةٍ
فنيّة توحي بأنّ النص الأول هو بداية المسير في طريق المجموعة،
وأن القصيدة الأخيرة هي نهايته الدراميّة، وبمقارنة بين القصيدة
الأولى والأخيرة نحصل على ما يأتي:
قصيدة "وثامنهم حزنهم"
قصيدة "وازدادوا تسعاً"
أولهم: اقتعد الظلَّ
الخالي
أولهم: أثخنه الظلّ
تماماً
ثانيهم: أغمض ببيداء
الروح
ثانيهم: غادر جسداً
مهجوراً...
ثالثهم: طلّق من في
القلب ثلاثاً
ثالثهم: أرجع بعض الأفراح
لعصمته...
رابعهم: أفرد بضعة أموات
وبكى العمر الفاني
رابعهم: أصمّك أمواتاً
إذ صاغ من الصمت مقاماً
خامسهم: مدّ أصابعه
المبتورة صوب كلاب الوالي
خامسهم: نهشته كلاب
الوالي...
سادسهم: أحرق أوراق
الباقين...
سادسهم: أطفأ آمال الباقين...
سابعهم: ما زال يفاوضُ
رُسُل الموت
سابعهم: ما زال يفاوض...
ثامنهم: حزن فوق الغيم
يراقب...
ثامنهم: حزن.. طار إلى
تعب فخرّ...
نهاية
تاسعهم: أدركت بأني
تاسعهم فدعونا نفترش البرزخ لنعود كسكان الكهف نياماً...
أراد الشاعر أن يوحي
ببناء درامي، وبمسير قافلة القصيدة الأولى إلى أن وصلت إلى
الصياغة النهائية، والطريق هو قصائد المجموعة التي بينهما
(وهي تمثل الزمن الفني)، والزيادة (وتاسعهم) التي تحضر فيها
الذات الشاعرة، وترفع من ذروة النص درامياً. أما آليات التصعيد
الدرامي، فتتضح من خلال مقارنة التطور الذي طرأ على كل شخصيّة
بين القصيدة الأولى والقصيدة الأخيرة إلى درجة أثخنه الظل
فناما. والثالث الذي طلق من في القلب ثلاثاً، في البداية قد
وصل في النهاية إلى أنه قد أرجع بعض الأفراح لعصمته، والخامس
الذي مدّ أصابعه إلى كلاب الوالي بدايةً، فإنّ تلك الكلاب
قد نهشته تماماً نهايةً، وعلى ذلك، فقس بقية الشخصيات، إلى
أن تصل القصيدة الثانية إلى ذروة التصعيد والتوتر بالمفاجأة
(تاسعهم) التي هي الذات الشاعرة التي تدعو إلى افتراش البرزخ
ثانية للعودة كسكان الكهف نياماً.
أما الشكل الدرامي الثاني
الذي يربط المجموعة الشعريّةَ بنواة دلاليّة، تتفرع عنها الدلالات
المتعددة، فهو ما اعتمد عليه الشاعر محمد المطرود في مجموعته
(سيرة بئر) التي يشكّل البئر فيها محوراً هاماً في إضفاء الدراميّة
على النص، وإنْ كان اعتماد هذه اللقطة في العنوان ليس جديداً،
إذ إننا نجد لدى يوسف الخال مجموعة حملت عنوان (البئر المهجورة)،
إلا أن هذا العنوان عند المطرود قد جاء متناغماً ومنسجماً
مع أجواء المجموعة، كما أنه جاء مُحرِّضاً ومستفزّاً، فالبئر
في أقصى دلالة له هو الذات الشاعرة بكلِّ ما تستحضر لفظة البئر
من دلالات مرتبطة بـ(بئر يوسف، البئر بمعنى العمق، البئر بمعنى
القلب و الذات، البئر بمعنى التجمع، أي تجمع العواطف والشهوات
والانفعالات الكامنة في الذات، البئر بالمعنى الجنسي عنده
يرتبط بالأنوثة... وعناوين المجموعة التي تقوم على استحضار
الذات الشاعرة دائماً، والانطلاق منها والعودة إليها، تطرز
تأويلاً أن البئر هو الذات الشاعرة، وهو ما تؤكده الضمائر
العائدة إليها من خلال نظرة في عناوين قصائد المجموعة ولا
سيما قصائد (عرّاب الخائبين، ألجأ إلي، زنزانة الحواس،...)
يضاف إلى ذلك ربط لفظة البئر بلفظة (سيرة) في العنوان، لتوحي
بأن البئر هو الذات الشاعرة في تحولاتها، فهو يأتي بمعنى الشهوة
الكامنة في الذات بما يوحي من دلالات جنسية عندما يرتبط بمقولة
الأنوثة يقول:
... فأقفز إلى عنقود
الرغبة
أُنْزل دلو الحلم إلى
امرأةٍ وارفة الأنوثة. ص9.
وتأتي البئر حاملةً
دلالة على أشياء غافلة في الذات الداخليّة تُوقَظ بصوت من
الأحباب، فيورق القلب لغة جميلة، وصوراً كالأيائل، فالإوراق
هنا هو إوراق القصيدة وعشبها وأيائلها، إوراق اللغة والمفردات
الكامنة في داخل الذات /البئر، يقول:
لم يصيحوا بي كثيراً/
كي تنهض أيائل حب من غفوتها/ وينحني جيلٌ ما لندائهم/ أيقظوا
بيداء الروح الفسيحة/ والعشب الراقص لمجيئهم/ حتى يخرج الصوت
من بئره ص21.
والبئر هو زنزانة للحواس،
يقول:
لحواسنا ما يشبهنا من
القسوة
كي تقذف في جب عميق
أو ترقد في زنزانة مهملة
كأنّها آخذة من حجر
قسوتها
وسمتها
وارتجالات يقظتها
وسهوتها في غفوتها
أو مكوثها الأخير. ص29
ـ 30.
والبئر يأتي بمعنى الكشف
والبحث عن المعنى الجمالي المختبئ الذي لا يسلّم قيادته إلا
للذاهبين إلى عمق الفكرة، والبحث هنا هو ذهاب إلى عمق الروح:
أخالف روحي النائمة
على كذبة
وأنزل إلى المعنى المضني
بطلاسمه
... وأحرر حواسي الخبيئات
... وأغيب عن شمسي الغريبة
ثم أصالح بئر الروح
على كلام أثير و... ص33.
ودلالة البئر تأتي مرتبطة
بالأنوثة عبر أسطورة الأنثى وإضعاف صورٍ تنمّ عن خيال محترف
يمتلكه الشاعر، وقدرة على نقل الأنوثة من عالم الواقع إلى
عالم الخيال، فيحضر البئر، هنا، حاملاً دلالات جمالية فيّاضة،
يقول في قصيدة (يارا لي وللريح ما للريح):
أحبُّ الريح على قلقها
كأنّها استراحت هنا
تحيكُ ليارا غيمتها
الصغيرة
هي بلادُ الألفة الغريبة
وهي شكل بئر أمير
ينضحُ الماء في أرضه
الجديبة
من هنا مرّت
بالقرب من عطش الأصابع
وكأنّ نهدها يطير الفراشات
فيستكين القلب إلى حكايتها
وينام... ص43 ـ
44.
ثم تحضر الذات الشاعرة
لإضفاء أبعادٍ أسطوريّة عبر انزياحات لغويّة جماليّة منها:
ويتبع خطوها قطيع التعب
بين دجلة ونخيل بابل.
ص44.
وقد تأتي دلالة البئر
مستوحاة من التناص مع القرآني (قصّة يوسف) من خلال إسقاط دلالتها
على الذات الشاعرة:
أعرف كم أنا يوسف
وإخوتي هم إخوة يوسف
في السيرة البعيدة للبئر
يزينون للذئب طيب لحمي.
ص36.
وهذه الدلالة التناصيّة
نجدها أيضاً عند الشاعر منير خلف في قصيدة (الرحيل إلى بئر
يوسف) من مجموعة (جنازة الإرث)، وهنا تحضر دراميّة القصيدة
في مقابل دراميّة المجموعة، كما لاحظنا في العرض السابق، وتحضر
البئر كقناع مستفاد من قصة يوسف مع إخوته، ولكنّها قناع عن
الذات الشاعرة في مكابدتها ومعاناتها، فتحضر دلالة البئر التراثية:
... ولا تأخذوني إلى
البئر يا إخوتي!
فالمسافات لما تزل بيننا..
كم جراحٍ
ستهطل كم غيمة القلب.
ص19.
وتحضر البئر دالة على
الحياة النقية أو الداخل النقي الذي لم يلوّث إلا بفعل الطغاة:
أنا المتورط في كلّ
شيء
يلوّث بئر حياتي الطغاة
الذي تمنّوا يديْ
وهي تزحف فوق سطوح المنون.
ص20.
وتلاقي بعض دلالات البئر
عند محمد المطرود، دلالاتها عند أديب حسن محمد في قصيدة (أنا
بئر نفسي) من حيث ارتباط دلالات البئر بالذات، وما تحويه من
معاني من ناحية، وبقدرتها الإبداعية من ناحية أخرى، يقول الشاعر
أديب:
أنا بئر نفسي/ وقعري
لساني
إلى أن يقول:
أما قد كفاني/ رحيلا
إلى نائبات المعاني/... ص62.
وتحضر دلالات البئر
مفردة، وبارتباطها بقصة يوسف عَرضَاً عند عيسى الشيخ حسن،
وعند عارف حمزة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ الحضور المتوفر،
والهالة الدراميّة التي تحيط بقصة يوسف أو بجزيئاتها متمثلة
بالبئر، تغري الشعراء إلى حد استنفاد دلالات هذه القصة كقناع
درامي في بناء النص، وبناء البنية الصوريّة فيه، وإذ كنت أسجل
أن مجموعات الشعراء الخمسة قد تخلصت من حالة اجترار كثير من
الرموز الدلاليّة التاريخيّة والدينية التي استنفدها الشعراء
الآخرون تكراراً واستخداماً حتى باتت غير مدهشة، فإن تكرار
هذا التناص، هنا، وإن كان بحرفيّة عالية، إلاّ أنّ إعادة الاستخدام،
قد يذهب شيئاً من البريق ليس بالقليل.
4-2: جماليات الصورة
الفنيّة:
إن النماذج الشعرية
التي ندرسها هي نماذج ساعية إلى خلق تميزها وتفرّدها بين التجارب
الشعرية الأخرى، والصورة الفنية وطريقة تشكيلها وبنائها في
تشكيل الرؤيا الفنيّة هي الرائز للوقوف عند خصائص هذه التجارب،
من هنا نرى الشعراء يحاولون التقاط الصور من مصادر متنوعة
في سبيل إضفاء الإدهاش على الصورة، فالشاعر عيسى الشيخ حسن
الذي أرى أنّ أرقه الغني منصب على علاقة الذات الشاعرة بالقصيدة،
لذلك فالوطن لديه لغة، واللغة وطن، والقصيدة أنثى، والمكابدات
هي مكابدات البحث عن المعاني، والتصوف هو في محاولات الوصول
إلى المعنى البكر من هنا لا غرابة أن نقرأ عنده:
أنجزتنا البلاغة يا
صاحبي
ولدينا هنا وطن من كلام
بتضاريسه، وحدود مجراته
والشواطئ، والمدن الصاخبة
ولدينا هنا أرخبيل من
الشعر واللغة الغامضة
جزرٌ من شروحٍ تفلّي
الرِّثاء
قرىً تزرع النحو في
آخر الصيف
كي تبكر في بيع النحو
في آخر الصيف
كي تبكر في بيع أخطائنا...
ص27 ـ 28. يا جبال أوبّي معه
فالقصيدة/ اللغة تتحوّل
إلى وطن من معانٍ، وفي هذا التصوير طرافة عبر إسقاط كل تضاريس
المكان وجغرافيته وناسه على جغرافية القصيدة وجسدها، عبر المماهاة
بين الجسدين/ الوطنيين وطناً واحداً. ويلتقط الشاعر بطرافة
مدهشة دقائق اللغة لتوظيفها في تشكيل صورته، فقد استفاد الشاعر
من دلالة الفاصلة – علامة الترقيم – في الفصل بين الجملتين
في اللغة، ووظفها في تشكيل صورته الفنية لتسجيل الفاصلة عنصر
تفريق، فالشاعر يجمّع أطراف الكلام والفاصلة تباعده:
نحن أدرى يا أبا الطيب
بالدربِ
وبالشوقِ العنيد
غير أنّ الفاصلة
كلّما جمعّت أطراف الكلام
باعدت بين حروفي ص55-56.
يا جبال أوبّي معه
ولا تخفى البراعة هنا
عبر مزج التناص مع أبيات المتنبي (وقد سألنا ونحن بنجدٍ...)،
فإذا كانت تساؤلات المتنبي مبعثها الشوق والحنين إلى سيف الدولة
والطريق الطويل يفصل بينهما، فإنَّ الشوق عند الشاعر هو شوق
لجمع أطراف الكلام لكن الفاصلة تأتي لتفريق ذلك وأخذ دور العذول،
وقد يشكّل الشاعر صورته عبر الاحتفاء بالجزئي، ويمكن أن نتوقف
عند (قصيدة نشوة) لعيسى الشيخ حسن التي يقول الشاعر في مفتتحها:
لا .. ليس على قلبي
جرحٌ
إنّ مدّ أصابع دهشته
وتهجّى أسمكِ
... ...
آه حين تمرّين
وآه حين تغيبين عن البال
فأستدعي رسمك ص57.
فإذا كان النص القرآني
قد نص على أنه ليس على الأعمى حرج، فالشاعر يوظف ذلك، ليرى
أن العاشق أيضاً ليس عليه حرج، ولكن مفهوم الحرج هنا، هو مفهومٌ
جمالي، يتجلَّى عبر الانزياح (إنْ مدّ أصابع دهشته)، فقد ولّد
الشاعر علاقة لغوية قائمة على مزج الحسي (أصابع) مع المعنوي
(دهشة)، بخلاف العرف اللغوي المنطقي، يزيد دهشة هذا الخرق
اللغوي التشخيص الواقع على القلب الذي بات يتهجى اسم المحبوبة
المستدعاة، سيزيد من زخم هذه الصورة حالة الانشداه التي تصيب
المشهد؛ فحضور الحبيبة موجعٌ وغيابها كذلك، وهذا يذكرنا بالبيت
الشعري التراثي:
ويلاه إن نظرت وإن هي
أعرضت
وقع السهام ونزعهن أليم
لكنّ الألم هنا متحصل
من نظرات المحبوبة، ومن عينيها. في حين أنّ الشاعر عيسى يجعل
المرور، كاملاً، موجعاً، ويتابع الشاعر تشكيل لوحته الفنية
مقدماً صورة طريفة لحالة الأنوثة / القصيدة تقول:
يا رؤياي / وملهمتي
/ كم مّرَّ على كرمك عُشّاق / فلاحون قساة / ونواطير / ولم
يفنوا كرمكِ / ها إنيّ / يا بنة هذا المشمشِ / والخوخ الطالعِ
/ والليمون / أتدعى أسئلةً / كي أتقنَ فهمكِ / مّنْ شمّكِ
/ من ضمّكِ / من زوّج في الليل الحالكِ أمكِ / من أمسى عمّكِ
/ من سمّل عينيك الدافئتين / ففاجأه نهره من رؤيا / من بعثر
أشجارك / فالتمت / تتفيأ غيمكِ ص57 ـ 58. يا جبال.
فالصورة هنا قائمة على
التداعي فإضفاء لفظة (الكرم) على الأنوثة/ القصيدة، استدعى
بطرافة حور العشاق، والفلاحين، والنواطير لكن هؤلاء جميعهم
لم يفنوا المعاني الجمالية لكرم القصيدة، فهي ما تزال عصيّة
تنتظر الآخرين ليفكوا سرّها، وليصلوا إلى كنهها الذي سنبقى
دائناً نبحث عنه، وهنا تأتي بسلاسة فنية، وتواشج عضوي تقنية
الأسئلة لتطفي الطرافة على الكشف المتمثل بالبحث عن حقائق
الأنثى / القصيدة أو القصيدة / الأنثى.
واعتماد الطرافة في
تشكيل الصورة تقنية اعتمدها الشعراء في نتاجاتهم ومن أمثلتها
قول أديب محمد في (ملك العراء):
يا ربُّ
كيف أفضل العمر القصير
على مقاس كآبتي ص50.
فقد اعتمد الشاعر الطرافة
المتأنية من جعل العمر قماشاً يُفصّل، ولكن الكآبة الطويلة
معنوياً باتت مشخّصة عبر قرنها بلفطة التفصيل (أفضل) مما يولّد
إدهاشاً بصريّاً لما هو معنوي.
ومن ادهاشات البنية
التركيبية للصورة تحويل الجزئي إلى حكي كما نلحظ في تحويل
لفظة (يد) عندما نقترت بالأنوثة إلى وطن وهذه نجدها عند الشعراء
الخمسة. ولكنها مكررة كثيراً في قصائد منير خلف. فمثلاً في
مجموعة (لمن تأخذون البلاد) نجده يقول في قصيدة (شيرين)
... لأعشق في يديك بداية
الدنيا
وأرضاً لا تنام على
سرير اليأس
تترك فوق مصطبةٍ
بلاداً من ندى
مطراً من الضوء المصفّى
في شبابيك العنب ...
ص16.
فالدلالة هنا هي دلالة
قائمة على الحلم. فاليد بداية الدنيا، وأرض لا تنام، وبلاد
من ندى، ومطر من الضوء...
وتتكرر فكرة الصورة
في قصيدة (رسالة إلى خفاق القلب):
وأرى يديك على يدي
تشكلان بشائراً
وأراهما وطناً يجمّل
رحلتي المنكرة ص47.
وتقوم الصورة الفنية
على التقاط البسيط والعفوي، مما يولّد صورة فنية أسميها صورة
البداهة وهي التي لا تفور في الانزياحات اللغوية البعيدة بل
تأخذ العفوي والبديهي ولكنها تصوغه بعلاقة لا تخلو من طرافة،
وينثل الشاعر عارف حمزة هذا النمط بامتياز. فهو يلتقط صوره
من أفواه الناس ويقدمها بطريقة عفوية منحازة إلى التلقي القائم
على البداهة، ولكنه أيضاً القريب من القلب ومن التقاطاته الطريفة:
ماذا تقول مشاتيك
إذا أتت تأخرت في النوم؟
لمَنْ تشكو / وتتبع
/ أحزانها الكبار؟ ص73.
ويقول في قصيدة (غيرة
2):
أتتِ النافذة. شجرة
الياسمين. أصصُ الوردُ
المدينة /تكبرُ/ برائحتكِ/
وأنا الجرس المعطّل/
الممر المؤدي إلى الشارع
/ أحرِس مرورك السعيد/
حيث فوضاك تدغدغ المرايا
/ فتسيل الوجوه على الحواق/ ص93.
فاجتماع الجزيئات مع
طرافة الدلالات قدّم صورة بداهة لا تخلو من عمق في تجسيد الحالة.
والشاعر محمد المطرود
يزاوج في تشكيل صورته الفنية بين النمطين، أي الصورة القائمة
على البداهة كما تجد في قوله:
الهواء الذي يتركك جانباً
الهواء الذي لا يعبأ
بك
لا يقلق فتنة النهار
ولا يلعب بشعرك البدوي
يموت قبل أول شجرة ص84.
ويعتمد الصورة المركبة
القائمة على الانزياحات كما تجد في قوله:
كأنها النهر
وكأن يدي شجر
يرتاح على ضفتيه
كأنها الغزال
وكأن القلب برية لخفتها
ص45.
فرغم اعتماد بنية الصورة
على التشبيه التام إلا أنّ جدتها كامنة في جعل الأنوثة /النص
نهراً، وتشخيص اليدين بالأشجار المرتاحة على ضفتيه، وتأتي
الصورة الثانية بانزياح إبداعي عبر جعل القلب برية تجوب فيها
القصيدة والأنثى اللتين استحالتا عبر التماهي غزالاً.
وبقي أن نشير إلى أنّ
القصيدة اعتمدت على تقنيات فنية كثيرة في بناء النص من التناص
سواء على نص القرآن كما ذكرنا، أو مع الشعر العربي، أو مع
أسماء الشخصيات التراثية بالمقارنة مع أحداث طارق بن زياد،
والمتنبي، وغيرهما... أو التناص مع الشعر الحديث عبر حالات
عبّر عنها شعراؤه. إضافة إلى اعتماد الشعراء اعتماداً كلياً
على الأسلوب الردي. وهو أسلوب درامي يصعّد بنية النص الدرامية،
وينمي الحالة الإبداعية. كذلك الاعتماد على تقنية النص الصارم
عبر اعتماد القصائد القصيرة أو الوامضة التي تقذف الحالة دون
رتوش من خلال اللقطة السريعة، أو صدمة النهاية، أو صدمة التضاد
والمفارقة.
أخيراً سأسطو على مقطع
الشاعر محمد المطرود الذي يقول فيه:
وماذا تقول القصيدة
أخيراً
حين يتناسل ما رجمها
الأشقياء
والأغبياء
وشبه العشاق
وشبه الشعراء وسأضيف
عليه (وشبه النقاد).
د. هايل محمد الطالب -
أستاذ جامعي وناقد من سوريا